رواية هتاف مسيلمه الفصل الثاني 2
روايـة « هِتــاف مُسيلمـة »
بقـلم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« الفصـل الثــانِـي »
« المُطـــارِد ......... ظِــل الخطــــر »
« يقولـون وسط سجلات التحقيقات ..
إن لم تجد الفاعـل ، فابحث عن المستفيد ..
ربما لا يأبه المارة بما هم تحت أروقَـةِ التراب ، ليشتد ساعِدَهُم ، و ينبشوا خلف دهاليز الثرى ..
فقط يسيرون ، و إن أضاءت عيونهم لَمحةً من شفقة ، عازفين على ناي الحزن :
— رِفقًـا بمن كانوا منذ ساعات يُمهدون للأمل طريقًـا هـا هُـنا ... كانوا بالفعل أحياءً يُرزقـون ، و ها هم الآن تحت الثرى ...
و إن أبصرت شعـاع الشمس من ثقبٍ يصل إليها من خلاله نفحـة الهواء ؛ لقالت :
— ما أسعدكِ أيتها الشمس .. حرةٌ أنتِ ، و الحرية لا تُشترى ...
و أما أنـا فمُقيدة ... خلف رحى الحياة تعتصرني ، و قسوة قلوب البشر تكسرُني ...
لكِ السماء ؛ و أنا تحت الحُطام
تُشرقِين ، و أنا أختنـق ...
إلا أن الشمس باتت تتلظى ، لتُحدق بها ملتهبة :
— أتحسبينني حرةً يا ابنة أبـو البشر ؟!
مسكينةٌ أنتِ ... !! نعم أُشرِق .. و لكن شروقي لا يطُول ، فما بعد الشروق إلا الغروب
نعم .. مسكني السماء ، لكنني آكل بعضي بعضـا ، و ليس لي من حرارتي مُتنَفَـس ..
أنتِ سجينةُ قُضبانٍ و إن لم ينتبه إليها أحد ، فهي التى تُرى ؛ و إنما أنا سجينة حرارتي التي لا تخمد ...
أنتِ مقيدة الأرض ، وأنا مقيدة السماء ...
الفارق الوحيد ، أن سجنكِ حُطام .. أطلال ربما تستدعي الشفقة بأحدهم ليُبادر بالنجده ، أما وظيفتي فهو الأمر الإلهي ؛ إلى أن يشاء الخالق بالنهايـة .. »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« ثم يحدث أن يبتعد الجميع ، ولم تكن تتوقع البديل ..
وما أقسى أن يتحول المرء إلى لاجيء من احتمالاته ..
يفِـر مما قد يُسبِب خسارته ..
ومن الوجوه قبل أن تتبدل ؛ و من الظنون قبل أن تتجسد .. و من الأحلام قبل أن تتلاشى ..
فالتخلي طقس يمارسه الآخرون يوميًا ، دون بادرة رجاء .. و قد سبق القدر إلى تنفيذ أحكامه على نفسه ، حتى صارت الوحدة وطن لا يحتاج فى الرحيل إلى جـواز السفر .. »
صمت مَهِيب مُخيف فى تلك الليلة التى غاب عنها القمر ... بعد يوم انتهى صخبُه ، بروحَـةِ الأُناس السائرون و إيابهِـم ..
ها قد مر يومٌ كامل بليلته على تلك الفاجعة ، تجرع خلالها " بدري " آلام مُبرحة فى محاولات مُضنيه لإنقاذ تلك البريئة التى تحملت منه فى الماضي آلاف الإهانات و وخزات السخرية .. دون أن يشعر ببصيص من الشفقة لأجلها
لكنه ما إن رأى حُطام منزلها ، و أنصت إلى ذاك الصدام حتى بكى حب إقتـات منه ، و لم يُفصِح عنه .. ليصرخ :
— يا أيها القدر ... !! أذاك عِقابي ؛ أم سوء طالعها ؟!
و قد انتهى النهار ، دون أي بادرة من مجلس البلدية بإرسال المعدات التي تكشف عن الأحياء تحت الأنقاض ..
