رواية الوان مستعاره الفصل الاول 1 بقلم سها رمضان


 رواية الوان مستعاره الفصل الاول 1


في كافيه هادي وشيك جداً على النيل مباشرة القعدة بره في الهواء الطلق الترابيزات خشب بني دافي وشمس الشروق الأخيرة قبل الغروب عاملة ضي دهبي بيلمع على المية. النسيم خفيف والموسيقى في المكان رايقة جداً.
​حبيبة قاعدة ورا لوحة الرسم الصغيرة بتاعتها ماسكة الريشة وبتمشي بيها بدقة للورقه على تفاصيل وش كاسر
​اللي قاعد قدامها فاتح اللابتوب ومتابع شغله لابس قميص كحلي أنيق ووشه فيه هيبة ورجولة بس كل ما يرفع عينه ويبص لـ حبيبة، ملامحه بتلين تماماً وبيظهر فيها حب وحنان كبير.
​رفع كاسر عينه من الشاشة وابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيقول:
وبعدين معاكي يا فنانة؟ بقالنا أكتر من ساعة قاعدين وأنا مش عارف أركز في شغل الشركة خالص بسبب عينيكي اللي كل شوية تسرق نظرة وترسم فيا دي 
​حبيبة ضحكت ضحكة رقيقة وعدلت خصلة من شعرها ورا ودانها ومالت باللوحة شوية عشان تخبيها عنه وهي بتقول بدلع:
شغل الشركة مش هيطير وبعدين أحمد ربنا ضوء الشمس وهو نازل على وشك دلوقتي حالة مش بتتكرر كتير استنى بس دقيقة وست الحسن هتعمل لك أحلى بورتوريه.
​قام كاسر من كرسيه وقرب منها، حط إيده على ضهر كرسيها ونزل لمستواها، وبص في عينها بنظرة مليانة شغف وقال:
ست الحسن.. لحد إمتى هنفضل نتقابل في كافيهات ونحسب الوقت بالدقيقة؟ أنا تعبت من الانتظار، ما تديني ميعاد أجي أتقدم فيه ... وانا جاهز لكل حاجه ومش ناقصني غيرك يا بنت الحلال.
​قلب حبيبة اتعصر من كتر الوجع بس رسمت على وشها ابتسامة دافية عشان تداري كل حاجة ومسكت إيده وقالت بنبرة هادية:
يا حبيبي هانت والله فاضل كام شهر وأتخرج من الكليه اتفقنا إن كل حاجة في ميعادها عشان أكون مركزة ومش عايزة أضغط أمي دلوقتي.... وبعدين انا لسه مش جاهزه 
كاسر بحنيه : انتي بس شاوري ي حبيبتي وكل حاجه هتيجي تحت رجليكي 
حبيبه بديق : كاسر قولتلك لا ... ومش بحب الطريقه دي ... لو سمحت متعديهاش ... احنا ادينا مع بعض وبعد ما اخلص الكليه نبقي نتكلم بقا في الموضوع دا ...ممكن 
​اتنهد كاسر وباس إيدها بحنان وقال:
خلاص متدايقيش عشان خاطرك أنتِ بس هصبر.. مع إني مش فاهم ليه مصممة ترهقي نفسك وتشتغلي بجانب الكلية! أنا طالبتك ورسمت لك حياتك معايا ومكفيكي وزيادة.
​ردت حبيبة بضحكة كبرياء وهي بتخبي كدبتها عشان تحافظ على كرامتها:
أنا بحب أعتمد على نفسي يا كاسر، أنت عارفني، شغلانة البيبي سيتر ومساعدة جدتك الصبح دي حاجة خفيفة تسليني وتجيب لي المصروف، بحب أكون مستقلة ومحملش حد فوق طاقته 
​ابتسم كاسر بفخر وافتكر اليوم اللي شافها فيه لأول مرة، لما جدته صممت تعيش لوحدها في الشقة القديمة عشان ذكريات جوزها الله يرحمه، ونزلوا إعلان عن مساعده، يومها دخلت حبيبة حياته وقلبتها
​بس كاسر ما كانش يعرف إن شغلانة جدته دي هي الوش الأبيض الوحيد في حياة حبيبة، وما كانش يعرف إن فيه شغلانة تانية بتستناها بالليل... شغلانة بتهين كرامتها كل ليلة عشان بس تقدر تجيب ثمن جلسات الغسيل الكلوي لأمها المريضة.
​وما كانش يعرف إن البيت اللي بترجع له، مقفول عليه باب مع جوز أمها الحشاش المفتري اللي بيضربهم وبياخد فلوسهم وبيذلهم ويقلل من كرامتهم كمان 
​قفلت حبيبة اللوحة وجمعت ألوانها، وبصت لـ كاسر بنظرة رجاء صامتة جوه قلبها:
يارب تفضل شايفني البنت البسيطة النظيفة دي.. يارب ما تعرفش الحقيقة السودة دي أبداً.
