رواية الصياد والفريسة الفصل الاول 1 بقلم ملكة الروايات


 رواية الصياد والفريسة الفصل الاول 

​تغرق قاعة مطعم "المرسى" اللامع في أضواء خافتة ودافئة تعكس أناقة المكان العريق المطل على النيل، حيث يختلط صوت الموسيقى الكلاسيكية الهادئة بهمهمات النخبة ورائحة الأطباق الفاخرة. في زاوية استراتيجية تكشف المكان بأسره، جلس "مراد الحسيني"، ظابط بالشرطه   ويحسب له ألف حساب. كان "مراد" يملك نظرة حادة كصقر يراقب طريدته، وجسداً فارعاً يعكس هيبة السلطة والسطوة، وملامح حادة لا تبتسم إلا نادراً.
​كانت ليلته اعتدادية، أو هكذا ظن، حتى وقعت عيناه عليها.
​اقتربت "نور" بخطوات متزنة تحمل صينية المشروبات. كانت ترتدي زى العمل البسيط المكون من قميص أبيض وسترة داكنة، وشعرها جمعته بعناية، لكن وجهها كان يحمل جمالاً مصرياً أصيلاً لا تخفيه أضواء المكان، والأهم من ذلك كله... ذلك الشموخ الذي يلمع في عينيها الواسعتين. لم تكن تنظر إلى الزبائن نظرة الخاضعة الساعية للبقشيش، بل نظرة الواثقة التي تؤدي عملها بشرف وإباء.
​وضع "مراد" يده على الطاولة، وبإشارة متغطرسة ومعتادة من رجل اعتاد أن يُطاع، أشار لها لتقترب، مدفوعاً بنزوة عابرة وفضول تجاه هذه الفتاة التي لا تبدو منسجمة مع طابع المكان الاستهلاكي.
​ "آنسة... هل لي بكأس من النبيذ الفاخر، و... بكلمة رأس، تدلني على أفضل صنف هنا؟" قالها بنبرة تحمل استخفافاً خفياً وثقة عمياء بأن أي فتاة في مكانتها ستذوب سحراً لمجرد التفاتة منه.
​وقفت "نور" مستقيمة القوام، لم ترتجف ولم ترتبك، بل التقت عيناها بعينيه الجريئتين ببرود متعمد، وردت بصوت هادئ وحازم:
 "أفضل صنف في قائمتنا هو احترام الزبون لعمله وللعاملين هنا يا سيادة اللواء... قصدي يا باشا. الطلبات تدون في الدفتر وليس بلغة الإشارات."
​تسمر "مراد" مكانه لثوانٍ معدودة، غير مصدق لما سمع أذنيه. هل تجرأت هذه النادلة البسيطة على صدم غروره علانية؟ تعود طوال حياته أن ترتعد فرائص الجميع أمام اسمه، وأن تكون الفتيات طوع بنانه، فإذا بهذه الفتاة تحطمه ببرود وشموخ. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وخطيرة في آنٍ واحد؛ فقد تحولت بالنسبة له في تلك اللحظة من مجرد "عظمة سهلة" كان ينوي التلاعب بها لتمضية الوقت، إلى فريسة عنيدة يستفزه جموحها وتحديها.
​قال بصوت خافت حمل نبرة تحدٍ خفية:
 "يبدو أن صيد اليوم سيكون أصعب بكثير مما تظن يا مراد... لنرَ إلى أين سيوصلك هذا الكبرياء."
​مرت الساعات ثقيلة، ولم يغادر "مراد" الطاولة، بل ظل يراقب كل حركة ترتكبها "نور". لاحظ كيف تتعامل بحزم مع شاب ثري حاول التمادي معها، وكيف تصدت له بنظرة واحدة جعلته يتراجع خجلاً، وكيف كانت تتعب بعرق جبينها طوال النوبات الطويلة دون شكوى. كل تفصيلة فيها كانت تزيد الطوق اشتعالاً حول قلبه.
​في منتصف الليل، وبعد إغلاق المطعم، خرجت "نور" متوجهة إلى موقف الحافلات القريب في الشارع الهادئ المظلم، وكانت أفكارها متعبة، ولم تكن تعلم أن عيون الصقر كانت تتبعها خطوة بخطوة من خلف زجاج سيارته الفارهة السوداء.
​فجأة، ظهر شخصان ملثمان من زقاق جانبي مظلم، واعترضا طريقها بقسوة، وحاول أحدهما خطف حقيبتها وتثبيتها بعنف، فارتفعت صرختها الحادة تشق سكون الليل:
 "ابعد عني! إياك!"
​لم تكن ثوانٍ معدودة تلك التي استغرقتها الأحداث؛ فقبل أن تتمكن "نور" من مقاومتهما، انفتحت باب السيارة السوداء بانفجار، وخرج "مراد" كالعاصفة. تحرك بسرعة وسلطة فائقة، فوجه لكمة قاضية للمعتدي الأول أسقطته أرضاً فاقداً لوعيه، بينما اشتبك مع الثاني في عراك شوارع شرس وقصير، أظهر فيه مهارات قتالية عالية ولياقة بدنية مرعبة، انتهت بطرد المهاجم الهارب وهو يجر خيبته.
​وقفت "نور" لاهثة، ترتجف ذراعها من آثار الشجار، ونظرت إليه بعينين تملؤهما الدهشة والخوف والامتنان في آن واحد، ليلتقي نظرتها بملامح قلقة ولهفة لم يعتد هو نفسه عليها. اقترب منها خطوة، وبدل أن يتحدث بتعاليه المعتاد، سألها بصوت خفيض ودافئ يناقض تماماً قسوته قبل ساعات:
 "هل أنتِ بخير؟ هل مسكِ سوء؟"
​تراجعت "نور" خطوة للخلف، محاولة استعادة قناع القوة، وقالت بصوت متقطع:
 "أنا... أنا بخير. شكراً لمساعدتك، ولكنني لا أطلب شفاعة من أحد، خصوصاً شخص مثلك."
​ابتسم "مراد" بمرارة وغلبة، وشعر للمرة الأولى في حياته أن دروع قلبه قد تم اختراقها تماماً. لقد أدرك وهو يمعن النظر في عينيها الغاضبتين، أن هذه الفتاة لم تعد مجرد تحدٍ أو فريسة، بل أصبحت الطامة الكبرى التي ستغير مجرى حياته للأبد.

