رواية الانبهار الفصل الاول 1
كانت أشعة الشمس تتسلل من نوافذ الجامعة، بينما الطلاب يتحركون في الممرات بين الضحكات والأحاديث.
وقفت خديجة بجوار نسمة وهي تمسك كوب القهوة، لكن فجأة توقفت في مكانها وكأن الزمن تجمد.
حدقت أمامها بعينين متسعتين.
مرَّ شاب طويل القامة، يرتدي قميصًا أبيض وساعة أنيقة، يمشي بثقة، يحيّي كل من يقابله بابتسامة هادئة.
ابتسمت خديجة دون أن تشعر.
خديجة، وهي تهمس: ـ مين ده؟
التفتت نسمة تنظر إليه ثم قالت ببساطة: ـ ده طارق... في سنة رابعة.
ظلت خديجة تتابعه بعينيها حتى اختفى.
نسمة ضحكت وهي تلوح بيدها أمام وجهها:
ـ انتى يا بنتى... روحتي فين؟
خديجة وهي ما زالت شاردة: هو الواد دا جميل كده ليه؟
نسمة عقدت حاجبيها: بتقولى إيه ياختى؟
خديجة ابتسمت بخجل: بجد... أول مرة أشوف حد يخطف عيني بالشكل ده.
نسمة هزت رأسها بيأس: ايه يا خديجة... دا انتى أول مرة تشوفيه أصلًا.
خديجة بثقة: ـ بس حاسة إنه مختلف.
نسمة تنهدت: طيب خلى بالك المشكلة إن الإحساس ده بييجي قبل المعرفة... وساعات بيضحك علينا فبلاش تنخدعى فيه.
لكن خديجة لم تكن تسمعها.
كانت عيناها تبحثان عنه بين الطلاب مرة أخرى.
منذ ذلك اليوم صار طارق حاضرًا في كل تفاصيل يومها تعرف مواعيد محاضراته.
وتختار الكافتيريا التي يجلس فيها.
وتمر من أمام المدرج الذي يخرج منه، وكأنها صدفة... رغم أنها كانت تصنع تلك الصدفة بنفسها، وفي كل مرة كانت نسمة تراها، تهز رأسها باستسلام.
نسمة: ـ هو إنتي بجد بتعملي كل ده ليه؟
خديجة بابتسامة واسعة: ـ عادي يعني... يمكن القدر يساعدني.
نسمة ضحكت: ده مش قدر... ده جدول مطاردة محترم.
ضحكت خديجة: سيبيني يا نسمة... قلبي بيقول إنه هيكون من نصيبي.
نسمة نظرت إليها بجدية: قلبك اااه!!هو انتى تعرفي أخلاقه يابنتي؟
خديجة ردت وقالت: لا.
نسمة: تعرفي بيتعامل إزاي وهو متعصب؟
خديجة: لا.
نسمة: تعرفي بيحترم البنت اللي معاه ولا لأ؟
سكتت خديجة، فابتسمت نسمة بحزن:أهو إنتي كدا منبهرة بصورة، مش بشخص.
لكن خديجة لوحت بيدها: إنتي دايمًا متشائمة.
نسمة: وأنا نفسي أكون غلط والله بس انا خايفة عليكى من تسرعك دا انت بتغرك المظاهر والمفروض ان الواحد مبيعرفش البنى آدم الا لما يعاشره.
مرت أسابيع، وفي كل مرة كان طارق يراها، يلاحظ وجودها مرة تساعده في حمل بعض الأوراق، ومرة تبادر بالسلام، ومرة تسأله عن محاضرة وهي تعرف إجابتها أصلًا، حتى أصبح يبتسم كلما رآها.
وفي إحدى المرات...كان يقف وحده أمام المكتبة.اقتربت خديجة وهي تحاول إخفاء ارتباكها.
خديجة: لو سمحت ممكن استعين بخبرتك بما انك اكبر منى ياترى الكتاب ده كويس للبحث بتاع دكتور اشرف ؟
ابتسم طارق: آه طبعاً دا من افضل الكتب اللى هتفيدك فى مادة دكتور اشرف، ولو حبيتي أقولك على كتب أحسن منه بس هتجيبيها من برا ممكن مكتبة المحافظة ووقتها البحث بتاعك هيبقى شامل ووافى.
اتسعت ابتسامتها: ياريت.
وبعد دقائق كانت نسمة تقف بعيدًا تراقبهما.
تنهدت وقالت لنفسها:
"يا رب تكون فرحتها في محلها... لأن الانبهار لما بيتحول لقرار، تمنه بيكون غالي اوى."
وبالفعل...
بدأت الحكاية.
حكاية ظنت خديجة أنها قصة حب.
بينما كانت في الحقيقة... بداية اختبار قاسٍ بين الانبهار والحقيقة.
مر شهر...
وخديجة أصبحت تعرف عن طارق أشياء كثيرة... أو هكذا كانت تظن.
تعرف أنه متفوق، وأن الجميع يحترمه، وأنه رياضي، وأنه لبق في كلامه.
لكنها لم تكن تعرف شيئًا عن شخصيته الحقيقية التى تخصه وحده او فى منزله وسط العائلة.
في كافتيريا الجامعة...
كانت خديجة تجلس مع نسمة، وعيناها لا تفارقان باب الكافتيريا.
ابتسمت نسمة وهي تشرب العصير: هو إنتي قاعدة معايا ولا مستنية حضرة الباشا؟
ضحكت خديجة: اسكتي زمانه هييجي دلوقتي.
وبالفعل...دخل طارق.
وما إن وقعت عيناه على خديجة حتى ابتسم ولوح لها بيده.كادت تطير من الفرحة.
