رواية بين دورين الفصل الاول 1 بقلم دينا جمال


 رواية بين دورين الفصل الاول 

في إطار خطة تنظيم استهلاك الطاقة وتحقيق التوازن بين معدلات الاستهلاك وقدرات الشبكة الكهربائية، تُعلن الجهات المختصة عن بدء تطبيق خطة مؤقتة لتخفيف الأحمال، اعتبارًا من الساعة التاسعة مساءً لمدة ساعة كاملة ابتداءً من اليوم وحتى إشعار آخر.
وتناشد الجهات المختصة المواطنين ترشيد استهلاك الكهرباء خلال ساعات الذروة، مع التأكيد على أن فرق الطوارئ والصيانة تتابع الشبكة على مدار الساعة للتعامل مع أي أعطال طارئة.

ويُرجى من المواطنين الالتزام بالتعليمات المعلنة، ومتابعة أي تحديثات رسمية بشأن مواعيد عودة التيار وانتظام الخدمة.

زفرت أنفاسها حانقة ذاك حقًا ما كان ينقص ليُعكر ما تبقى من صفو يومها ، ألا يكفيها أن اليوم موعد زيارة " أحمد " خطيبها " المناسب " الرجل التي تراه والدتها به كل المواصفات "المادية " الرائعة ، اعتادت أن توافق على كل ما تختاره والدتها ، منذ طفولتها تختار ثيابها طعامها مدرستها ، أي الجامعات يجب أن ترتاد ، في أي وظيفة يجب أن تعمل ، والدتها هي من تولت تربيتها منذ طفولتها والدها حي يرزق ليس بميت ولم يتركهم ويهرب بعيدًا ، ولم يطلق والدتها هو فقط حاضر غائب وجوده في منزلهم كضيف شرف الأفلام ، تاركًا كل شيء بيد والدتها لا علاقة له بأي شيء مهما كان ، مما جعل نرجسية والدتها تزداد حد السماء ، ترى نفسها صاحبة الكلمة العُليا في بيتهم أوامراها لا تقابل أبدًا بالرفض ، تنهدت تضع الدبوس الأخير في حجاب رأسها قبل أن تلتقط حقيبتها تتحرك للخارج .

على الطاولة رأت والدتها تترأس الطاولة يجلس على يمينها والدها ، ومن ثم أشقائها تنهدت تقترب منهم ، قبل أن تجلس دبت والدتها على سطح الطاولة بعنف نظرت إليها تتحدث بحدة :

 إيه اللي على راسك دا ، أنا مش قيلالك اقلعي البتاع اللي على دماغك ، أحمد خطيبك ما بيحبهوش وعايزك تقلعيه ، وأنا وافقت أحمد يبقى يتقلع 
نظرت إلى والدها تستنجد به عله يدافع عنها ولو لمرة واحدة ولكنها لم تحصد منه سوى جملة باهتة باردة :

 اسمعي كلام ماما يا سلمى ، هي أدرى بمصلحتك 
أحمد خطيبها المناسب المخنث يحب أن يتباهى بجمال شعرها وجسدها أمام أصدقاءه ، لم تُعارض وحتى أن فعلت فسيموت صوت ثورتها قبل أن يُولد من الأساس .

تنهدت يائسة عادت لغرفتها مدت يدها تنزع الحجاب عن رأسها بعنف وقفت أمام المرأة تضع كفها على فمها قبل أن تسمح لدموعها بالنزول فُتح باب غرفتها ودخلت والدتها تكتف ذراعيها تنظر إليها نظرة حادة للغاية ، رفعت سبابتها أمام وجهها تحذرها غاضبة :

 إحنا كل يوم هنعمل الفيلم الهابط دا ، وكل يوم تتأخري على شغلك ، بدل ما تحمدي ربنا أن واحد زي أحمد بشكله وشغله ومستواه الإجتماعي بصلك اخلصي لمي شعرك وانزلي يلا وعلى الله اشوفك عاملة الفيلم دا تاني
اختنقت غصة في حلقها تشعر بمراراة الذل والقهر من سيل الكلمات السامة التي تسمعها ليل نهار ، ما أن التفتت والدتها وغادرت دست الحجاب في حقيبة يدها سرًا وتحركت سريعا لخارج المنزل ، توجهت تدخل المصعد قبل أن يُغلق الباب امتدت يده حاجزا يمنعه من الاغلاق تحرك يدخل سريعا هو الآخر إلى المصعد ، يونس جارهم الشاب المنعزل الغامض قليل الكلام كثير الاختفاء ، لم يكن كذلك قبل بضع أعوام كان شابًا مرحًا ضحوكًا كثير الكلام ولكن منذ وفاة والديه في حادث ، لم تعد تراه لا هو ولا شقيقته الصغرى مريم 
لف رأسه لها وألقى تحية باردة هادئة :
 صباح الخير 

