رواية وكانت هيا الرسالة الفصل الأول 1 بقلم شروق البنداري

 


رواية وكانت هيا الرسالة الفصل الأول بقلم شروق البنداري 


"والله يا أستاذ هو دا نفس اللي حضرتك بعته في الصورة بالضبط! مش مشكلتي إن خطيبتك ما عجبهاش اللون.. أنت اللي ذوقك وحش!"
رد عليّ بنبرة متوترة ومتلخبطة، وصوته كان باين فيه العصبية على قلة الحيلة:
  "طب على فكرة بقى معاكي حق.. دي واحدة مبتفهمش، في حد يبقى لونه المفضل الأصفر المخضر?!"
خفت صوتها شوية وهي بتقول بتهكم وضحكة مكتومة:
  "تعرف؟ وأنا أكتر منها لأني وافقت أعمل الأشكال دي من البداية!"
وقاطعته بحدة عشان أحط حد للمكالمة الغريبة دي:
  "وانا مالي يا أستاذ باختيارك؟ أنت ليك عندي شغل الهاند ميد وخلص واستلمته ومفيش فيه غلطة، داخل تشتكي وتكلمني دلوقتي ليه؟!"
صمت ثواني.. وصوته فجأة اتقلب لنبرة مكسورة أوي تكسر الخاطر:
  "مش عارف.. بس هي رفضتني! مع إني كنت مستعد أعملها أي حاجة، وحتى إني أحب اللون المعفن دا عشانها!"

تنهدت هي بضيق مخلوط بشفقة، وسكتت ثانية وكأنها بتفكر قبل ما تفتح النار عليّ بكلامها اللي كان زي المشرط بس بيعالج:

  "أنت يا بني آدم تعبان في مخك! أنا واحدة بتعمل شغل واستلمته، داخل تحكيلي قصة حياتك ليه؟ أقولك؟ أنا هعملك حظر وأريح دماغي.. بس كلمة واحدة هقولهالك عشان صعبان عليا: أنت واحد شكلُه تايه أوي وبتحاول دلوقتي تلهي نفسك عن التفكير بأي حاجة، حتى لو إنك تدخل تكلم واحدة متعرفهاش عشان تفضي اللي جواك وحد يسمعك.. وشكلك ابن ناس لأنك عمرك ما تعديت حدودك في الأول وأحنا بنتفق على التفاصيل.. فنصيحة مني: اقفل التليفون دا خالص، وروح اتوضى واشكي للي أدرى مني بحالك، وهو الوحيد اللي هيسمعك ويرشدك بحكمته.. وسيبك من البت دي واهتم بشخصيتك وقويها بإيمانك وثقتك في نفسك وبُعدك عن أي حاجة غلط في حياتك.. سلام!"
وقبل ما ألحق أرد، كانت عملتلي حظر.

قفلت التليفون وأنا قاعد على سريري مذهول.. بقرأ المسج وأعيدها وكأن دا بالظبط اللي كنت مستنيه من زمان! مستني ربنا يبعتلي رسالة، أي قشة أتعلق بيها عشان أبدأ من جديد، وأنتشل نفسي من مستنقع القاذورات اللي أنا غرقان فيه بسبب إني حبيت واحدة من المستنقع دا وقبلت على نفسي الإهانة والضعف!
التليفون رن في إيدي، كان مازن.. صاحبي وأقرب بني آدم ليا، الشخص الوحيد اللي كان شايفني بضيع وبيحاول يشدني من السكة دي بس أنا اللي كنت معمي.
فتحت الخط بصوت مخنوق ومبجرح:
 "ألو.. مازن."
   مازن أول ما سمع نبرة صوتي اتخض وقالي بلهفة:
 "جاسر! مال صوتك يا صاحبي؟ أنت فين؟ البت دي عملت فيك إيه تاني؟!"
تنهدت بوجع وقلتله:
  "سابتني يا مازن.. رفعت راسها عليا وقالتلي كل شيء قسمة ونظيب عشان رفضت أعملها اللي هي عايزاه ورأي أصحابها كان أهم مني."
   مازن سكت ثانية، وبعدها قال بنبرة دافية وبدون أي شماتة:
 "أنت تزعل إنها سابتك؟ ولا تزعل إنك ضيعت سنين من عمرك بتجري ورا سراب وبتبعد عن ربنا عشان واحدة ما تستاهلش؟! يا جاسر أنا ياما قلتلك الطريق اللي أوله معصية آخره وجع قلب وانت رفضت تسمعلى ! ربنا بحكمته بيقطع عنك السكة دي عشان تتعدل وتفوق."
دموعي نزلت غصباً عني وقلتله بصوت مكسور:
  "أنا تعبت يا مازن.. حاسس إني ضايع، وشكلي بقى وحش قدام نفسي وقدر ربنا.. في واحدة دلوقتي شغل هاند ميد هزقتني بكلمتين، بس كلامها نزل عليا زي القلم اللي صحاني! قالتلي اقفل تليفونك واتوضى واشكي لربنا وهو اللي هيصلح حالك."
مازن صوته اتغير، وبقى فيه حماس وتشجيع يدي الأمل:
  "والبنت دي عندها حق! ربنا يبارك لها. قوم يا جاسر.. قوم يا صاحبي يغسل وشك واتوضى، وأنا أهو نازل من بيتي حالاً وجايلك، نخرج من القرف دا سوا وننزل الجيم من بكرة، وربنا شاهد إني مش هسيبك غير وأنت راجل جديد.. قوم يلا قوم صلي، ربنا مستنيك!"
كلام مازن وصوت الآذان اللي بدأ يرفع في الوقت دا ، كانوا زي طوق نجاة تاني بيترميلي.
دخلت اتوضيت وصليت قيام الليل.. بكيت بكاء عمره ما خرج مني، كنت بصرخ في السجود وبشهق من كتر حالة الذل والضعف اللي كنت فيها، وأنا بستغفر ربنا على ذنوبي اللي ملهاش أول من آخر، وبدعيه يتوب عليا ويطلع حب البت دي من قلبي اللي أذاني ودمرني..
وفي آخر دعواتي، لقيت لساني من غير ما أحس بيدعي للبنت دي بالذات! البنت اللي مستخصرتش نصيحتها لواحد غريب تايه في عالم قذر..
فضلت طول الليل أصلي وأدعي لحد ما أذان الفجر رفع.. ولقيت مازن واقف تحت البيت مستنيني، ونزلنا صلينا الفجر في المسجد سوى.. بعد ثلاث سنين كاملين كنت مقاطع فيهم الصلاة وبدمر نفسي حتة حتة.
(عند جميلة)
أما أنا.. فقعدت على السرير بعد ما قفلت معاه وعملتله حظر، حسيت بغصة في قلبي عليه.. أسلوبه كان باين إنه شاب تايه وابن ناس بس السكة مشيت بيه غلط.
تليفوني رن، كانت صاحبتي وأنتيمتي مريم..
رديت عليها:
 * "ألو يا مريم.."
   مريم بفضول:
 * "إيه يا جومانا؟ خلصتي الاوردر بتاع البيدج ولا لسه؟ البت الزبونة جننتك ولا إيه؟"
   تنهدت وقلت لها:
 * "الاوردر خلص وتسلم خلاص يا مريم.. بس حكايته حكاية، خطيب زبونة دخل يكلمني ويتخانق عشان اللون مش عاجبها، واكتشفت إنه شاب مسكين أوي وتايه، سابته عشان تافهات وهو كان يائس وبيتكلم بضعف يوجع القلب!"
مريم بذهول:
 * "يا لهوي! وأنتِ عملتي إيه؟ مسكتيه هزقتيه أكيد؟"
   قلت لها بهدوء:
 * "لا يا مريم.. صعب عليا، حسيته محتاج حد يفوقه ويقوله إن ربنا أرحم بيه من القرف دا كله.. نصحته يقفل التليفون ويتوضى ويصلي ويهتم بربنا وبنفسه، وعملتله حظر."
مريم ابتسمت وقالتلي بصوت دافي:
 * "جدعة يا جميلة.. طول عمرك قلبك أبيض ونيتك صافية، يمكن كلمتك دي كانت الرسالة اللي ربنا باعتها له عشان يتعدل."

