رواية بين دورين الفصل الثاني
لم تعرف متى استقيظت ولكنها استيقظت على ألم شديد ، فتحت عينيها فرأت والدتها تقف أمامها تلكزها بحذائها في بطنها تحادثها غاضبة :
قومي يا ست هانم بعد كل اللي هببتيه دا وليكي نفس تنامي ، يا بجاحتك يا شيخة ، قومي انزلي هاتي لأحمد سجاير ، أنا كان ممكن أنزل حد من اخواتك الصغيرين بس لاء هتنزلي أنتي وزي ما أنتي كدة ، يلا قومي
صرخت فيها مما جعلها تهب واقفة ترتجف خائفة ، ألقت النقود في وجهها وتركتها وغادرت ، لا تعرف لما لم تبكي هي فقط تحركت للخارج رأت " أحمد " يجلس أمام والدتها يضحك بملأ شدقيه ، طفقها بنظرة سخيفة ساخرة شعرت بمرارة الذل تجتاح نفسها ، أرادت أن تصرخ حتى تتقطع أنفاسها من الصراخ ولكن بدلا من ذلك جرت قدميها إلى الخارج طلبت المصعد دخلت تنزل لأسفل ، ما أن وصل المصعد للطابق الأرضي انفتح الباب ، رأت ذلك المدعو يونس جارهم يدلف للمصعد ، رأى حالتها المزرية لأول مرة يظهر على وجهه تعبير مختلف غير البرود والخمول كادت أن تخرج من المصعد حين أمسك بيدها يعيدها إلى الداخل يسألها قلقًا :
مالك يا سلمى ؟
نظرت إليه مطولا تقل عينيها ما يعجز فمها عن نطقه ، شدت يدها من يده أرادت أن تخرج من المصعد ولكن بابه أُغلق قبل ذلك صعد بهم طابقين لأعلى ومن ثم انطفئت الأضواء وتوقف المصعد مكانه ، أصابها حالة من الهلع أثر ما حدث ولكنها في اللحظة التالية تذكرت ما قرأت صباحاً نظرت إليه تتمتم بهلع :
هي الساعة كام ؟
لم تكن تملك هاتفها لتعرف ، نظر لشاشة هاتفه قبل أن ينظر إليها يردف متوترًا :
9 أنا آسف نسيت حوار تخفيف الأحمال دا خالص ، أنا بس كنت عاوز أطمن عليكِ
على ضوء كشاف هاتفه رآها تبتعد عنه جلست هناك بعيدًا تضم ركبتيها لها ، لاحظ أن
الدموع تتلألأ في عينيها قبل أن تهبط على خديها بكت بحرقة تتحدث وكأنها تُحادث نفسها :
أنا تعبت ، تعبت خلاص من كل حاجة ، أنا عاملة زي العروسة اللعبة.
ظل يونس ينظر إليها للحظات، ثم جلس على الأرض في الجهة المقابلة، تاركًا بينهما مسافة آمنة، وأغلق ضوء هاتفه للحظة قبل أن يعيده مرة أخرى، وكأنه يمنحها فرصة لتلتقط أنفاسها.
عجينة مش عروسة
خرجت الكلمات منها مكسورة، تبعتها شهقة حاولت كتمها بكفها ،ظل صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء:
وأنا كمان
رفعت عينيها إليه بدهشة، وكأنها لم تتوقع أن يسمع منها تلك الجملة
ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة وأردف:
بس أنا اخترت أبقى لوحدي بدل ما أبقى لعبة في إيد حد.
نظرت إليه مطولا، قبل أن تمسح دموعها بطرف كفها:
أنت مش فاهم.
أكيد لأ... بس ممكن أفهم لو حكيتي
سكتت قليلًا تنظر إليه حائرة مضطربة، وكأنها ستتكلم للمرة الأولى في حياتها:
ماما... هي اللي بتقرر كل حاجة في حياتي. من وأنا صغيرة وأنا بعمل اللي هي عايزاه. لبسي، دراستي، شغلي... حتى جوازتي.
