رواية زوجتين في عصمة صعيدي الفصل الثاني
تاني يوم، في إسطبل الحصنة بتاع سليم... دخل سليم علشان يطلع الحصان زي كل يوم، واتفاجأ بساندي نايمة على كوم من الجش.
سليم باستغراب:
هبلة دي ولا إيه؟
قرب منها وهزها برجله وهو بيقول بحنق:
سليم:
إنتِ يا زفت، إيه اللي منيمك هنا؟
قامت ساندي مخضوضة، ورجعت لورا بخوف.
ساندي:
سيبوني في حالي، والله العظيم ما قتلت حد، وما أعرفش حاجة. ورحمة أهلي ما أعرف حاجة.
اتأملها سليم بزعل، وحس بالذنب، خصوصًا إنه عارف إنها فعلًا مالهاش ذنب في اللي اخوها عمله.
سليم:
اهدي... اترعبتي ليه كده؟ أنا مش هعمل فيكي حاجة، بس إيه اللي منيمك هنا؟
بصت ساندي حواليها، وعقلها بدأ يستوعب اللي بيحصل. بصت له بغيظ.
ساندي:
ما هو ده المكان اللي شايفينه مناسب ليا. بس مش فارقة هنا ولا هناك، في الحالتين مش هعيش غير مع حيوانات.
اتعصب سليم عليها لما فهم التلقيح. قرب منها، وضغط جامد على فكها وهو بيقول بهدوء حاد:
سليم:
بت إنتِ، مش علشان بتكلم معاكي بأدب تقومي تقلّي أدبك.
زقته ساندي بعيد عنها وهي بتقول بغضب:
ساندي:
لو مفكر نفسك لما تستقوى على واحدة زيي، لا حول لها ولا قوة، كده تبقى راجل، تبقى محتاج تتعالج. ومافيش فرق بينك وبين الحمار اللي قدامك ده.
بصلها سليم بغيظ وهو بيجز على أسنانه بشر.
سليم:
طب أنا هعرفك إذا كنت راجل ولا لأ.
بصت له ساندي بخوف، لكن اتظاهرت بالقوة وإنه ما يهمهاش حاجة. اتعصب سليم منها أكتر، وحس إنها بتستهين بيه.
سليم بصوت عالي:
جااااابرر... إنت يا زف.
دخل جابر بسرعة، المسؤول عن تنظيف بيت المواشي، ووقف قدام سليم بخوف.
جابر:
أمرك يا سليم بيه…
أشار سليم ناحية ساندي من غير ما يرفع عينه عنها.
سليم بجمود:
من النهارده البت دي هي اللي هتنضف الحوش كله... لوحدها وهتكون مسؤول عنها
بص جابر لساندي بدهشة، وبعدين رجع بص لسليم بتردد.
جابر:
بس يا سليم بيه... الشغل ده تقيل قوي عليها، وهي شكلها عمرها ما شالت حتى جردل مية من مكانه.
رمقه سليم بنظرة حادة.
سليم:
أنا ما طلبتش رأيك يا زفت انت كمان.. نفذ اللي قولتلك عليه من سكات احسن لك
بلعت ساندي ريقها، وبصت لسليم بغيظ
ساندي:
لو مفكر اني هخاف منك وهعمل اللي هاقول عليه وقبل بالذل ده تبقي بتحلم
سليم ببرود:
ماحدش بيذل حد. طول ما إنتِ قاعدة في بيتي، هتاكلي من خيره، يبقى تشتغلي بحق لقمتك.
ضحكت ساندي بسخرية وهي بتهز راسها.
ساندي:
بيتك انت مفكر السجن ده بيت... ولا أنا عايشة في بمزاجي انت خطفتني وسجنتني هنا.. ولا وكمان السجين عندكم بيدفع تمن أكله بالشغل والذل.
قرب منها سليم خطوة، وعينه ثبتت في عينيها.
سليم:
اعتبريه اللي تعتبرينه... لكن الكلمة اللي خرجت مني ما بترجعش.
لف ناحية جابر.
سليم:
هاتلها هدوم شغل وممنوع تلبس جوت في ايديها. ووريها هتبدأ منين. ولو لقيت حتة في الحوش مش نضيفة... هحسبك إنت قبل ما أحاسبها. وعينك مش تتشال من عليها.
جابر بخوف
حاضر… حاضر يا سليم بيه.
خرج جابر وبعد دقائق رجع بطقم هدوم قديم وجزمة بلاستيك ومدهم لساندي لكنها ما مدتش إيدها.