ولم يزد بحرف ردت التحية بصوت خفيض تتحاشى النظر إليه وصل المصعد إلى الطابق السفلي ، خرجت منه تستقل سيارة أجرة ما إن باتت بالداخل فتحت حقيبتها واخرجت حجابها ترتديه ، لم تستطع ارتداءه في المصعد لأن والدتها تقف في الشرفة تراقبها كل يوم حتى تغيب عن عينيها ، استندت إلى زجاج شرفة السيارة جوارها تنظر للخارج تحاول أن تمنع عينيها من البكاء ، حياتها بالكامل لعبة بين يدي والدتها ، أصبحت في السابعة والعشرين من العمر ولم تتخذ قرار واحد ، وصلت سيارة الأجرة بها إلى الشركة حيث تعمل أو بمعنى ادق حيث قررت والدتها أن تعمل زوجة صاحب الشركة إحدى صديقات والدتها استطاعت أن توظفها في قسم تدوين البيانات على الحاسب ، وظيفة مرهقة ولكن العائد منها جيد ، توجهت سريعا إلى مكتبها دون أن توجه حديثها لأي من كان دون حتى أن تُلقي تحية واحدة ذلك يجعلها محط انتقاد وسخرية الجميع ، الفتاة الغريبة المنطوية التي لا تحادث أحدًا ، توجهت الى جهاز الحاسوب الخاص بها جلست أمامه تعمل دون كلام ، قضت ساعات طويلة في صمت مطبق ، صمت لم يقطعه سوى صوت " أحمد " خطيبها المناسب وهو يحادثها منفعلا :

 أنتِ برضوا عملتي اللي في دماغك يا سلمى ، بتضحكي عليا أنا وأمك ، تعالي معايا أنا هوديكي ليها وهي هتتصرف معاكي .

وبكل إهانة لها أمام الجميع شدها من عضدها بعنف يجذبها خلفه كما الحيوانات ، من الصدمة لم تعي ما يحدث لها ، شُل لسانها لم تنطق بحرف دفعها إلى سيارته بعنف كأنه يُلقي قطعة قماش بالية قبل أن ينطلق بالسيارة مسرعًا يسمعها وابل من السباب والإهانة ، تشعر بأن كل ما يحدث الآن ما هو ألا كابوس بشع لا تعرف كيف ستصحو منه ، لم تدرك أين هي ألا بالصفعة التي نزلت من يد والدتها على وجهها بعنف توسعت حدقتيها ألمًا تملأهم الدموع ، غرزت والدتها أظافرها في ذراعيها بعنف تصرخ فيها :

 بتضحكي عليا ، بتستغفليني ، أنتي فاكرة نفسك تقدري تعصي كلامي ، أنا اللي خلفتك وكبرتك وربيتك وعلمتك وعملتك بني آدمة ، جاية دلوقتي تشوفي نفسك ، لاء وألف لاء أنتي عجينة أشكلها زي ما أنا عايزة ، ولو العجينة شكلها ما عجبنيش ، بعجنها من أول وجديد وأرجع أشكلها تاني ، دا آخر إنذار ليكِ بعد كدة رد فعلي مش هيعجبك أبدا 
ودفعتها بعنف وكأنه تلقي ورقة في القمامة ، في اللحظة التالية كانت تتوجه ناحية أحمد تحادثه وهي تبتسم :

 اقعد يا أحمد ، اقعد يا حبيبي ، هجبلك عصير تروق دمك بعد ما المستفزة دي حرقته 

رأته ينظر إليها يبتسم شامتًا يتشفى بها ، جرت نفسها جرًا صوب غرفتها ، جلست أرضًا جوار باب الغرفة المُغلق تضم ساقيها لها ، أغمضت عينيها تهرب إلى النوم آملة أن يكن كل ما حدث ليس سوى كابوس بشع.


تعليقات