رواية زواج اجباري الفصل الاول
بداية لم تكن في الحسبان
لم تكن حياة تؤمن أن بعض الأيام قادرة على تغيير شكل حياتها بالكامل.
كانت تظن أن أسوأ ما يمكن أن يحدث لها هو أن يتأخر راتبها يومين، أو أن يطلب منها مديرها إنهاء عشرات الملفات قبل نهاية الدوام، أو أن تتشاجر مع ريما بسبب إصرارها الدائم على التدخل في كل تفاصيل حياتها.
لكنها لم تكن تعرف أن هذا اليوم تحديدًا سيكون بداية لسلسلة من الأحداث التي ستجعلها تعيد التفكير في كل شيء.
وقفت أمام الواجهة الزجاجية لشركة يحي الشافعي، تحمل في يدها ملفًا كبيرًا، بينما كانت تنظر إلى انعكاسها في الزجاج.
تنفست بعمق.
ثم عدلت حجابها بسرعة، وحملت الملف إلى صدرها.
- يا رب اليوم يعدي على خير.
جاءها صوت ريما من خلفها:
- بتكلمي نفسك تاني؟
التفتت حياة إليها بضيق.
- إنتِ بتطلعيلي منين كل مرة؟
ضحكت ريما وهي تقترب منها.
- أنا صاحبتك، المفروض أكون عارفة كل مداخل حياتك ومخارجها.
- إنتِ عارفة مداخل حياتي لدرجة إنك بقيتي بتدخلي من غير استئذان.
- عشان أنقذك.
- تنقذيني من إيه؟
رفعت ريما حاجبها وهي تشير إلى باب مكتب المدير.
- من صاحبك المحترم.
ضيقت حياة عينيها.
- يحي؟
- أمال مين؟ بواب العمارة؟
زفرت حياة بضيق.
- ريما، بلاش تبدأي.
- أنا مش ببدأ. أنا بس بقول الحقيقة. الراجل ده مريب.
- مريب إزاي؟
- مش عارفة... ساكت زيادة عن اللزوم، بيبص للناس كأنه بيقرأ أفكارهم، ووشه طول الوقت عامل كده...
عقدت ريما حاجبيها وقلدت ملامح يحي الجادة.
انفجرت حياة في الضحك رغمًا عنها.
- إنتِ مجنونة.
- اهو ضحكتي. يبقى أنا بعمل واجبي.
هزت حياة رأسها، ثم نظرت إلى الساعة.
- عندي اجتماع بعد خمس دقايق، ولازم الملف ده يكون عنده.
- وأنا هطلع معاكي.
- ليه؟
- عشان أطمن.
- تطمني على إيه؟
اقتربت ريما منها وهمست:
- عليكِ.
نظرت إليها حياة باستغراب.
- أنا مش فاهمة.
ابتسمت ريما.
- صاحب الشركة اللي إنتِ شغالة عنده مش طبيعي.
- ريما...
- خلاص، خلاص. روحي قبل ما الراجل يخصم منك.
استدارت حياة وهي تتمتم:
- ربنا يصبرني عليكِ.
صعدت الدرج المؤدي إلى الطابق الإداري، ثم توقفت أمام باب مكتب يحي.
طرقت مرتين.
جاءها صوته من الداخل:
- ادخلي.
فتحت الباب.
كان يحي يقف أمام النافذة الكبيرة، واضعًا إحدى يديه في جيب بنطاله، بينما يطالع شيئًا في هاتفه.
لم يلتفت إليها فورًا.
قالت حياة بهدوء:
- صباح الخير يا أستاذ يحي.
رفع عينيه إليها.
- صباح الخير.
وضعت الملف أمامه.
- الملفات اللي حضرتك طلبتها.
أخذها منها دون تعليق، وبدأ يقلب الصفحات.
وقفت حياة أمام مكتبه في صمت.
ثوانٍ.
ثم دقيقة.
ثم دقيقتان.
وأخيرًا قالت:
- في حاجة تانية؟
رفع عينيه إليها.
- آه.
- إيه؟
- اقعدي.
ترددت لحظة، ثم جلست أمامه.
ظل يحي يقلب الأوراق، ثم قال:
- إنتِ كنتِ فين امبارح بعد الشغل؟
رمشت حياة باستغراب.
- في البيت.
- متأكدة؟
رفعت حاجبها.
- هو أنا متهمة في قضية؟
ثبت نظره عليها.
- أنا بس بسأل.
- وأنا جاوبتك.
صمت.
ثم أغلق الملف.
- تمام.
وقفت حياة.
- أقدر أمشي؟
- استني.
عادت للجلوس بضيق.
- نعم؟
- الفترة الجاية هيكون عندنا شغل كتير.
- عارفة.
- وعايزك تكوني موجودة بعد مواعيد العمل أحيانًا.
