رواية كيفك انت الفصل الاول 1 بقلم مياده يوسف الذغندي


 رواية كيفك انت الفصل الاول


الريف المصري – شتاء عام 1999
كان المطر يهطل بغزارة، والبرد يلف أرجاء القرية الصغيرة، بينما امتلأ البيت بالنساء اللاتي يقرأن القرآن في صمت بعد انتهاء العزاء.
في إحدى زوايا المنزل جلس يحيى، شاب في التاسعة عشرة من عمره، يحتضن صورة والدته ودموعه لا تتوقف.
الخالة سعاد:
بس يا يحيى... اسكت يا ابني، كفاية عياط. ادعِ لها بالرحمة والمغفرة. أمك الله يرحمها ارتاحت من المرض اللي كانت فيه. كفاية يا حبيبي... وبعدين هو مش إنت راجل ولا إيه؟
يحيى:
(والدموع مغرقة عينيه)
أمي يا خالتي ماتت... ما بقاش ليا حد تاني. الحنان والأمان اللي في الدنيا راح.
سعاد:
يا حبيبي يا ابني... سنة الحياة. وبعدين ربنا يخلي أبوك وإخواتك.
يحيى:
أبويا وإخواتي؟! طب إخواتي أكتر ناس عايزين يخلصوا مني. من يوم ما كبرت وأنا حاسس إني غريب بينهم... وكل واحد فيهم بيبصلي كأني حمل تقيل.
سعاد:
يمكن ده من حزنك يا ابني... متظلمهمش.
يحيى:
لاء يا خالتي... أنا عايش معاهم وعارفهم. بعد أمي... محدش هيحن عليا.
في تلك اللحظة دخل والده الحاج محمود، رجل تجاوز الستين من عمره، تبدو على وجهه ملامح التعب والقسوة التي صنعتها السنين.
الحاج محمود:
إيه يا يحيى؟ هتفضل قاعد تعيط كتير؟ أمك راحت للي خلقها، واللي عايش لازم يكمل حياته. من بكرة تنزل الأرض مع إخواتك، الشغل هو اللي هينسيك.
رفع يحيى رأسه ونظر إلى أبيه في صمت، بينما شعر لأول مرة أن البيت الذي وُلد فيه أصبح غريبًا عنه.
وفي الخارج... كان المطر يشتد، وكأن السماء تبكي معه على بداية رحلة لن تكون سهلة... رحلة كفاح وغربة ستغيّر حياته إلى الأبد.

يحيى:
أرض؟ أرض إيه يا أبويا؟ أنا هدرس طب... نسيت ولا إيه؟
الحاج محمود:
(حكّ ذقنه وهز رأسه بتعب)
آه... آه يا ابني، ما نسيتش. دي وصية المرحومة... ربنا يعينك يا ابني. أنا داخل أريح شوية.
استدار الحاج محمود واتجه إلى غرفته بخطوات ثقيلة، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء.
وفجأة... انهارت كل القوة والجبروت، وسقط القناع الذي ارتداه أمام الجميع منذ وفاة زوجته.
خلع عباءته السوداء ووضع عمامته جانبًا، ثم جلس على حافة السرير، وكأن سنوات عمره كلها سقطت فوق كتفيه في لحظة واحدة.
مد يده المرتعشة إلى الكمود المجاور للسرير، وأخرج صورة قديمة تجمعه بزوجته نجوى وهي تبتسم له بعينيها المليئتين بالدفء.
احتضن الصورة إلى صدره، ولم يعد قادرًا على حبس دموعه.
الحاج محمود:
(بصوت مكسور)
سامحيني يا نجوى... سامحيني إني معرفتش أنقذك. من يوم ما رحلتي والبيت بقى ضلمة... وأنا بقيت تايه من غيرك.
قبل الصورة برفق، ثم أغمض عينيه وهو يبكي بحرقة.
الحاج محمود:
إنتِ كنتِ حبيبتي... وسندي... ومؤنثتي في الحياة. كنتِ الروح اللي مخلية للبيت طعم... بعدك كل حاجة بقت مالهاش معنى.
وفي الخارج... كان يحيى يقف خلف باب الغرفة، وقد وصل إلى أذنيه صوت بكاء والده لأول مرة في حياته.
تجمد في مكانه وهو يهمس لنفسه:
يحيى:
أول مرة... أشوف أبويا بيبكي. عمره ما خلانا نحس إنه ضعيف... حتى بعد موت أمي اللى مر عليه تلات أيام 
بقلم ميادةيوسف الذغندى 

خبطت نعمات على كتف يحيى.

نعمات:
فين أبوك؟ راح فين؟

لف يحيى إليها وقال بهدوء:

يحيى:
أبويا جوه يا مرات أبويا.

