رواية ألوان مستعاره الفصل الثاني 2 بقلم سها رمضان


 رواية ألوان مستعاره الفصل الثاني 2


​حبيبة عيونها دمعت، ومسكت كوباية العصير بإيدين بترتعش، وقالت بصوت مكسور:
ـ لا يا كاسر.. أنت أطهر وأحن حاجة في حياتي.. العيب مش فيك، العيب في الدنيا اللي خنقاني..
كاسر اتنفس بصوت عالي، وميل بجلسته على الترابيزة أكتر، قرب كفيه من كفيها من غير ما يلمسها بجرأة، ونظرة عينيه كانت دافية وحنينة لدرجة تخلي الحجر يلين:
ـ الدنيا تخنقك وأنا عايش يا حبيبة؟ أنتِي لسه مش قادرة تفهمي أنتِي إيه بالنسبة لي؟ أنتِي الحاجة الوحيدة النظيفة الشريفة اللي طلعت بيها من اللغوصة والوسط ده كله.. أنتِي طوق النجاة بتاعي.
​كلمة النظيفة الشريفة نزلت على قلب حبيبة زي السكينة التلمة! اتعصرت من جوة، وغمضت عينيها والدموع اللي في عينها غلبتها ونزلت دمعة سخنة على خدها بسرعة، مسحتها بظهر إيدها وهي بتبص في الأرض 
​كاسر لمس صوابعها برقة متناهية، وكأنه خايف عليها من لمسته وقال بنبرة مليانة حب وأمان:
ـ لو فيه حاجة مضايقاكي، أو خايفة منها.. احكي لي يا حبيبة. أنا مش بس حبيبيك أنا ظهرك وسندك.. وانا هتقبل اي حاجه تقوليها بس المهم تحكيلي ... انا بحبك يا حبيبه ومش هسمح لأي حاجة في الدنيا دي تمسك أو تإذيكي طول ما فيا نفس.
​حبيبة رفعت عينها المليانة دموع وشافته.. شافته بنقاؤه، بهيبته، وبحبه الصادق اللي ميستهلش الكدب، وفي نفس الوقت افتكرت شكل أمها وهي بتتألم على السرير، وثمن جلسة الغسيل الكلوي اللي هتدفعه بكرة من فلوس الليل والقرف!
​ضغطت على إيدها بقلة حيلة وقالت بصوت خافت ومبحوح:
ـ خايفة من البعد يا كاسر.. خايفة الدنيا تصدمنا أو تجبرنا على حاجة مش عايزينها..
​كاسر ابتسم ابتسامة واثقة ودافية، وشد على صوابعها بثبات:
ـ مفيش قوة في الدنيا تقدر تبعدني عنك إلا الموت.. وأنا بوعدك، هانت أوي.. هعوضك عن كل تعب وكل خوف شوفتيه في حياتك، وهعملك ليلة فرح كل البنات تتحاكى بيها، بس أنتِ استهدي بالله وتطمني طول ما إيدك في إيدي.
​حبيبة هزت رأسها بالرفض الصامت لجواها، بس ابتسمت ابتسامة مكسورة:
ـ ربنا يخليك ليا وما يحرمونيش منك أبداً..
​عدت النص ساعة بسرعة جدا وكاسر قلها يوصلها وهي رفضت بس اصر يوقفلها تاكس وهو يكون معاها ....طول ما هي معاه جوا التاكسي منطقتش بكلمه واحده باصه للفراغ وبس 
اول ما وصل وقف التاكسي لحد أول منطقتها احتراماً لطلبها، ونزل فتح لها الباب وبص لها بابتسامة وداع مليانة رجاء:
ـ رني عليا أول ما تصحي بكرة يا حبيبتي.. ولا أقولك، أنا اللي هصحيكي.
​حبيبة هزت رأسها بـ حاضر، ومشت بخطوات تقيلة نحو حارتهم الشعبية..
​كل خطوة كانت تبعدها عن نضافته وحنيته، كانت بتقربها أكتر من الساعة 12 بالليل.. ميعاد الميكأب التقيل، الفستان الأسود، ونظرات الزبائن القذرة  
طلعت فوق ل شقتها ودخلت وكان مجدي مش قاعد حمدت ربنا ودخلت لامها كانت نايمه وآثار العلاج علي وشها باستها في رأسها وقفت قدام المرايا بدموع وحزن شديد 
وافتكرت كل حرف كاسر قلهولها 
انهارت من البكا المكتوم وفضلت لغايه الساعه 11 ونص علي الوضع دا لغايه ما تليفونها رن وكانت رباب 
رباب بغضب : فينك ي ست هانم ... الناس بتسال عليكي هنا 
حبيبه مسحت دموعها : مش هاجي النهارده ي رباب 
رباب بعصبيه : نعم ي روح امك هو مطعم اي اللي مش جايه 
حبيبه بزعيق : مش جايه يعني مش جايه هفضل جمب امي النهارده ... سلام 
​قفلت حبيبة التليفون في وش رباب بإيدين بترتعش، ورمت التليفون على السرير وقعدت حسة إن طاقة الدنيا كلها خلصت من جسمها. لأول مرة تتجرأ وتاخد القرار ده.. لأول مرة تختار كاسر ونضافته حتى وهي بعيدة عنه، وتفضل جنب أمها المريضة وتحمي البقية الباقية من كرامتها ليلة واحدة.