قبل ما تقفل اللوحه كاسر وقفها : اي في اي استني عايز اشوف 
بص للوحه اللي فيها صورته مرسومه بطريقه كريتيف وكل تفاصيله فيه حبيبه مبيناها
كاسر بصلها بحب : اي الجمال دا ... تسلم ايديك
حبيبه ضحكت بفخر : اقل حاجه عندي ...ويلا بيا بقا عشان اتاخرت علي الكليه .... قوم وصلني يلا  
خرجوا من الكافيه سوا.....كاسر فتح لها باب عربيته الأنيقة بنفس الاهتمام والحنان، وحبيبة قعدت وراحت سرحانة في الطريق من شباك العربية، خايفة الوقت يعدي بسرعة، خايفة توصل للكلية اللي هي أصلاً الستار التاني اللي بتتدارى وراه.
​أول ما العربية وقفت قدام بوابات كلية فنون جميلة، حبيبة لفت وشها لـ كاسر وابتسمت ابتسامة رقيقة:
ـ شكراً يا كاسر، مش هعطلك أكتر من كده عشان شغل شركتك.
​كاسر مسك إيدها بثبات وبصلها بحنية:
ـ مفيش حاجة اسمها تعطيل مع حبيبة قلبي، خلي بالك من نفسك ... واول ما تخلصي محاضرات رني عليا اوصلك ل ست فريال ((جدته))
حبيبه بتوتر ما : لا لا خليك انت في شغلك ... انا اخلص واروح علي فيفي علطول 
كاسر بإبتسامه : ابعتلك عربيه 
حبيبه بإصرار : كاسر بليز قولتلك مش بحب لما تضغط عليا ... انا لو عوزت حاجه ابقي اكلمك 
كاسر : خلاص ي ستي هخلص شغل وأعدي عليكي بالليل عشان أطمن عليكي واوصلك للبيت طالما خايفه علي شغلي 
​أول ما جاب سيرة الليل، قلب حبيبة اتنفض ورعشة خفيفة ساريت في جسمها، بس بلعت ريقها وبعدت التوتر بابتسامة سريعة:
ـ لا لا متتعبش نفسك خالص، اليوم هيكون مضغوط عندي في الكلية وبعدها في شغل جدتك هكلمك في التليفون نطمن على بعض.
​نزلت حبيبة بسرعة وهي بتمشي نحو الكلية، وكاسر فضل يعاين خطواتها بعيونه لحد ما اختفت ورا البوابة، وبعدها حرك عربيته وهو قلبه متطمن وشايفها أرقى وأنضف بنت في الدنيا.
​لكن أول ما حبيبة دخلت الكلية وتأكدت إن عربيته مشيت، رجلها ما كملتش لجوة الكلية أصلاً. لفت ظهرها وخرجت من باب جانبي، ودمعة سخنة نزلت من عينها مسحتها بسرعة بإيدها.
​طلعت تليفونها القديم اللي شاشته مكسورة، وبصت في الساعة.. كانت التانية الضهر، ميعاد جلسة الغسيل الكلوي لأمها قرب.
​ركبت حبيبة ميكروباص زحمة ومكتوم، بعيد تماماً عن رفاهية عربية كاسر، واتجهت لبيتها في مكان شعبي متوسط..... بيتها اللي الريحة فيه كانت مخنوقة بريحة السجاير والشيشة.
​فتحت باب الشقة ودخلت 
وفي الصالة، كان قاعد جوز أمها مجدي بكاسه وسيجارته لابس جلابية مقطوعة ووشه مليان قسوة. أول ما شاف حبيبة دخلت، رمى سيجارته على الأرض وبصلها بنظرة جشعة وقذرة وقام من مكانه بخطوات تقيلة:
​ـ أهلاً بالهانم فنانة العيلة.. جايبة معاكي كام النهارده ولا جاية بإيدك فاضية زي كل يوم؟
​حبيبة وقفت وبصتله بقرف : زي كل يوم .... هاخد امي واوديها الجلسه في حاجه تاني .... ماما فين ؟
مجدي : اهي مرزوعه جوا 
مشيت من قدامه وراحت لامها اللي كانت ماسكه جنبها من كتر الالم 
قربت منها حبيبه وهي بتجري : مالك ي ماما في اي ؟
احلام بوجع وتالم : جمبي ي بنتي مش قادره 
حبيبه قلبها وجعها علي امها : طيب ي حبيبتي قومي يلا ناخد الجلسه .... انتي نسيتي تاخدي العلاج ولا اي 
احلام بالم : خلصان من اول امبارح ي بنتي 
حبيبه بلوم وهي بتقومها: ومقولتيش ليه يا ماما بس حرام عليكي نفسك 
احلام بتبكي : انا اسفه ي بنتي ... محملاكي فوق طاقتك ... مخلياكي تشتغلي ليل نهار عشان تجيبي فلوس 
اسفه ي بنتي علي كل حاجه ....
حبيبه قعدتها علي السرير وقربت من الدولاب وطلعت هدومها : اي الكلام بس اللي انتي بتقوليه دا ... دا انتي حبيبتي ... واللي بعمله دا قليل علي اللي عملتهولي ي حبيبتي ... وبعدين مش وقته الكلام دا ... يلا بينا
مسكت امها من أيدها وسندتها 
وكان مجدي قاعد مكانه مش متحرك 
حبيبه وقفت تاكس وطيران علي المستشفي  
أول ما التاكسي وصل قدام باب المستشفى، حبيبة نزلت بسرعة وفتحت الباب لأمها، مسكت إيدها وسندتها بكل رفق وثبات، رغم إن قلبها كان بيتفرم من منظر أمها وهي مش قادرة تفرد ظهرها من كتر الالم.
