رواية نص الحياة الفصل الأول 1 بقلم اية شاكر

 


رواية نص الحياة الفصل الأول بقلم اية شاكر 


- هو... إنت هتخطب منه؟
- عرفت منين؟ أنا كنت عاملهالك مفاجأة، وقلت نلعب دور دومينو وبعدين أحكيلك.
- المفروض كنت تحكيلي قبل ما تروح تتقدملها يا إسماعيل عشان...

قلتها بانفعال، ووقف باقي الكلام على لساني.. هقوله عشان إيه؟ كنت بحبها! 
الصدمة كانت صعبه.. البنت اللي حبيتها بيني وبين نفسي ومحدش يعرف بمشاعري ليها، صاحب عمري هيتجوزها...

كنت بدعي في كل سجده ربنا ييسر أموري عشان أتقدملها وتكون من نصيبي! 
وكانت دعوه ثابته في كل سجده لكن خلاص راحت من ايدي! 
اغتصـ.ـبت ابتسامة وحاولت أتحكم في مشاعري عشان إسماعيل ميلاحظش:
- على العموم مبروك.. ربنا يسعدكم ويتمم بخير.
- الله يبارك فيك، بس إنت زعلت مني ولا ايه يا إسلام؟ والله كان قصدي أفاجئك وعارف إنك هتفرحلي.
- فرحتلك يا غالي، أنا بس اتفاجئت عشان كده معرفتش أرد أقولك اي.. ومش زعلان منك ولا حاجه.. ربنا يسعدك ويتمم بخير.
- طيب نشرب حاجه وأحكيلك بقا اللي حصل بالظبط..

وطلب اسماعيل اتنين شاي وبدأ يحكيلي إنه مكنش في دماغه الارتباط بيها لكن لأنها صاحبة أخته كان بيشوفها كتير ويتعامل معاها وحس إن مشاعره ليها اتحركت فقرر يتحرك هو كمان وياخد خطوه ويتقدملها.. وهي وافقت وأهلها رحبوا بيه.

كنت بسمعه وسرحان... «منه» جارتي، بشوفها كل يوم تقريبًا... غصـ.ـب عني حبها وقع في قلبي... يمكن أنا اللي غلطان عشان مكنتش بغض بصري عنها! كل ليلة كنت بتخيل إني بتكلم معاها وبكتب خواطر ليها، لكن مكنتش مستعد أتقدملها.. 
والدي مريـ.ـض بمـ.ـرض خبـ.ـيث ملهوش علاج...

ووالدتي متوفيه وإخواتي البنات الاتنين مسؤولين مني.. 
انتبهت من شرودي لما الجرسون حط قدامنا الشاي...
عملت نفسي مشغول في الموبايل ووقفت فجأة وقلت:
- معلش أنا... همشي عشان أختي بعتالي رساله إن بابا تعبان شويه.
وقف اسماعيل:
- طيب استنى آجي معاك 
- لا يا غالي مفيش داعي..

ومشيت بسرعه... ركبت الاسكوتر وطلعت على البيت...
الفتره دي والدي كان تعبان جدًا وكنت مشغول بيه... وقلبي حزين وحاسس إن الدنيا وقفت، مفيش حاجه اتمنيتها في الحياة وسعيت ليها إلا وخسرتها... 
 والحياة اسودت في وشي أكتر ما هي.

سألت نفسي: هو ممكن أكون بعمل ذنب عشان كدا ربنا بيعاقبني؟
اتخرجت من كلية تجاره وشغال شيفت ليلي عامل توصيل تبع مطعم...
وبالنهار بشتغل أوبر، يعني عامل توصيل برده بالاسكوتر بتاعي...

محضرتش خطوبة اسماعيل وأخدت جنب منه، وهو مشكش في حاجه عشان عارف إني مشغول مع والدي...

ومرت الأيام وأنا بحاول أتقبل فكرة إن خلاص «منه» مبقتش ليا.. وهبقى خـ.ـاين لو فكرت فيها كل ليلة زي ما كنت بعمل، ولا حتى بقا ينفع أكتبلها خواطر!
فتحت دفتر الخواطر اللي كنت كاتبه ليها وبدأت أقرأ لما كنت بحكيلها معاناتي في الحياة.. 
وكنت عامل حسابي لما تبقى حلالي أديها الدفتر ده تقرأه... 

عيطت كتير ودعيت ربنا يشيل حبها من قلبي... الألم ده صعب جدًا... في الوقت ده كنت عايز أنصح كل شاب وكل بنت يحفظ قلبه عشان وجع القلب في الأمر ده مُرهق ومُتعب..

وساءت حاله والدي في نفس الليلة اتجوز فيها إسماعيل منه... كنت خايف أفقده بس فيه صوت جوايا بيقولي خلاص هو كمان هيمشي.. 
وتوفى والدي بعد يومين...

بعد الدفن، الناس بدأت تمشي واحد ورا التاني...
وحاليا: واحد بيواسيني، والتاني بيدعي لأبويا، والتالت بيطبطب عليا لحد ما المكان فضي...

حاولوا يشدوني عشان أمشي بس قولتهم سيبوني معاه شويه...
فضلت قاعد جنب قبر أبويا...
بصيت حواليا، هدوء غريب...
مفيش صوت عربيات، مفيش حٰناقات، مفيش موبايلات بترن، مفيش حد مستعجل يلحق شغله، ولا حد بيجري ورا حاجة... هدوء تام... 

غريبة أوي الدنيا، المكان ده اللي الناس كلها بتخاف منه...
هنا كل الناس متساوية...
الغني والفقير، القوي والضعيف، اللي كان بيملك واللي مكنش يملك حاجة... كلهم تحت التراب.
بصيت لقبر أبويا وقلت في سري:
«هتوحشني»
سكت شوية، وافتكرت منة...