فتحت عينيها بدهشة.
- بعد مواعيد العمل؟
- آه.
- بس أنا عندي التزامات.
نظر إليها بثبات.
- وأنا مقدر ده، بس الشغل مهم.
- حضرتك عارف إن عندي مواصلات وبروح لوحدي.
ساد الصمت للحظة.
ثم تغيرت ملامح يحي قليلًا.
- عشان كده أنا هوصلك.
اتسعت عيناها.
- حضرتك؟
- أيوه.
- لا طبعًا.
- ليه؟
- مش محتاجة.
اقترب يحي من المكتب وأسند يديه عليه.
- حياة.
كانت نبرته هادئة، لكنها جعلتها تتوتر.
- نعم؟
- لما أقولك إنك مش هترجعي لوحدك، يبقى مش هترجعي لوحدك.
نظرت إليه للحظات.
لم تفهم سبب إصراره.
ولا سبب ذلك الشعور الغريب الذي انتابها كلما اقترب منها.
كان يحي مختلفًا عن أي رجل تعاملت معه من قبل.
هادئًا بشكل مبالغ فيه.
حازمًا.
ولا يترك مساحة كبيرة للنقاش.
والأسوأ من ذلك كله...
أنه كان يعرف كيف يجعلها تشعر بالتوتر بمجرد نظرة.
قالت وهي تنهض:
- أنا هتصرف.
رفع حاجبه.
- دي مش إجابة.
- دي إجابتي.
استدارت وغادرت المكتب.
لكنها لم تلحظ النظرة التي تبعتها حتى اختفت خلف الباب.
---
في الخارج كانت ريما تنتظرها.
بمجرد أن رأتها خرجت، ركضت نحوها.
- حصل إيه؟
- ولا حاجة.
- وشك بيقول حصل كتير.
- قال لي إن الفترة الجاية فيها شغل زيادة.
- بس؟
- بس.
نظرت ريما إلى وجهها.
- حياة...
- نعم؟
- هو قال لك إيه تاني؟
ترددت حياة.
ثم قالت:
- قال إنه هيوصلني.
رفعت ريما حاجبيها.
- إيه؟
- زي ما سمعتِ.
- هو؟
- أيوه.
- وإنتِ وافقتِ؟
- لأ.
ابتسمت ريما ابتسامة جانبية.
- كويس.
- كويس ليه؟
- عشان أنا مش مطمنة له.
- إنتِ مش مطمنة لأي راجل أصلًا.
- وده شيء ممتاز.
ضحكت حياة.
لكن ضحكتها توقفت عندما ظهر رجل طويل من نهاية الممر.
كان مازن.
صديق يحي وشريكه في بعض أعمال الشركة.
توقف أمامهما.
نظر إلى ريما، ثم إلى حياة.
- صباح الخير.
ردت حياة:
- صباح النور.
أما ريما فظلت تنظر إليه بحذر.
ابتسم مازن.
- إيه؟ أنا خوفتك؟
- لأ.
- أمال بتبصيلي كده ليه؟
- بحاول أفهم.
- تفهمي إيه؟
- إنت صاحب يحي؟
ضحك.
- آه.
- تمام.
استدارت لتسحب حياة من ذراعها.
- يلا.
ضحك مازن وهو ينظر خلفهما.
- صاحبتك دي غريبة.
ردت حياة من بعيد:
- عارفة.
وصل صوت ريما:
- سمعتك!
ضحكت حياة.
لكنها لم تنتبه إلى أن مازن ظل ينظر إليها للحظات.
---
في المساء، خرجت حياة من الشركة بعد يوم طويل.
كانت الساعة تجاوزت الثامنة.
وقفت أمام باب الشركة وهي تبحث عن هاتفها داخل حقيبتها.
وفجأة سمعت صوتًا تعرفه.
- حياة.
تجمدت.
رفعت رأسها.
كان يحي يقف بجوار سيارته.
- مش قلت لك هستناك؟
- وأنا قلت لحضرتك إني هتصرف.
- وإيه اللي عملتيه؟
- هركب مواصلة.
- دلوقتي؟
- آه.
نظر إلى الشارع المزدحم.
ثم عاد إليها.
- اركبي.
- لا.
- حياة.
- أستاذ يحي، أنا مش مرتاحة للفكرة.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال بهدوء:
- تمام.
استدارت حياة لتغادر.
لكنها سمعت صوته خلفها:
- على الأقل استني لحد ما تلاقي عربية.
توقفت.
التفتت إليه.
كانت تتوقع أن يجادلها.
أن يأمرها.
لكنه لم يفعل.
فقط وقف مكانه.
ولأول مرة شعرت أن وراء ذلك الجمود شيئًا آخر.
شيئًا لم تستطع فهمه.
مرت دقائق.
لم تجد سيارة مناسبة.