​دخلوا قسم الغسيل الكلوي، الريحة الصريحة للمطهرات وصوت الأجهزة المتواصل كان بيخنق حبيبة، بس رسمت الابتسامة على وشها عشان تقوي أمها. الممرضة قربت وساعِدتها تقعد أحلام على السرير الخاص بالجلسة.
​حبيبة قربت، باست إيد أمها وحطت إيدها التانية على رأسها:
ـ ساعة بالظبط يا أحلام، وهتكوني زي الفل.. أنا برة مش هتحرك، أول ما تخلصي هكون عندك.
​أحلام هزت رأسها بتعب وعيونها دمعت:
ـ ربنا يخليكي ليا يا حبيبة.. يارب يريح قلبك زي ما مريحاني كدا 
​خرجت حبيبة وقعدت على كرسي الانتظار البلاستيك برة الأوضة. قعدت فتره طويله، الأجهزة بتسحب دم أمها وترجعه، وحبيبة قاعدة مركزة في كل ثانية، بتدعيلها في سرها، وكل شوية تبص في ساعتها.. الوقت بيجري، والشمس بدأت تغيب 
​أول ما الجلسة خلصت وخرجت أحلام، كانت هادية ومجهدة بس الوجع خف شوية. حبيبة روّحتها الشقة، شالت من قدامها أي حاجة ممكن تتعبها، نظفت لها مكانها، وحطت جنبها كوباية مية، ونيمتها في سريرها وهي بتطمن عليها.
طلعت حبيبه من الأوضه مستعجله وبتلبس الكوتش بتاعها هي وبتتحرك ولسه كانت هتتطلع رجعت للتلاجه اخدت سندوتش واكلته 
مجدي قام ووقف قصادها وبيبصلها من تحت ل فوق 
حبيبه وقفت : اي في اي ؟
مجدي : انتي رايحه فين ؟
حبيبه ضحكت بسخريه : اي ؟ وانت مالك 
مجدي لمس علي دقنه : ي بت برضو مش هتقولي مين في حياتك الفتره دي ... في ناس شفوكي جم قالولي .... دا علي اساس مش بتشتغلي غير جوا بس 
حبيبه بتوتر وبصتله بزهق وإرهاق وقعدت علي الكنبه : ربنا يتوب علينا من ام الشغلانه دي .... منك لله يا اخي منك لله 
مجدي :طيب قوليلي تفاصيل علي شغل التاني دا 
حبيبه بزهق : ما انت عارف الفوله واللي فيها وعارف أن بروح اساعد الست الكبيره واهو الفلوس اللي بتتطلع بتكون مصروفي والمخروب بتاعك للعلاج امي 
مجدي جه وقعد جمبها وحط ايده علي كتفها : انا عايزك ترتاحي ي بت ... اسمعي كلامي مره انتي في ايديك تكسبي دهب 
حبيبه بصتله بإشمزاز بعد ما شافت ايدو بدأت تتحرك علي كتفها مسكت ايدو ونزلتها بقوه : تصدق بالله اللي فيه الداء عمره ما هيبطله 
قامت وقفت واتكلمت بغيظ : ي راجل خلي عند اللي خلفوك دم
مراتك بتموت جوا 
وانا طالعه بشتغل وانت قاعد كدا زي البيت الواقف ... لا وكمان مش ساكت بتسرق عرقي ودلوقتي بتلمح ل حاجات قزره في دماغك ... اتقي الله يا اخي ... اوووف 
قالت كلامها واخدت شنتطتها وطلعت متعصبه ورزعت الباب وراها 
مسكت تليفونها ورنت علي صحبتها اللي كانت مستنياها في كافيه كدا للطلبه عشان تاخد كل المحاضرات بتاعتها 
حبيبه خلصت كتابه بعد فتره كبيره وقالت بتعب :مش عارفه اقولك اي ي ندي بس تسلمي والله شكرا خالص 
ندي : علي اي ي بنتي احنا اصحاب .. بس برضو انتي مدخلتيش ليه محاضرات مع أن بسمله شافتك في الكليه بتقول 
حبيبه اتكلمت وهي بتقفل غطا القلم وبتلم حاجتها : ماما تعبت شويه فا اضطريت اروحلها بسرعه 
ندي : الف سلامها عليها 
حبيبه بصت في ساعتها وكانت الساعه ٨ بالليل: همشي انا عشان متأخرش علي الشغل ... يلا باي  
، اتجهت لعمارة الجدة فريال
أول ما فتحت باب الشقة بمفتاحها، ريحة البخور والورد كانت مالية المكان ورجّعت لشرايين حبيبة الهدوء.
