رواية كيفك انت الفصل الثاني
مرَّ أسبوع منذ ذلك الحديث الذي دار على مائدة الإفطار...
كان الحاج محمود يجلس داخل مغلق الخشب المقام بجوار أرضه الزراعية، يتابع العمال وهم يواصلون عملهم، لكن عقله كان مشغولًا بشيء واحد فقط... نتيجة يحيى.
وفجأة...
دخل العامل عطوة مسرعًا، وقد علت وجهه علامات الفرحة.
عطوة:
يا حاج... يا عم الحاج! النتيجة ظهرت! سامع الزغاريد مالية البلد كلها... يا ترى يحيى عمل إيه؟
انتفض الحاج محمود من مكانه، واتسعت عيناه.
الحاج محمود:
إيه؟! متأكد يا عطوة؟
عطوة:
أيوه يا حاج، الناس كلها بتبارك لبعض.
مد الحاج محمود يده بسرعة وقال:
الحاج محمود:
هات التليفون بسرعة.
أمسك الهاتف واتصل بالبيت.
بعد عدة رنات، ردت نعمات.
نعمات:
ألو... خير يا حاج؟
الحاج محمود:
يحيى عمل إيه؟ طمنيني بسرعة.
قالت نعمات ببرود:
نعمات:
هو أنا لسه شوفته؟ هيعمل إيه يعني... اللي يعمله.
وقبل أن يرد عليها...
سمع صوتًا يهتف من خلفه بكل فرحة:
يحيى:
نجحت يا بابا... نجحت!
التفت الحاج محمود بسرعة.
كان يحيى يجري نحوه وهو يحمل ورقة النتيجة بيده، وعيناه تلمعان بالفرحة.
وقف أمام والده وهو يلهث.
يحيى:
جبت ثمانية وتسعين في المية يا بابا... الحمد لله.
ساد الصمت للحظات...
ثم امتلأت عينا الحاج محمود بالدموع، وفتح ذراعيه دون أن يشعر.
ارتمى يحيى في حضن والده.
احتضنه محمود بقوة، وربت على ظهره وهو يبكي.
الحاج محمود:
الحمد لله... الحمد لله يا رب.
ثم ابتعد عنه قليلًا، ووضع يديه على كتفيه.
الحاج محمود:
رفعت راسي يا ابني... والله رفعت راسي.
ابتسم يحيى، وقد اختلطت دموعه بابتسامته.
يحيى:
دي كانت أمنية أمي... والحمد لله ربنا كرمني وحققتها.
رفع الحاج محمود وجهه إلى السماء وقال بصوت مرتجف:
الحاج محمود:
الله يرحمك يا نجوى... ابنك نفذ وصيتك.
تجمع العمال حولهما يهنئون يحيى.
عطوة:
ألف مبروك يا دكتور.
عامل آخر:
ربنا يوفقك يا ابني، وتبقى أحسن دكتور.
ابتسم الحاج محمود، وأخرج مبلغًا من المال من جيبه وأعطاه لعطوة.
الحاج محمود:
هات أحسن حلويات في البلد... ووزعها على كل الناس. النهارده يوم فرح.
ارتفعت الزغاريد في أنحاء القرية، وانتشر خبر نجاح يحيى بسرعة.
أما داخل البيت...
فلم تكن الفرحة في قلب الجميع.
وقفت نعمات أمام النافذة، وقد ارتسم الغضب على وجهها.
دخل إبراهيم وعامر بعدما سمعا الخبر.
إبراهيم:
يعني خلاص... يحيى هيخش طب.
عامر:
وده معناه إن أبويا هيصرف عليه سنين طويلة.
ابتسمت نعمات ابتسامة خبيثة، وقالت وهي تنظر أمامها:
نعمات:
لسه الطريق طويل... والطب مش أي حد يقدر يكمله.
نظرت إلى ابنيها ثم أكملت بصوت منخفض:
نعمات:
وأنا... مش هسيب حلم نجوى يتحقق بسهولة.
كان يحيى يقف أمام قبر والدته، والدموع تملأ عينيه.
أخرج ورقة النتيجة من جيبه، ونظر إلى اسمها المكتوب على شاهد القبر.
يحيى:
نجحت يا أمي... جبت المجموع اللي كان نفسك تشوفيه في إيديا. أوعدك... بكرة إن شاء الله هكون أحسن دكتور في البلد، وهخلي كل الناس تدعيلك.
انحنى وقبّل شاهد القبر برفق، ثم أجهش بالبكاء.
وفجأة...
شعر بيدٍ حانية توضع على كتفه.
التفت بسرعة، فإذا بها زهرة.
ابتسمت له بحزن وقالت:
زهرة:
كفاية يا يحيى... النهارده يوم فرحتك. خالتي أكيد حاسة بيك دلوقتي، وفرحانة بيك أكتر من أي حد.
رفع يحيى رأسه إليها، ومسح دموعه بطرف كمه.
يحيى:
زهرة... إيه اللي جابك هنا؟
ابتسمت بخفة وهي تهز رأسها.
زهرة:
إخص عليك... هو أنا معرفكش؟ قلت أكيد هلاقيك هنا، وجيت على طول... وطلع ظني في محله.
عاد يحيى ينظر إلى قبر والدته، ثم قال بصوت تختلط فيه الفرحة بالوجع:
يحيى:
جيت أفرحها... عارف إنها سامعاني، وحاسة بيا... وأكيد فرحانة إني حققت أول خطوة من حلمها.