حاول بدري كثيرًا الإستعانة بهذا ، و ذاك ، دون جدوى ..
استغل وضعه و مركزه الأمنى حتى حصل على ترخيص بإستخدام جرَّافـة أماميـة " لـُودر " ، و أغدق الكثير من المال فى مساهمة منه لترميم و إصلاح إنارة الحي .. الأمر الذى دفع أحد مسئولي مبني البلدية السماح له بإستخدامه لمدة ساعة لا غير ..
فى حين انهمرت دموع السيدة الطيبة شفيقة ، و ابنتها نوال ، بينما ظلت عنبر على سكونها الغريب منذ الأمس لا تتحرك ...
ظلت تفكر .. هل سيحاسبها الخالق على حقدها الدفين لتلك الضحية ؟! أم أنها منذ أن واراها التراب فقدت أفكارها السيئة الكئيبة؟
لذا اتجهت إلى غرفتها التي تشاركها أختيها ، و تسللت إلى الفراش فى صمت . و ما هي إلا لحظات حتى خلدت إلى نومٍ عميق ...
إتجهت نوال إلى والدتها ، تقدم إليها أحد المحارم الورقية ، لتجفف به دمعها .. ثم قالت :
— ماما ... صلي على النبي .. هنعمل إيه؟! نصيبها كده .. كانت دايمًا بتقول إن والدتها وحشتها ، و إنها تتمنى تروحلها ؛ متعرفش إن الموت كان أقرب لها مما تتصور ..
مسكينة .. راحت من غير ما حد حتى ياخد عزاهـا .. راحت ضحية الوِحدة ...
شهقت المرأة التي تحمل بقلبها التعازي على فقد فتاة ، لطالما كانت لها كما ابنتها الرابعة ، لتقول فى تأثُّـر :
— لأ .. دي راحت ضحية الفقر ؛ و العُـوزه .. لو كان معاها فلوس ، ولو حتى بسيطة كانت بقِـت دلوقتي عايشة فـ أمان بعيد عن البيت المتكسر ده ...
( وفى لحظات إرتطمت بصخرة الواقع ، لتقول فى نهيـج ) :
— أومال أخوكي بدري فين ؟! لسه بيحفر ، ولا .. ولا رجع ؟!
أجابت نوال فى ضعف :
— لأ يا ماما .. راح مجلس المدينة يحاول مع المسئولين هناك يمكن يوافقوا يبعتوا حد يفتش تحت الأنقاض دي !! المشكله إن مفيش لودرات كفاية .. كله مشغول .. فيه بيوت كتير وقعت بسبب الزلزال ..
انقبض صدر شفيقة ، لتضرب على ركبتيها بـ كفَّين من ندم :
— يا ريتني قولتلها تيجي تبات معانا النهارده .. أنا شوفت تيسير الله يرحمها فى الحلم ، و قالت لي خديها فى حضنِك يا شفيقة .. يا ريتني سمعت كلامها ، كان فاتهـا لسه عايشه ، و قاعده وسطينا ..
إنما أنـا .... أنـا كنت خايفة من أخوكي .. خوفت يضايقها زي العادة ، أو يقولها كلام يزعلها ...
تساءلت نوال فى حيرة :
— و إنتِ عرفتي منين إن بدري جاي النهارده .. ده لما رجع ؛ أنا نَفسي اتفاجئت بيه .
أضافت الأم الخلوقـة فى بكاء :
— ما هو كلمني قبل ما يوصل بساعه ، و قاللي إنه جاي ؛ علشان كده رجعت فـ كلامي .. و بعد ما كنت ناوية أعزمها تتعشى معانا ، و تبات .. اضطريت أقفل باب الموضوع و أجلها لما يسافر في أي مأمورية تانيه ..
لكن .... لكن دلوقتي راحت .. راحت و هي لسه طفله .. راحت قبل ما تتمتع بشبابها .. راحت قبل حتى ما تفرح ..
مأسـاة لا تنتهي بندم .. أو حسرة .. أو بكاء .. بل بالأحرى تبدأ ..
