رواية زوجتين في عصمة صعيدي الفصل الاول
في بيت عيلة عمران، أكبر عائلة في محافظة أسيوط... مراسم عزاء سعيد. صوت القرآن الكريم مسموع، وحريم البلد لابسين أسود، وقاعدة في وسطهم الحجة حسنات، أم سعيد. باين عليها الصدمة والحزن، وقاعدة حنين، مراته، شايلة طفل رضيع ومنهارة من العياط.
حنين منهارة:
روحت وسبتني يا سعيد... سبت ضناك لمين يا حبيب قلبي؟ ليه كده يا سعيد؟ هعيش إزاي من بعدك يا روح قلبي؟ خبرك وجعني، وجع قلبي وروحي قوي يا سعيد.
حسنات بقهر، من غير دمعة واحدة:
حسنات:
عهد عليّ ما أبكي ولا أطفي حريق قلبي قبل ما أبرد نارك في ترابك يا سعيد، واللي قتلك يتقتل، ويتحرق قلبه زي ما حرق قلبي عليك يا ضنايا.
في نفس الوقت، في المندرة... كان قاعد سليم، كبير العيلة، شاب في الثلاثين، ملامحه كلها هيبة وقوة، وقاعد مع كبار البلد ورئيس قسم المباحث، الظابط علاء.
علاء بهدوء:
السكوت ده مش هيفيدك في حاجة يا سليم، صدقني. وأنا متأكد إنك عارف مين ورا اللي حصل، فيكون من الأفضل حق أخوك يرجع بالقانون وبالشكل الصحيح يا سليم، وأظن إنك فاهمني.
سليم بجمود:
القانون على عيني وراسي، بس الصعايدة مالهمش غير قانونهم يا علاء بيه، وحق أخويا هناخده بالشرع، مش بالقانون. وكتر خيرك، نورت، وما نجيش لك في حاجة وحشة.
بص له علاء وسكت شوية، وبعدين تنهد بهدوء وهو بيقوم.
علاء:
إنت كده بتعارض القانون يا سليم، ومش كويس ليك، صدقني. علي العموم البقاء لله يا سليم باشا... بعد إذنك.
اتوجه علاء وخرج من المندرة، وراه اتنين من الظباط. وبعد ما خرج، بص حامد، عم سليم، له.
حامد:
الله ينور عليك يا سليم، كلام عين العقل، وحق أخوك تاخده بدراعك.
وقبل ما يرد سليم، دخل واحد من الرجالة اللي شغالين معاه، وانحنى على ودنه وهمس له بحاجة. اتغيرت ملامح سليم لغضب شديد، وقام من مكانه وهو بيكور إيده بشر واضح، واتجه وخرج من المندرة، والراجل وراه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المخزن الخاص ببيت سليم... دخل سليم، وباين عليه الغضب. وقف قدام ساندي، اللي كانت نايمة على الأرض فاقدة الوعي. ساندي بنت جميلة جدًا، بيضا، عيونها عسلي، وشعرها أسود، ومن ملابسها العصرية واضح إنها مش من الصعيد.. بص سليم للرجالة بغضب.
سليم بغضب:
جابين لي حرمة أهبب بيها إيه يا غبي منك له؟
الراجل بخوف:
هي دي الوحيدة اللي لقيناها في البيت اللي قولت عليه، ودي شكلها أخته. قلبنا الدنيا هناك على الواد، فص ملح وداب. جبناها بدل ما كنا نرجع بإيد ورا وإيد قدام، وأكيد اللي ما يتسمّاش مش هيهون عليه أخته، وهيطلع من الخن اللي مداري فيه زي الفران ونعتبرها الطعم اللي هنصطاده بيه
بص سليم لساندي وهو بيقول بغضب:
سليم:
ماشي يا عمار الكلب... يا أنا يا إنت على وش الدنيا دي، و يا قاتل يا مقتول.
استدار علشان يطلع، وقف على صوت الراجل وهو بيقول باستغراب:
الراجل:
نعمل فيها إيه دي يا سليم باشا؟
بص سليم ناحية ساندي، وبعدين بص للراجل بحنق.
سليم:
سيبها مرمية مكانها لحد ما تفوق، وأبقى اديني خبر أول ما تصحي.
سابهم وخرج وقف الرجالة يبصوا لبعض بقلق وحزن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفات تلات أيام على عزا سعيد... في المندرة كان قاعد حامد مع سليم وحسنات، وحنين شايلة ابنها الصغير، وسعادة مرات حامد. بص حامد لسليم بتردد وهو بيقول:
حامد:
إنت مش غريب يا سليم، بس يا بني حنين بنتي، وأنا هاخدها معايا خلاص. ما بقاش ليها عيشة معاكم، وبنتي لسه صغيرة، ومش هادفنها بالحَي.
حنين بدهشة:
إيه اللي بتقوله ده يا با؟ وابني ده أسيبه لمين؟ هو خلاص علشان سعيد، الله يرحمه، راح، أبقى انقطع عيشي في بيته؟ لا يا با، أنا هعيش وأربي ابني في خير ومال أبوه.
