رواية ولنا لقاء الفصل الأول 1 بقلم ديدي

 


رواية ولنا لقاء الفصل الأول بقلم ديدي 


مطار القاهرة الدولي | ١٥ يونيو ٢٠٢٥ 

ـــ مامى احنا فين دلوقتى ؟
ـــ احنا فى مصر ام الدنيا !
ـــ الله يعنى دى مصر اللى كنتى بتحكيلنا عليها ؟
هزيت رأسى و وقفت تاكسى و السواق خد الشنط يحطها فى العربية و انا مسكت أيديهم و دخلنا التاكسى .

السواق ركب و بدأ يسوق و هم كانوا قاعدين جنبى و بيتفرجوا على الشوارع من الشباك .

ـــ ماما مصر حلوة اووى !
ـــ اه يا ماما دا جميلة !

ابتسمتلهم و بصيت من الشباك و بصراحة عندهم حق مصر جميلة كنت ببص للشوارع وأنا تايهة بين تفاصيلها؛ طرق طويلة متزينة بأشجار النخيل، وعمارات شاهقة تعكس أشعة الشمس، ومحلات مفتوحة على الجانبين.

 وأرصفة مليانة ناس رايحين وجايين ، العربيات كانت مالية الطرق، لكن وسط الزحمة كان في نظام غريب يخليك تحس إن القاهرة بتتنفس بالحركة، وكل شارع فيها بيحكي حكاية مختلفة.

وصلنا قدام العمارة و السواق نزل الشنط نزلت و رفعت عينى للعمارة كانت لسة زى ما هى كأنى كنت لسه مسافرة امبارح.

ابتسمت لعم سعيد البواب و هو بيرحب بيا .

ـــ نورتى العمارة يا مدام مريم .
ـــ منورة بأهلها يا راجل يا طيب .
ـــ بقى كدا يا مريم تمشى هونا عليكى خمس سنين !
قولت بزعل : ـــ ما حضرتك عارفة اللى فيها يا عم سعيد وانا مشيت ليه .
ـــ عندك حق بس مكنتيش تطولى علينا غايبك طال !
ـــ الرضا و الهنا هنا و ادينى رجعت مش هسافر تانى .
ـــ ربنا يريح قلبك يا بنتى .

السواق كان خلص تنزيل الشنط حسبته و نزلت الاطفال و بصيت لعمى سعيد لقيته مستغرب .

ـــ دول يوسف و زمزم ولادى .
ـــ ربنا يباركلك فيهم يا بنتى .
ـــ يارب ، جهزت الشقة يا عم سعيد .
ـــ كله تمام و عملت زى ما قولتيلى .
ـــ ربنا يباركلك يا عم سعيد ممكن بقا تنادى على حد يطلعلنا الشنط .
ـــ حاضر من عنيا يا بنتى .
ـــ تسلميلي يا عم سعيد أنا هطلع أنا و الأولاد .

طلعت و فيه شاب طلع الشنط ورانا فتحت باب الشقة كانت لسه فيها نفس الروح الجميلة و الدفء و الحنية.

خدت دوش و كذالك الاطفال و لبستهم نفس لون البيجامة بتاعتى وطلبت اكل لينا و كلنا و قعدنا على الكنبة فى الصالة و يوسف كان حاطط رأسه على رجلى و كذالك زمزم من النحية التانية يوسف رفع رأسه ليا .

ـــ يلا يا ماما عايزنى قصة أصحاب الرس .
ـــ حاضر يا عيون ماما .

مسحت على شعر يوسف و زمزم بايدى و بدأ احكيلهم :

ـــ كان هناك 12 قرية تطل على نهر أسمه الرس، وهذا النهر موجود في بلاد الشرق، وكانت تلك القرى تعبد شجرة صنوبر ضخمة، وكان نهر الرس من أعذب الأنهار في تلك الفترة.

وكان سكان القرى الاثنى عشر يعبدون شجرة الصنوبر الضخمة، ويقدسونها وجعلوا لها عين ماء خاصة بسقايتها، فلم يكن أحد يشرب من تلك العين، وكان من يخطأ ويشرب من الماء الخاص بالشجرة يعاقب بالقتل في الحال.

