رواية خادمة الصندوق الفصل الأول بقلم يوسف مصطفى
في قريتنا الريفية، حياتك كبنت مرسومة ومحسومة من يوم ما تتولدي.
توصلي سن 18 سنة؟ يبقى لازم تكوني كوشة العروسة جهزت، وإلا مفرمة "الكلام" هتشتغل ومش هنسلم منها.. كلمة "عانس" بتكون جاهزة تترشق في وشك مع كل صباح.
التعليم عندنا؟ حلم بيقف عند بوابة الثانوية. اللي يدخل الجامعة ده لازم يكون ابن العمدة أو عيلته بتغرف فلوس بالمعالق الدهب.
الشباب كان عندهم منفذ يشتغلوا، يعرقوا، يجمعوا قرشين ويسافروا يدرسوا.
أما البنات؟ السرير اللي في بيت أبوها بيتبدل بسرير في بيت جوزها.. وخلاص.
بس أنا، آية، كنت نبتة غريبة في أرض ناشفة.
كانت ليا صديقة اسمها "أميرة"، أبوها كان مقتدر شوية وربنا كرمها ودخلت الجامعة.
أميرة كانت طوق النجاة ليا. كل ما تخلص سنة، تجيبلي الملازم والكتب القديمة بتاعتها.
كنت باخد الكتب دي أتعامل معاها زي الممنوعات.. أهربها جوه البيت وأخبيها تحت السرير، أستنى لحد ما قنديل الصالة يطفي وأبويا يروح في النوم، وأطلع الكتب أذاكرها على ضوء شمعة خافتة.
أنا كنت بعشق حاجة اسمها تعليم، بس أبويا كان من النوع اللي كلمته زي الفأس.. لو قال "مفيش تعليم"، يبقى الموضوع انتهى ومفيش نقاش.
في ليلة من الليالي، الهدوء كان مرعب في البيت. الكبار كلهم في سابع نومة. تسحبت، دخلت أوضتي، وقفت الشباك كويس، وخرجت ملازم أميرة قدامي على المكتب الصغير. بدأت أقرأ وأغوص في السطور، والوقت سحبني ونسيت الدنيا.. وفجأة، الباب اتنطر!
أبويا كان واقف على الباب. عينيه كانت بتطلع شرار.
من غير ما ينطق كلمة، اندفع عليا زي السيل، أكلت علقة وسلسلة شتايم تهز الجبال، وفي لحظة غضب أعمى، لمّ كل الكتب والملازم في حضنه وخرج يجر خطوته في الشارع.
ما حسيتش بنفسي.. ما قدرتش أشوف شقايا وحلمي بيموت قدامي. جريت وراه في الضلمة. الشارع كان كحل، زي البئر المهجور، بس كنت ماشية ورا خياله المنتفخ بالغضب. شفته بيتجه لناحية أطراف القرية.. للبيت المهجور.
البيت ده كنا واحنا صغار بنمر من جنبه ونجري. بيتهد من السقف، السلالم متكسرة، الجدران مشققة ومطفية، وكل أهالي البلد بيرهبونا بيه: "اللي يقرب منه، هيطلعله أبو رجل مسلوخة وياخده وما يرجعش او الي يدخل البيت مش هيطلع منه!"
شفته وقف قدام السور المهدوم، وبكل قسوة رمى الكتب والملازم لفوق.. وبما إن السقف أصلاً كان واضع وواقع، الكتب نزلت جوه قلب البيت المهجور وغرست في التراب والردم وسقف البيت المتدمر.
أبويا لف ورجع، وأنا اتسحبت في الضلمة وجريت على بيتي، دخلت الأوضة وقغلت على نفسي وأنا ببكي بدموع حارقة.. بس جوايا حاجة أصرت: الكتب دي مش هضيع.
تاني يوم، اتسحبت وروحت للبيت المهجور.
الشبابيك والأبواب كانت مسمرة بخشب قديم ومتهالك من برة. قعدت ألف حولين البيت لحد ما لقيت شباك صغير واطي قريب من الأرض ومفيش عليه خشب. اتسحبت منه ودخلت جوه.
الجو جوة كان مكتم، ونور الشمس نازل في بقع صفرا من السقف المهدوم. لقيت كتبي وملازمي مرميين في النص، جريت ولميتهم، بس وأنا بلم آخر ملزمة، عيني لقطت حاجة غريبة مرمية تحت كومة تراب في الركن..
صندوق خشب صغير.
شكل الصندوق كان يسحر ومختلف عن كل حاجة في البيت المهدوم. محفور بنقوش قديمة ومتقنة، من نوع الصناديق اللي الملوك أو الحريم الكبار بيشيلوا فيها الدهب والجوهر.
مسكته، كان تقيل. قلت في بالي: "أنا معنديش دهب، بس شكله حلو أحطه على مكتبي في الأوضة".
فتحت الصندوق بهدوء..لقيت قماشة سودة ملفوفة بعناية، وجنبها جثة قطة صغيرة أوي ميتة ومتحنطة.