ساندي بعناد:
مش هلبس حاجة ومش هعمل حاجة من اللي بيقول عليها. أنا ما عشتش تسعتاشر سنة أكافح علشان أدخل طب وفي الآخر أنضف زريبة بسبب واحد أقل ما يقال عنه إنه واحد من اللي عايشين فيها.
اتبدلت ملامح سليم للغضب.
سليم:
طب اسمعي بقى يا حضرة الدكتورة لا أكل ولا شرب هيدخل بؤك قبل ما الحوش ده ينضف.
فضلت ساندي تبصله بتحدي لكن صوت معدتها اللي كان مسموع من الجوع فضحها. ورغم كده فضلت واقفة بثبات ومتمسكة بموقفها. سليم سمع صوت معدتها وكان مستنيها تضعف وتنفذ أوامره لكنه اتفاجئ بإصرارها. بص لجابر بحدة.
سليم:
ممنوع نقطة مية ولا لقمة عيش تدخل بؤقها لحد ما الحوش ده ينضف. وما حدش يقرب منكم يقرب من حاجة واعتبروا النهارده أجازة.
خلص سليم كلامه وفك حصانه وخرج من الإسطبل وهو راكبه.. وقفت ساندي مكانها بتحاول تخبي وجع الجوع اللي بينهش فيها من غير ما تبين ضعفها.. بصلها جابر بحزن وقال بأستغراب
جابر:
إنتي مين يا بنتي وإيه اللي وقعك في شر سليم بيه. شكله شايل منك قوي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في البيت... كانت قاعدة حنين على الكنبة، سرحانة وهي شايلة ابنها على رجليها. طلعت حسنات من أوضتها وهي بتنادي بصوت عالي:
حسنات:
سعيدة... سعيدة... إنتِ يا اللي اسمك زفت، سعيدة!
خرجت سعيدة من المطبخ بسرعة، وعلى إيديها أثر العجين.
سعيدة:
نعم... نعم يا حجة حسنات.
حسنات بغضب:
مش سامعة كل ده؟ الواحد صوته اتبح من كتر المناداة عليكي.
سعيدة:
حقك عليا يا حجة حسنات، بس والله زي ما إنتِ شايفة، كنت بعجن وما سمعتش من أول مرة.
حسنات بهدوء:
طيب، سيبي اللي في إيدك، وخدي البنات وارجعوا بيوتكم، ويوميتكم هتوصلكم كل شهر زي ما هي.
بصت لها سعيدة باستغراب، وكذلك حنين اللي كانت بتتابع بصمت.
سعيدة:
أمال... مين اللي هيخدم عليكم يا حجة حسنات؟
سرحت حسنات شوية، وبعدين قالت بحدة:
حسنات:
سمعتي اللي قولته، ولا أعيد الكلام من تاني؟
سعيدة بخوف:
حاضر... حاضر يا حجة حسنات. هناخد البنات ونمشي، بس نكمل العجين ونخبزه.
حسنات بشر:
سيبي كل حاجة زي ما هي، وغوري من وشي. مش عايزة أفضل أعيد وأزيد في الكلمتين اللي بقولهم.
سعيدة:
أمرك يا حجة.
سابتها سعيدة ومشيت. نيمت حنين ابنها على الكنبة، وقامت من مكانها، وقربت من حسنات وهي مستغربة.
حنين:
مش فاهماكي يا مرات عمي... ناوية على إيه كده؟
حسنات بشرود:
ناوية أبرد نار قلبي وقلبك... بس اصبري عليا، وشوفي هعمل فيها إيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيت حامد، عم سليم... كان سليم قاعد مع حامد، وقدامه كوباية الشاي، لكنه ما شربش منها. قام حامد من مكانه بغضب وهو بيقول بزعيق:
حامد:
معاك من يوم موت أخوك، وما جاش على بالك إن ليك كبير يا سليم؟ ولسه فاكر تحكيلي دلوقتي؟
سليم:
اقعد بس يا عمي، طول بالك. أنا ما كنتش مفكر إن قعدتها هتطول كده.
حامد بجمود:
وأي اللي يقعدهأ لحد دلوقتي. البت دي لازم تموت يا سليم، والغلط عليك. كان لازم تموت من ساعة ما جبتها. روح بروح وخلاص.
قام سليم من مكانه وهو بيقول بهدوء:
سليم:
إنت بتقول إيه يا عمي؟ وهي ذنبها إيه تموت مكان أخوها؟ ناخد حقنا، بس بالعدل ورضا ربنا يا عمي. وربنا عز وجل قال: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. بأي حق نموتها؟ ولا بأي ذنب يا عمي؟
حامد بحدة:
اللي عندي قولته. البت دي لازم تموت، مش تقعد في بيتنا تاكل وتشرب من خيرنا، ودم أخوك اللي لسه ما نشفش يروح في التراب.