​لكن الراحة دي مكملتش دقائق.
​صوت ضرب عنيف على باب الشقة خلى حبيبة تتنفض من مكانها وقلبها يقع في رجليها! قامت فتحت وهي عارفه مين دخل مجدي وهو بيتحرك بعنف ومطوح، وش الفقر والقسوة باين عليه، وواضح إن رباب رنت عليه فوراً وبلغته.
​دخل مجدي الشقه ورزع الباب ورا بظهره، وبص لـ حبيبة بنظرة جشعة وكلها غل، وقرب منها بخطوات تقيلة:
ـ بقى مش رايحة النهارده يا روح أمك؟ كبرتي على الشغلانة ولا فاكرة نفسك بجد فنانة وبنت ناس؟ الفلوس اللي بتيجي كل ليلة دي هي اللي مأكلانا ومشربانا ومغطية قرف جلسات أمك!
​حبيبة وقفت ورجعت لورا بخوف، بس عيونها كانت مليانة إصرار وكره:
ـ مش رايحة يا مجدي! مش رايحة ولا راجعة المكان القذر ده تاني! أنت راجل وعامل فيها سيد البيت، انزل اشتغل وهات ثمن العلاج بعرقك بدل ما أنت قاعد بتسرقني وبتصرف على الشيشة والكأس!
​مجدي ضحك ضحكة قذرة وقرب منها فجأة، مسكها من شعرها بعنف وزقها على الدولاب:
ـ تاني الاسطوانه دي ... احنا مش بنطلناها من بدري ...لا يا حلوة، أنتِ هتنزلي ورجلك فوق رقبتك! المعلم حاسبني على الشفت ده، ولو مانزلتيش بكرة مش هتعرفي تجيبي ثمن الجلسة الجاية، وأمك المرمية جوا دي هتموت من الوجع قدام عينيكي وأنا مش هدفع لها مليم...
​حبيبة صرخت بوجع ودموعها نزلت تتسابق على خدودها:
ـ حرام عليك يا أخي! اتقي الله بقى! حظي الأسود إني وقعت فيك أنا وأمي.. ارحمني وارحمها!... 
​زقها مجدي بقسوة على الكنبه وهو بيزعق:
ـ لما النهار يطلع تصحي زي الجزمة تروحي كليتك وشغلك عشان بليل ترجعي ل ستك رباب وتجيبي الفلوس، فاهمة؟!
​حبيبة قامت ودخلت الاوضه اتكومت على السرير بانهيار، وضمت ركبتها لصدرها وهي بتعيط بصوت مكتوم عشان أمها ما تحسش بيها.. افتكرت جملة كاسر اللي لسه بترن في ودانها:
(أنا ظهرك وسندك.. ومش هسمح لأي حاجة في الدنيا دي تمسك أو تؤذيكي طول ما فيا نفس)
​عيطت بأعلى صوت عندها وهي بتهز رأسها: (يارب.. يارب مليش غيرك.. يارب احميني واحفظني في عينه).
​مرت ساعات الليل بطيئة وقتالة على حبيبة، ما غمضتلهاش عين.. ومستنية بس إشراقة الصباح عشان تسحب نفسها وتخرج من الجحيم ده.
​ومع الساعة 7 الصبح، ضوء الشمس الدهبي بدأ يدخل من الشباك.
​تليفون حبيبة هز برنة هادية.. رفعت عينها المجهزة وشافت اسمه: كاسر
​أول ما شافت الاسم، حسيت بجرعة أمان وأكسجين دخلت صدرها. بلعت ريقها بالعافية مسحت دموعها، وعدلت نبرة صوتها تماماً عشان تبان طبيعية ونشيطة، وردت بصوت دافي ورقيق:
ـ صباح الخير يا كاسر..
​صوت كاسر من الناحية التانية، مليان حنان وحب وشوق كفيل يمسح كل وجع الليل:
ـ صباح الفل يا حبيبتي 
​حبيبة ابتسمت ودمعة دافية نزلت على خدها:
ـ أنا صحيت خلاص وكنت بجهز نفسي.
​كاسر بصوت هادي وواثق وماليان رجولة وحنية:
ـ تمام يا ستي.. أنا مش هضغط عليكي مش هاجي تحت الشارع عشان عارف إنك بتتحرجي، بس أنا واقف بعربيتي على أول الطريق الرئيسي مستني أميرتي، ومجهز لك أحلى فطار عملته بإيدي في البيت عشان نفطر سوا قبل الكلية
​حبيبة قلبها اتنفض بالفرحة، وقالت بصوت خافت:
ـ حاضر يا كاسر.. نازلة حالا. 
​قدام باب العمارة، كانت حبيبة واقفة لثواني بتلملم شتات نفسها، بتآخد نفس عميق وتهدّي رعة صدرها، وبتمسح بأطراف صوابعها أي أثر دموع فاضل على خدودها. رسمت ابتسامة هادية بالعافية على وشها الباهت، لكن الإرهاق وشحوب وشها والهالات السودة اللي تحت عيونها كانت أسرع في كشف حجم التعب والحزن اللي جواها.