حُـزن يبدأ بمحاكمة شبه عادلة للأحياء المتابعون بما لديهم .. يجلس فيها القدر فى قاعة مليئة بالقضاة .. ينتظرون الشهود لبدء المراسم الجنائزيه ..
يظن أنه اخطأ .. و هو بالفعل أجـاز الأذى حتى ظن أنه يبغضها .. و إن منح قلبه فرصةً لكان أجاب :
— رباه .. لو كنت قد صارحتُها بما في قلبي ، لكانت الآن بين جوارحي .. أحببتُها .. نعم ، و لكني كنت الأبله فى تلك الروايـة ...
عاد بدري بعد ساعات من الإلحاح ، و آلاف الجنيهات التي اأدقها فى حافظة عشرات الرجال ممن يقتاتون الحرام ، و يتعايشون منه ...
يُقنِعُـون أنفسهم أنها الغاية التي بررت الوسيلة ، و لكن الغايات و الوسائل من ضمائرهم الميتة بريئه ..
عاد الشاب يمتطي أحد اللودرات ، متجهًا نحو الأطلال التي تزفر برائحة الموت ، لينتشل الصخور و الأعمدة المتهالكة و الحطام ...
ساعات تتوالى ... حتى حل الليل و منتصفه ..
الكل فى أَسِرتهم نيام ... راقدون ؛ و أما هو لا يزال يأمل
.. يغترف الحُطام بتلك الآلة هنا و هناك ، و لا أثر لها ..
حتى اقتربت منه والدته و أمام الكابِشة المُسننة وقفت تعترض طريقه ، قائلة فى وجع :
— كفايـة يا بني بقى .. كفايه .. بقالك سبع ساعات بترفع الهدد ، و مفيش فايدة .. المسكينة بقالها ٢٧ ساعه تحت الأنقاض من غير أكل ولا شُرب ولا نفس ..
تفتكر هتكون لسه عايشة ؟! و بعدين إنت قربت تجيب الأساس من تحت ..
إنت كده هتتجنن .. حرام عليك نفسك .. حرام !!
صرخ بدري فى ألـم :
— إبعِدي يا مامـا .. أنا لا يمكن أنزل إلا لما ألاقيها .. هي مستاهلش منِّي كده أبدًا ... أنا ياما أذيتها و زعلتها .. أنا وجعتها كتير ، يبقى لازم أنقذها .. لا يمكن أسيبها تضيع يا ماما .. لا يمكن ...
إلا أن والدته .. الأرملـة المسكينة التى فقدت زوجها ، لتكتفي بنفسها فى مواجهة قطار العمر ، و أصرت على تربية أبنائها بمفردها ، لم تحتمل خسارة ابنها الوحيد ..
و خاصةً ألا أمل فى حياة باتت كلمةً سُطِّرت بقلم من رصاص ، و جاءت صغيرة لا تقوى على الحركة لتمحوها بممحاةٍ بحجم الكون بأكمله ..
و على إثر مشاعرها عادت تصرخ ، ثم ألقت بنفسها أمام الوحـاء المعدني ، هاتفـة :
— يبقى خلاص ... إجرفني مع الأنقاض اللي قدامك ، و ساعتها يمكن أرتاح من اللي أنا فيه ...
قبض بدري على مقبض اللودر فى إحكام ، ليهبط عن كرسيه بعد أن شعر بجسده و عظامه تكاد تتكسر ، ليهتف :
— لأ يا ماما بعد الشر عنِّك .. قومي بالله عليكي .. مش يمكن تكون لسـه ........
قاطعته فى يأس باكي :
— يمكن إيه بس يا بني .. !! الله يرحمِك يا بنت تيسير .. الله يرحمِك يا بنتي ...
