رواية هتاف مسيلمه الفصل الاول 1 بقلم سيلا محمد


 رواية هتاف مسيلمه الفصل الاول 1


أرأيتم مُتسع كما صحراء قاحلـة .. الرمـال حصبائُهـا ، و تقف فى منتصفها نملـة بيضاء لا حول لها ولا قوة ؟!
أتظُن أنك أيها الحادِي لها تكترث أو تهتم ؟! أو حتى تراهـا بعيناك التي لا تبصر دون قدميك ...
و بالكاد هي التي تتحرك ، تدعو الله خالقها أن تنجو من بني آدم ، و من الدهر و عثراته ....

بيتٌ صغير بالكاد يتسع لأريكتين فى بهـوِه ، و غرفة حملت فراش صُنع من الحديد الصَّـدِيء ، و صندوق للملابس تكَـوَّم داخلـه ملابس لفتاة الخمسة عشر ربيعـا ..
ثم مطبخ يحمل موقدًا خائبًا بالكاد يعمل ، و براد للطعام يفرغ داخله إلا من كسرات الخبر ، و قطع الجبن البيضاء التي عقدت مع ساكنة المنزل عقدًا مبرومـا مفاده :
" ربما كنت ضئيلة .. بضعة جرامات مني ، و لكنها للوجبات الثلاث ، أو ربما الاثنتان .. إن أغفلت المسكينة الوحيدة عن الثالثه .. يكفيها الأولى و الثانية ... "
و وسط ذاك المحيط الرتيب الخامل جلست الفتـاة على الأريكة الصغرى ..
اعتادت الضئِيل من كل شيء .. تخشى الاتساع .. و تنفُره ...
يتيمة فى الدنيا الواسعة .. و الحياة كما ميدان السباق ، على من يحيا أن يبذل الطاقة وما فوقها لكي يصمد أمام الوحوش ...
من يظُن أن الغابات هي الملئى بالوحوش ، فعليه أن يستعيد حساباته .. ففي عالم البشر ... تتسع الوحشية إلى ما هو أسوء ....

ظلت على جلستها كما المعتاد لساعات تضحى فيها الثانية دهـرًا كاملاً ...
ثم أقدمت على النهوض بعد ما يقرب الساعتين ، لتدلف إلى غرفتها الوحيدة حاملة بعض المشغولات الخزفيه ، التي وضعتها فى صندوقين من الكرتون ، منقوش على واجهتهما لقب ‹ الأثيـر للخـزف ›

تنفست الصعداء ، ثم حملت الصندوقين ، دون أن تتطلع على مرآتها التي تشققت بفعل الدهـر و تقلباته ...
ثم غادرت بيتها الزهيد بعد أن فتحته بأناملها النحيلة ، راسمة على شفتيها ابتسامة رضا مُهـدرة ...

الخطوات تُعد على الأصابع ، و هي التي اعتادت الإنتباه لما تخطـو .. إلى أن قابلت جارتها البدينة " شفيقـة " التى ابتسمت لها قائلة فى ود :
— إزيِك يا بنتي .. عاملة إيه ؟! رايحـه برضه للرجل الـدُّون الضلالِي ده ؟!

تلعثمت الفتـاة فى انكسـار و خيبـة ، ثم قالت :
— إزيِك يا خالتي ... أنـا الحمد لله فى نعمـه من ربنا .. هعمل إيه بس !! هو أنا لقيت غيره و قولت لأ ؟!

همست المرأة فى حسـرة :
— يا خسارتِك يا بنتي فـ قلـة بختِك .. و النبي إنتِ جوهرة ، و اللي بتعمليه بإيديكي ؛ ده اللي بيقولوا عليه فى المحلات الكبيرة تُحـف .. !! الجدع ده ماصِص دمِك ، و واكِـل شقاكي و تعبِك .. بلاش تتعاملي معاه تاني ؟!
يعني هو كل مرة إنتِ اللي تشتغلي ، وتجهزي حتـة التحفة من دول ، والآخر يبيعها على اسمه ، كأنه هو اللي صانعها .. والله ده ميرضيش ربنا ...