خديجة: شوفتي؟ هو اللي سلم عليا الأول.
نسمة ابتسمت ابتسامة خفيفة: يا ستي ربنا يسعدك.
اقترب طارق منهما.
طارق: إزيكم؟
خديجة بسرعة: الحمد لله.
نسمة: الحمد لله.
جلس لدقائق يتحدث معهما، ثم نظر إلى خديجة.
ـ على فكرة... طريقة شرحك في السكشن اللي فات عجبتني.
احمر وجهها: بجد؟
طارق: آه... واضح إنك شاطرة لولا ان السكشن مشترك مابينا مكنتش هعرف قد ايه انتى متميزة فى دراستك.
كلمة واحدة منه...جعلتها تعيش عليها أيامًا كاملة.
في المساء رن هاتف نسمة.
نسمة: أيوه يا خديجة.
جاءها صوت خديجة المليء بالسعادة.
شوفتى يانسمة قد ايه طارق لطيف شوفتى لما قال إني شاطرة!
ضحكت نسمة: ألف مبروك.
خديجة: انتي بتتريقي؟
نسمة: لا... بس حاسة إنك مكبرة كل حاجة ومستعجلة اوى ومدياله اكبر من حجمه.
خديجة: لأنه مميز.
نسمة: ولا لأنه إنتي اللي حطيتيه في مكانة أكبر من حجمه؟
سكتت خديجة، ثم قالت بضيق: إنتي ليه مش بتفرحيلي؟
تنهدت نسمة بالعكس... نفسي أفرحلك.
بس نفسي الأول أعرف هو يستحق كل الحب ده ولا لأ.
ومع مرور الأيام...
أصبح طارق وخديجة يتحدثان باستمرار.
رسائل، مكالمات، وخروجات داخل الجامعة.
وفي كل مرة كان يعاملها باهتمام، كانت تتعلق به أكثر.
حتى جاء اليوم الذي وقف فيه أمامها في الحديقة.
طارق بابتسامة: خديجة... أنا حاسس إن وجودك بقى مهم بالنسبة ليا.
حبست أنفاسها: بجد؟
طارق: آه طبعاً ومش عايز أخسرك.
دمعت عيناها من شدة الفرح كانت تنتظر هذه اللحظة منذ أول مرة رأته.
وفي المساء التقت بنسمة: أخيرًا اعترف إنه معجب بيا.
ابتسمت نسمة وعانقتها: مبروك.
لكنها سرعان ما سألت: طيب إيه أكتر حاجة عجباكي في شخصيته؟
ابتسمت خديجة بثقة: كل حاجة.
ـ زي إيه؟
ـ محترم... شيك... ناجح... الناس كلها بتحبه.
نسمة هزت رأسها.
ـ يا خديجة... دي صفات الناس شايفاها.
أنا بسألك...لما بيتعصب بيعمل إيه؟لما يزعل بيسكت ولا بيجرح؟بيعرف يعتذر؟بيحترم اختلاف الرأي؟بيحب السيطرة؟ولا بيدي مساحة؟
صمتت خديجة تمامًا، ثم ابتسمت وهي تحاول إنهاء الحديث: هعرف كل ده بعدين.
نظرت إليها نسمة طويلًا، وقالت بهدوء:
ودي أكتر جملة بتخوفني...
لأن الناس المفروض نعرفها الأول، وبعدين نحبها مش نحبها، وبعدين نحاول نعرفها.
مرت الشهور سريعًا.
وفي نهاية العام الدراسي...
تقدم طارق لخطبة خديجة.
كانت الأسرة سعيدة.
والجميع يبارك لهما.
أما خديجة...
فكانت تنظر إلى خاتم الخطبة وهي تبتسم.
وتقول لنفسها:
"أنا كسبت الإنسان اللي كنت بحلم بيه."
بينما كانت نسمة تقف بعيدًا، تنظر إلى صديقتها بابتسامة حزينة.
ثم همست لنفسها:
"يا رب يكون فعلًا هو الإنسان اللي هي شايفاه...
مش الإنسان اللي لسه مستخبي مش عارفةليه قلبى مش متطمن."
مرت أيام الخطوبة الأولى وكأنها حلم.
كانت خديجة تستيقظ كل صباح لتقرأ رسائل طارق قبل أن تغسل وجهها، وتحكي كل تفاصيل يومها لنسمة، التي كانت تفرح لفرحتها، لكنها لم تكف يومًا عن مراقبة التفاصيل الصغيرة.
في أحد الأيام...
اتفق طارق مع خديجة أن يقابلا بعضهما في أحد المقاهي بعد انتهاء محاضراتها.
وصلت خديجة قبل الموعد بعشر دقائق.
كانت تراجع شكلها في شاشة هاتفها كل دقيقة.
مرت عشر دقائق...
ثم عشرون...
ثم أربعون.
وأخيرًا وصل طارق.
جلس أمامها وكأنه لم يتأخر شيئًا.
خديجة بابتسامة مترددة: ـ اتأخرت أوي كدا ليه ياطارق انا كنت قلقانة عليك.
قال ببرود وهو يفتح هاتفه: عادى يعنى دى كل الحكاية نص ساعة كان عندي مشوار.
خديجة: طب ما كنت تطمني برسالة.
رفع عينيه إليها للحظة، وقال بنبرة ضيق:
هو أنا لازم أقدم كشف حساب لكل تحركاتى؟خلاص انا جيت اهو.
صمتت خديجة ثم ابتسمت حتى لا يتحول اللقاء إلى مشكلة: لا... أنا بس كنت خايفة.