حسنات:
عين العقل يا أصيلة يا بت الأصول. وإنت يا حامد مش غريب، وبتك في بيتها، معززة مكرمة، تربي ضناها في حضنها وحضن خيره وماله.
بصت سعادة لسليم بتوتر.
سعادة:
إنتِ واعية كويس يا حجة حسنات للسان الناس اللي زي المبرد. وبنتي دلوقتي من غير راجل في ضهرها، وكمان سليم مراته الله يرحمها، وما ينفعش الاتنين يفضلوا تحت سقف واحد. الناس ما بترحمش حد، وإنتِ عارفة كويس إيه اللي هيتقال.
فجأة قام سليم من مكانه بغضب وهو بيقول:
سليم:
إيه اللي بتقوليه ده يا مرات عمي؟ الكلام ده عيب. حنين أختي، شرفي وعرضي قبل ما تكون مرات أخويا.
حامد:
مرات عمك ما قالتش حاجة غلط يا سليم، وده اللي هيحصل. وأنا مش هفضل قاعد لحد ما واحد مالوش تلاتين لازمة يقول كلمة كده ولا كده عليك ولا على حنين.
فجأة قامت حسنات وهي باصة لسليم بجمود.
حسنات:
يبقى مافيش غير حل واحد... سليم وحنين يتجوزوا.
بص سليم وحنين لبعض بدهشة، وبعدين بص سليم لحسنات وهو بيقول:
سليم:
إنتِ بتقولي إيه يا أمي؟
حسنات بجمود:
قولت اللي سمعته. ابن أخوك ومراته إنت أولى بيهم، وابن أخوك يتربى في حضنك أحسن ما يتربى في حضن الغريب. تتجوز حنين ونقطع لسان الناس، وتعيش في بيتها براحتها.
حنين بدموع:
إنتِ بتقولي إيه بس يا مرات عمي؟ ده سعيد لسه ميت، وما كملش أسبوع، وإنتِ عايزاني أتجوز أخوه؟
قام حامد من مكانه وهو بيقول:
حامد:
كلام عين العقل يا حجة حسنات، ولو عليّا مش هلاقي أعز من سليم. قولك إيه يا سليم يا بني؟
بص سليم لحنين، وبعدين بص لطفلها، وفضل ساكت شوية، وبعدين قال:
سليم:
لو ده الحل الوحيد علشان ابن أخويا ما يترباش غريب عن أهله، أنا لو عليّا موافق. شوف إنت يا حنين، لو موافقة تخلص عدتها ونتجوز... عن إذنكم.
سابهم سليم وخرج من المندرة، وفضل الكل باصص ناحيته، وقعدت حنين تعيط وهي حضنة ابنها الصغير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في المخزن... قاعدة ساندي على الأرض، شعرها وهدومها متبهدلين، وبتعيط. الأكل قدامها، وما كلتش منه لقمة واحدة. دخل عليها سعد، واحد من رجالة سليم.
سعد بغضب:
برضو لسه ما طفحتيش؟ والكلمة ما تسمعتش؟ إنتِ عاوزة تموتي يعني ولا إيه؟
ساندي:
مش عاوزة منكم حاجة غير إنكم تطلعوني من هنا. حرام عليكم، أنا عملت لكم إيه؟ ولا عاوزين مني إيه؟
فجأة دخل سليم وهو بيقول بحنق:
سليم:
اللي عاوزينه قولناه، بس شكلك إنتِ اللي حابة القعدة هنا.
ساندي بحنق:
وأنا قلتلك ما أعرفش هو فين، والله العظيم ما أعرف حاجة عنه، ومقاطعني بقاله شهرين. سوا حبستني أو حتى قتلتني، ولا هيأثر فيه، ولا هييجي للموت برجليه علشاني. صدقني، إنت بتضيع وقتك ووقتي على الفاضي.
فضل سليم واقف ساكت وهو باصص لها. بص سعد لساندي بحنق وهو بيقول:
سعد:
ما تصدقش اللي بتقوله ده يا سليم بيه، دي بتلعب بعقلك. مافيش راجل يسيب حرمته، وبالذات لو كانت أخته. هييجي لها وهيطلع من الخن اللي مستخبي فيه، صدقني.
ضحكت ساندي بمرارة، وبعدين قالت:
ساندي:
طيب ما أنتم حابسني زي الفار، بقالكم تلات أيام، وما سمعناش له حس لحد دلوقتي. صدقني يا أستاذ سليم، إنت بتضيع وقتك، ومش هتستفاد حاجة، حتى لو قتلتني أو حتى حرقتني بالحَي.
فضل سليم واقف باصص لها بغيظ وحيرة، وبيفكر يعمل فيها إيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيت سليم... قاعدة حسنات وحنين.
حسنات:
مافيش قدامك حل تاني يا حنين يا بنتي. عارفة إن القرار صعب عليكي، خصوصًا إن لحم جوزك لسه في تربته، بس علشان تعرفي تعيشي وتربي ولدك يا بنتي، لازم توافقي على جوازك من سليم.