( و نهضت مع ابنها الذى سحب مفاتيح اللودر ، ثم إتكأ على والدته ، التى جعلت من جسده داعمًا لها ، بالقلب الذى تفتت الليلة وسابقتها .. لم يعد يحتمل الوجع أكثر)
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
**********
« لا يغُرنك ذاك الهدوء الصاخب ... و لا تخدعك تلك الظلال الخفية .. التى توزعت يُمنًـا و يُسـرا .. فتلك الحقيقة واضحة .. ليست هنا فى عداد الأحياء ..
صمت .. و ما أخبثه !!
كائن يُهاجم الفراغ فى قسوة حيث لا أحد يتوقعه
يتربص فى ذُروة الليل ، و ظلامه ..
و بقبضةٍ باردة ، يصفع البائسين .. خِلسة ...
ولا تخدعك تلك الابتسامات البلاستيكية التي أُوزعُـها يُمنةً و يُسرة ، فأنا في الحقيقة لست هنا .. »
الوحدة يا صديقي كائن خبيث .
لا تهاجمك في الفراغ حيث تتوقع قدومه ،
بل تتربص بك في ذروة الزحام خلسةً فى الدُجى ..
تعبث بأرواحٍ عالقة حائرة .. و جراحٍ لم تندمل ..
و ملامح غير واضحة .. و روحٍ متصدعة ...
و أنينٍ متواصل .. و عراء مفاده : لستُ بخير .. !!
فى الليل .. لا صوت سوى تلك المخلوقات الصغيرة ، المُتدنية التى تزحف فى الظلام براحتها كي تنتشر ..
ما بين ثقوب ، و ثغرات .. تتحرك ... و يصدر عنها ذاك الهسيس المتآكل ، و الدبيب الخافت ..
و فى لحظةٍ ما بعينها ، تكتَّم الصوت ، و هربت الحشرات إلى محاجرها ؛ كما لو أن خطـرًا بالأمام قادم ..
طريق متسع يُغلفه السكون ، و أنفاس حارة .. و قلب يعلو نبضه ، و صرير خَلفَـهُ حذاءه القوي الصلب لخُطـاه التي لا يوازي فى قسوتها غيره ...
ثم توقف فجـأة .. يُرهِف السمع ، اجتمعت حواسه كلها فى إنصات و رصد ما لا يقدر الآخرون على الوصول إليه .. ليقترب منه أحد رجالـه هامسًـا :
— فيه حاجـه يا ألفـا ؟! ده مـش ..........
لم يستكمل عبارته ، أو بالأحرى لم يكن عليه طرحها ؛ فنظرة من ذلك الألفـا كانت كفيلة بتجميد الدماء فى عروقه ، و إخراس الكلمة داخل حلقه .. ليُقرر الصمت كي لا يتمنى الموت كما سيؤول إليه ..
بينما ظـل الآخر على نفس الشاكلـة يُنصِت فى حذر و اهتمام ؛ إلى أن توقف عند بؤرةٍ بعينها و قـال بصوتـه العميـق :
— قدامك إنت والباقيين خمس دقائق .. تجيبولي اللي تحت الحُطام ده ، وإلا هصفيكم كلهم فى مكانكم .. احفروا ... يلا ..
وفى لحظات اجتمع عشرات الرجال مفتولي العضلات ، من ذوي الوجوه المُلثمة تَيمُنًـا بسيدهم الألفـا ، يحفرون فى طاعةٍ بأيديهم ، تشبثًـا بقواهم التي فاقت غيرهم.
اختارهم ، وقد أحسن الاختيار ..
دربهم بيديه الخاويتين ، و غرس فيهم أمـر لا مساس فيه ...
— الكُـل للواحـد ، و لأجلـه يزرفون الدماء أنهارًا راضين فى طاعـةٍ عمياء .. فهو الأوحد الذى يمتلك زمامهم .. و يتحكم فى مصائِرِهِم ...
الذي لا يعنيهم سوى الاقبال على استجابة أوامره دون همس ..
و أما هـو .. فيستحق لقب الألفـا « زعيـم الذئـاب الضاريـة » ...
يسكـن الليل ، و الليـل ساكنـه ، و أمـا النهار لا يعي عنه شيـئًا سوى أنه للضعفاء ، مقهورين الأنفس ..