اغرورقت عينا الفتاة بالدمـوع قائلة :
— ما أنا لو رفضت ، ولا قولتله لأ .. هيقوللي مع السلامة .. و كده لا هلاقي آكل ولا أشرب .. أعمل إيه فى نصيبي ؟!

ربتت السيدة طيبة القلب على كتفيها بحنان قائلة :
— معلش يا بنتي .. يفرجها ربنا من عنده .. ولا يهمِك ، بكره تروق و تحلا و لا يهمِك .. إدِّي للدنيا ضهـرِك ، و اضربيها طنـاش .

ابتسمت الفتاة فى استكانة :
— و نعم بالله يا خالتي .. أسيبِك أنا عشان متأخرش .. عن إذنِك ....

ما إن ابتعدت الفتاة بِضع خطوات حتى فاهت المرأة بصوتٍ خفيض :
— عيني عليكي يا بنتي .. صحيح !! اللي مالُـه أب و لا أم ؛ حالُـه يُغُـم .. مِنَّك لله يا بدري يا بني .. لو كنت وافقت تُخطبها ، كان زمانها قاعدة معانا ، و فى رعايتنا ...

همست إبنتها عنبـر فى سخط :
— و إنتِ عايزة أخويـا أنـا أمين شرطة بدري فرغلي يتجوز حِتـة بنت يتيمة فقيرة زي دي ، عاملة زي مقشـة البلح ؟!

استقبلت سخريتها شقيقتها الصغرى نوال التي اعتادت الوقوف فى الشرفة لسببٍ فى نفسِـها ، لتردف فى امتعاض :
— يا ختي بلا نيلة .. محسسانا إن أخوكي لواء فى الداخلية !! و بعدين مالها البنت إن شاء الله ؟! مش عاجباكي ليه ؟! بقى القمر دي تبقى مقشة بلح ؟!
أنا مش عارفه هتبطلي غيرتِك دي إمتى ؟!

صرخت عنبـر فى غضب :
— نوال .. لِمِّي نفسِك ، يا إما والله لما أخوكي يرجع أقوله على اللي إنتِ قولتيه فى حقُّـه ، و هزود عليه من عندي كمان .. و استحملي بقى اللي هيعمله فيكي ..
أنـا لو مِنِك ... و الله أريح بالي ، و أخليني فـ حالي ... لكن إزاي ، متر و ربع صحيح ؛ لكن لسانِك عشرة متر ..

عاودت نوال الصدام بها ، لتهمس :
— والله إنتِ عمرِك ما هتبطلِي أذيـه .. هو أنا عملت إيه ؟! ولا قولت إيه علشان تهدديني بأخوكي .. ؟!
حرام عليكي يا شيخة .. البنت يتيمة لا أب ولا أم .. و عايشة عـ الهامش ، و مؤدبة ، و لا عمرها زعلت حد ..
ومع ذلك أخوكي قاطرها فى الرايحة و الجاية .. ولا بيحبها ولا بيسيبها فـ حالها .. عايزين منها إيه تاني .. ؟! و بعدين تعالي هنا يا ماما ..  
إزاي أصلاً أخويا يتجوزها .. ؟! ده أكبر منها بـ ١٣ سنه ...
شيلي الموضوع ده من دماغِك يا ماما .. و انسيه نهائي ، و بلاش تكلمي ابنِك فيه تاني ، لأن كل مره بتكلميه ، بيطلَّع غيظه فى الغلبانه بكلام يسِم البدن ..

أطرقت السيدة " شفيقة " عيناها إلى الأسفل تبكي القلب ، قبل العين .. فهي التي لا تملك بعد وفاة زوجها غير ابنها الوحيد على فتياتٍ ثلاث ، و قلبها الطيب الذي يعاني الفقد ... و الترميم.  