​أول ما قربت من العربية السودا، كاسر كان بيبص عليها من شباك العربية. عينيه الصاقبة لمحت خطواتها التقيلة وشرودها قبل ما تتكلم. نزل فتح لها الباب بنغمة اهتمام دافية، بس أول ما عينيه جات في عينيها عن قرب، ابتسامته اختفت وتحولت لقلق صريح.
​قعدت حبيبة جنبه ورفعت عينها بابتسامة متكلفة:
ـ صباح الخير يا كاسر..
​كاسر سكت ثواني، وشه اتملى حنية وقلق شديد، مسك كفها بالراحة وعينيه بتتفحص ملامحها المرهقة:
ـ صباح الفل يا حبيبتي.. مالك يا حبيبة؟ وشك أصفر ومجهدة أوي كده ليه؟ عينيكي فيها حزن ومش على بعضك خالص من إمبارح.. فيه حاجة وجعاكي أو مضايقاكي؟
​حبيبة بلعت ريقها بالعافية وحاولت تسحب عينها بعيد عشان ما تضعفش قدام حنيته اللي بتموتها بالبطيء:
ـ لا والله يا كاسر.. مفيش حاجة خالص، بس يمكن المذاكرة والكلية والشغل، ونومي كان قليل شوية إمبارح.. وكمان ماما تعبت شوية بالليل فا طبقت جنبها.
​كاسر ما اقتنعش، قلبه حاسس إن ورا الوش الباهت ده وجع أكبر بكثير من مجرد قلّة نوم، بس ماحبّش يضغط عليها. ابتسم ابتسامة حنونة وقرّب منها ببطء شديد، حط إيده على خدها بلطف، وميل بجسمه ناحيتها يحضن إيدها التانية بين إيديه، بنبرة دافية مليانة شغف ورومانسية عايز ينسيها بيها كل الدنيا:
ـ طالما أنا جنبك مش عايزك تشيلي هم أي حاجة.. أنتِ الدنيا بالنسبة لي يا حبيبة، وعايز كل لحظة بينا نعيشها بروقان ودفا.. قربي مني شوية، سيبيني أطمنك بنفسي.
​أول ما حسّت بقربه الشديد ودفا أنفاسه، جسمها اتنفض نفضة خفيفة، وافتكرت في ثانية ريحة النايت كلوب ونظرات الزبائن، فحسّت بخنقة ورعشة مكتومة خلّتها ترجع بظهرها لورا وتستأذن بهدوء وهي بتسحب إيدها برقة:
ـ كاسر.. معلش.. المكان هنا مش مناسب، وكمان الكلية والشغل مخليني مش مركزة خالص.. لو سمحت يعني.
​كاسر اتفاجئ وسكت لثواني واستغرب رد فعلها والمسافة اللي بتحطها بينه وبينها كل ما يقرب، بس هيبته وأخلاقه فرضوا عليه إنه يحترم حياءها وتوترها. ابتسم ابتسامة متفهمة، وهز رأسه وقال بنبرة هادية جداً عشان ما يحرجهاش:
ـ حقك عليا .. خلاص متتوتريش، أنا آسف إذا كنت ضايقتك.
​حرك العربية ببطء وقفل الموضوع، وبعد مسافة قصيرة من الطريق، بص لها وقال بعقلانية واهتمام:
ـ بمناسبة الشغل والإرهاق ده كله يا حبيبة.. أنا مش عاجباني مرمطتك في الشغلانة الحالية أو إنك ترهقي نفسك كده.
حبيبه : بس فيفي مش متعباني وانا خلاص اتعودت عليها
كاسر هز رأسه : انا عايزك تطوري من نفسك ومن شغلك ....فيه شركة دعاية وإعلان وإنتيرير ديزاين تبع واحد صاحبي جداً، شغلة شيك ومحترمة وبعيدة عن التعب، ومرتبها ممتاز وهيراعي فيها ظروف كليتك.. أنا تواصلت معاه وهتبدأي معاهم من الأسبوع الجاي إن شاء الله، عشان ترتاحي وتسيبي شغلك عند فيفي .. ولو حبيتي ابقي بصي عليها كل فتره صغيره كدا ... وانا من بكرا هشوف واحده تاني تراعيها
​حبيبة اتسمرت مكانها وقلبها اتعصر بالخوف؛ لأنها عارفة إن شغلها عند فيفي ده هو الستار اللي بتدارى وراه عشان الليل، وسيبان شغلانة جدته هيلغبط كل خططها وهيقطع الخيط الوحيد اللي بيمسكها بنضافته.
​وقبل ما تلقى رد، كاسر كمل كلامه بثبات وابتسامة واسعة مليانة أمل:
ـ وكمان عشان تكوني مرتاحة تماماً.. أنا قررت أكلم أمي النهاردة.. هحكيلها عليكي وهطلب منها نحدد ميعاد رسمي نجي نطلبك من أهلك، خلاص مش قادر أستنى أكتر من كده، ومش عايزك تشيلي هم المصاريف أو الجاهزية، أنا هتكفل بجميع الترتيبات.