اتنفضت من القطة، ورميتها بعيد، ومسكت القماشة. بمجرد ما لمستها، القماشة اتقطعت ودافت في إيدي.. الحرارة والرطوبة كانوا مأكلينها. جوه القماشة كان في ورق قديم ومتحلل.
أخدت الورق، وحطيته جوه الصندوق، ولميت كتبي وجريت على البيت.
دخلت الأوضة بسرعة، هربت الكتب جوه الدولاب تحت الهدوم، وأخدت الصندوق نضفته ولمعته وحطيته قدامي. طلعت الورق على المكتب.. كان ناشف بيتقطع.
بدأت أفرده براحة جداً عشان ما يتقطعش مني.
حروف كتير متداخلة، كلمات ملخبطة، أشكال هندسية ورسومات مبهمة. قعدت أقرأ بالحرف، وبحاول أتهجى الكلام بصوت واطي وأفهم معناه..
وفجأة، وأنا بتهجى آخر جملة، جسمي اتجمد والدم اتجمد في عروقي.
الكلام ده مش تعليم ولا أدب.. الكلام ده عَمَل وتحضير جن!
رميت الورق من إيدي كأنه جمرة نار. أخدته وقطعته حتت صغيرة ورميته في الزبالة وعقلي بيصرخ: "إيه اللي أنا عملته ده؟! أنا قرأته بلساني.. معقولة أكون حضرته؟ معقول هيجيلي؟"
قعدت على الأرض في الزاوية، حاطة إيدي على رأسي وببكي من الرعب والخوف من المجهول.. ومن كتر التعب والرعب، عينيا غفلت ونمت في مكاني على الأرض الصلبة.
صحيت.. الدنيا كانت ضلمة كحل.
بصيت على الساعة، كانت 8 بالليل. أنا نمت ساعات طويلة أوي. مفيش أي نور في الأوضة غير ضوء القمر الباهت اللي داخل من الشباك.
قمت بالراحة عشان أطلع على السرير وأكمل نومي وأهرب من الكابوس ده، بس أول ما حطيت رجلي على السرير.. سمعت الصوت.
صوت خشن، عميق، جاي من ورايا مباشرة.. صوت يكسر العظام: "ما شبعتيش نوم؟"
اتنفضت من مكاني، دموعي نزلت في ثواني، وأنا بدموع مرعوبة وبدور في فراغ الأوضة المظلمة:"إأأ.. أنت مين؟!"
الضلمة اترجت بضحكة ساخرة، صوتها زي احتكاك الجبال: "خدامك... انتي حضرتيني علشان أكون خدامك!"
تراجعت لورا وضهري اتخبط في الحيطة، وقلت بصوت بيترعش:"أنا.. أنا مش فاهمة.. يعني إيه خدامي؟"
الضحكة اتكررت تاني، بس المرادي كانت أعمق وأرعب، وسرت قشعريرة في جسمي كله وهو بيقول:
- "أنتي حررتيني من الصندوق ده.. وأنا وعدت من مئات السنين.. إن اللي هيحررني، هكون خدامه للابد!"
سكت لثواني، ضربات قلبي كانت مسموعة في الأوضة. حاولت أجمع شتات نفسي وسألته بصوت مبحوح:
"انت.. انت مش هتاذيني.. صح؟"
الصوت تحول فجأة لـ نبرة هادية جداً، بس كانت لسه خشنة ومحملة بهيبة غريبة: "مستحيل.."
بلعت ريقي وسألته:"بس.. بس انت فين؟ أنا مش شايفاك!"
رد ببرود: "عايزة تشوفيني؟"
في اللحظة دي، افتكرت كل قصص العجائز عن شكل الجن.. العيون الشاقة، القرون، والوجوه المحروقة.
جاوبت بسرعة ورعب:"لا! لا مش عايزة!"
ضحك نبرة خفيفة وقال: "بس أنا مش هأذيكي.. أنا هطلعلك بالصورة اللي انتي تختارايها أو تحبيها.."
وفجأة.. النور الباهت بتاع القمر اتجمع في نقطة في نص الأوضة. النقطة بدأت تتجسد وتتشكل..
وبدل المسخ المرعب اللي كنت مستنياه، ظهرت قدامي طفلة صغيرة.. عمرها ما يتعداش 7 سنين. شعرها بني ناعم ونازل على كتافها، عينيها واسعة وبنية، ولابسة فستان أبيض ناصع.
الطفلة بصتلي وبابتسامة هادية جداً قالت بصوت ناعم زي الهدير:"أنا مش هأذيكي.."
برقت فيها وأنا مش مصدقة:"انتِ.. انتي مش المفروض إنك.. راجل؟"البنت هزت رأسها بهدوء، وقالت:
"أنا لازم أمشي دلوقتي.. وهجيلك بكرة."
رديت بلهفة ورعب من إنها سيبني في الضلمة لوحدي:
"لا استني!"
التفتتلي الطفلة تاني، وعينيها البنية كانت بتلمع بالنور في الضلمة، وقالتلي:"عايزاني أفضل؟"