انتهى الحوار بينهم عند ذاك المنعطف ، لتدلف المرأة إلى الداخل ، تلتها ابنتها الكبرى .. بينما ظلت الصغرى فى نافذتها تنتظـر ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
**********

« بينَ رغبـةِ الاعتراف ، وعجزِ التفـوه .. يبقى سؤال استحالت صياغته ...
— أين أنـا وسط البشر .. ؟! من يسكنون البسيطة .. يصولون .. يتجولون .. يبرحون أماكنهم .. يتجاوبون .. و يزعمون أحيانًا أنهم على صواب ، و أنا التي فى مكانها راقدة بلا حراك ؟!!
سؤال ليس بعابر .. و علامات الاستفهام قد استعرتُها كي لا تكون الصياغة عاريـة ..
جسد .. و أعضاءه .. و الدم يسري فى العروق .. و اللحظة التي أدركت خلالها أن الصمت لم يعُد يحميها ، لذا ما عليها إلا التفوه .... و الثورة إن اقتضى الأمر !!
و إلا صارت سجينة عجزها إلى مدى لا أبد له .. !! »

اقتربت الفتاة المسكينة فى هلع من معرض " الأثير " للتحف و الأنتيكات و المشغولات الذهبية ، نظـرًا لتأخيرها الذى اعتاده " فكري أبو ضيف " مالك المعرض
لينقض عليها ، ساحبًا الصندوقين من بين ذراعيها ، صارخًا فى خشونـة :
— لأ .. أنا مينفعنيش الكلام ده ... كل مرة تتحججي و تتأخري .. أنا لولا إنِّك صعبانه عليا ، مكُنتِش خليتِك فى المعرض تاني ، مع إن شغلِك على قَـدُه بس هنقول إيه بقى .. كله لوجه الله ..
( ثم ركض إلى الداخل ، فاتحًا الصندوقين على مصراعيهما فى لهفه ، كادت عيناه من الإعجاب أن تخرجا من محجريهما ، ليتشدق ريقه فى شراهة و طمع ، إلا أنه استدعى الغضب والنفور الوهمي قائلاً فى
تبجح ) :
— ده إيه القرف ده !! إنتِ شغلِك بقى وحش أوي .. قولتِلِك عايز شغل خمس نجوم .. شغل فنادق ..
أقنع العميل إزاي بيهم دلوقتي ، ده أنا لو قولتله إني أنا اللي عملته ، يمكن يرفض يتعامل معايا تاني ..  

كل هدفـه الحَط من موهبتها ، من إمكانياتها ، من قدراتها التي فاقت الخبراء و الفنانين .. كي تظل خاضعة له ، لعبودية الإحتياج .  
يُصر دائمًا على عدم الإنصاف ، فهو الطامع الذى من جشعه و المال لا يشبع ..
ينشُد الإخفاق من نجاحها ، حتى ترى نفسها أمامه ضئيله .. بخسة .. ضعيفة .. أمام الكريم الذي يقدم لها ما لا تستحق ، و أقل مما تستحق ..
علَّـه بفعلتِـه تلك ، يخفض من قيمة أجرهـا الزهيد بضعة جنيهات لا غير ...

ارتبكت المسكينة ، و دون قصد خرجت الكلمات مُتلعثمة مُنكسرة من شفتيها كما لو أنهـا للتو هربت من معركة غير متكافئة القوى :
— خلاص .. بــ .. بــ ... بلاش تقوله إنك اللي عملتهم ، قوله إن المساعدة بتاعتك هي اللي عملتهم ، و لسه بتتدرب .... !!

صـاح الرجل فى ثورة غير مُبالي كونه يتحدث إلى فتاة فى عمر الزهـور :
— بتقولي إيه؟! مساعدتي ... هي مين دي اللي مساعدتي يا روح أمِك ؟! إنتِ اتجننتي يا بت ؟! ولا عشان بتصعبي عليا ، بتعامل معاكي بالحسنى ؟!