استند "مراد" بيديه إلى هيكل سيارته الفارهة، وعيناه لا تزايدان في التفرس بملامح وجهها المشتعل غضباً وارتباكاً. كان الضوء الأصفر الصادر عن عمود الإنارة المتهالك يسقط على خصلات شعرها المتناثرة، ليزيدها سحراً في عينيه، بينما واصلت هي التقاط أنفاسها بصعوبة بالغة.
​ "لا أطلب منكِ شكراً يا صعبة المراس، ولا أعلم كيف تتحدثين بهذه الجسارة وأنتِ تكادين تقعين من التعب"، قالها "مراد" بنبرة خفيضة حملت مزيجاً غريباً من السخرية والرجولة الطاغية، قبل أن يفتح باب السيارة الخلفي ويشير لها بيده بحسم: "تفضلي... اركبي. لن أسمح لفتاة بمثل شجاعتك أن تسير وحدها في هذا الوقت المتأخر وفي شارع مهجور."
​عقدت "نور" حاجبيها بقوة، وارتسمت على وجهها علامات الرفض القاطع، وخطت خطوتين للوراء مستندة إلى سور الحديقة القديم، وقالت بصوت حاد يقطر كبرياءً:
"حضرتك فاكر إيه؟ عشان أنقذتني من بلطجي يبقى تشتري مني حريتي وتأمرني أركب عربيتك؟ أنا مش من البنت اللي تركب مع أغراب، ورجلي فوق رقبتي!! وهوصل بيتي لوحدي. عن إذنك!"
​أدارت ظهرها بخطوات سريعة وحازمة، محاولة إخفاء الارتجافة الخفية التي سرت في ساقيها من تأثير الصدمة. لكن "مراد"، الذي لم يُعرف عنه يوماً أنه يقبل بكلمة "لا" خصوصاً من امرأة، تحرك بسرعة البرق وقطع الطريق أمامها، ليقف وجهاً لوجه معها بمسافة قريبة جداً أربكت حواسها، حتى أنها شعرت بعبير عطره الفاخر يخترق دفاعاتها.
​ "اسمعيني جيداً يا نور"، قالها بصوت هادئ ولكنه يحمل ثقلاً وسطوة لا تقبل المناقشة: "في عالمي، لا توجد خيارات تسمى (لوحدي) عندما يتعلق الأمر بالخطر. لستُ هنا لأتسلى بكِ، ولستِ مجرد عابرة سبيل أنقذتها لأتباهى ببطولتي. أنتِ الآن... مسؤوليتي."
​رفعت "نور" رأسها بشموخ لا يلين، وتحدت نظراته الحارقة بنظرة أشد حدة، وقالت بتحدٍ جارح:
 "المسؤولية تُطلب يا سيادة الباشا ولا تُفرض بالقوة. وأنا لا أريد مسؤولية من رجل يظن أن المال والسلطة يشتريان بها قلوب البشر وكرامتهم."
​لم تشهد طوال سنوات حياته امرأة تقف أمامه بهذه الندّية المطلقة؛ فالجميع أمامه ينحني احتراماً أو خوفاً، أما هي فكانت تقف أمامه كشعلة نار ترفض الانطفاء. تراجع "مراد" خطوة للخلف بابتسامة إعجاب عميقة وساحرة لمعت في عينيه الداكنتين، أدرك حينها أن شباكه التي نصبها للإيقاع بـ "الفريسة" قد ارتدت عليه، وأنه هو من وقع أسيراً في شباك تلك النادلة الفقيرة ذات العزة والأنفة.
​راقبها وهي تبتعد بخطوات سريعة تسبق الريح، ومشاعر جارفة لم يختبرها من قبل تجتاح كيانه. همس لنفسه وهو يتابع طيفها حتى اختفى في أزقة الحي الشعبي:
 "أقسم بربي يا نور، لن تكوني إلا لي... والصياد اليوم هو من سيعلن استسلامه."


تعليقات