​الجدة فريال استقبلتها بابتسامة دافية وهي قاعدة على كرسيها الهزاز:
ـ أهلاً بقلب فيفي.. تأخرتي عليا النهارده بس عارفة إن كليتك صعبة يا حبيبتي... ربنا يعينك 
​حبيبة ابتسمت ابتسامة صافية حقيقية، وقربت باست إيدها:
ـ معلش يا فيفي، عقبال ما خلصت المحاضرات.. هعملك عشا خفيف بسرعه واحكيلك
​قضت حبيبة مع الجدة ساعتين خفاف؛ حضرت لها عشا، واديتها أدوية الميعاد، وقعدت تحت رجلها تحكيلها عن اللوحات والألوان وتسمع حكاياتها القديمة عن جوزها الله يرحمه.
​وعلى الساعة 11 بالليل، استأذنت حبيبة بحجة إنها راجعة البيت عشان تقعد مع أمها.
فريال : طيب استني هتنزلي دلوقتي ... اتصلي علي كاسر يجي يوصلك 
حبيبه : لا ما انا رنيت وطمنته عليا 
فريال قامت ووقفتها: استني ي حبيبه ... انا كنت عيزاكي في موضوع 
حبيبه باستعجال ولبست شنتطتها : بكرا ي فيفي والله هنتكلم كتير اوي اوي وهجيلك بدري كمان ... بس دلوقتي سامحيني اتاخرت 
باستها وجريت ل تحت 
​نزلت الشارع.. وبدأت رحلة التحول المرعبة.
ركبت تاكسي وفضلت باصه للفراغ لغايه ما وصلت للمكان 
اول ما شافته قلبها دق واشمازت من نفسها بس هتعمل اي مجبوره 
اديت الفلوس للراجل 
وقربت من الناي كلوب .... وقبل ما تدخل وقفها واحد من الحراساات اللي واقفه 
__ امال اي ي بوبا .... هموت واعرف انتي بتغيري ملامحك ازاي كدا 
واحد تاني جمبه وضحك : اه والله اللي يشوفها يقول انها بريئه .... بس بصراحه بالمكياج حلوه ومن غيره احلي 
ضحكوا الاتنين سوا وهي بصتلهم بقرف ودخلت 
المكان كان صاخب جدا والأصوات فيه عاليه اوي وريحه الخمرا والحشيش متفرقش كتير علي الريحه اللي بتشمها عند مجدي 
صوت مرقعه ضحك من بنات ورجاله حاجه في منتهي العبث والقرف 
دخلت حبيبه وهو علي وشها القرف 
واول ما دخلت الأوضه رميت شنتطها وقعدت قدام المرايا وقربت منها وحطيت ايديها علي وشها 
الباب اتفتح بقوه وهي اتخضيت : لا وحيات امك انتي لسه هتتاملي في وشك .... الزبون من الصبح بيسال عليكي ... وبعدين اي المنظر دا ... اخلصي استعجلي 
قالت كلامها وبصتلها بقرف 
حبيبه : حاضر ي رباب دقائق واكون جاهزه 
 فتحت شنطتها الكبيرة.. حطت أحمر شفاه صارخ وكحل تقيل، قلعت هدوم الكلية البسيطة، ولبست فستان أسود ضيق ومبين تفاصيل جسمها كله وفردت شعرها على ظهرها.
​اتحولت في دقايق من حبيبة الطالبة الرقيقة، لـ فتاه ليل حرفيا 
​طلعت من الأوضه الأضواء الملونة والموسيقى العالية بتزلزل المبنى ، أخدت نفس عميق وبصت لفوق بدمعة محبوسة، ودخلت جوة الشفت اللي بيكسر كرامتها كل ليلة.. عشان بس تقدر تدفع ثمن جلسة أمها الجاية وعلاجها.
​أول ما دخلت الصالة في زحمة الأضواء الحمرا والزرقا والدخان، وقفت في مكانها فجأة، وجسمها اتجمد!
​في الترابيزة الـ VIP اللي في نص الصالة.. كان قاعد كاسر بقميصه الكحلي وهيبته، ومعاه شوية رجال أعمال!
رجليها اتجمدت في الأرض، الدم اتصفى من وشها تماماً والنفس بقى يخرج بصعوبة كأن حد بيخنقها. الضربات اللي في قلبها بقت تسمع في ودانها غطت على صوت الموسيقى الصاخبة اللي مالية المكان.
​كاسر.. قاعد هناك! بقميصه الكحلي وهيبته الطاغية، حاطط رجل على رجل ومربع إيديه، وشه محفور فيه الجدية والصرامة وهو بيسمع لواحد من رجال الأعمال اللي قاعدين معاه على الترابيزة الـ VIP.
​حبيبة رجعت بضهرها خطوة لورا بخوف وهلع، إيدها كانت بترتعش وهي بتشد الفستان الأسود الضيق تحاول تغطي بيه نفسها، دموعها اتجمعت في عينها وهي بتستنجد في سرها:
(يارب لا.. يارب ما يلمحنيش.. يارب أموت قبل ما يشوفني بالمنظر ده).
​حبيبة اتسمرت مكانها.. كاسر في نص الصالة وهي واقفة بالفستان والميكأب الصارخ في النص.