افتكرت إزاي كنت شايف إن حياتي وقفت بعد ما كنه راحت لغيري، ابتسمت بحزن...
أنا لسه من أيام كنت فاكر إن أكبر وجع ممكن يحصل لي هو إني أخسرها...
دلوقتي أبويا مدفون قدامي...
وفهمت إن الدنيا أصغر بكتير مما نتخيل.
بصيت للسما وقلت:
- يا رب... متخلنيش أعيش عمري أجري ورا حاجات مش مكتوبالي، وأنسى الحاجة الوحيدة اللي مكتوبة على كل واحد فينا... إنه في يوم كلنا هنبقى هنا.. نايمين على التراب..

فضلت قاعد شوية كمان...
مكنتش عايز أمشي، حسيت إن الدنيا بره صوتها عالي أوي، وأنا تعبت من دوشتها..

قمت أخيرًا، نفضت التراب من على هدومي، وبصيت لقبر أبويا مرة أخيرة: 
- هتوحشني يا بابا... بس أوعدك هزورك دائمًا.. 

ونزلت دموعي وأنا رافع ايدي وبدعي:
- يارب عامل أبويا برحمتك... وبلطفك وكرمك يارب..

وبعد شويه مشيت وأنا حاسس إن بعد ما والدي اندفن، اتدفنت معاه حاجات كتير جوايا...
أولها مشاعري لـ «منة»..

وقدام المقابر لقيت آدم ابن خالتي جاي يجري..كان لسه راجع من السفر... 
حضنته وبكيت بصوت عالي وهو كمان بكى... ومش عارف رجعنا للبيت ازاي..

استغفروا
بقلم آيه شاكر 
                    ـــــــــــــــــــــــ
- هو إسلام لسه مرجعش يا حنان؟

- لسه يا ماما... بس آدم كلمني وجايبه وجاي.

- طيب جهزي العشا يابنتي عشان عيال خالتك مأكلوش حاجه من امبارح.

دخلت المطبخ أجهز الأكل.. أنا الوحيده اللي لسه منزلتش دمعه واحده ومتماسكه قدامهم، مع إن جوايا نار بتحـ.ـرق في قلبي...
مش قادره أوصف أد إيه بخاف من الفقد، لحظات صعبه جدا وأنا عيشتها من قريب مش بعيد لما توفى والدي.. ودلوقتي اتجدد الحزن في قلبي...

والدي كان بيحب والد إسلام جدًا كان صديقه المقرب وأهو الاتنين مبقوش موجودين..

البيت كان فيه ستات كتير لابسين إسود وفي أوضة كانت أشرقت _زوجة أخويا وأخت إسلام_ شايله بنتها الصغيره وبتبكي وحنين ماسكه المصحف بتقرأ ودموعها بتنزل...

حطيت الأكل... وأمي بدأت تواسيهم وتحاول تخليهم ياكلوا... وأخدت البنت الصغيره اللي بدأت تعيط على عياط أشرقت.. 

حضرت للطفلة الرضعه وهي على دراعي وطلعت شقة في الدور التاني ووقفت في البلكونه أديها الرضعه...

وشوفت إسلام واقف بياخد عزا والده وأدم أخويا واقف جنبه...
كنت نفسي أغمض وأفتح ألاقي الوقت ده خلص..
ونار الحزن اللي في قلبي خمدت..

قضينا تلت أيام الناس داخله طالعه تعزينا... وأنا كانت مسؤوليتي البنت الصغيره..
أحيانًا ربنا بيبعتلنا مسؤوليه تخفف عن قلبنا شويه...
وبنت أخويا كانت بتخفف عن قلبي...
كنت بتجنب أي مكان فيه إسلام، ليا معاه ذكريات وحشه.. ومن صغري بخاف منه، كان عصبي ودايمًا يزعقلي واحنا صغيرين.. هو أكبر مني بأربع سنين كنت بخاف ألعب معاه، لحد ما سافرنا ومبقتش أشوفه..
ومع إننا كنا صغيرين ووارد نتشاكل بس من يومها وأنا كل فتره بحلم بإسلام وهو بيزقني من مكان عالي.. وبقوم مفزوعه...عشان كده بخاف منه...

ومرت الأيام واحنا هنا في بيت خالتي..
ومن يوم وفاة والد إسلام و الكابوس بيتكرر فبقيت أخاف أنام... شهر كامل مر علينا وأنا بقف كل ليلة في البلكونه في الدور التاني طول الليل أتأمل المكان أو أمسك موبايلي ألعب فيه لحد ما يأذن الفجر وأنام ساعتين.

- حنان!
سمعت اسمي بصوت إسلام فاتنفضت... 
بصيت من البلكونه.. وأنا بسأل نفسي هو لو حدفني من هنا هموت؟

التفت ببطء، وأنا خايفه، وقال إسلام:
- قاعده كدا ليه؟ أنا كل ليلة أشوفك هنا ومش برضى أدخل أتكلم معاكي! في إيه؟ إنتي مش بتنامي ليه؟
- آآ... أصل... مش بيجيلي نوم بالليل..
ضيق جفونه:
- مش بيجيلك نوم ولا بتكلمي حد؟

حسيت بإهانه من كلامه، وخوفت تخيلت إننا هنتخانق وهيزقني من البلكونه دلوقتي... تسارعت دقات قلبي... وبصيت لإرتفاع البلكونه وأنا بسأل نفسي: "أيُعقل؟"


تعليقات