​حبيبة حسّت بالدم بيتصفى من وشها تماماً، والرعب أكل قلبها! أمه تعرف؟! يتقدم لها رسمي دلوقتي وهي لسه غرقانة في كابوس مجدي والنايت كلوب والعلاج؟!
​لفت لكاسر بعيون مليانة هلع وبكاء مكتوم، ورفعت إيديها تنفيه باصرار شديد وصوت مبحوح بترجي:
ـ لا يا كاسر! لا أرجوك.. بلاش أرجوك! بلاش تقول لمامتك دلوقتي خالص.. لو بتحبني بجد بلاش الخطوة دي دلوقتي!
ضغط كاسر على الفرامل فجأة، وصوت الكاوتش صرخ على الأسفلت وهو بيوقف العربية على جنب الطريق.
​لأول مرة من يوم ما عرفها، ملامحه الحنونة اختفت تماماً، ووشه اتكسى بصرامة وجدية ناشفة تقرع القلب. اتلفت ناحيتها، مربع إيديه على الدركسيون، وبص لها بعيون حادة، ونبرة صوته خرجت جافة وتقيلة:
​ـ لأ لحد هنا وبس يا حبيبة! أنا ساكت ومعدي بقالي فترة، وبقول كبرياء وشغل وكلية وحياء بنات.. لكن الرفض الخضاض ده كل ما أجيب سيرة أهلي أو القرب منك؟ لأ.. فيه حاجة غلط، وأنتِ مخبية عليا حاجة كبيرة أوي.
​حبيبة اتخضت من أسلوبه اللي أول مرة تشوفه منه. الدموع اتجمعت في عينها ونزلت تتسابق على خدودها، حسّت إن أمانها الوحيد بيبهت. بلعت ريقها وبكت وهي بتتأسفله بصوت متقطع وبتقول أعذار عبيطة وملهاش أي معنى:
ـ أنا آسفة يا كاسر والله.. أنا بس مضغوطة أوي اليومين دول، مش عارفة مالي ولا عارفة في إيه.. سامحني عشان خاطري!
​حست إنه لسه ناشف ومش مصدق الكلام اللغبطة ده، فقررت تلجأ للأسلوب الوحيد اللي يمسح قسوته؛ قربت منه جامد، حطت إيديها اللي بترتعش على كتفه وميلت بوشها ناحيته تحاول تبوسه عشان تصالحه وتلغي المسافة بينهم.
​بس كاسر حط إيده بثبات وقسوة على كتفها يمنعها، ورجع راسه لورا رافض تماماً إنه يخليها تبوسه.
​بص في عينها المليانة دموع وقال بنبرة حادة بس مكسورة من الجوا:
ـ لأ يا حبيبة.. مش كاسر اللي يتصالح بالطريقة دي! أنتِ أصلًا بترتعشي وبتبعدي كل ما أقرب منك، ودلوقتي جاية تغصبي على نفسك وتقربي بس عشان تداري على السر اللي مخبياه؟ الحب مش كده خالص، ومتنسيش نفسك وتحاولي تصالحيني بالطريقة دي غصب عنك أو تمثلي القرب ده.
​كلماته كانت زي المشرط في قلبها. سحبت نفسها لورا اتكومت في كرسيها بتعيط بصوت واطي ومكسور، وكاسر دور العربية ومشي بجمود من غير ما ينطق بحرف لحد ما وصلوا قدام بوابات كلية فنون جميلة.
​نزلت حبيبة من العربية ورجليها بالعافية شايلاها. مشيت جوة الكلية وقعدت على بنش بعيد عن الناس، الدموع بتنزل في صمت. كلام كاسر كان بيرن في دماغها: فيه حاجة غلط.. أنتِ مخبية عليا حاجة كبيره
​حسّت إن الخناق بيضيق، وإن كاسر لو خسرته مش هتعرف تعيش، والنظافة الوحيدة اللي في حياتها هتضيع للأبد.
سرحت بالساعات، تفكر في أمها، في علاج الغسيل الكلوي، في قرف النايت كلوب، وفي كاسر اللي بدأ يشك.
​وفي لحظة صفاء وسط الدموع، اتخذت القرار الأخير.
​مسكت تليفونها، وإيدها بتثبت بالتدريج، وبعتت رسالة لـ كاسر:
​أنا موافقة على شغل الشركة يا كاسر.. هبدأ فيه من الأسبوع الجاي، وهسيب أي شغل تاني... ومتزعلش مني بس في ظروف حاصله في البيت متعباني شويه 
​أول ما داست إرسال، قامت وقفت وشها شاحب بس فيه نظرة حسم لأول مرة.
​روّحت البيت، فتحت الباب ورزعت وراها. مجدي كان قاعد في الصالة كالعادة بيشرب سجاير. أول ما شافها دخلت بدري، قام وقدم خطواته بقسوة:
ـ أهلاً بالهانم.. مجهزة نفسك لشفت بالليل ولا هتعمليلنا حوار زي إمبارح؟
​حبيبة وقفت قدامه وثبتت عينها في عينه من غير ما ترمش ولا ترتعش، وصوتها خرج حاد وواضح يرج الأوضة:
ـ مش هروح تاني يا مجدي.. المكان ده أنا مش عتباه تاني طول ما أنا عايشة.