لم ينتظـر لحظـة .. بل استكمل خطاه الواثقة المؤدِبـة للأرض التي يطأهـا ، لتتمهد ... فالألفـا فوقهـا يسيـر ..
دلـف إلى سيارتـه فى رعونـة ؛ كأنها تخشى الزئير ، ليتأمل المُحَرك إلى أن يتلقى الإذن بالتشغيل .
و جلـس .. بهدوءه القاتل ، عيناه القاتمة ، أنفاسه العميقة الحارة .. جسده القوي الصلب ، و منكبيه اللذان اشتدا فى صلابه ..
ثم خصلاته السوداء الفاحمة التي تهربت قليلاً عن موطنها ، ليُصمم ذاك الألفـا إحكام الخناق عليها ، تتخلل أصابعه الغليظة المدربة بينها فى شدة إلى الخلف ..
ناهيك عن جسده الذى أتقن كافة الفنون القتالية ، و جذعه المرن ، ثم القلب ..
و آهٍ منه ... لا يعرف الرحمـة ، و لا الليـن ...
صارم حد القسوة ... ذكي حد جنون العبقريـة .. يستحق لقب الداهـية الذي لا يتزلزل ...
إلتفت اليه سائق سيارته ، ترتكز عيناه إلى الاسفل فى احترام ، ليقدِّم إليه سيجاره الكوبي المميز برائحته القوية ، و دخانه الكثيف الذى لا يتبدد ، ليُقدم على إشعاله فى غموض .. عقله يحسب من الدقائق الخمس .. ثلاث
كانت كافيه ليعود رجالـه ، بغنيمتهم ... ينتظرون من سيدهم الإذن و الأمر المباشر ...
ظل الألفـا على سكونه المخيف بضع لحظات كانت كفيلة بحبس أنفاسهم ، ثم أشار إليهم بالتقدم ...
و كان المشهد حقًا يَدمي القلوب ..
جسد أنثى ، مليء بالجروح ، صدر خامد الأنفاس ، كما أشباح القبور ، و شعر أشعث ، ثياب ممزقة بالكامل تكشف ولا تستر .. دماء جافة ، و أخرى حارة تنزف فى غزاره .. لا شهيق .. و لا زفيـر
اقترب من رافقـَهُ منذ قليل ، ليهتف بنبرة مسموعة :
— لقيناها تحت الأنقاض .. ميتة .. واضح إنها من ضحايا الزلزال بتاع امبارح .. مفيش غيرها ... تحب نرميها يا ألفـا ، ولا إيه أوامرك ؟!
عيناه التى استقامت و تركزت على اللاشيء ، إلتفتت ببطء قاتل إليها .. ليتنفس نفسًا عميقًا ، ثم قال :
— إرميها جوه صندوق العربية ... لسه فيها نفس .. يا تقدر و تتحمل طريقنا ، يا تندفن فى الجبل ..
إطلع يا ظـافر ........
و انطلق ظافر بالسيارة ، يعقبها ثمانِ أخرى من نفس الطراز و اللون ، و يسبقها أربع .. فى حين ألقوا المسكينة داخل أحد السيارات ، بالصندوق الخلفي فى إهمال ، لا يعْـزوه إهتمام مسبق ...
مسيرة طويله من سيارات قاتمة اللون كأصحابها .. تسير فى ثورة الليل .. و رغم الذُعر الذى وصل إلى مسامع ساكني المنطقة ، إلا أن أحدهم لا يكاد ينطق ، أو يتنفس
داعين الخالق العظيم أن تنتهي تلك الليلة على أءمن ما تكون ...
ساعة و ربما يزيد قليلاً.. و قد اقترب صف السيارات من مهابـة الجبل ، الذى تسلقه كل سائق ببراعة يُحسد عليها .. و استمر الأمر لما يقارب الساعه الأخرى ؛ حتى توفقوا حيث يجب عليهم أن يفعلوا ...
ليترجل منها الرجال جميعا ، مصطفين فى أماكنهم بإحترافية أمنية بارعة ... و عيون تتقلب كما الحرباء فى كل الاتجاهات ..