نعمات:
يا خويا قول يا أمه... يا خالتي... إنما "مرات أبويا" دي! فين أبوك بقولك؟

بدأ صوتها يعلو، فتنهد يحيى ولم يرد عليها، ثم أخذ نفسه وخرج إلى البلكونة الكبيرة... نفس المكان الذي كان يجلس فيه كل مساء بجوار أمه، يتحدثان ويضحكان، قبل أن يخطفها المرض منه.

وقف ينظر إلى السماء الملبدة بالغيوم، وكأن ذكرياته كلها تحاصره من كل اتجاه.

---

أما نعمات...

شعرت أن محمود موجود داخل الغرفة التي كانت تخص نجوى.

دفعت الباب ودخلت دون استئذان.

وجدته جالسًا على السرير، يحتضن صورة زوجته الراحلة، وعيناه غارقتان بالدموع.

وقفت عند الباب تنظر إليه بغيظ شديد.

نعمات:
إيه اللي جابك هنا؟ حنيت ولا إيه؟! يعني وهي عايشة كانت واخداك مني... ودلوقتي وهي ميتة برضه واخداك مني!

رفع محمود رأسه إليها، ومسح دموعه بطرف جلبابه.

محمود:
حرام عليكي يا شيخة... حرام. هو باقي منها غير الذكريات؟

تقدمت نعمات وأغلقت الباب خلفها بعنف.

نعمات:
ذكريات؟! وإحنا؟! أنا بقالي معاك سنين، وعمري ما حسيت إن قلبك كان معايا. حرام عليك... حس بيا مرة. أنا تعبت من إني أعيش مع راجل قلبه مع واحدة تانية.

تنهد محمود تنهيدة طويلة، ثم نظر إلى صورة نجوى قبل أن يعيدها إلى مكانها.

محمود:
حسّي إنتِ... هي خلاص راحت للي خلقها. إيه؟ هتغيري من واحدة ميتة؟

نعمات:
آه... هغير. لأنك لحد النهارده بتحبها أكتر مني، ولسه عايش على ذكراها. عمرك ما بصيتلي نفس البصة اللي كنت بتبصلها بيها.

ساد صمت ثقيل داخل الغرفة، ولم يسمع سوى صوت المطر وهو يرتطم بزجاج النافذة... بينما كان كل منهما يحمل في قلبه وجعًا من نوع مختلف.

بعد مرور يومين...

اجتمع أفراد الأسرة حول مائدة الإفطار.

جلس الحاج محمود على رأس السفرة، وعن يمينه زوجته نعمات، بينما جلس أبناؤه إبراهيم وعامر ويحيى في صمت.

ظل الكرسي الذي كانت تجلس عليه نجوى خاليًا كما هو، ولم يسمح الحاج محمود لأحد بالجلوس عليه منذ وفاتها.

كانت نعمات تنظر إلى ذلك الكرسي بين الحين والآخر، وكلما وقع بصرها عليه اشتعلت الغيرة داخلها أكثر.

قررت أن تثير غضب محمود أمام الجميع.

التفتت إلى يحيى وقالت بنبرة لا تخلو من الشماتة:

نعمات:
إيه يا يحيى... نتيجة الثانوية العامة إمتى؟

ثم أكملت وهي تبتسم ابتسامة ساخرة:

نعمات:
ما كنت تأجل السنة دي كمان، كان هيحصل إيه يعني؟ ما إنت ضيعت السنة اللي فاتت بسبب مرض أمك. بص لأخوك إبراهيم... دخل كلية آداب، وأهو بيجهز ورقه عشان يسافر الخليج. وأخوك عامر أخد دبلوم صنايع، وهو كمان جاله عقد شغل. بقول إيه... ما يشوفولك عقد عمل هناك وخلاص، بدل حكاية الطب دي. الطب محتاج فلوس كتير وسنين أكتر... وإحنا أولى بالفلوس دي.

خفض يحيى رأسه، لكنه لم ينطق بكلمة.

وفجأة...

ضرب الحاج محمود بكفه على المائدة بقوة، حتى اهتزت الأطباق.

نظر إلى نعمات بعينين غاضبتين.

الحاج محمود:
كفاية!

ساد الصمت في أرجاء البيت.

الحاج محمود:
يحيى هيدخل كلية الطب... وده آخر كلام عندي. دي كانت وصية أمه قبل ما تموت، وأنا وعدتها إني هنفذها مهما حصل.

رمقته نعمات بنظرة غاضبة، بينما تبادل إبراهيم وعامر النظرات في صمت، فقد أدركا أن والده لن يتراجع عن قراره مهما كانت الظروف.

أما يحيى...

فرفع عينيه نحو والده لأول مرة منذ وفاة أمه، وشعر أن هناك من لا يزال يتمسك بحلمه... حتى لو وقف العالم كله ضده.....




تعليقات