أنا وصلت لسبعة وعشرين سنة ومش فاكرة إني في يوم صحيت وقلت أنا عايزة إيه
ابتلعت غصة وقف في حلقها، وأردفت حتى أحمد،أحمد ما بيحبنيش.
هو بيحب الصورة اللي عايزني أبقى عليها. عايز شعري، جسمي، شكلي... حتى أمي شايفة إنه مناسب ليها هي، مش ليا.
لف رأسه إليها يسألها مباشرة :
وإنتِ بتحبيه؟
هزت رأسها نافية :
لاء
قالتها لأول مرة بهذه السهولة ، قالتها لنفسها قبل أن تقولها له ، ابتسمت ساخرة تردف:
أنا حتى مش عارفة أنا بحب إيه
صمت يونس، ثم أسند رأسه إلى الحائط خلفه ، ابتسم يتنهد بحسرة :
أبويا وأمي كانوا كل حياتي. بعد ما ماتوا سوا في الحادثة حسيت إن كل حاجة اتسحبت مني مرة واحدة.
حتى مريم... أختي الصغيرة، بقيت خايف عليها من الدنيا ومن نفسي ومن أي حد ممكن يأذيها.
عقدت جبينها تسأله فجاءة :
عشان كدة اختفيت؟
هز رأسه وابتسم ينظر إليها اختنق صوته يهمس بصوت خفيض :
الوحدة حقيقي بتوجع وبتطفي الإنسان
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن الصمت الذي اعتادته سلمى في بيتها.
كان صمتًا مريحًا، لا يحمل تهديدًا ولا انتظارًا لانفجار جديد ، تنهدت تقول يائسة :
أنا نفسي أعيش مرة واحدة حاجة أنا اللي اختارتها
حرك كتفيه لأعلى بحركة
تلقائية يتحدث ببساطة:
يبقى اختاري ، ما تخليش حد يختارلك ، أنتي اللي هتحاسبي على اختيارك ، ما تخليش شبخ والدتك يفضل مسيطر عليكي ، أنتي أقوى من كدة بكتير يا سلمى ، أنتي مش عجينة في أيد أي حد
عقدت جبينها متعجبة من جملته الأخيرة ،لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنها حية ، إنسانة لها إرادة ويجب أن تستخدمها الان رعت رأسها، ومسحت دموعها تردف بنبرة حازمة :
أنا هفسخ الخطوبة ، وهعيش حياتي وأنا اللي هختار وهقرر ، مش هسمحلها تعاملني على إني عروسة أو عجينة تاني أبدا
نظر إليها يونس مطولا و ابتسم يحرك رأسه لأعلى وأسفل :
وأنا واثق أنك هتقدري تعملي كدة
وفجأة عادت الكهرباء يبدو أن الساعة قد مرت دون أن يشعرا
أضاء المصعد دفعة واحدة وصعد بهما لأعلى
وقفت سلمى سريعا، تنظر إلى انعكاس صورتها في المرآة الصغيرة داخل المصعد ومن نظرت إلى يونس ، تلك المرة لم تخفض عينيها ، أطالت النظر لوجهه وابتسمت تحرك رأسها ، خرجت من المصعد، لكنه ناداها قبل أن تتحرك
سلمى !
التفتت إليه تعقد جبينها لتراه يعود للمصعد يقول وهو يبتسم :
لو احتجتي أي حاجة... خبطِي على بابي
ما إن خرجت سلمى من المصعد حتى توقفت أمام باب شقتها ، قدماها ثابتتين، لكن قلبها يضرب بعنف داخل صدرها ،رفعت يدها نحو جرس الباب لم تمر سوى ثوانٍ حتى فُتح الباب ، ما أن رأتها والدتها جذبتها من ذراعها بعنف للداخل تصرخ في وجهها :
إنتِ كنتِ فين كل ده؟
لم تجب ، نزعت يدها من يد والدتها دخلت بهدوء وأغلقت الباب خلفها، ثم خلعت حذاءها ووضعته جانبًا ، اعترضت والدتها طريقها تصرخ في وجهها:
إيه بقيتي خارسة ولا ايه ما تنطقي ، ساكتة ليه ؟!
ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة تحرك كتفيها لأعلى قبل أن ينفجر البركان :
عشان أنا تعبت ، تعبت منك ومن أوامرك وتحكماتك ونرجسيتك ، تعبت من كوني لعبة بين أيديكي ، بتقرري كل حاجة في حياتي ، أكلي لبسي دراستي نومي هدومي ، أصحابي ، حتى الراجل اللي المفروض هتجوزه أنتي اللي اختارتيه ، شوفتيه مناسب من وجهة نظرك ، أحمد بيه دا أبعد ما يكون عن الرجولة عايز مانيكان يتفشخر بجسمها وشكلها قدام أصحابه .
إنتِ اتجننتي ، أنتي فاكرة نفسك حاجة فوقي أنتي من غيري ولا حاجة أنتي فاهمة ، أنا أمك أنا اللي عملتك ، أنا اللي خليت ليكي قيمة
صرخت فيها وهي تغرز أظافرها بعنف كما اعتادت في ذراعيها ، نزعت سلمى ذراعيها بكل قوة تصرخ في وجه والدتها :
لاء مش فاهمة ، أنتي ما عملتيش أي حاجة عشاني كل اللي عملتيه ، عملتيه عشان نفسك وبس ، عشان تفضلي دايما صاحبة الكلمة الأولى في البيت ، عشان تفضلي مسيطرة علينا كلنا ، وبابا هو اللي ساعدك على كدة لما انسحب من حياتنا وقرر يسلمك كل حاجة ، بس لاء كفاية كدة ، أنا تعبت وزهقت ومش مستعدة أعيش حياة أنتي اللي رسماها ساعا كمان
مدت يدها تنزع خاتم الخطبة من يدها تضعه بعنف على الطاولة جوارها بقوة تصرخ :
كفاية كدة ، كفاية
خرج والدها من الغرفة على صوت الشجار، وتبعه إخوتها، بينما وقفت الأم في منتصف الصالة تحدق في ابنتها غير مصدقة ما تفعل ابنتها :
إنتِ اتجننتي ، أكيد اتجننتي
لأ
تقدمت سلمى خطوة تصرخ بكل قوة
_ أنا فوقت ، فوقت وتعبت ،دي حياتي أنا
نظرت والدتها لها باحتقار تردف محتدة:
وإنتِ فاكرة إنك تعرفي مصلحتك أكتر مني؟
أيوه ، قالتها بكل هدوء وابتسمت تتنفس بقوة تقول سعيدة :
أنا تعبت من كلمة حاضر ونعم وايوة ، دلوقتي لاء ، لاء ليكي ولأوامرك ولأحمد وللحياة اللي أنتي ممشياني فيها غصب عني.
إنتِ فاكرة إنك هتكسري كلامي وتمشي كده؟!
أنا همنعك! هرفدك من شغلك ، همنع عنك المصروف! هخلي أبوك يطردك من البيت ، هخليكي شحاتة مالكيش قيمة
التفتت سلمى إلى والدها وابتسمت تسأله :
هتطردني يا بابا من البيت ، ولا هتقولي اسمعي كلام ماما زي ما اتعودت تقولها ، صدقني أنا مش مستنية إجابة بعد كل السنين دي ، أنا مش همشي ولا ههرب ولا هعمل فضيحة ، أنا هروح اقعد عند جدي فترة ، هروح ابدأ حياتي من أول وجديد
والتفتت تغادر قبل أن تفعل مدت يدها تلتقط حجابها الملقى أرضا تلفه حول رأسها ، توقفت عند الباب حين سمعت والدتها تصرخ باسمها التفتت إليها تقول بهدوء:
_ نعم؟
لو خرجتي من الباب ده، متدخليش تاني ، أنتي فاهمة
ابتسمت ترفع كتفيها لأعلى بلامبلاة تتحرك للخارج ، تشعر لأول مرة أنها تخرج من باب القفص الذي ظل مغلقا لسنوات.