وبدون أن تتكلم، فتحت باب السيارة الخلفي وجلست.
لم يعلق يحي.
فقط أغلق باب سيارته وانطلق.
جلست حياة في المقعد الخلفي، بينما كان الصمت يملأ السيارة.
بعد دقائق قالت:
- حضرتك تعرف عنواني؟
- آه.
- إزاي؟
نظر إليها من المرآة.
- ملف الموظفين.
- آه.
عادت للصمت.
وبعد لحظات شعرت بالحرج من الصمت فقالت:
- حضرتك دايمًا ساكت كده؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
- وإنتِ دايمًا بتتكلمي كده؟
- أنا مش بتكلم كتير.
- لأ، إنتِ بتتكلمي لما تكوني متوترة.
تجمدت.
- أنا مش متوترة.
- واضح.
نظرت من النافذة حتى لا يرى ارتباكها.
ابتسم يحي.
ولم يقل شيئًا.
---
في مكان آخر من المدينة، كانت حياة لا تعرف أن هناك شخصًا آخر يراقب تحركاتها منذ فترة.
رمضان.
رجل يكبرها بسنوات، اعتاد أن يحصل على ما يريد بالقوة والضغط.
وكان قد وضع حياة في ذهنه كأن قرار الزواج منها أصبح أمرًا محسومًا.
لم تكن تعرف أنه تحدث بالفعل مع بعض أفراد منطقتها.
ولم تكن تعرف أن رفضها السابق لم ينهِ الأمر بالنسبة إليه.
في تلك الليلة، كان واقفًا أمام محل صغير في الحارة، يتحدث مع رجل يعرفه.
قال الرجل:
- البنت قالت مش موافقة.
ضحك رمضان بسخرية.
- وهي مين عشان توافق أو ترفض؟
- أهلها مش موافقين.
- أنا هعرف أتعامل معاهم.
- بس البنت شغالة في شركة كبيرة دلوقتي، وممكن حد يساعدها.
تغيرت ملامح رمضان.
- مين؟
- معرفش.
- يبقى اعرف.
ثم أضاف بحدة:
- أنا مش هسيبها لحد.
---
في اليوم التالي، دخلت حياة الشركة مبكرًا.
كانت تحمل كوب القهوة بيد وملفاتها باليد الأخرى، حين اصطدمت بشخص أمام المصعد.
كادت القهوة تسقط.
لكن يدًا أمسكت بالكوب في اللحظة الأخيرة.
رفعت رأسها.
يحي.
كان قريبًا منها بدرجة جعلتها تتوتر.
قال بهدوء:
- خدي بالك.
ابتعدت خطوة.
- شكرًا.
ظل ينظر إليها.
ثم قال:
- إنتِ كويسة؟
- آه.
- متأكدة؟
- أيوه.
دخل الاثنان المصعد.
كان المكان ضيقًا.
وقفت حياة في أحد الأركان.
أما يحي فوقف بجوارها.
صمت.
ثم قال فجأة:
- حياة.
- نعم؟
- لو حصل لك أي مشكلة...
نظرت إليه.
- مشكلة إيه؟
توقف لحظة.
- أي مشكلة.
- ليه بتقول كده؟
لم يجب.
نظر أمامه.
وهنا بدأت حياة تشعر بأن هناك شيئًا لا تعرفه.
شيئًا يتعلق بها.
أو ربما...
يتعلق به هو.
وقبل أن تسأله، فتح باب المصعد.
خرج يحي أولًا.
وقبل أن يبتعد، التفت إليها وقال:
- خلي موبايلك مفتوح طول الوقت.
ثم غادر.
وقفت حياة مكانها، تحدق في ظهره باستغراب.
اقتربت منها ريما.
- هو قال لك إيه؟
نظرت حياة إليها.
- معرفش.
- يعني إيه معرفش؟
- قال لي أخلي موبايلي مفتوح.
تغير وجه ريما.
- ليه؟
هزت حياة رأسها.
- مش عارفة.
ثم نظرت في اتجاه يحي.
لأول مرة، لم تشعر بالضيق منه.
بل شعرت بشيء آخر.
فضول.
ورغبة في معرفة الحقيقة.
ولم تكن تعلم أن هذا الفضول سيكون أول خطوة في طريق لن تستطيع العودة منه بسهولة.
طريق يبدأ بالشك...
ثم يتحول إلى كراهية...
ثم إعجاب...
ثم حب لم تكن حياة مستعدة للاعتراف به.
أما يحي، فكان يعرف منذ اللحظة الأولى أن وجود حياة في حياته لم يكن صدفة.
لكنه لم يكن مستعدًا بعد لأن يخبرها بالسبب.
وفي مكان ما، كان رمضان يخطط لخطوته التالية.
وكانت حياة لا تعرف أن حياتها الهادئة قد بدأت بالفعل في الانهيار.
