رواية العشق رماد العداوة الفصل الاول 1 بقلم مروه محمد البطراوي


 رواية العشق رماد العداوة الفصل الاول 1


كان المنزل يبدو كأنه خلية نحل كبيرة يخرج هرج و مرج وأصوات عالية في كل مكان.
 كانت الحاجة وداد واقفة في منتصف الصالة توجه العمال بصوت جهوري وهي تقول
-يا ابني حاسب على النيش ده فيه طقم شاي من ريحة المرحوم شيله في نني عينك
في تلك اللحظة دخلت سلمى وهي تحمل صندوق كبير يخفي وجهها وتسير وهي تلهث من التعب و قالت وهي تتنهد
-يا خالتي قوليلي إننا خلاص وصلنا لآخر كرتونة أنا ضهري استوى
ومن خلف الصندوق خرج صوت هادئ وبارد جدا
-لو سمحتي إنتي كدة سادة الطريق وأنا ورايا شغل
أنزلت سلمى الصندوق بسرعة و بحدة فظهر وجهها الاحمر من التعب وشعرها الذي خرجت منه خصلات مبعثرة، ثم نظرت إلى صاحب الصوت
كان شابا يقف مستندا إلى الحائط، يرتدي قميصا مكوي بعناية وهادئ المظهر بشكل مستفز لشخص ما زال يحمل صناديق
قالت سلمى بضيق
-طريق إيه هو إنت واقف في شارع ما البيت واسع أهو عدي من أي حتة
رد يوسف وهو يرفع حاجبه وينظر إلى الصندوق
-أعدي منين إنتي حاطة مفاعل نووي في نص الصالة وبعدين إنتي مين أصلا عشان تزعقي في بيتي
قالت سلمى بضحكة ساخرة
-بيتك لأ يا شاطر ده بيت الحاجة وداد وأنا بنتها أقصد بنت أختها المهم إني هسكن هنا فوسع بقى عشان الكرتونة دي فيها صيني وممكن ألبسهولك في وشك عادي جدا
نظر لها يوسف من أعلى لأسفل بنظرة باردة ثم أخرج هاتفه من جيبه وقال وهو يبتعد
-يا أهلا بالصداع البيت كان ناقص فعلا
صرخت سلمى وهي ما زالت خلفه
-خد يا كابتن إنت يا باشمهندس إنت بتكلمني وأنت عطيني ضهرك.
رد دون أن يلتفت
-لما تتعلمي ترصي كراتينك بعيد عن طريقي هبقى اعطيكي وشي نورتي البيت يا يا فصيحة
كادت سلمى أن تنفجر من الغضب لولا أن الحاجة وداد دخلت في تلك اللحظة و احتضنتها قائلة
-نورتي يا سلمى يا بنتي شوفتي يوسف بقي مهندس أد الدنيا بس طبعه حامي شوية
قالت سلمى بهمس غاضب
-ده حامي. ده محتاج إعادة ضبط مصنع يا خالتو وداد بس وحياة المحشي اللي ريحته قالبة البيت لأربيه
*****
بعد ساعتين من التعب كان المنزل قد تحول إلى سفرة كبيرة مليئة بالأكل 
جلست سلمى وهي مرهقة وجائعة أمامهم، وعلى الجهة الأخرى جلس يوسف يتناول الطعام بهدوء وبرود واضح وكأنه لا يشارك أحدا
قالت الحاجة وداد
-كلي يا سلمى يا بنتي إنتي النهاردة شيلتي كراتين تهد حيل جمل
رد يوسف وهو يمضغ بهدوء
-جمل !! يا أمي أنا شوفتها وهي شايلة كرتونة الصيني كنت خايف على السيراميك يتكسر من تقلها
شرقت سلمى بالماء ونظرت إليه بحدة وقالت
-والله يا باشمهندس اللي إيده في المية الباردة مش زي اللي إيده في الكراتين بس معلش أصل الرقة الزيادة اللي عندك دي خلتني أشيل عنك وعني
كانت الخالة سوسو خالة سلمى و يوسف تراقبهم بنظرة فاحصة ثم غمزت للحاجة وداد وقالت
-يا حلاوة شايفة المناقرة دى يا وداد يا اختي بيقولوا ما محبة إلا بعد عداوة والعيال شكلهم كدة بينهم كيميا ولا إيه يا سلمى
قالت سلمى ويوسف في نفس الوقت
-كيميا إيه
قال يوسف
-يا خالة سوسو دي بيني وبينها فيزيا نووية ممكن تنفجر في أي لحظة .كيميا إيه بس الله يهديكي
وقالت سلمى