بينما ترجل الألفـا من السيارة فى شموخ ؛ دالفًـا إلى أحد الكهوف الجبليه ؛ ليتعمق إلى الداخل كثيرًا ... حتى وصل ....
فى الداخل ؛ يختلف الوضع كثيرًا عن خارجه كما صندوق المتاع .. قديم تقشرت أصدافه ، إلا أنه يحمل بداخله كنوز لا قِبل للبشر بها .
قصر نُحت بأيدي أعظم المعماريين خبرةً و براعة ..
أسقف شاهقة الارتفاع ، رُخامية الملمس .. تنسدل منها ثُريات كريستالية شفافة ترى باطنها من ظاهرها ، و ظاهرها من الباطن ..
أثاث فاخر .. ممرات حلزونيه .. إضاءة خافتة هادئة تبعث على الراحة .. نظام تهويـة يحار فيه الغريب ما بين برودة الصقيع ، و دفء مخملي مُحبب
و يخطو هو بخطواته القوية الصلبة ، لتتلألأ خيوط لؤلؤية من أسفل قدميه مُطلقه أزيز خافت غير مسموع ..
ثم دهليز طويل رخامي يتفرع منه عدة حجرات متسعه ، و ينتهي بالجناح الملكي لـه .. لسيـد الجبـل ؛ زعيـم الذئـاب " الألفــا " ..
واصل القوي طريقه ، و ما إن استقر فى الداخل ، حتى اُضيء جناحه بالإضاءة الذاتية ، ألقى بعدد من الأسلحة الخفيفة على فراشه ما بين مسدس "جلوك ١٩ " ، إلى خنجره المميز " فيبر باور " ، و أخيرًا الصاعق بعيد المدي " تايزر بولت " ..
ثم تجرد من ثيابه بالكامل باستثناء سرواله القصير ، ليقف أمام مرآةٍ بعرض الحائط ثلاثية الأبعاد تكشف الجناح بأكمله ، حتى إذا أصابت بعوضة فرصة التسلل إلى الداخل ، تسقط بين مخالبه ..
لـه جسد برونزي اللون ، جِذع ممشوق ، مفتول العضلات بارزة ، تلتقي ضلوعه ما بين انحناءات سداسيه تخفق القلوب ..
و أما عن خلفيته ، فظهره الوارف الارتفاع متناسق ، يعلوه عُنق شامخة ، و إصابات لا تُحصى ..
جراح غائرة ... عميقه هنا .. و هنا .. و هناك ... تكشف عما عانى منه هذا الرجل من صراعات عنيفة بائِنـة ..
و أما عن عيناه ... ففيها الفلاسفة حائرون ...
عند غضبه تكن أعمـق من غياهب الجُب ، سوداء قاتمة .. دنسهـا الغضب ، و فى هدوءه و إن نـُدِر تغدو مائلـة إلى الأزرق الداكـن ....
تُودِّع أنف مستقيم بارز إلى الأعلى فى شموخ ، و شفاه غليظـة مضرجة بالدماء ...
ساعديه كما مطرقتين من فولاذ ، و ساقيه الطويلان كما أوتاد الجبال ثابته ...
و أما عن العقل ... فلا يهــدأ ....
تأمل ظلالـه فى مرآته التي لا تكذب أبدا .. ثم أحكم قبضته فى ثورة ، ليصدر من داخله زئير كما الأسود .. ثم أولاها ظهره ، متجهًـا إلى المرحاض
محرابـه السري ... الذى يلجأ إليه بعد عملياته التي لا تُخطيء أبدا ..
وضع راحتـه على الحائط ، ليصُدر عنه وميض خافت ، ثم انطلقت رشاشات الماء من الأعلى لتغمر جسده كليًا بنافورة من الماء البارد كما الثلج
لا يشعر بحدتها ، و لا قسوة ضراوتها ... بل على النقيض
بدى و كأنه جسد بلا روح ، لا يشعر و لا يتألم ...