​مجدي اتصدم من نبرتها، وشرد وجهه بغضب وجشع:
ـ نعم يا روح أمك؟! أنتِ اتجننتي؟ وجلسات أمك وفلوسي وسجايري مين هيدفع ثمنهم؟!
​حبيبة زقته بعيد عن طريقها وهي ماشية ناحية أوضة أمها، وقالت بصوت مليان قرف وكبرياء:
ـ أنا لقيت شغل محترم بمرتب هيدفع ثمن جلسات أمي وزيادة.. وأنت مالكش مليم عندي من النهاردة! ولو حاولت تضغط عليا، قسمًا بالله أبلغ عنك باللي بتعمله وبكل القرف اللي بتشربه.. أعلى ما في خيلك اركبه!
مجدي اتنفرز وشعله النار مسكت في وشه من كتر الغيظ، قرب منها بعنف ومسك دراعها وعصره بقوة، وبص لها بعيون مليانة شر وصوته طالع زي البحيح:
ـ بقى بتتهددي يا بت أحلام؟! فاكرة نفسك كبرتي خلاص وهتقفي في وشي؟ قسماً بالله لو ما عدلتي دماغك دي وجبتي المعلوم بتاع كل ليلة، لأكون رايح لستك فريال ولا لحبيب القلب بتاعك الفرفور ده، وأعرفهم الهانم بتسهر فين كل يوم ولابسة إيه!
​حبيبة حسّت برعشة رعب ضربت جسمها كله لما جاب سيرة كاسر، بس مسكت نفسها ببالغ الصعوبة، ورفعت راسها وبصت له بثبات وقرف، وزقت إيده بقوة وصرخت في وشه:
ـ انت بتراقبني ؟
مجدي بإستفزاز : لازم اراقبك طبعا 
حبيبه بتحدي:جرب بس تعملها يا مجدي! جرب تروح، وساعتها والله العظيم مش هيبقالي حاجة أخاف عليها، وأول حاجة هعملها هروح القسم بنفسي أبلغ عن كل اللي بتعمله كفايه تحليل المخدرات وأخليك تعفن في السجن!
​سابته واقف يتنفض من كتر الغضب، ودخلت أوضة أمها ورزعت الباب وراها بالقفل.
​قعدت على الأرض ورا الباب، وحطت إيديها على بقها بتكتم شهقات البكا اللي طالعة من قلبها. بصت لأمها اللي كانت نايمة بتعب، وقالت في سرها بصوت مكسور:
(يارب تقويني.. يارب أنا أخدت الخطوة دي عشان أنضف وعشان ما أخسرش كاسر، يارب كملها معايا على خير وماتكسرنيش).
​على الناحية التانية.. في مكتب كاسر الفخم في الشركة.
​كان قاعد ورا مكتبه، لابس قميصه الكحلي وم شيلش عينه من على شاشة تليفونه. الرسالة بتاعة حبيبة كانت قدامه:
​أنا موافقة على شغل الشركة يا كاسر.. هبدأ فيه من الأسبوع الجاي، وهسيب أي شغل تاني... وانا اسفه متزعلش مني بس حاصل ظروف معايا في البيت 
​أخد نفس طويل وغمض عينه بتعب. رغم إن موافقتها على الشغل كانت حاجة تفرحه، إلا إن طريقة اعتذارها ومحاولتها إنها تقرب منه بالطريقة دي عشان تداري السر، كانت لسه وجعاه ومالية قلبه بشكوك كتير.
​مسك التليفون، وطلب رقم صاحبه طارق، صاحب شركة الدعاية والإعلان.
​ـ أيوة يا طارق.. مساء الفل.
طارق:
ـ أهلاً يا كاسر يا حبيبي، إيه الأخبار؟
كاسر بنبرة حاسمة وجادة:
ـ طارق، الموضوع بتاع البنت اللي كلمتك عنها.. حبيبة، هتستلم الشغل عندك من أول الأسبوع الجاي.
طارق:
ـ تمام يا كاسر، من عيوني.. تنور في أي وقت.
كاسر كمل وهو بيعمل حاجة غريبة لأول مرة يعملها:
ـ طارق.. عايزك تهتم بيها جداً، وتوفر لها كل الراحة.. بس في نفس الوقت، عايز أرقام شغلها وتفاصيل حضورها وانصرافها أول بأول، ومحدش يضايقها بكلمة.
طارق بإستغراب : ريحني ي صحبي مين دي طيب 
كاسر : لما اشوفك بليل وهقولك كل حاجه 
​قفل كاسر المكالمة وقام وقف عند الشباك الكريستال الكبير المطل على النيل، وبص للمية وقال بصوت واطي:
ـ أنا بحبك يا حبيبة.. بس مش هسيبك تضيعي مني ولا تضحكي عليا، ولو فيه سر مخبياه.. أنا هعرفه بنفسي.