-وبعدين يا خالتي أنا مدرسة لغة عربية يعني بحب البلاغة والذوق و الباشمهندس أسلوبه محتاج نحو وصرف من أول وجديد
ابتسم يوسف بسخرية واستند إلى الخلف وقال
-طب يا فصيحة عصرك ممكن تناوليني طبق المخلل اللي جنبك ده من غير ما تكسري السفرة
لم تهتم لطلبه وحل الهدوء من بعدها غرفه الطعام 
*
بدد دخول نوجا هدوء الغرفة، وهي ابنة عم يوسف المدللة التي طالما وضعت يوسف نصب عينيها. دخلت بتعالي قائلة:
— يويو حبيبي معقولة تاكلوا من غيري؟ وبعدين مين دي اللي قاعدة مكاني؟
رمقتها سلمى بنظرة ثاقبة قبل أن تنقل بصرها إلى يوسف، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة تحمل مزيجا من التحدي والسخرية وهي تجيب:
— أنا يا حبيبتي النزيلة الجديدة. واسمي سلمى. أما مكانك ده فمحجوز للمحشي، تحبي اعطيكي صباع ؟
جاهد يوسف و هو يكتم ضحكته أمام هذا الرد المفاجئ، وشعر في تلك اللحظة أن الأيام القادمة في هذا المنزل لن تمر بسلام أبدا. بدأت الغيرة تشتعل في قلب نوجا
*****
بينما كانت المشادات تشتعل حول مائدة الطعام، دوى فجأة صوت أزيز قوي قادم من المطبخ، تبعه صراخ مكتوم من الحاجة وداد:
- يا لهوي حنفية المطبخ انكسرت والبيت بيغرق.
اندفع الجميع نحو المطبخ، حيث كانت المياه تندفع في كل اتجاه كأنها نافورة في وسط مول العرب. سارع يوسف بخلع ساعته و إلقاء قميصه جانبا، كاشفا عن جسد رياضي متناسق جعل سلمى تتسمر مكانها للحظة من الدهشة قبل أن تستعيد ثباتها. صاح يوسف بانفعال:
- حد يروح يقفل المحبس العمومي بسرعة.
انطلقت سلمى مثل الرصاصة نحو الباحة الداخلية لإغلاق المحبس، لكن المكان كان غارقا في ظلام دامس. وبينما كانت تتحسس طريقها، انزلقت قدماها فوق بركة مياه راكدة، ففقدت توازنها وكادت أن تسقط، لكنها لم ترتطم بالأرض
وجدت سلمى نفسها بين ذراعي يوسف الذي كان يتبعها ومعه كشاف هاتفه. أمسك بها بقوة ليمنع سقوطها وهو يقول متهكما:
- مش قولتلك فصيحة؟ حتى وقعتك تهد البيت.
أجابته سلمى وهي في غاية القرب منه، تلاحظ تغير نظرة عينيه للحظة خاطفة:
-بدل ما تتريق، اقفل المحبس اللي انفجر في وشنا ده.
أغلق يوسف المحبس أخيرا وعم الهدوء، لكن المشكلة لم تكن في تسرب المياه هذه المرة. كانت الخالة سوسو تقف عند باب الباحة الداخلية ، تراقب المشهد بخبث شديد وهي تلتقط لهما صورة بهاتفها.
قالت الخالة سوسو بمكر:
— الله الله .واقفين في الضلمة بتعملوا إيه؟ ده أنا يا دوب كنت جاية أقولكم إن أوضة سلمى سقفها نشع مية ومحتاجة تتصلح، يعني يا سلمى يا بنتي. إنتي تنامي في أوضة يوسف النهاردة وهو ينام في الصالة.
هنا، انطلق صوت يوسف وسلمى في آن واحد ليرج أرجاء البيت:
— نعم!!!
*****
دخلت سلمى الغرفة وهي تحمل وسادتها كأنها تحمل سلاحا. نظرت إلى يوسف الذي كان واقفا يجمع ملابسه بضيق، وقالت له:
-بقولك إيه. إنت تنام على الكنبة اللي هناك في الصالة ، وممنوع تتخطى عتبة الأوضة دى . باب الاوضه دى خط بارليف بتاعنا، فاهم؟
نظر يوسف إليها ببرود وهو يرمي الوسادة على الأريكة، وقال:
-خط بارليف؟ لا يا شاطرة، دي أوضتي أنا، يعني أنا اللي أحط القوانين. وبعدين إنتي خايفة من إيه؟ ده أنا لو فكرت أخطفك، احتاج ونش يشيل سيادتك من هنا للباب.
