رواية زواج اجباري الفصل الثاني
منذ اللحظة التي خرجت فيها حياة من المصعد، وهي تشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.
لم يكن الأمر متعلقًا بكلمات يحي وحدها، وإنما بالطريقة التي قالها بها.
"خلي موبايلك مفتوح طول الوقت."
لماذا؟
ولماذا كان يسألها بالأمس عن المكان الذي ذهبت إليه بعد العمل؟
ولماذا أصر على توصيلها بنفسه؟
أسئلة كثيرة دارت داخل رأسها، لكنها لم تجد لها إجابة واحدة منطقية.
جلست خلف مكتبها، وفتحت جهاز الكمبيوتر أمامها، تحاول التركيز في العمل، إلا أن عينيها ظلتا معلقتين بالشاشة دون أن تستوعب حرفًا واحدًا.
وضعت ريما كوب القهوة أمامها.
— اشربي.
رفعت حياة عينيها إليها.
— إيه ده؟
— قهوة.
— أنا شايفة إنها قهوة.
— أمال بتسألي ليه؟
تنهدت حياة.
— ريما، أنا دماغي مشغولة.
جلست ريما على طرف المكتب.
— عارفة.
— عارفة إيه؟
— يحي.
رفعت حياة حاجبها.
— مالُه يحي؟
— من ساعة ما خرجنا من عنده وإنتِ سرحانة.
— عشان قال لي أخلي موبايلي مفتوح.
— وأنا برضه مش فاهمة.
— يمكن عشان الشغل.
— لا.
— إنتِ ليه مصممة إنه فيه حاجة؟
ابتسمت ريما.
— عشان الست لما تحس إن فيه حاجة غلط، غالبًا بيكون فيه حاجة فعلًا.
ضحكت حياة رغمًا عنها.
— إنتِ بتألفي حكم دلوقتي؟
— أنا عندي خبرة.
— خبرة في إيه؟
— في الرجالة.
حدقت بها حياة.
— إنتِ أصلًا بتخافي من الرجالة.
— بالضبط، عشان كده بعرف أكتشفهم.
قبل أن ترد حياة، جاء صوت من خلفهما:
— واضح إنكوا بتتكلموا عني.
التفتت ريما.
كان مازن واقفًا خلفهما، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، وعلى وجهه ابتسامة مستفزة.
قالت ريما ببرود:
— مين قال إننا بنتكلم عنك؟
— إحساسي.
— إحساسك غلط.
— أول مرة أشوف حد واثق في إحساسه كده.
— أول مرة تشوف حد مش مهتم بيك؟
اختفت ابتسامة مازن للحظة.
أما حياة فوضعت يدها على فمها حتى لا تضحك.
قال مازن:
— هو أنا عملت لك حاجة؟
ردت ريما:
— لسه.
رفع حاجبه.
— لسه؟
— آه.
— يعني مستنية تعمليلي مشكلة؟
— أنا؟ أبدًا.
ثم ابتسمت له ابتسامة بريئة.
— المشاكل بتحصل لوحدها.
ضحك مازن.
— إنتِ خطيرة.
— وأنت مستفز.
تدخلت حياة بسرعة:
— خلاص يا جماعة، كفاية.
نظر مازن إلى حياة.
— على فكرة، يحي عايزك في مكتبه.
تجمدت حياة.
— دلوقتي؟
— أيوه.
نظرت إلى ريما.
فهمت ريما نظرتها، وقالت:
— روحي وأنا هنا.
نهضت حياة، أخذت الملف الموجود أمامها، واتجهت إلى مكتب يحي.
طرقت الباب.
— ادخلي.
دخلت.
كان يحي جالسًا خلف مكتبه، وأمامه بعض الأوراق.
قال دون أن يرفع عينيه:
— اقفلي الباب.
فعلت.
ثم وقفت أمامه.
— حضرتك طلبتني؟
رفع عينيه إليها.
— آه.
وأشار إلى الكرسي.
— اقعدي.
جلست.
دفع إليها ورقة.
— راجعي دي.
أخذتها.
— دي عقود الشركة الجديدة؟
— أيوه.
بدأت تقرأ.
وبعد دقائق قالت:
— في بند محتاج تعديل.
رفع يحي عينيه إليها.
— إيه هو؟
أشارت إلى السطر.
— هنا.
اقترب يحي منها ليرى الورقة.
وفي اللحظة نفسها، شعرت حياة بتوتر غريب.
كان قريبًا منها.
قريبًا أكثر مما ينبغي.
قال:
— عندك حق.
ثم ابتعد.
تنفست حياة براحة دون أن تشعر.