​قبل ما تتحرك الهروب وترجع لأوضة اللبس، رباب طلعت من وراها ومسكتها من دراعها بقوة وهي بتوشوشها بغل:
ـ واقفة متنحة عندك ليه يا روح أمك؟ التربيزة اللي هناك دي مستنيينك من بدري.. اخلصي اتحركي بدل ما أنده للمعلم يربيكي!
​حبيبة لفت وشها لرباب بعيون مليانة ترجي ودموع:
ـ رباب عشان خاطر ربنا.. سيبيني الليلة دي، أنا تعبانة ومش هقدر..
​رباب زقتها بقسوة نحو الصالة:
ـ تعبانة إيه يا اختي؟ إحنا هنتدلع؟ قسماً بالله لو ما مشيتي للتربيزة لكون مطربقاها فوق دماغك ودماغ أمك المريضة!
​زقة رباب خليتها تخطو خطوة قوية لجوة إضاءة الليزر الحمرا.. وفي نفس اللحظة بالظبط، كاسر وهو بيميل برأسه عشان ياخد نفس من سيجارته، رفع عينه بملل ناحية الصالة..
​العين جات في العين!
​الزمن اتوقف بالنسبة لـ حبيبة، الأضواء الملونة بقت تمشي بالبطيء، الموسيقى اختفت من ودانها، وملامح كاسر انقبضت وهيبته اتحولت لصدمة وذهول مرعب أول ما ثبّت نظره على وشها، ونزل بعيونه ببطء على الفستان الأسود وشعرها المفرود والميكأب الصارخ..
​كاسر قام وقف فجأة من على الكرسي، واللابتوب والورق اللي قدامه اتلخبطوا، ورجال الأعمال بصوا له باستغراب.. عينيه بقت حمرا زي الدم، وخطواته التقيلة بدأت تتجه ناحيتها ببطء قاتل كأنه أسد رايح يلتهم فريسته!
​حبيبة لفت ضهرها وجريت بأقصى سرعة عندها نحو الممر المظلم المؤدي لأبواب الخروج وهي بتصرخ بصوت مكتوم بالدموع!
جريت حبيبة في الممر المظلم وهي مش شايفه قدامها من كتر الدموع، كعب جزمتها بيخبط في الأرض بسرعة وجسمها كله بيلتف برعشة مرعبة. كانت بتنهد بصوت عالي، والخوف بياكل في قلبها.. خوف من المواجهة، وخوف من النظرة اللي شافتها في عيون كاسر، النظرة اللي كسرت كل حاجة حلوة كانت بينهم في ثانية.
​أول ما وصلت عند باب الخروج الجانبي ومسكت الأوكرة عشان تفتحها وتطير في الشارع، إيد تقيلة زي الحديد اتمدت من وراها ورزعت الباب بقوة مرعبة، قفلته في وشها!
​حبيبة اتسمرت مكانها، أنفاسها اتجمدت لما حست بنفسه الساخن والقاسي ورا رقبتها.
​كاسر كان واقف وراها زي الجبل، صوته خرج مكتوم ومنخفض، بس كان أشد من صوت الرعد:
ـ لفيلي..
​حبيبة غمضت عينها بقوة ودموعها نزلت تحرق خدودها، وكانت بتهز رأسها بالنفي وهي حاطة إيدها على بقها عشان تكتم صريخها.
​كاسر مسكها من دراعها بقوة ولفتها ليه فجأة، زقها على الحيطة بس إيده كانت حماية لضهرها من غير ما يقصد من كتر خوفه عليها، بس وشه كان أسود من الغضب، وعيونه مليانة ألم وذهول مش قادر يستوعبه.
​بص للفستان الأسود الضيق، للميكأب الصارخ، لشعرها المفرود.. وبعدين رفع عينه لعيونها المليانة دموع.
​كاسر بصوت يرج المكان من العصبية مكتومة:
ـ إيه ده؟.. أنتِ مين؟.. اتكلمي! إيه اللي أنتِ لابساه ده؟ وإيه اللي جابك هنا؟
​حبيبة كانت بترتعش ومش قادرة تطلع كلمة واحدة، شفايفها بتهتز بصوت واطي:
ـ كـ.. كاسر.. أفهمك.. والله العظيم..
​كاسر ضحك ضحكة سخرية توجع القلب، وعيونه دمعت من كتر الصدمة:
ـ تفهميني إيه؟ تفهميني إن البنت الرقيقة، الفنون جميلة، اللي شغالالي بيبي سيتر عند جدتي الصبح ومستقلة وبتحب تعتمد على نفسها.. هي هي نفسها البنت اللي واقفة قدامي بليل بالمنظر ده 
​مسك دراعها وعصره بوجع وهو بيصرخ فيها بنبرة مكسورة:
ـ كدبتِي عليا ليه؟ كدبتِي عليا كل ده ليه يا حبيبة؟! أنا قصرت معاكي في إيه؟ طلبت أتوزع على أهلك وأتقدم لك ألف مرة وأنتِ ترفضي وتقولي بعد الكلية عشان مركزة! هو ده تركيزك؟
​في اللحظة دي، دخل مجدي جوز أمها الممر وهو سكران وطالع يترهل، وأول ما شاف كاسر ماسك حبيبة، قرب بصوت مستفز وضحكة قذرة:
ـ إيه يا بيه؟ في إيه مالك ماسك البت كده ليه؟ لو عاجباك قوي كده ادفع المعلوم وادخل الأوضة، إنما تتغابى عليها لا.. دي لسه طرية وتلزمنا!