قالت سلمى بغضب مكتوم:
-إنت مش هتبطل تلميحات عن وزني؟ ده أنا وزني مثالي، بس إنت اللي نظرك محتاج كشف نظر عند الدكتور سيف بتاع الأسنان .
ضحك يوسف لأول مرة، وكانت ضحكته تخطف قلب سلمى للحظة، لكنها دارت وجهها بسرعة. ثم قال:
-ماشي يا ست المثالية. نامي وانتي ساكتة عشان ورايا شغل الصبح.
نام يوسف خارج غرفته، ونامت سلمى في غرفته وهي تشعر بانتصار وهمي. لكن فجأة سمعت صوت خربشة خفيفة عند الباب. 
صرخت سلمى مرعوبة:
-يوسف يوسف انتي بره. 
نهض يوسف وهو يعدل من جلسته:
-ايوة بره عايزة مني إيه ؟ ادخل أرقص لك؟
قالت سلمى:
-لا. تعالى .
قام يوسف في زهق و دلف و جلس على طرف الفراش. يسالها ماذا حدث و لكن وفي تلك اللحظة انفتح الباب فجأة، ودخلت الحاجة وداد ومعها صينية حلويات. 
-يا سلمي ، قولت أجيب لك بسبوسة تحلي بـ...
صمتت وداد فجأة و نظرت إليهما. كان يوسف جالسا بجانب سلمى، وسلمى ممسكة بذراعه بخوف ، وملامح يوسف متجمدة. صاحت الحاجة وداد بزغروطة مكتومة:
-الله أكبر ده إحنا كده نمشي في إجراءات الفرح الأسبوع الجاي يا سوسو تعالي شوفي.
وجدت سلمى ويوسف نفسهما الآن محاصرين في موقف يبدو وكأنه يؤدي إلى زواج رسمي بسبب دخول وداد المفاجئ.
ما إن سمعت سلمى كلمة زفاف والأسبوع القادم حتى كادت عيناها تخرج من مكانهما. نظرت إلى يوسف وهي تنتظر منه أن ينفجر أو يعلي صوته أو يقول مستحيل، أي شيء ينقذها.
قالت سلمى بوشوشة مرعوبة:
-يوسف. انطق. قول أي حاجة. قول إنك مش بتطيقني.
نظر يوسف إلى سلمى، ورأى في عينيها نظرة التحدي الممزوجة بالخوف، فقرر في لحظة أن يعيد تربيتها على طول لسانها.
قال يوسف بابتسامة عريضة و مستفزة:
-والله يا أمي. أنا كنت لسه هقول لسلمى نفس الكلام. السكن في بيت واحد يقرب القلوب فعلا. وأنا موافق. شوفي الوقت اللي يناسبك وناخد الخطوة.
صاحت سلمى بصوت خرج كأنه صرير باب:
-نعم يا يوسف؟! خطوة إيه اللي تاخدها؟ ده إنت لو خدت خطوة ناحيتي هعمل منك شاورما.
قالت الحاجة وداد بفرحة كبيرة وهي تنادى علي شقيقتها سوسو مرة أخرى :
-شايفة يا سوسو؟ البنت مكسوفة إزاي ووشها قلب طماطم؟ ربنا يكملكم على خير يا ولاد.
خرجت وداد وسوسو وهما تخططان للزينة والمعازيم. أغلقت سلمى الباب خلفهما ثم هجمت على يوسف وقالت:
-إنت اتجننت؟ إنت واعي للي قولته؟ إحنا لبسنا في كوشة.
قال يوسف ببرود وهو يفرد ظهره على الفراش:
-والله يا لولا، أنا فكرت ولقيت إن الجواز منك فيه ميزات كتير. أولا هبقى ضامن حد يغسل لي شراباتي بلسانك الطويل ده، ثانيا اضحك كتير على منظرك وإنتي بتحاولي تعملي فيها ست بيت وانتي آخرك تسلقي بيض.