​عدت كام يوم وحبيبة بتحاول تتجنب مجدي تماماً، ورباب رنت عليها كذا مرة وكانت حبيبة بتبلوك أرقامها وراء التانية، مصممة تقفل الباب ده للأبد.... تحت ضغط مجدي ليها وهي رافضه تماما ... فا لعبت فكره في دماغه
​وجاء أول يوم في الشغل الجديد..
وطول الايام دي كاسر مشفش حبيبه وكان كلامه ليها بحدود جدا كان بيطمن عليها ويقفل
​نزلت حبيبة الصبح بكامل أناقتها، لابسة بلوزة بيضا وجيبة كحلي بسيطة وأنيقة، وشها كان أروق شوية عن الأيام اللي فاتت، رغم التوتر اللي في قلبها.
​أول ما خرجت من الشارع، تفاجأت بـ عربية كاسر السودا واقفة مستنياها!
​قلبها اتنفض، وبطأت خطواتها وهي بتقرب.. كاسر نزل من العربية، كان طالع بأناقته العادية، بس ملامحه كانت هادية وراسيّة، مفيش القسوة بتاعة اليوم اللي فات، بس في نفس الوقت مفيش الحنية المفرطة.. كان فيه حدود واضحة.
​فتح لها باب العربية وقال بنبرة هادية ومحترمة:
ـ صباح الخير يا حبيبة.. اركبي،
​حبيبة بصت له بامتنان ودموع محبوسة، وقالت بصوت خافت:
ـ صباح النور يا كاسر.. شكراً إنك جيت.
​ركبت جنبه، وطول الطريق كان الهدوء هو السائد، لحد ما كاسر بص لها وقاطع الصمت بنبرة دافية بس ثابته:
ـ أنا كلمت طارق صاحب الشركة، وهيهيألك كل حاجة..متقلقيش والمرتب هيكون ممتاز وهيغطي كل احتياجاتك وزيادة عشان ترتاحي تماماً.
​حبيبة لفت وشها ليه وابتسمت ابتسامة صافية حقيقية لأول مرة من فترة طويلة:
ـ انت لسه زعلان مني ؟
كاسر بجمود :لا 
حبيبه بأسف : أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا كاسر.. أنت بجد أطهر وأحسن حاجة حصلتلي في حياتي.
​كاسر بص لها بنظرة عميقة، وسكت ثواني قبل ما يقول ببطء:
ـ أنا مش عايز شكر يا حبيبة.. أنا كل اللي عايزه منك حاجة واحدة بس.. الصراحة.
حبيبة بلعت ريقها بحذر، والكلمة نزلت على قلبها زي الجمرة.. الصراحة بصت من شباك العربية وخبّت نظرة الخوف اللي رجعت تنهش فيها تاني، وقالت بصوت هادي بيحاول يبان متماسك:
ـ حاضر يا كاسر.. أوعدك.
​وصلت العربية قدام مقر الشركة؛ مبنى زجاجي حديث وأنيق في حي راقي. كاسر نزل معاها ودخلوا سوا، وحبيبة كانت ماشية جنبه وهي حاسة بفرق شاسع بين الهيبة والنضافة اللي هنا، وبين الضلمة والرعب اللي كانت عايشة فيه كل ليلة.
​استقبلهم طارق في مكتبه بابتسامة ترحيب واسعة:
ـ أهلاً أهلاً يا كاسر! نورت يا سيدي.. أهلاً بيكي يا أنسة حبيبة، كاسر حكالي عن شغلك في الفنون الجميلة ولوحاتك، وإحنا هنا في قسم التصميم محتاجين لمسة فنية زيك بالظبط.
​حبيبة ابتسمت بفخر وشغف حقيقي كانت نسيته من زمان:
ـ شكراً جداً يا أستاذ طارق، ده شرف ليا وبإذن الله أكون عند حسن ظنكم.
​كاسر بص لها بنظرة فيها فخر مكتوم، وقام وقف وقال بنبرة واثقة:
ـ هسيبك تستلمي شغلك وتتعرفي على التيم، وأنا هعدي عليكي آخر اليوم عشان نوصل سوا ل فريال طالما خلصتي محاضراتك إمبارح.
​حبيبة هزت رأسها بالقبول، وأول ما خرج كاسر ووراه طارق : انت يا عم استني ... فهمني 
نزلو الاتنين ودخلو استراحه 
كاسر : دي حبيبه انا مرتبط بيها وبحبها 
طارق بإستغراب : من امتا دا ؟ ومش قايل ليه ؟ وبعدين اتعرفت عليها امتا وفين وازاي ؟
كاسر اخد نفس ورجع لورا في الكرسي : من اقل من سنه ... مرضتش اقول ل حد بناءا علي لي طلبها ... عرفتها منين بقا بتساعد جدتي بيبي سنتر وكدا .. اول ما شفتها حسيت كد اي انها نضيفه وغير اي بنت عرفتها وكمان مش طماعه ولا بتاعت فلوس ... انا حاسس معاها أن وصلت ل مرحله العشق معاها 
طارق : طيب تماام اي اللي مانعك ... البت باين عليها غلبانه فعلا 
كاسر : لسه لما تخلص كليتها
طارق : طيب انت سالت عليها ... هي مين بنت مين كدا يعني 
كاسر بتفكير هو فعلا مسالش عليها اوي بمجرد ما حبها كان عايزها هي حتي لو أهلها وحشين ... بس باللي هي بتعملها زرع الشك جواه ولازم يفضل ورا الموضوع دا : هو ابوها ميت وقاعده مع جوز امها 
طارق بتفكير : ممممم 
كاسر بزهق وإرهاق : خلي بالك منها اهم حاجه وبعدين نتكلم ...