لاحظ يحي ذلك.
لكن بدلًا من التعليق، قال:
— حياة.
— نعم؟
— إنتِ بتخافي مني؟
اتسعت عيناها.
— لأ!
— بسرعة كده؟
— عشان السؤال غريب.
— وأنا غريب؟
تلعثمت.
— أنا... معرفش.
ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
— كويس.
— كويس إزاي؟
— لأنك لسه مش عارفة.
نظرت إليه باستغراب.
— حضرتك بتتكلم بألغاز ليه؟
— يمكن عشان مش كل حاجة لازم تتقال.
وقفت وهي تحمل الورقة.
— لو خلصنا...
— لسه.
توقفت.
— نعم؟
— عندك موعد بعد الشغل؟
— لا.
— كويس.
— ليه؟
— هتفضلي معايا ساعتين.
حدقت فيه.
— ساعتين؟
— آه.
— ليه؟
— شغل.
تنهدت.
— حاضر.
خرجت من المكتب وهي تتمتم:
— الراجل ده هيجنني.
لكنها لم تكن تعرف أن شخصًا ما كان بالفعل يراقبها من بعيد.
رمضان.
كان قد علم أنها تعمل في شركة كبيرة، وبدأ يضيق ذرعًا بابتعادها عنه.
لم يكن يتقبل فكرة أنها تستطيع أن تقول له "لا".
وكان كلما رأى سيارة الشركة تقلها، يزداد غضبه.
وفي ذلك اليوم، قرر أن ينتظرها.
مرت الساعتان ببطء.
عندما خرجت حياة من الشركة، كانت الشمس قد بدأت تميل إلى الغروب.
وقفت أمام الباب وهي تبحث عن هاتفها.
وجدت عدة مكالمات فائتة من ريما.
اتصلت بها.
— أيوه يا ريما؟
جاءها صوت ريما سريعًا:
— إنتِ خرجتي؟
— آه.
— استنيني، جاية لك.
— ليه؟
— هاجي أقابلك.
— أنا هروح على طول.
— حياة، استنيني.
— حاضر.
أغلقت المكالمة.
كانت ستعود إلى الداخل، لكنها سمعت صوتًا من خلفها.
— حياة.
تجمدت.
التفتت.
رأت رمضان.
تغير وجهها فورًا.
اقترب منها.
— عاملة إيه؟
— كويسة.
— وأنا مش قلت لك قبل كده إني عايز أكلمك؟
— وأنا قلت لك مش عايزة أتكلم.
ابتسم بطريقة جعلتها تنزعج.
— إنتِ لسه صغيرة ومش فاهمة مصلحتك.
— أنا فاهمة كويس.
— لأ، مش فاهمة.
تراجعت خطوة.
— لو سمحت، ابعد عني.
اقترب خطوة أخرى.
— أنا عايزك بالحلال.
— وأنا مش موافقة.
— موافقتك دي مش أهم حاجة.
تغيرت ملامحها.
— يعني إيه؟
— يعني هنتجوز، عاجبك أو مش عاجبك.
شعرت حياة بالخوف.
لكنها تماسكت.
— مستحيل.
استدارت لتغادر.
أمسك رمضان بذراعها ليمنعها من الابتعاد.
ارتبكت وحاولت أن تسحب ذراعها.
— سيب إيدي!
— اسمعيني بس.
— سيبني!
وفجأة جاء صوت حازم من خلفهما:
— سيبها.
تجمد رمضان.
التفت.
كان يحي يقف أمامه.
لم يكن غاضبًا بصوت مرتفع.
لكن ملامحه كانت كافية.
اقترب يحي منه.
— سمعتني؟
ترك رمضان ذراع حياة.
وقفت خلف يحي دون تفكير.
نظر رمضان إلى يحي.
— وإنت مالك؟
— ماليا.
— دي مش قضيتك.
رد يحي ببرود:
— من اللحظة دي بقت قضيتي.
حياة نظرت إليه بدهشة.
أما رمضان فقال:
— هي خطيبتي.
رفعت حياة صوتها فورًا:
— كداب! أنا مش خطيبته.
نظر يحي إلى رمضان.
— سمعت؟
ضحك رمضان بسخرية.
— الموضوع مش هيخلص هنا.
رد يحي:
— ولا أنا طلبت إنه يخلص هنا.
ثم أمسك بيد حياة من رسغها برفق، وأبعدها عن المكان.
كانت تمشي بجانبه وهي ما زالت تحت تأثير الصدمة.
قالت بصوت مرتجف:
— إنت كنت لسه في الشركة؟
— أيوه.
— طب إزاي...
— رجعت آخد حاجة نسيتها.