قالت سلمى بدهشة:
-بقى كده؟ ماشي يا باشمهندس يوسف. لو فاكر إنك كسبت الجولة، فإنت غلطان. أنا هوافق قدامهم، بس هخليك تندم على اليوم اللي شوفتني فيه وانا شايلة الكرتونة. ده أنا هخلي عيشتك دراما تركي مدبلجة بصوت ريا وسكينة.
قال يوسف بضحكة خبيثة:
-نشوف يا فصيحة. بس جهزي نفسك، لأن بكرة أول خروجة لينا رسمي عشان نشتري الشبكة، وأنا من دلوقتي بقولك.. ذوقي صعب جدا.
***
في أحد محلات الصاغة الراقية، كان يوسف يقف مستندا بيده على واجهة العرض في حالة من الملل الظاهر، بينما كانت سلمى تقف بجواره ترتدي أجمل ما لديها، لكن عينيها كانتا تلمعان بشر واضح يعكس ما بداخلها.
اقترب يوسف منها قليلا وهمس بصوت خافت
-بقولك ايه اختاري حاجة رقيقة مش عايزين نشتري نجفة و تعلقيها في رقبتك انا مهندس وبحب البساطة
ابتسمت سلمى ابتسامة خفيفة تحمل شيئا من التحدي وقالت
-بسيطة دى في بيتك يا بشمهندس انا مدرسة لغة عربية يعني بحب المعلقات وعايزة شبكة تتدرس في كتب التاريخ
ثم التفتت إلى صاحب المحل وقالت بصوت مسموع
-لو سمحت يا عمو عايزة اتقل واعرض غوايش عندك وعايزة كوليه يكون وزنه يخلي اللي يشوفني يجيله غضروف في عينيه
نظر يوسف إليها بصدمة واضحة، بينما أسرع صاحب المحل بإحضار صينية مليئة بالمشغولات الذهبية اللامعة. بدأت سلمى تقيس القطع واحدة تلو الأخرى، وكل حين تلتفت إلى يوسف وتبتسم بثقة و تقول
-ايه رأيك في دي يا جو مش دي لايقة على طبعي الحامي
أجابها يوسف بابتسامة باردة وقال
-جدا شبه جنزير الموتوسيكل بتاعي بالظبط ذوقك رائع يا سلمى
وفي تلك اللحظة، دخلت نوجا إلى المحل فجأة وهي تلهث وقالت
-يويو معقولة تنقي الشبكة من غير ما تاخد رأيي ده انا ذوقي فرنش وانت عارف
ما إن رأت سلمى نوجا حتى اشتعل داخلها شعور بالتحدي، فاقتربت من يوسف ولفت ذراعها حول ذراعه لأول مرة بإرادتها، وقالت بنبرة ناعمة تحمل استفزاز واضحا
-معلش يا نوجا يا حبيبتي اصل يوسف قالي انه مش عايز حد يشاركه في خصوصياتنا مش كده يا حبيبي
تفاجأ يوسف من كلمة حبيبي وشعر بتيار غريب يسري داخله، لكنه استغل الموقف فضمها إليه أكثر وقال
-طبعا يا روحي وبعدين نوجا ذوقها فرنش واحنا عيلتنا بتحب البلدي الاصيل والشبكة دي هديتي ليكي اختاري اللي يعجبك حتى لو ناخد المحل كله
توقفت سلمى في مكانها لوهلة، فقد كانت تنوي أن تثقل عليه وتحرجه، لكنه بكلامه هذا أربكها وجعلها تشعر بخجل حقيقي لم تتوقعه.
اقترب يوسف منها وهمس في أذنها
-قفلتي بوقك ليه .ده لسانك طويل اختاري يلا بس اعملي حسابك الخروج من المحل ده ليه ضريبة وهتدفعيها في البيت
وبينما كانا يخرجان من المحل وقد بدت عليهما ملامح الرضا والفرح، رن هاتف سلمى فجأة. نظرت إلى الشاشة ثم أجابت، فسمعت صوت والدتها المرتعش يقول
-يا سلمى الحقي خالتك سوسو نزلت صوركم في المنور على جروب العيلة الكبيرة وكتبت انكم قريتوا الفاتحة وخطيبك سيف دكتور الاسنان شاف الصور وعمل فضيحة. ياريتك سافرتي معايا بدل البهدلة دى انا قلت لك خالتك سوسو فضيحه مصدقتيش وهربتي
تجمدت سلمى في مكانها وقالت بصدمة واضحة
-سيف مين وفضيحة ايه يا نهار مش فايت
*****


تعليقات