حنين بدموع:
طيب على الأقل اصبروا عليا سنة، أستوعب حتى إن سعيد، حبيب قلبي، خلاص ما بقاش موجود، ولا هنام في حضنه تاني، وأبقى جوزوني للي تجوزوني له.
حسنات:
سليم ولدي، وأنا عارفة، ما تخافيش منه، عمره ما هيجبرك على أي حاجة، وأنا لو...
سكتت فجأة أول ما شافت سليم داخل ومعاه ساندي. كانت ساندي ماشية ورا سليم وهي بتبص حواليها بخوف. قامت حسنات من مكانها وهي بتقول:
حسنات:
مين اللي معاك دي يا سليم يا بني؟
بصت حنين لساندي باستغراب، ووقفت ساندي ورا سليم وهي بتبصلهم بقلق. بص سليم لساندي، وبعدين بص لأمه وحنين.
سليم:
دي أخت عمار، وهتفضل معانا في البيت لحد ما نعرف له طريق.
اتغيرت ملامح حسنات وحنين، وبصوا لساندي وكأنها شيطان واقف قدامهم.
حسنات بحنق:
ده على جثتي يا سليم.
بصت حنين حواليها، شافت سكينة على طبق الفاكهة، مسكتها بشر، وجريت على ساندي. خافت ساندي منها وصرخت وهي بتستخبى ورا سليم، اللي مسك إيد حنين اللي ماسكة بيها السكينة.
سليم بغضب:
إنتِ اتجننتي ولا إيه؟
حنين بشر:
أيوه اتجننت يا سليم. جايب أخت الواطي اللي حرمني من جوزي قدامي، وعاوزني أقف أتفرج؟ ولا ناخدها بالحضن يعني؟
سليم
أنا فاهم حالتك يا حنين، وحاسس بالنار اللي جواكي، بس هي مالهاش ذنب في جريمة أخوها. ولو قتلناها، إحنا كده بنرتكب جريمة، مش بناخد حقنا. وربنا قال: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، وهي لا قتلت ولا عملت حاجة.
حسنات بغل:
وساحبها وجايبها تعمل بيها إيه يا سليم؟
بص سليم لحنين، اللي رمت السكينة من إيديها، وبعدين بص لساندي.
سليم:
كلامي مفهوم يا أمي. هتفضل قدام عيني لحد ما نعرف لعمار طريق، وبعدها هنرجعها المكان اللي جبناها منه.
بصت ساندي لحنين وحسنات بخوف.
ساندي:
أظن إن الجماعة مش موافقين، ووجودي هيبقى تقيل عليهم. أحسن حاجة خليني في المخزن زي ما كنت وخلاص.
حسنات باستغراب:
هي بتخرف؟ بتقول إيه دي يا سليم؟
بص سليم لساندي بغيظ، وبلعت ساندي ريقها بخوف.
سليم:
ما قصدهاش حاجة يا أمي.
وبعدين نادى بصوت عالي:
سليم:
سعيدة... سعيدة.
طلعت سعيدة، الخدامة، من المطبخ بسرعة.
سعيدة:
أمرك يا سليم بيه.
سليم:
خدي الآنسة، وصليها لأوضة الضيوف، وشوفي لها أي غيار نضيف اديهولها.
بصت حسنات لساندي بحدة، وبعدين قالت:
حسنات:
روحي إنتِ يا سعيدة شوفي كنتِ بتعملي إيه، وأنا بنفسي هاخدها على المكان اللي يناسبها.
بصت ساندي لها بخوف.
ساندي:
لا، بلاش تتعبي نفسك يا طنط، أنا هروح مع طنط سعيدة وخلاص.
مسكتها حسنات من دراعها جامد وهي بتقول بغضب:
حسنات:
الكلاب عندنا ما بتنبحش كتير، واللي يوجع لنا دماغنا بنخلص عليه. كلامي مفهوم؟
بصت لها ساندي بخوف، وفضلت ساكتة. سابت حسنات إيديها.
حسنات:
أيوه كده، شاطرة. تعالي ورايا من سكات.
اتجهت حسنات للباب علشان تخرج. بصت ساندي لسليم بخوف، وبعدين مشت ورا حسنات. بص سليم لحنين، اللي كانت واقفة بتغلي.
سليم بهدوء:
حنين، إحنا أصحاب حق دلوقتي، بلاش تقلبي الآية.
حنين:
والقلب المحروق يا سليم، مين يبرد ناره؟
سليم:
وأنا عارف إزاي نبرد نارك دي، بس بالحق وعدل ربنا، مش بالظلم والافتراء على حرمة زيها زيك لا حول لها ولا قوة
سابها سليم، وطلع على أوضته في الدور التاني. وقفت حنين تبص بشر ناحية الباب.
حنين:
والله وقعتي، وما حدش سمّى عليكي. أصبري وشوفي هنعمل فيكي اي!