​كاسر اتجمد مكانه، ولفت عينه لـ مجدي.. الصدمة التانية نزلت على دماغه زي الصاعقة لما افتكر وش الراجل ده اللي شاف صورته مرة في أوراق قديمة أو لما استوعب إنه جوز أمها!
​حبيبة صرخت بانهيار وهي بتبص لـ مجدي:
ـ اخرس يا مجدي! اخرس وغور من هنا!
​كاسر بص لـ حبيبة، وبعدين بص لـ مجدي، وبدأ يربط الخيوط ببعضها بسرعة.. المستشفى، الفلوس، الهروب بالليل، الشغلانة الشريفة الصبح، والجحيم اللي عايشة فيه بالليل..
​عين كاسر تحولت لكتلة نار، وبص لـ حبيبة بنظرة ألم عميقة جداً وقال بنبرة هادية بس ترعب:
ـ بقى هي دي الحقيقة السودة اللي كنتِ مخبياها عليا؟
​حبيبة شهقت بأعلى صوت عندها، وجسمها انتفض فجأة انتفاضة مرعبة!
​فتحت عينها بالعافية، أنفاسها متقطعة، وصدرها بيعلى ويوطى بسرعة جنونية وكأنها كانت بتغرق تحت المية!
​المكان كان ضلمة، وصوت الموسيقى الصاخبة الهابدة جاي من برة الباب بيهز الحيطان..
​حبيبة بصت حواليها بذهول وهرع، كانت قاعدة على الكرسي قدام التسريحة في أوضة اللبس بالنايت كلوب، إيدها محطوطة على وشها، والدموع الحقيقية مالية خدودها.
​بصت للمراية.. كانت لسه حاطة الميكأب ومكملتش باقي الفستان، والشنطة مفتوحة جنبها.
​اتاري كل ده.. من أول ما دخلت الصالة، ولمحت كاسر، والمواجهة، ومجدي، والجري في الممر.. كان كابوس مرعب وحلم خاطف غفلت فيه من كتر الإرهاق والتعب اللي هادد جسمها طول اليوم!
​مسحت وشها بإيدين بترتعش، وأخدت نفس طويل ومبلول بالدموع، وقالت بصوت واطي ومكسور وهي بتهز رأسها:
ـ الحمد لله.. الحمد لله يارب.. كان حلم.. حلم..
​وقبل ما تأخد نفسها كاملاً، الباب اتفتح بقوة ورباب دخلت بزعيق وقرف:
ـ إيه يا روح أمك؟ ساعة بتبصلي قدام المراية؟ الزبون برة هيطفش! اخلصي انزلي الصالة!
​حبيبة اتنفضت من مكانها، وعيونها زي المفتوحة على الخوف الحقيقي.. الحلم خلص، بس الكابوس الحقيقي تحت في الصالة لسه يبدأ!
​وقفت قدام المراية، بلعت ريقها بالعافية، وظبطت الروج.. وخرجت بخطوات مرعوبة نحو الصالة، وهي خايفة تتفحص عينها وتلاقي كاسر قاعد في الـ VIP زي ما شافت في الحلم!
​ خرجت حبيبة من أوضة اللبس ورجليها بتتخبط في بعض، رعب الكابوس لسه بيلهب في قلبها، وصوت ضربات القافلة برة في الصالة بيخبط في دماغها.
​أول ما خرجت للصالة، الضوء الأحمر والأزرق ضرب في وشها، والأغاني العالية غطت على كل حاجة. مسكت فستانها بإيدين بترتعش، وعيونها زي الرادار بتتحرك بسرعة وجنون نحو الترابيزة الـ VIP اللي شافتها في الحلم.
​بلعت ريقها بتوتر شديد.. الترابيزة كانت فاضية تماماً! مفيش كاسر، مفيش رجال أعمال، ومفيش أي أثر للوش اللي بيطمنها.
​أخدت نفس طويل ودقات قلبها بدأت تهدا سنة بسيطة، وقالت في سرها وهي بتمسح العرق الخفيف من على جبهتها:
ـ الحمد لله.. يارب لك الحمد.. كابوس وعدى.
​بس الراحة دي ممشيتش كتير.
​رباب جرت عليها ومسكتها من كتافها بزقة قوية:
ـ اخلصي يا حبيبة! الترابيزة اللي هناك دي، الأستاذ معتز مستنيكي من بدري ومزاجه مش مظبوط، روحي اقعدي ونفذي الطلبات بدل ما ليلتك تبقى سودة!
​حبيبة هزت رأسها بالرفض والخوف، بس اتجبرت تتحرك. مشيت بخطوات تقيلة وراسمة الابتسامة الزائفة على وشها، قربت من الترابيزة وقعدت، وبدأت تؤدي دورها الباهت عشان تخلص الشفت وتلم المبلغ اللي هيدفع ثمن الدوا وعلاج أحلام بكرة.