ربما عانت الكثير ، و تكبدت من التضحيات و الآلام الأكثر .. لكن عند ذكر أمهـا ؛ لا تحتمل ، أو تصبِر ...
ربما مأساتها ، ليس أنها يتيمة ، أو بائسة .. أو للفرح و السعادة عقيمة .. لكن مأساتها أنها بيضاء كغيمـةٍ عابرة نقية ، تُفسر الضوء أحيانًا على أنه حريـق ينشُب ..
خرجت كلماتها من شفتيها مبللة باللين و البراءة .. فعادت إليها متشحة بالخوف ...
لكنها والدتها التي فقدتها منذ عامين ، كما لو كانت معها بالبارحة ...
لذا بصقت وَهنهـا ، لتحتل الصرامة ملامحها للمرة الأولى :
— أستاذ فكري .. كله إلا أمي ... و إن كان على شغلي اللي عملته ، و كل مرة بعملهولَك ؛ و كل مرة تقوللي إنه مش عاجبك .. و أنا متأكده إنه ممتاز ... خلاص هريحك منه خالص ...
أنا مش جايـه هنا تاني .. و اعتبر ده آخر تعامل بيننا ، و اتفضل اكشف عن مواهبك للعُملا بتوعك لما يعرفوا إن شغلك اللي بتعرضوا عليهم ، و بتاخد من وراه أُلوفـات ، و بترميلي ملاليم ، و أنا بعمل نفسي هبلة و برضى بيها ..
خليهم يعرفوا إن ده مش ابداعك يا فنان .. و إن أنا اللي ورا شهرتك دي ، و إن المساعدة بتاعتك اللي كل مرة تقلل منها ، و تسمعها كلام زي السِم ، علشان بس تكسر خاطرها ، و تهدم طموحها و تقلل من أجرها ... خلاص زهقت من ظُلمك و افتراك ...
إنت رجل ظالم و معندكش ضمير .. ربنا ينتقم مِنك ...

تقيأت ما فى جوفهـا من معاناه دامت أعوامها الخمس ، لترحل فى صورة معاكسة تمامًا لتلك التي حضرت بها ....
نادمة .. ربما ، إلا أنها لا تملك حق الرجوع أو العودة
كانت الحياة تكفيها بأمٍ و أب ، و لكن الأولى رحلت منذ العامين ، فى حين رحل الأخير منذ مولدها ..
ليتبقى لها مجرد حُطام .. و أطلال بيت غير مُحكم النوافذ و الأبواب ...
وها هي إليه تعود خاوية اليدين .. بلا عمل .. و لا أجـر
و عند ذكر الكلمة الأخيرة .. " الأجـر " ...
لقد تركت لديه تعبها ، جَهدها ، حُلمها ، و صندوقين اجتهدت ليلتين متتاليتين لإتقان نقوشهما .. لذا لن تستقبل الهزيمة كالسابق بصدرٍ رحِـب ؛ و إنما بصدر مُنهك ، و أنفاس متلاحقة ... وعقل لن يقبل بالخسارة ..