دقائق يَصعُب حسابها ، ما بين عشر و عشرون ، لكنها أعلنت انتهائها ، ليُنهي حمامه الثائر فى صخب ، ليلف
المنشفه حول خصره فى إحكام ، ثم غادره إلى الغرفة من جديد ..
ارتدى ثيابه السوداء الأنيقة .. فهو لونه المحبب إلى نفسه .. يُناسبه و يليق به ... ثم ارتجل الدرج الحلزوني إلى الأسفل من جديد .
توغل داخل مملكته فاحشة الثراء بالجبل ، ليقترب منه أحد الرجال حاملاً كأس من شراب أحمر قاني كالدماء ، تجرعه كاملاً على عجل ، لتمتعض ملامحه دلالة قسوة مذاقه ؛ ثم أشار إلى مساعده إشارةً تكاد تكون مبهمة ، لكنه يفهم مغزاها جيدًا ..
حمل الرجال الفتاة ضحية الزلزال ، الشبه ميتة ؛ ليأمرهم الألفـا بإسقاطها على الأرض فى تكلف ..
لا يزال على جلسته ، و هدوئه الذى يُخفي بركان من الغضب ، يُمشط بعيناه جسدها كما شعاع من الليزر يكشف ما وراء اللحم ؛ ثم نهض ..
ليقذفها بحذائه ، يُقلبها كيف يشاء دون بصيص من شفقـةٍ أو وازع من رحمة ..
ليختم سلوكه بوضع قدمه فوق وجنتها اليُسرى ضاغطًا إياها فى قوة كادت تُسحق من أسفله ، ليقول فى نبرة عميقة :
— دخلـوها الصراط
إلتقطها أحدهم على كتفه ، مُبتعدًا دون كلمه ، ليصرف سيدهم الرجال بإشارةِ ساعِده ، ثم لحِق بالأول
حتى دلف إلى داخل ما يُسميه الصراط ..
غرفة مظلمه ذات ضوء أرجواني غريب ، و تشابُكات من أشعة أيونيه .. تتوسطها محفـة معدنيه يتوسدها جسد الفتاة أو ما تبقى منه ..
أغلق الرجال الباب على إثر دلوفه ، ليقترب منها فى هدوء ... ثم مزق ما تبقى من ثيابها ؛ لتغدو أمامه شبه عاريه إلا من القليل
أمسك الألـفا أحد الأجهزة مستطيلة الشكل ذات سلك حلزوني و مرره على جسدها بالكامل ، حتى كشف له عن إصاباتها و الجروح الداخليه ..
ابتعد قليلاً ، ثم أحضر وعاد من السليكون و وضع بداخله عدد من المساحيق مختلفه الملمس و اللون ، بمقادير مختلفه ، ثم أضاف إليها سائل أسود اللون ، و ظل يُقلبه بأنبوب زجاجي رفيع
ثم ارتدى قفاز طبي سميك ، و سكب الخليط على راحتيه العريضتين على مواطن الإصابة و الجروح
باتت الفتاة بعد نهاية ما فعله ، كما مومياء تم تحنيطها للتو من قبل سيد الكهنة ..
ثم أنهى فعله ، بمحقن غرسه بالكامل داخل الوريد الواجب بالعمق .. تضخم على إثره جانب عنقها فى رعب
ليُخرجه فى بساطه دون أي شعور ..
و بعد أن انتهى .... تركها ... ليرحل فى هـدوء مغلقًا باب الصراط خلفه ..
ليغمر الغرفة نفس الضوء الأرجواني الكثيف فى سخاء ...
« هـل هي التعيسة أم الفقيدة ؟!
هل فقدت الحياة أو لا يزال لها متسع ؟!
من ذاك الألفـا ؟! و ما هي هويـة ضحية فقرهـــا ؟!
هل جاء باحثًـا عنهـا ؛ أم أن موتهـا تحت الهدم كانت الأهون و الأرحم من الظلم الذى له ستتعرض ؟!
أذاك عُنوانها ، أم التيه بلا عنـــوان ؟!