وحدد الناس يوما في الشهر لكي يقدموا فيه بقرة كقربان للشجرة المباركة، ويقوموا بشي لحم البقرة فإذا أرتفع نار الشواء وكثر دخانها سجدوا شكرا للشجرة المباركة.

كان الشيطان الرجيم يحرك الشجرة من أجل أن يخدعهم بأن الشجرة راضية عنهم، فكان الناس يفرحون كثيرا برضا الشجرة عنهم، ويحتفلون ويشربون الخمر ويرقصون ويغنون وعندما يجئ النهار ينصرفون لمنازلهم.

و في يوم من الأيام أرسل الله تعالى لهم نبي من نسل سيدنا يعقوب عليه السلام، ظل النبي يدعوهم لعبادة الله الواحد القهار لكنهم أبوا واستكبروا عن عبادته جل وعلا، ولما وجد النبي أن القوم رافضين للإيمان بالله، رفع يده للسماء مناجيا الله عز وجل، وقال اللهم إن هؤلاء القوم رفضوا الإيمان من أجل تلك الشجرة، فجعل يا رب هذه الشجرة يابسة وأرهم عجائب قدرتك يا عظيم يا جبار.

ولما استجاب الله تعالى لدعاء نبيه أنقسم القوم لقسمين قسم يدعى أن نبي الله سحر شجرتهم المباركة لكي يعبدوا الله تعالى، وقسم يرى أن الشجرة المباركة غاضبة عليهم لأن نبي الله تعالى أساء إليها.

فأتفق الناس على ضرورة قتل نبي الله، فقاموا بحفر حفرة ذات عمق كبير، ودفنوا فيها نبي الله ووضعوا فوق الحفرة صخرة ضخمة، فظل نبي الله تعالى في الحفرة يدعوا الله تعالى أن يقبض روحه ويعجل في خلاصه من هذا الابتلاء العظيم، فاستجاب له الله ورحمه بالموت.

والجدير بالذكر أن هناك عبد أسمر البشرة كان يجئ كل يوم بالطعام والماء للنبي الذي وضع في الحفرة، وهذا الرجل الأسمر سيكون ممن يدخلون الجنة كما قال النبي محمد صل الله عليه وسلم.

فقال الله عز وجل لجبريل عليه السلام هل ظن عبادي أنهم بهذا أمنوا مكري وأنا المنتقم الجبار، وعزتي وجلالي لأجعل هؤلاء القوم عظة للناس أجمعين.

فهبت على القرى ريح عاصفة حمراء اللون جدا، فذعر الناس في جميع القرى، وأصبحت الأرض من تحت أقدامهم أحجار من الكبريت، وظهرت في السماء سحابة شديدة السواد، وأمطرت السماء عليهم جمرا ملتهبا ومشتعلا، فذابت أجساد القوم الكافرين وأصبحت مثل الرصاص المذاب من شدة النار.

والجدير بالذكر أن هناك اختلاف حول هوية أصحاب الرس، فهناك من يقول أنهم قرية من قرى قوم ثمود، وقيل أنهم القوم الذي بعث لهم شعيب عليه السلام، وروى البعض أنهم القوم الذي قتلوا حبيب النجار أي أنهم من ذكروا في سورة يس.

ذكر الله تعالى في سورة الفرقان قصة أصحاب الرس، حيث قال جل وعلا في الذكر الحكيم:(وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا* وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا).

خلصت القصة و لقيت زمزم نايمة بس يوسف كالعادة لسه مستمع بصتله وانا بمسح على شعره :

ـــ العبرة من القصة إن القلب لما يتعلق بأي حاجة أكتر من ربنا، بيضيع.

سكت شوية، وكملت بابتسامة هادية:

ـــ أصحاب الرس فضلوا متمسكين بالباطل، مع إن ربنا بعت لهم نبي ينقذهم. الكِبر خلاهم يرفضوا يسمعوا الحق، ولما جالهم الدليل، بدل ما يرجعوا لربنا، زادوا في ظلمهم.