و ها هي بدلاً من اعتمادها طريق العوده ، تستقبل الطريق المعاكس إلى المعرض ثانيـة ..
لتقف أمامه من جديد .. أمام من لم يَفِـق بعد من ذهوله السابق ، لكنها له لم تكترث ؛ بل اتجهت صوب المكتب
و حملت التحف الخزفيه ، ثم رفعتها إلى أعلى قدر استطاعتها ، لتقذفـها على أرض المعرض الرخامية فى قوة ...
أجزاء.... أجزاء متناثرة ..
أكبرها بحجم العملة المعدنية ، حادة ، لامعة .. ربما يجمعها صريحةً ، و يضعها بإناءه الزجاجي .. يجتاح بمظهرها الأنيق أثرِيات المتاحف ..
ثم ابتسمت فى شراسة لم تكن من خصالها ، لتهمس :
— مبسوط دلوقتي .. أديني ريَّحتك من شغلي اللي مش عاجبك .. متنساش تجمع الشظايا .. و القطع الصغيرة اللي مرمية هنا .. وهنا ... و هناك
بس أنا هاخد القطعتين دول .. هعتبرهم أجري على شغلي اللي سهرت فيه ليلتين بحالهم علشان أسلمهُملك على أكمل وجه ...
اتفضل ... أهو ده بقى أكمل الوجه اللي يناسبك يا فكري ...
( ثم مضيت فى استعلاء باسمة الثغر ، شامخة الهامة ، لا تنحني ... و ربما لا تُفكر كيف ستقضي أيامها القادمة بلا طعام يسد جوعها .. لكن الأهم أنها لن تضعف و تنحني )
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد

« يقف المرء على قارِعة الطريق ، يتحدث إلى أحدهم .. و يستهل حديثه بـ " كيف حالك ؟! "
و هي التى تمنت أن تُلقـِي ذاك التساؤل على الواحد الذي لا بديل له .. " شعور الأمـل "
تمنت فقط لو أنها سألته أين طريقه حتى به تسير..
لتقول : " أيها الأمل .. أردتُ فقط الاطمئنان عليك .. ثم أكمِل غيابك إن أردت ..
و إن طرقت بابي بكلمةٍ دافئـة ، فإزرع نفسك بداخلي للحظات .. ثم اتركني وحيدةً أواجه أسئلتك التي لا تنتهي .. "

رحلت من جديد .. بقلب مستكين تلك المرة .. لا إضافات من العمل المنهِك ، و لا تنبيه لمواعيد صارمة ، و لا تقليل من شأنها ؛ أو اغتصاب لمجهودها ..

تخطت الساعه الرابعة عصرًا ، و هي التى لا تريد العودة إلى البيت فى تلك الحاله ..
تعي أن ذاك الرجل المتكبر _ ابن العم فرغلي _ رحمة الله سيشمت فيها قمة السخرية ..
فاليوم هو موعد عودته بعد تلك المهمة التي أسندها إليه
الرائد " جعفر حسيب " ...
اليوم الذى ستُجبَـر على سماع كلماته البذيئة .. اليوم الذى سيمارس فيه طغيانه الرجولي فى حقها ..
و لا سبيل لها بمواجهته ... فمَن يُساندها ؟!
من يقف إلى جوارها ؟؟ من يَكُن لها الحماية و الأمان ؟!
لا أحـد ..... إنها تملك لا أحـد !!
لذا عليها أن تسير فى طريقها غير مكترثة .. بلا وعي .. و بلا وجهـة ....

أنين ..... له مصدران
أحدهما المعدة " بيت الداء " التي تشتهي وجبـةً ساخنة ؛ و الأخرى قدميها اللتان تنشدان مياه دافئة مع مسحوق الملح الذائب ...
نظرت إلى أحدهم ، لتسأل سؤالها الذى تكرر لما يزيد على العشر :
— من فضلك ... الساعه كـام ؟!

أجاب فى عملية رتيبه :
— الساعه ٨ و نص ... و رحـل بلا اهتمام ...

— ماذا .. ؟! الثامنة و النصف ...
معقول بقالي سبع ساعات ماشية على رجليـا .. و المفروض إني هرجع بيتي دلوقتي ، علشان ألاقي كَنبتِين مِبَوزيـن ، و تلاجة فاضية ، و سرير كله شوك ، و شباك مكسور ، و باب بِيزيَّـق .. و أَكَمِّل فى الطاحونة دي لغايت ما الدنيا ترميلي البواقي ..
يـارب ... مش عايزة غير القوة و الصبـر ....