صمتت.
ثم قالت:
— شكرًا.
لم يجب.
فتح لها باب السيارة.
— اركبي.
— أنا...
— حياة.
نظرت إليه.
— اركبي.
هذه المرة لم تجادل.
جلست داخل السيارة.
انطلق يحي.
وبعد عدة دقائق من الصمت، قال:
— مين ده؟
— رمضان.
— عايز منك إيه؟
سكتت.
— حياة.
نظرت من النافذة.
— عايز يتجوزني.
قبض يحي على المقود قليلًا.
— وإنتِ؟
— مش موافقة.
— وهو عارف؟
— آه.
— وبييجي لك هنا ليه؟
— معرفش.
صمت يحي لحظات.
ثم قال:
— من النهارده، متخرجيش من الشركة لوحدك.
التفتت إليه.
— تاني؟
— آه.
— إنت مالك؟
نظر إليها.
— مش عايز أشوفك في موقف زي ده تاني.
— بس دي حياتي.
— وأنا عارف.
— يبقى سيبني أتصرف.
توقف عند إشارة المرور.
نظر إليها.
— المشكلة إنك بتحاولي تتصرفي لوحدك حتى لما الموضوع أكبر منك.
شعرت بالضيق.
— يعني حضرتك شايفني ضعيفة؟
— لأ.
— أمال؟
صمت.
ثم قال:
— شايفك مهمة.
سكتت حياة تمامًا.
لم تعرف لماذا أثرت الجملة فيها بهذا الشكل.
خفضت عينيها.
— مهمة إزاي؟
لم يجب.
وفي اللحظة نفسها، كانت سيارة تمر بجانبهما، وأحد الأشخاص داخلها رفع هاتفه باتجاه السيارة.
لم ينتبه يحي.
ولم تنتبه حياة.
التقط الشخص صورة وفيديو قصير للحظة التي كان فيها يحي واقفًا أمام رمضان، ثم وهو يبعد حياة عن المكان.
في اليوم التالي، انتشرت الصورة والفيديو في منطقتهم بشكل سريع.
لم يكن الفيديو واضحًا في البداية.
لكنه كان واضحًا بما يكفي ليظهر يحي وهو يقف أمام حياة ويحميها.
وبدأت التعليقات تنتشر.
"مين البنت؟"
"ده صاحب الشركة اللي شغال فيها؟"
"واضح إن بينهم حاجة."
"هو كان بيحميها من مين؟"
"يمكن خطيبها."
حياة لم تعرف شيئًا عن ذلك.
دخلت الشركة في الصباح، وجلست أمام مكتبها كعادتها.
لكن ريما وصلت إليها وهي تحمل هاتفها.
قالت:
— حياة.
رفعت رأسها.
— في إيه؟
وضعت ريما الهاتف أمامها.
— شوفي.
نظرت حياة إلى الشاشة.
تغير وجهها.
كان الفيديو يظهرها وهي تقف أمام يحي، ثم يظهر رمضان، وبعدها يحي وهو يبعدها عنه.
رفعت عينيها بسرعة.
— الفيديو ده جابوه منين؟
— معرفش.
— مين نشره؟
— معرفش.
شعرت حياة بقلق شديد.
— يا نهار أبيض.
— اهدي.
— ده ممكن يعمل مشكلة.
— حياة...
— الناس هتتكلم.
— الناس بتتكلم على أي حاجة.
لكن حياة لم تكن تسمعها.
كانت تفكر في شيء واحد.
يحي.
في تلك اللحظة تحديدًا، خرج من مكتبه.
نظر إلى حياة.
ثم لاحظ الهاتف في يد ريما.
تقدم نحوهما.
— في إيه؟
رفعت ريما الهاتف.
نظر يحي إلى الفيديو.
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم رفع عينيه إلى حياة.
كانت نظراته مختلفة.
جادة.
غامضة.
وقال بهدوء:
— تعالي مكتبي.
نظرت حياة إليه بتوتر.
— ليه؟
اقترب خطوة.
— عشان من النهارده، الموضوع بقى أكبر من مجرد فيديو.
رفعت عينيها إليه.
ولأول مرة، شعرت أن حياتها لم تعد تحت سيطرتها وحدها.
وأن الرجل الذي كانت تراه مجرد مدير متسلط...
قد يصبح الشخص الوحيد القادر على حمايتها من شيء لم تكن تعرف كيف تواجهه.
أما يحي، فلم يكن يعرف بعد أن هذا الفيديو سيكون بداية قرار سيغير حياته وحياة حياة بالكامل.
قرار...
لن يكون فيه مجال للتراجع.