يوسف بصلى وقال بهدوء:

ـــ يعني الواحد لازم لما يعرف إنه غلط... يرجع؟

ابتسمت : ـــ أيوه... لأن أحسن الناس مش اللي عمره ما يغلط، أحسن الناس هو اللي أول ما يعرف الحق يتمسك بيه، وأول ما يغلط يتوب، وما يخليش الكِبر يمنعه إنه يرجع لربنا.

بصيت لزمزم و هى نايمة و بمسح على شعرها و بكمل :

ـــ وربنا دايمًا بيدينا فرص كتير... بس المهم منضيعهاش.

قام قعد قدامى و هو بيقولى بحذر :

ـــ انتى ليه مش راضية تقوليلنا مين بابا على فكرة أنا بقيت كبير و عندى خمس سنين !

ابتسمت بتوتر و انا مش عارفة أقوله ايه قومت وشيلت زمزم و انا ببصله :

ـــ احنا رجعنا مصر عشان اعرفكم مين بابكم بس لما اعرف الاول اذا كان يستاهلكم و لا لا !

سكت شوية و ابتسمتله بحنان :
ـــ يلا الوقت اتأخرت و اليوم كان طويل علينا يلا ندخل ننام .

هز رأسه و قام مشى جنبى و انا شايلة زمزم دخلتهم الاوضة و حطيت زمزم على السرير و غطيتها و بصيت ل يوسف اللى كان لسه قاعد على السرير .

ـــ هو بابا شخص وحش ؟
ـــ ليه بتقول كدا ؟
ـــ اصل مش معقول يعنى يسيبك و انتى احلى وأجمل حد فى دنيا !

ابتسمتله و مسكت أيده و بوستها :

ـــ بابكم كان احلى و اجمل شخص فى الدنيا بس محصلش بينا نصيب !

سكت شوية وانا برقده على السرير :

ـــ تعرف انك شبه فى كل حاجة يا يوسف شعرك و عيونك وحتى الغمازة الجميلة اللى فى وشك بابك كان أحن راجل فى الدنيا بس لما قررنا نسيب بعض مكنش عندنا حل غير كدا ، تصبح على خير يا حبيبي.

ـــ وانتى من أهل الخير يا احلى مامى .

ابتسمتله و فضلت واقفة لحد اما حسيته أنه نام طلعت و قفلت الباب و عملت ايس كوفى و طلعت البلكونة و فتحت اغنية من غير موسيقى.

"كلمة حلوة وكلمتين حلوة يا بلدي...غنوة حلوة وغنوتين حلوة يا بلدي...أملي دايمًا كان يا بلدي إني أرجعلك يا بلدي...وأفضل دايمًا جنبك على طول."

بلدى جميلة و حنينة ناسها طيبين وقلوبهم لسه فيها خير. يمكن نتخانق، ويمكن نشتكي من الظروف، لكن أول ما حد يغيب عنها، يعرف قيمتها.

ريحة الشوارع، صوت البياعين، ضحكة الأطفال وهي بتجري في الحارات، صوت الأذان اللي بيملأ السما... كل تفصيلة فيها حكاية، وكل ركن فيها شايل ذكرى.

فيها حضن الأم، ولمّة العيلة على سفرة واحدة، وكوباية الشاي بعد الاكل ، وجارك اللي يطمن عليك من غير مقابل .

مصر مش مجرد مكان اتولدنا فيه... مصر إحساس. كل ما نبعد عنها، الشوق ليها يكبر، ولما نرجعلها نحس إن روحنا رجعت مكانها.

يمكن الدنيا تتغير، ويمكن السنين تعدي، دي بلدي وهتفضل أجمل بلاد الدنيا .

"ذكرا كل اللى فات ...فاكره يا بلدى
قلبى مليان بحكايات ...فاكره يا بلدى
اول حب كان فى بلدى...مش ممكن انساه يا بلدى
فين ايام زمان قبل الوداع"

معنى الحُب 
كان بيتلخص فى عزيز حبيبى وأحن راجل شافته عيني كان أول حد علمني معنى الحب.

عزيز كان صديق الطفولة كبرت على صوته الحنينة و خوفه عليا طلب أيدى من بابا و كان اسعد يوم فى حياتى اتجوزنا و عشنا فترة جميلة و حنينة .