« القـوة فى الصبـر ....
جملة بسيطة ... كلمات هادئة ... لكنها أراحت قلبها المنهك ... فلم يعد أمام تلك الصغيرة سواهما تتقلد .. !!
أعلنت أنها لازالت على قيد الحياة بجرعة مقننه من الحياة ، تتمثل فى الجَلَــدْ »

ليلـة طويلـة .... بدأت ، لكنها تفاصيل نهايتها لم تكُن بالحسبان
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
**********

« لا ألومـك .. فأنا أعرف حد اليقين أنك مجرد ظِـل لأشباحٍ ، قمة سعادتهم هو إيلامي ..
تُحاربُني .. و بالذم تسيء إليّ فهل أنا حقًـا أستحق ؟!
ترى بابي .. و نافذتي .. و وحدتي ، و لكنك تكتمل فقط فى مطاردتي ...
و ها هـو يعود من عملـه بعد ثلاثون يومًا ، لينظر إلى بيتها الهريء ، قبل أن يتجه إلى منزله ...
وضع حقيبة الظهر الممتلئة بملابسه و احتياجاته ، ثم اقترب من نافذتها فى هدوء داهِـي ...
ليستل سلاحه الذى اعتاد اخافتها به دائمًا ، يتمنى أن يتلذذ من فرط ارتجافها و رعشتها ..
ثم أطرق به نافذتها فى قوة تتنافى مع جسده النحيل ...
هامسًا :
— أَدينِي رجعتِلِك ... يا قطـة .. رجعتِلِك بس علشان أقَصقَص ضوافرِك .. راجع و هفضل قاعِدلِك أسبوعين كاملين ... إمَّا كرهتِك فى عيشتِك ، مبقاش أنـا " بدري فرغلي " ...
( و ضحك ضحكته السخيفة ، ثم عاد إلى بيته ، ليدلفه فى غرور )

دلف بدري إلى الداخل فى سعادة أنبتها جذور الكبرياء ..
لا يشعر برجولته حقًا إلا حينما يُشعِل استفزازهـا .. لا يرضى إلا بإنكسارها ؛ ومهما حاولت والدته اصلاح شيمته ؛ إلا أنها لم تعُد تستطع
لذا ظنت أنه ربما بزواجه من تلك المسكينة .. ربما يهدأ ، و يرضى بها خاصةً بعد أن أوصتها والدتها المتوفاة عليها .. لكنها لا تملك قلب ابنها ولا طباعه ولا حتى ... السيطرة على شخصيته ...

ركضت شقيقته الوسطى عنبر إليه فى ترحاب ؛ و فرح مفاجيء ، لتقول فى محبة صادقة :
— حبيبي يا بدري ... حمدًا لله على سلامتك .. وحشتني أوي أوي ..

حاوطها أخيها بذراعيه كما المطرقة والسندان ، لتُعزَز تلك العلاقة الأخوية المقدسة ، بروح الصغرى نوال المرحة قائلة :
— بَـدُّور ... حمدًا لله على السلامة يا كابتن ... جيت إمتى ؟!

أمسك بدري شحمة أُذنيها بأنامله الصلبه فى غيظ مُحبب لها قائلاً فى رفض :
— يا بِت قولتِلِك أكتر من مرة .. بلاش بَـدّور دي .. ده اسم بنت يا ماما !! اسم بنت !!

أجابت الفتاة التي حاولت التملص من بين يديه :
— لأ يا كابتن ... العتب مش عليّا .. العتب عليك إنت ..
إنت اللي ساقط لغة عربية ... فيه حاجة اسمها تشكيل .. فتحة .. ضمة .. كسرة ...
علشان كده فيه فرق بين بَـدُّور ، و بين بُـدُور ...

ابتسم الرجل فى تسلية :
— ماشي يا أبلة فضيلة .. خلصتي حصة العربي .. ممكن بقى تيجي أحضنِك ، و لا متنازله عنه لأختِك ؟!