ابتسمت زهرة، ووقفت بجواره، ثم قرأت الفاتحة على روح نجوى في صمت، بينما كان الهواء البارد يلامس وجهيهما، وكأن المكان كله يشاركهما تلك اللحظة. بقلم ميادةيوسف الذغندى
تنهد يحيى، ثم مسح دموعه ونظر إلى زهرة.
يحيى:
يلا نروح... عايز أروح البيت. تعبت... وعايز أنام.
أومأت زهرة برأسها.
زهرة:
طب نمشي من طريق الترعة؟ الجو هناك أهدى.
هز يحيى رأسه بالنفي.
يحيى:
لأ... هنمشي من طريق البلد العادي. يلا... وجودنا هنا دلوقتي مالوش لازمة.
سارا معًا في شوارع القرية، والناس يباركون ليحيى كلما مر أمامهم.
أحد الأهالي:
ألف مبروك يا دكتور.
ابتسم يحيى ابتسامة خفيفة، وشكرهم في هدوء.
نظرت إليه زهرة وقالت:
زهرة:
ها... قررت؟ هتقدم في جامعة القاهرة ولا هتدخل طب هنا؟
نظر يحيى إلى السماء وكأن حلمه أصبح أقرب من أي وقت مضى.
يحيى:
إن شاء الله... جامعة القاهرة. ده حلمي من زمان، وربنا يكتب اللي فيه الخير.
ابتسمت زهرة وهي تقول بثقة:
زهرة:
وأنا متأكدة إنك هتحققه.
...
بعد قليل...
وصل يحيى إلى البيت.
وما إن دخل من الباب، حتى وجد شقيقيه إبراهيم وعامر يقفان أمامه.
ارتسمت على وجهيهما ابتسامة باهتة، لكن خلفها كانت تختبئ نظرات الغيرة والحقد من أخيهما الأصغر، الذي أصبح حديث القرية كلها بعد تفوقه.
تبادل الثلاثة النظرات في صمت...
وكان كل واحد منهم يخفي في قلبه شيئًا مختلفًا.
في تلك اللحظة...
خرجت نعمات من المطبخ، وأطلقت زغرودة عالية، لكن من يعرفها جيدًا كان يدرك أنها لم تفعل ذلك فرحًا بنجاح يحيى، بل كانت تبحث عن أي فرصة لإثارة مشكلة داخل البيت، رغم أن وفاة نجوى لم يمضِ عليها شهر واحد.
نظر إليها يحيى في دهشة، ثم قال بهدوء امتزج بالألم:
يحيى:
خلاص يا مرات أبويا... بلاش زغاريد. أمي لسه ما كملتش شهر على وفاتها.
توقفت نعمات عن الزغاريد، ثم التفتت إليه وقد اشتعل الغضب في عينيها.
نعمات:
وإيه يعني؟! الفرح حرام؟ ابنى نجح ولازم نفرح بيه.
هز يحيى رأسه بحزن.
يحيى:
أنا فرحان بنجاحي... لكن قلبي لسه واجعني على أمي. كانت نفسها تكون موجودة في اليوم ده.
لم يرد يحيى عليها.
اكتفى بنظرة حزينة، ثم استدار ودخل غرفته، وأغلق الباب خلفه في هدوء.
أما نعمات...
فوقفت مكانها، ووضعت يديها في خصرها، وقالت من بين أسنانها:
نعمات:
طيب يا يحيى... ماشي. أنا هعرفك تتكلم معايا بالشكل ده إزاي.
اتجهت إلى الهاتف بسرعة، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم بدلت ملامحها في لحظة، وأطلقت شهقات بكاء مصطنعة قبل أن تطلب رقم الحاج محمود.
بعد ثوانٍ، جاءها صوته من الطرف الآخر.
الحاج محمود:
أيوه يا نعمات... خير؟!
بدأت نعمات تتحدث بصوت متقطع، وكأنها تبكي بحرقة.
نعمات:
الحقني يا حاج... ابنك يحيى قلة أدبه عليّا، ومبقاش عامل ليا أي احترام. كل ما أكلمه يجرحني بكلامه... وأنا والله ما عملتله حاجة، كنت بفرح بنجاحه بس.
تنهد الحاج محمود بضيق، ثم قال بنبرة يغلب عليها الإرهاق:
الحاج محمود:
يووه يا نعمات... حتى في يوم زي ده لازم تعملي مشكلة؟ جرى إيه يا شيخة؟ حرام عليكي. سيبي الواد يفرح بنجاحه، ده لسه خارج من وجع موت أمه.
تغيرت نبرة نعمات في لحظة، وزادت من تمثيلها للبكاء.
نعمات:
آه... طب أنا كمان الغلطانة! الحق عليَّ إني كنت عايزة أفرحكم وأغيّر جو البيت. بس إيه الجديد؟ ما أنت طول عمرك ظالمني... وكل مرة تقف في صف ولاد نجوى ضدي.
أغمض الحاج محمود عينيه لثوانٍ، ثم قال بنفاد صبر:
الحاج محمود:
مش وقته الكلام ده يا نعمات. لما أرجع البيت نبقى نتكلم.
وأغلق الهاتف، بينما كانت نعمات تنظر إلى الشاشة في غيظ، ثم تمتمت بين أسنانها:
نعمات:
ماشي يا محمود... وماشي يا يحيى. لسه اللي جاي أكتر.