مش وقام سابه
بدأت حبيبه تتعرف على المكان والمكتب الخاص بيها. لأول مرة من شهور طويلة، تحس إنها بتتنفس أكسجين نضيف، وإن كرامتها محفوظة، وإن تعبها في شغل محترم هيدفع ثمن جلسة أمها بكرة وهي مرفوعة الراس.
​مرت ساعات النهار بسرعة، وحبيبة اندمجت في العمل مع زمايلها، ودماغها بدأت ترتاح من التفكير والوجع..... وعدي اليوم والتاني والتالت وهي حبيت الشغل والمكان جدا وحسيت أن الدنيا هتكون وردي طول الايام دي وهي بتصالح في كاسر وكاسر مقاوم عيونها ومصالتحها ليه 
......
في المنطقة الشعبية:
​كان مجدي قاعد على القهوة، الشيطنة والغل بياكلوا في دماغه. كلام حبيبة وتهديدها له بالسجن خلوه يتحول لبركان غضب... ومن كلامها كل يوم ليه كمان وان اشتدت ضهرها بشغلها الجديد سحب سيجارته وبص للتليفون، وطلب رقم رباب.
​رباب فتحت السكة بغل:
ـ أيوة يا مجدي! البت فين؟ الزباين بيمسحوا بيا الأرض وهي بقالها اسابيع علي الحال دا مابتجيش وتليفونها مشغول 
​مجدي بصوت جشع ومملوء بالشر:
ـ البت عاملي فيها شريفة ومستقوية عليا يا رباب.. ولقيت لها شغلانة جديدة وناوية تقفل السكة دي خالص.
رباب صرخت بغضب:
ـ نعم؟! هي فاكرة الخروج من عندنا بالسهولة دي؟! البت دي عليها فلوس ومأخرة شفتات، والمعلم مش هيسيبها!
مجدي ابتسم ابتسامة قذرة:
ـ ما أنا متصل بيكي عشان كده.. أنا عارف طريق الشغلانة الجديدة اللي رايحاها، وعارف الفرفور ابن الناس اللي بيحوم حواليها.. لو عايزة تصطادي البت وترجعيها الجحيم تحت إيديكي، اسمعي اللي هقولك عليه بالظبط!
​على الساعة 5 المغرب..
​كانت حبيبة نازلة من بوابة الشركة، وشها صافي ومبتسمة ابتسامة خفيفة بتعبر عن بداية أمل جديد. شافتك عربية كاسر سودا واقفة مستنياها... اول ما شافتها ضحكت وفرحت جامد وابتسمتلو وكاسر واقف بره ساند بضهره على العربية ومستنيها.
​أول ما قربت منه، كاسر فتح لها الباب بنظرة هادية، وقبل ما تركب، قرب منها بشويش ومسك إيدها بثبات ودفا، المرة دي حبيبة متراجعتش، ولا اترعشت! فضلت باصة في عينيه بكل صدق ومسكت إيده بنفس الدفا.
​كاسر ابتسم ابتسامة واثقة وسألها:
ـ إيه الأخبار؟ الشغل عجبك؟
​حبيبة بعيون بتلمع دموع فرحة:
ـ أوي يا كاسر.. أوي بجد. حاسة إن روحي ردت فيا من جديد.. شكراً إنك في حياتي... 
سكتوا شويه بصتلو بحب :علفكره شكرا انك جيت... بس مش عاجبني وشك الخشب دا كل ما تشوفني 
كاسر بصلها بحنان : كدا وش خشب ... دا عشان بحبك انا كدا بس 
حبيبه بلماضه : كمان ... امال لو حد غيري .... كنت قتلته ولا اي
كاسر بصلها جامد : فعلا 
طول الطريق وهي بتحاول تهزى معاه وتصالحه وهو جامد برضو مش راضي يتصالح 
​كاسر حرك العربية واتجهوا لشقة الجدة فريال، والهدوء والسكينة كانوا مالين المكان. قضوا ساعتين حلوين جداً مع الجدة، ضحك وسوالف وفطار خفيف، وكاسر بيبص لـ حبيبة بنظرات حب وشوق هادي، وطمنه إن المسافة والتوتر اللي كانوا بينهم بدأوا يختفوا.
​على الساعة 8 بالليل، الجدة فريال دخلت أوضتها عشان ترتاح وتنام شوية بعد ما أخدت دواها.