أجابت الفتاة التي بالفعل ركضت ، حتى استكانت داخل صدر أخيها الذى شعر بأنين من اندفاعها :
— لا ... أتنازل إيه؟! دي حتى ما بتصدق ، و تاخد حقي .. و كل شويه تهددني ، هقول لأخوكي .. هقول لأخوكي ...

أجابت الأخرى فى ظفـر :
— وربنا إنتِ بنت حلال .. وقعتي نفسِك بنفسِك ؟؟ شوفي هتطلعي منها إزاي دي يا حلوه ؟!

من داخل أحضانه ، هتفت :
— ملكيش دعوه إنتِ .. أخويا و بحبه ، و بيحبني .. خليكي فـ حالِك ...

ابتسم فى ارتياح ... يعشق شقيقتاه ، هو الأخ و ولي أمر هذا البيت .. تصفه نوال أحيانًا بالمستبد ؛ فقط فيما يخص الجارة اليتيمة .. لكن دون ذلك لطيف حد الاتزان ...

بعد عبارات الترحيب ، و القبلات الحارة ، و الاحتواء الأمومي .. دلف إلى الداخل للتنعم بحمامـه المنعش ، لينضم إليهم من جديد.    
فى حين عادت المسكينة إلى بيتها ؛ أو ربما و إن صح القول أطلالهـا ... فى تمام العاشرة ؛ لتحيا ليلة لم تتجرع فيها سوى كأس من الماء ، و كسرة خبر محشوة بقطعة صغيرة من الجُبن الذي أصابه الإصفرار من طول حفظها بذاك البراد ..

تسير على قدمين ، و إن تأخرت كثيرًا ؛ ربما لم تجد من يستقبلها بإبتسامةٍ حانية ..
لذا دلفت إلى الداخل فى تراجع ... أَعَليها قبول تلك الحياة أم الثورة عليها ؟!
لذا تراجعت إلى المرحاض ، لتضع كسرات الخزف ، ثم نهلت من حمامها المنعش بعض النشاط ، و اتجهت إلى البراد الذى حمل بين رفوفه طبق فقير به قطعة من الجبن ..
إلتقطته فى رضوخ ، و التهمته عن آخره غير عابئة التفكير ؛ فيما قد يُصيب الغد .. لكن رب العالمين لا ينسى عباده ...
إتجهت إلى الداخل ، ترتمي بجسدها على الفراش فى إعياء ، و أغمضت عيناها على الفور ...

ليلة كسابقيها ... و الظلام يُحيط بالجميع ... ثم هـزة أرضية قوية أعقبها طنين فى أذنيها ، رؤيـة مشوشـة ..
دوار مفاجيء ، و عدم اتزان ....
ثم سقـوط ... إنهار على إثره المنزل الذي أعلـن عن انتهاء صلاحيته منذ سنوات ... ليتحول فى دقائق إلى حطام و دمار شامل ، ساحقًا تحت جدرانه المتهدمة جسد فتاة مسكينة رفضتها الحياة ، و عصف بها اليأس .. و تكالب عليها الضياع ...

فى حين نهض جميع السكان من منازلهم ، مغادرين إياها عقب زلزال أرضي ، فى صراخ متتالي من الرعب ، و الهلع ... ليتفاجئوا بعاصفة من الغبار نشأت عن بيت تلك المسكينة ، راقدًا تحت أطلالـه جسدها البريء ..
تسمَّر الجميع بلا حيلة ... ما عدا ذلك البدري الذى أظهر عكس ما اعتقده الكثيرون ..
صرخ فيهم ، محاولاً إبعاد الصخور المتهالكة .. ربما لا يزال هناك ، ولو بصيص من الأمل بنجاتها
صارخًـا :
— إنتوا هتفضلوا متسمرين لإمتى ... ؟! يلا بسرعة ، قبل ما تموت ... يارب نجيـها ، علشان خاطري .. يارب
يارب أنا بحبها ؛ و عايز بس فرصة أصلَّح غلطي ...