" كنا بنقول ان الفراق دا مستحيل .. و كل دمعه علا الخدين كانت بتسيل
مليانه بأمل ان احنا نبئا موجودين .. فى بحر الحب علا الشطين" 

مكنتش اعرف أننا ممكن نتفرق فى يوم بس رغم فراقنا و بعدنا هو لسه حبيبى .

كل اما اشوف يوسف و زمزم افتكره يمكن هم اللى هونوا عليا غيابه عيونهم شبه عيونه اللى سحرونى و انا طفلة مكانتش تعرف يعنى ايه حب .

انتهدت و دخلت و قفلت الباب و دخلت نمت .

عدة اسبوع و انا بحاول اتأقلم على جو مصر تانى وكنت بجهز الفطار و خلصته و حطيته على السفرة و ناديتى على يوسف و زمزم و قعدنا نأكل بس طبعا القعدة مش هتخلى من سؤال يوسف .

ـــ ماما احنا عايزين نخرخ نتفسح ممكن ؟
ـــ ممكن جدا عايزين تروحوا فين؟
زمزم بصتلى بتفكرى :
ـــ عايزين نروح الكيدز و بعدها نلف شوية فى مصر و بعدها نشترى لبس كتير و بعدها بقا نروح نأكل فى مطعم .

ـــ أنا عيونى ليكى يا زوزو ، وانتى يا يوسف عايزة ايه ؟

ـــ عايزة اشترى العاب وطقم ظابط شرطة !

بصتله بصدمة و انا بقول بنفى:

ــ لا يا يوسف هعملك ايه حاجة إلا انى اجيب بدلة الظابط .

ـــ هو انتى ليه بتكرهى الظباط و ليه دايما بترفضى أنه اجيب البدلة ؟

قومت و انا بقول بصوت عالى نسبياً:

ـــ لان مش بحبهم يا يوسف !

ـــ ليه مش بتحبيهم ليه مش انتى اللى بتقولنا أنهم احسن ناس و اننا عايشين فى امان بسببهم !

قعدة ومسكت دماغى وانا مش عارفه افهمه اقوله انى بخاف وأنه سبب طلاقى من باباه عشان كنت بخاف عليه .

يوسف طلع زيه فى كل حاجة حتى فى الحاجة اللى خلتنى اسيبه و امشى .

قعدت اعيط و انا بفتكر كل حاجه لقيت يوسف و زمزم بيقربوا منى ويوسف بيقول بزعل :

ـــ أنا آسف يا ماما خلاص مش عايز البدلة و الله!

رفعت رأسى و خدتهم فى حضنى و انا بملس على ضهرهم :

ـــ حصل خير يا حبيبي و هجبلك البدلة بس بشرط !

طلع من حضنى بسرعة و قال بفرحة :

ـــ شرط ايه ؟

ـــ مش عايزك تقولى انك عايز تتطلع ظابط لما تكبر !

بصلى بزعل و هو بيفكر:
ـــ حاضر !

ابتسمتله و خده فى حضنى زى زمزم ، لبسنا و خرجنا روحنا الكيدز و يوسف و زمزم كان بيلعبوا و فرحانين و انا كنت واقفة بصورهم و انا مبتسمة خلصنا و طلعنا روحنا مطعم لأنهم جاعوا من كتر العب .

قعدنا على ترابيزة جنب الازاز و طلبتلهم الاكل و كانوا قاعدين باصين على الشارع و فرحانين لحد اما زمزم قطع الهدوء :

ـــ مامى عايزة اروح الحمام !
ـــ ماشى يا حبيبتى !

بصيت ل يوسف و انا بوجهله تعليمات :

ـــ أنا هروح مع زمزم الحمام خليك مكانك متتحركش لحد اما اجى و لو الاكل جه اقعد كل لحد اما نيجى ماشى !

هز رأسه و انا قومت و مسكت أيد زمزم و دخلنا الحمام .

خلصنا و طلعت لقيت يوسف واقف مع واحد لابسة بدلة بيضة بتاع شرطة كان عاطينى ضهره و قاعد على رجله و يوسف كان فرحان و بيضحك ناديتى عليه بعصبية و انا بقرب منهم :

ـــ يــوســـف !


تعليقات