سليم:
والكلام اللي بتقوله ده ما يرضاش ربنا يا عمي. أنا فاهم وجعك وغضبك، ويعلم ربنا بالنار اللي جوايا، بس كله بالحق وميزان العدل. البت هتفضل معايا وفي حمايتي، وحط خط أحمر تحت كلمة حمايتي يا عمي، لحد ما نعرف طريق أخوها. وساعتها ناخد تارنا بالشرع، وقدام ربنا نكون أصحاب حق.
حامد بغيظ:
يعني إيه يا سليم الكلام ده؟ هتعارضني علشان خاطر حرمة؟
سليم بهدوء:
أهو بنفسك بتقول حرمة. إزاي عاوز تاخد حقك من حرمة لا حول لها ولا قوة يا حج حامد؟ مش دي أصول وتربية الصعايدة يا عمي؟
وفجأة رن تليفون سليم. سحبه من جيب الجلابية بتاعته، وسكت شوية، وبعدين قال بهدوء:
سليم:
ومين اللي معاك يا حج نعمان؟ مش فاهم.
سكت شوية، وبعدين قال وهو باصص لحامد:
سليم:
طيب، هنجيب عمي، ونص ساعة كده هكون عندك.
قفل سليم التليفون. بص له حامد وهو بيقول بفضول:
حامد:
مين اللي كان على التليفون ده يا سليم؟ وهنروح على فين؟ مش فاهم.
تنهد سليم، وبعدين قال:
سليم:
ده الحج نعمان يا عمي. قال إن عنده ضيوف يخصوني، وما قالش حاجة تانية. هنروح نشوف مين، وعايزين مني إيه.
حامد:
طب يلا، مستني إيه؟ يمكن يكون حد عارف حاجة عن المخفي ده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الإسطبل، كانت ساندي قاعدة في مكانها، ضامة رجليها لصدرها، وقاعد جابر قدامها زي ما أمره سليم. دخلت حسنات ومعاها حنين. قام جابر بسرعة، وبصت حسنات لساندي بشر.
حسنات:
طيب كويس إنك صاحية، ولا كنت صحيتك بجردل مية نار.
بصت لها ساندي، وفضلت قاعدة مكانها. بصت لها حسنات بغيظ.
حسنات:
هو إنتِ مفكرة نفسك في بيت أهلك؟ قومي يلا يا شاطرة، ورانا شغل كتير هنا. كل واحد بيشتغل بلقمته.
ساندي بحنق:
واللقمة اللي هتذل كرامتي، بلاش منها. لا عاوزة منكم أكل ولا شرب. سيبوني في حالي، أو اقتلوني وخلاص.
حنين بغل:
هتموتي، ما تقلقيش، بس مش بسهولة دي. لازم تدوقي المرار اللي دقناه، ونحرق قلبك زي ما اتحرقت قلوبنا.
ساندي ببرود:
ما تروحي تحرقي اللي حرقك بجاز وسخ. أنا مالي؟ ولا كان ذنبي إيه؟
حسنات بحدة:
شكلك لسانك طويل، قصريه أحسن ما نقصهولك. ويلا قدامي، وراكي شغل كتير، والعجين عاوز يتخبز.
ساندي بسخرية:
وإنتِ شايفاني فلاحة جاهلة زي حالاتك علشان أعرف خبز ولا غيره؟ ولا أنا الخدامة اللي ابنك جابهالك من غير أجرة؟
حسنات بغيظ:
إنتِ ناقصك رباية، وشكل أمك ما كانتش فاضية تكملها.
وقفت ساندي قدامها بتحدٍ.
ساندي:
كفاية إنك كنتِ فاضية تربي ابنك اللي مستقوي على واحدة ست، ومفكر نفسه كده هيبقى راجل. ومش ناقص غير يلبس الطرحة اللي على دماغك دي.
بص جابر وحنين لها بصدمة، إنما حسنات كانت بتغلي من الغضب. رفعت إيديها علشان تضربها، لكن كانت ساندي أسرع منها، ومسكت إيديها وهي بتقول بتحدٍ:
ساندي:
بصي بقى يا حجة، لو كنتِ فاكرة إني هخاف منك ولا من ابنك، تبقي بتحلمي معه. وإيدك دي وفريها لابنك، يمكن تعرفي تعيدي تربيته، وتعلميه إزاي يبقى راجل بجد.