​عدت ساعات الشفت بالعافية، كأن كل دقيقة فيها بسنة.
​على الساعة أربعة الفجر، الأضواء بدأت تهدا والمكان يفضي. حبيبة جرت على أوضة اللبس، قلعت الفستان ومسحت الميكأب الصارخ بسرعة جنونية، غسلت وشها بالمية الساقعة لحد ما ملامحها البريئة رجعت تاني، ولبست هدومها البسيطة الدافية.
​خرجت من الباب الخلفي للنايت كلوب والشارع كان فاضي وهادي، نسيم الفجر البارد ضرب في وشها ونضف أنفاسها من ريحة السجاير والدخان.
​مشيت لحد أول الشارع وركبت تاكسي راجعة بيتها.
​فتحت باب الشقة بشويش جداً عشان محدش يحس بيها، وقفت في الصالة ثواني تسحب نفس.. كان مجدي جوز أمها نايم على الكنبة وبيشخر وصوت نفسه تقيل، وسيجارته المحروقة مرمية جنب الكاس على الترابيزة.
​حبيبة بصت له بقرف واشمئزاز، ومشت على أطراف صوابعها لغاية أوضة أمها.
​فتحت الباب بالراحة دخلت.. أحلام كانت نايمة بسلام، ونفسها هادي جداً بعد الجلسة.
​حبيبة قربت منها، قعدت على الأرض جنب السرير، وحطت رأسها على طرف المرتبة جنب إيد أمها، ومسكت إيدها الباردة وباستها بحنان:
ـ الحمد لله يا أمي.. عدى يوم تاني، وأنا لسّه واقفة على رجلي عشانك.
​دمعة دافية نزلت من عين حبيبة على الملاية، وغمضت عينها بتعب شديد، ونامت وهي حاضنة إيد أمها.
​مع إشراقة شمس الصبح، الضوء الذهبي دخل من الشباك.
​تليفون حبيبة المكسور هز على الترابيزة جنبها برنة هادية.. حبيبة فتحت عينها بالعافية وصحت، رفعت التليفون لقته كاسر
​أول ما شافت اسمه، افتكرت الكابوس بتاع امبارح وقلبها اتنفض بس بلعت ريقها وعدلت صوتها عشان يبان صاحي ونشيط، وردت بصوت دافي:
ـ صباح الخير يا كاسر..
​صوت كاسر من الناحية التانية ماليان حنان وحب، بعيد تماماً عن قسوة الحلم:
ـ صباح الفل والورد على أحلى فنانة في الدنيا.. صحيتك؟
​حبيبة ابتسمت وهي بتمسح عينها:
ـ لا يا حبيبي، أنا صحيت خلاص ومجهزة نفسي للكلية ولشغل فيفي.
​كاسر بصوت هادي وواثق:
ـ تمام يا ستي.. أنا تحت البيت عندك بالعربية، انزلي عشان أوصلك بنفسي، ومفيش أعذار النهارده
​حبيبة اتجمدت مكانها أول ما سمعت جملة كاسر في التليفون! التليفون كاد يقع من إيدها، وقلبها بدأ يضرب بسرعة جنونية: (كاسر تحت البيت لو مجدي شافوا هتكون مشكله .... كل حاجة هتنتهي!)
​بلعت ريقها بالعافية وحاولت تظبط نبرة صوتها عشان تبان طبيعية تماماً:
ـ كـ.. كاسر؟ أنت تحت البيت بجد؟ بس أنت عارف إني بحب أركب الميكروباص وأتمشى شوية الصبح، وبعدين الشارع هنا ضيق وعربيتك كبيره ... وكمان عشان لو عمه محدش شافك أو حد شافك عموما هتحصل مشكله 
​قاطعها كاسر بضحكة رجولية دافية تسحر القلب، وصوته كان مليان حنية وشوق هادوا توترها:
ـ اي ي عم كل دا ...انزلي يا حبيبة وبلاش لماضة الصبح.. الشارع ضيق أو واسع مش فارق معايا، أنا فارق معايا أبدأ يومي بوشك الحلو، وبعدين أنا راكن على أول الشارع الرئيسي ومستني أميرتي، قدامك خمس دقائق لو مانزلتيش هطلع أجييبك بنفسي!
​حبيبة قامت بسرعة، باست رأس أمها النايمة، وغيرت هدومها للبسة الكلية البسيطة والشيك، ونزلت تجري على السلالم وخوفها بيزيد وينقص مع كل خطوة.
​أول ما خرجت للشارع الرئيسي، شافته!
​عربيته السودا الفخمة واقفة على جنب، وكاسر كان ساند بضهره على باب العربية، لابس قميص أبيض فاتح ونظارته الشمسية في إيده. أول ما شافها طالعة عليه، وشه أشرق بابتسامة واسعة، ومشي بخطوات هادية فتح لها باب العربية بنفسه.
​أول ما قربت منه، كاسر مسك إيدها بالراحة عشان يسلم عليها بحنان.. بس أول ما صوابعه لمست إيدها، حبيبة اتنفضت ورجعت إيدها لورا ورعشة خفيفة سرت في جسمها كله!