​الصالة بقت هادية جداً، الأضواء خافتة ودافية، وريحة البخور الشادي مالية المكان. كاسر كان واقف عند الشباك الكبير المطل على الشارع، باصص للفراغ وابتسامة هادية ودافية على وشه. حاسس لأول مرة أنهم قريبين فعلا من بعض  
​حبيبه جات من وراه بخطوات هادية ومعدودة كانت هيبته العالية مغطيه على المكان... بس نبرة صوتها كانت أرق وأحن من النسيم. وقفت وراه بمسافة قريبة جداً، وهو حس بدفا أنفاسها، وقالت بنبرة مبحوحة مليانة عشق وهي بتقلده:
ـ سرحانة في إيه يا فناني؟
​كاسر لف ليها ببطء.. عينها جات في عينه، وشاف فيهم كمية حب وأمان كان مفتقدمهم من فتره ابتسمت ابتسامة رقيقة وبصتله 
ـ سرحان فيكي يا حبيبه.. مش متخيله في اليوم اللي نكون فيه انا وانتي مش بنتكلم بيحصل فيا اي 
دمعت حبيبه من كميه الحنيه والحب اللي باينه في عنيه: وانا اوقات كتير بسرح في النضافة والدفا اللي دخلوا حياتي من يوم ما عرفتك. أنا بحبك أوي.
​كلمة بحبك طلعت من شفايف حبيبة لأول مرة بالصدق والعفوية دي كلها.
​كاسر قلبه اتنفض، وعينيه أشرقت بشغف وحب مالوش حدود. قرب منها خطوة كمان، ولأول مرة حبيبة مابعدتش، ولا ارتعشت، ولا حاولت تحط أي مسافة بينهم.. سابت نفسها تماماً لأمانه.
​كاسر حط إيديه الاثنين برقة متناهية على خدودها، رفع وشها ليه بشويش كأنه بيتعامل مع جوهرة غالية خايف يخدشها. بص في عينها عميقاً وقال بصوت واطي ومحششر من كتر المشاعر:
ـ وانتِ دنيتي كلها يا حبيبة.. مش عايزك تخافي من أي حاجة تاني طول ما أنا عايش.. أنتِ ملكي، وأنا ظهرك وسندك لأخر يوم في عمري.
​قرب وشه من وشها ببطء شديد، وحبيبة غمضت عينها وبدأ نفسها يعلى ويوطى بدفا، وسابت كل الخوف والشكوك تذوب تحت إيديه.
​كاسر مال بشفايفه وطبع بوسة حنينة، هادية، ورومانسية جداً على شفايفها..ودي كانت أول مره يحصل بينهم القرب دا بوسة طويلة مليانة حب وأمان وصدق، مسحت كل قسوة وكل الوجع اللي شافته في حياتها، ورجّعت لقلبها نبضه النضيف الحقيقي.
​حبيبة رفعت إيديها بالراحة وحضنت كتافه، وسابت نفسها تاماً للحظة الحب الصافية دي، حاسة إن العالم كله اختفى وما فاضلش غيرها هي وكاسر.
​بعد عن شفايفها بشويش خالص، وسند جبهته على جبهتها وهو بياخد نفسه بتعب وحب، وابتسم بابتسامة رجولية دافية تسحر القلب:
ـ تصدقي إن اللحظة دي.. أنا استنيتها العمر كله؟
​حبيبة فتحت عينها المليانة حنية وشغف، وابتسمت له بخجل ورقة:
ـ وأنا حسيت إني اتولدت من جديد في اللحظة دي يا كاسر.
​عدت نص ساعة كأنها ثانية، وحبيبة استأذنت عشان ترجع تطمن على أمها قبل جلسة الغسيل الكلوي بكرة.
​نزل معاها كاسر لحد الشارع، مشاعره طايرة بيه فوق السحاب، وقف لها تاكسي ودفع حساب السواق، وبص لها من شباك التاكسي بنظرة عشق وأمان وقال:
ـ رني عليا أول ما توصلي
​حبيبة ابتسمت من قلبها:
ـ حاضر 
​تحرك التاكسي ووصل حبيبة منطقتها الشعبية. نزلت على أول الشارع ورجليها خفيفة كأنها طايرة في السماء، طعم البوسة والدفا لسه على شفايفها، ورائحة برفان كاسر مالية هدومها.
​دخلت حارتهم الظلمة والهادية وهي بتردد في سرها: (خلاص يارب.. أنا بقيت ملكه ومرتاحة في أمانه.. مش هسمح لأي حاجة توجعني تاني).
​لكن فجأة.. وقبل ما توصل لمدخل العمارة بـ خطوتين!
​طلعت شخصية من الضلمة ووقفت قدامها، ومن وراها ظهر شخص تاني ضخم وقفل عليها طريق الرجوع!
​حبيبة اتسمرت مكانها والتنفس وقف في صدرها من الصدمة لما رفعت عينها وشافت.. رباب واقفة قدامها بابتسامة خبيثة وميكأب صارخ، ومعاها اتنين من حراسات النايت كلوب!
​رباب قربت منها، وحطت إيدها التقيلة على كتف حبيبة بضغط قاسي وقالت بصوت واطي ومرعب:
ـ فاكرة إنك هتهربي وتنضيفي بالسهولة دي يا روح أمك؟ المعلم مستنيكي بلهفة في الصالة بالليل.. ويلا بينا بالذوق بدل ما نشيلك كيس بطاطس قدام الشارع كله


تعليقات