قمت بعدها اتوضيت وصليت قيام الليل، ووسط دعواتي لنفسي وأهلي، لقيت قلبي بيتوجع عشان الشباب اللي زي دا، ولقيتني بدعيلُه هو وكل شباب المسلمين اللي نسوا دينهم وأصولهم وتربيتهم، وبقى الواحد يكلم بالعشر بنات في نفس الوقت ويضيع حياته على تفاهات وشهوات تؤذيه وتؤذي غيره.
رفعت إيدي للظلمة وبدأت أدعي بقلب صادق وعين بتدمع:
> "اللهم اهدي شباب المسلمين وبناتهم، واحفظ قلوبهم من التعلّق بما لا يرضيك، واشغلهم بما ينفعهم، واصرف عنهم كل علاقة تُتعب قلوبهم وتُضيّع أعمارهم، وارزقهم العفة وغض البصر وقوة النفس..
> اللهم إن كان في قلوبهم فراغ فاملأه بحبك، وإن كانوا يبحثون عن الأنس فارزقهم الصحبة الصالحة، وإن أرادوا الزواج فارزقهم أزواجًا صالحين، واجمع بينهم في الحلال على خير..
> اللهم ردّهم إليك ردًا جميلًا، واغفر لهم، وثبّت قلوبهم على طاعتك، ولا تجعل في حياتهم علاقة تكون سببًا في بُعدهم عنك أو أذى أنفسهم أو غيرهم..
> اللهم أصلح شباب المسلمين، واحفظهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.. آمين."
سلمت وقومت نمت وأنا مرتاحة البال.
(عند جاسر)
صحيت الصبح جهزت نفسي ليوم طويل مليان تفاؤل وأمل.. لكليتي... كلية هندسة واللي كنت بهملها بسبب القرف اللي كنت فيه!
بس قبل ما أنزل، فتحت التلجرام برقم غريب عندي محدش يعرفه، وفتحت البيدج بتاعتها وبعت كلمة واحدة بس:
 * "شكراً."
وعملت حظر للرقم فوراً وقفلت التليفون ورميته في الشنطة.
خرجت ولقيت مازن مستنيني بابتسامة عريضة على أول الشارع، طبطب على كتفي وقال:
 * "يلا يا بطل.. اليوم دا بداية شخص جديد، جاسر اللي بجد!"
مرت سنتين كاملين.. سنتين وأنا ومازن بنشجع بعض، نتمرن سوى، نصلي سوى، ونركز في كليتنا لحد ما اتغيرت 180 درجة.. لحد ما جه اليوم اللي هبدأ فيه تدريبي الصيفي في أكبر شركة مقاولات ومكتب هندسي.. ومن غير ما أعرف، كانت الأقدار بتنسج غزلها عشان تحط "طوق النجاة" في طريقي تاني!


تعليقات