​افتكرت لمسة صوابع الزبون القذرة ليلة امبارح في النايت كلوب، وجسمها اقشعر من المقارنة والوجع..
​كاسر استغرب واستغرب رد فعلها، وبص لإيدها وبعدين لعينها بنظرة كلها قلق وحنية:
ـ مالك يا حبيبة؟ أنتِ بترتعشي كده ليه؟ أنتِ سقعانة ولا تعبانة يا حبيبتي؟
​حبيبة بلعت ريقها بالعافية وحاولت تداري رعبها، شبكت إيديها الاثنين في شنطتها بضغط عشان تمنع الرعشة:
ـ لا.. لا يا كاسر، مفيش حاجة والله.. بس خضيتني مش أكثر 
​كاسر اتنهد بابتسامة دافية وابتعد خطوة لورا عشان يديها المساحة، وقال بنبرة هادية جداً مليانة احترام:
ـ سلامتك من الخضة يا ستي.. اركبي يلا عشان متتأخريش على محاضراتك.
​ركبت حبيبة، وقفل الباب بشويش وركب جنبها وحرك العربية.
​طول الطريق، كاسر كان يحاول يحط إيده على إيدها أو يطمنها، بس كل ما كان يقرب منها، كانت هي تتكمش في نفسها برعشة مكتومة، دماغها تروح للضلمة والنايت كلوب والميكأب الصارخ، وتصيح في سرها: (لو عرف إيد مين اللي مسكتني امبارح.. لو عرف البنت اللي دايب في حنيتها دي بتعمل إيه بالليل!)
​كاسر لما لاحظ توترها، ساب إيدها خالص، وقرر يكتفي بالنظرات الحنونة والكلام الدافئ عشان ما يضغطش عليها.
​مرت ساعات النهار، وعلى الساعة خمسة المغرب، حبيبة كانت قاعدة في صالة شقة الجدة فريال، تساعدها في ترتيب القعدة وتسليها.
​فجأة، صوت المفتاح اتلف في الباب، ودخل كاسر.
​أول ما فتح الباب وشاف حبيبة، ملامحه المجهدة من شغل الشركة .. قلع جاكيت البدلة بوقار وهيبة، وقال بصوت هادي:
ـ السلام عليكم.. مساء الخير يا فيفي.
​الجدة فريال ابتسمت:
ـ وعليكم السلام يا حبيبي.. حمد الله على السلامة.
​كاسر قرب وقبل رأس جدته وإيدها بكل أدب واحترام، وبعدين لف لـ حبيبة، وقف قدامها على مسافة محترمة جداً، وسأل بصوت مليان اهتمام ونبرة دافية:
ـ أهلاً يا حبيبة.. عاملة إيه النهارده؟ الكلية والشغل مع فيفي مش مجهدينك؟
​حبيبة وقفت وظهرت عليها الابتسامة الرقيقة:
ـ الحمد لله يا كاسر.. فيفي هي اللي مونساني والوقت بيعدي معاها هوا.
​فريال بصت لكاسر وميلت برأسها:
ـ حبيبة البنت الشاطرة اللي مريحة قلبي....
امتا بس ي بنتي هنفرح بيكم 
نزلت راسها في الأرض واتحرجت وباين علي وشها الزعل 
كاسر فهم كل أحاسيسها : هانت ي حبيبتي بس تخلص كليه ونفرح كلنا 
فريال فهمت واتكلمت بزعل عليها وعلي ارهاقها :خدها يا كاسر انزلوا اقعدوا في الكافيه اللي تحت العمارة ربع ساعة غيروا جو، بدل قعدة الشقة دي.
​كاسر بصر لـ حبيبة باستئذان وأدب، وسألها بنبرة حنونة:
ـ تحبي ننزل يا حبيبة؟ لو تعبانة وعايزة ترتاحي براحتك خالص.
​حبيبة هزت رأسها بالقبول، ونزلوا سوا.
​على السلم، كاسر كان ماشي جنبها وبينه وبينها خطوة احترام، بس أول ما وصلوا للشارع، حط إيده ورا ظهرها من بعيد عشان يحميها من الزحمة.. قربه ودفا أنفاسه جنبها خلى جسمها يترعش تاني خفيفة، والتفكير الشرير ينهش فيها: (أنت نضيف أوي يا كاسر.. نضيف ومحترم أوي على القرف اللي أنا عايشة فيه).
كاسر اتدايق من شكلها وهي بتترعش وحس أن فيه حاجه غلط 
​قعدوا في الكافيه الهادي، وكاسر حط إيديه الاثنين على الترابيزة وبص في عينها بوضوح وحب عميق:
ـ حبيبة.. أنتِ متغيرة النهارده، وحاسس إنك خايفة مني أو بترتعشي لما بقرب منك.. أنا ضايقتك في حاجة وأنا مش داري؟
​حبيبة عيونها دمعت، ومسكت كوباية العصير بإيدين بترتعش، وقال بصوت مكسور:
ـ لا يا كاسر.. أنت أطهر وأحن حاجة في حياتي.. العيب مش فيك، العيب في الدنيا اللي خنقاني..


تعليقات