حاول الجميع بلا جدوى ... الحطام فى كل مكان ، و الهدم يتراكم فى كل اتجاه ... و الساعات تتوالى بلا هدف .. و التعب يشتد .... و صاحب البيت يقف أمامهم فى تذمر :
— إنتوا بتتعبوا على الفاضي ... ما أنا حذرتها أكتر من مرة ، و قولتلها سيبي البيت آيِـل للسقوط ، قبل ما يُقع فوقِك و فوق اللي خلفِتِك .. و هي ولا هي هنا .. تتحمل بقى .. قصدي عمرها كده ...

و رحل دون أدنى ذرة من الرحمة أو اللين أو الحزن ..  
فى حين توالت حالات الإنقاذ من الجميع لساعات طويله ، دون أن تُسفِـر عن بارقة أمل تُذكر ....

« منذ نعومة أظافرها .. تعلمت الرضـا
لم يكن كل ما تتمناه ، أو بعضه ، أو القليل منه تنشد ..
فقط عليها أن تحلُم ، و تتخيله بين أناملها ...
لكنها تصبر .. على ضيق العيش تحتمل .. حتى أتت الفاجعة الكبرى برحيل والدتها .  
و منذ ذلك الحين ، و قلبها يحترق ، و عيناها تبكي ، و الكل لها بالمرصاد متصيِّد ..
كانت تلك التي اشتهرت فيما مضى كباقي أقرانها تتأمل ، حتى أهدتها الحياة جُرحـًا .. و فاضت ثائرة :
— تلك لُعبتِك .... تعلمي منها كيف تتميزين ؟!
مضت حافية بلا نعال .. على أشواك الحياة وما تتسم به من وَبـال .. كلما سال النزيف من بين أناملها .. يقولون :
— تحملِي ... هكذا هي الحياة ... تضيق و تشتد .. ولا قيمة إلا إلى المال ....
و ها هي تحت الركام .. تحت أنقاض الحُطام بجسدٍ فقد صلابته ، و روحٍ فقدت بريق عينيها .. »

مضى الجميع راحلين إلى منازلهم ، يتكئون على وسام الأمل ، ألا يتكرر ذلك الكابوس الكارثي من جديد ..
بعضهم يحمد الله على نعمة السلامة .. و البعض الآخر ينقبض صدره حين شاهد الفوضى العارمة التي خلفها الزلزال المُقبض ..
و غيرهم أقبلوا على التلفاز ، للإستماع الى نشرة الأخبـار
حول عواقب ثورة الطبيعة ...
ليتحدث المراسل الإعلامي فى نهيج ، يخلف وراءه عدد من المساكن التي تعرضت إلى التصدع و التشققات .. ناهيك عن الأزمة المروريـة الشاقة ، و ذبول المشاعر على الملامح :

تعرضت جمهورية مصر العربية بكافة محافظاتها إلى زلزال مدمر الساعة الثانية صباحا بقوة ٦,١ ريختر ، و قد بلغت الأخطار الناجمة عنه ذروتها في الطرف الجنوبي من القاهرة ... ليتسع و يمتد إلى باقي المحافظات

الوضع العام على المحك ، و سيل من التساؤلات يفيض من فئات الشعب

ماذا لو تكرر ذلك الكابوس ثانية ؟!

الخسائر كما ترونها الآن كبيرة إلى أقصى حد ، ناهيك عن الضحايا و المفقودين لا تزال فرق الإنقاذ تحاول انتشال الضحايا تحت الركام .. نسأل الله لنا ولكم العافيه ؛ و لمصرنا السلامة »

بينما ظل واحدًا على حالته الجنونية ، ليعود من جديد و يفتش تحت أطلال بيت كان منذ لحظات ثابت البنيان ؛ و إن اهترىء 



تعليقات