رواية الصياد والفريسة الفصل الثاني
لم تنم "نور" تلك الليلة؛ كان صوت كلماته الحازمة ونبرته الوثيقة يترددان في أركان حجرتها البسيطة في قلب الحي الشعبي. كانت تُقلّب كفيها المجهدين وهي تجلس على طرف فراشها المتهالك، وتتساءل بغضب مكتوم: كيف لرجل بكل هذه السطوة والمال أن يقتحم عالمها الصغير بتلك البساطة؟ أزعجتها تلك الابتسامة الساحرة التي انطبعت في ذاكرتها رغم عنها، وأزعجها أكثر ذلك الخوف الخفي من أن يكون نفوذه وسيلة لملاحقتها.
في صباح اليوم التالي، أشرقت الشمس لتغمر زقاقها الضيق بنور دافئ، خرجت "نور" متجهة كعادتها إلى عملها، لكن خطواتها كانت أثقل من المعتاد. حين بلغت أعتاب مطعم "المرسى"، وجدت حركة غير طبيعية؛ المدير يقف عند المدخل يوجه العمال بارتباك واضح، والأجواء مشدودة على غير العادة.
ما إن وطأت قدمها القاعة حتى اقترب منها المدير بنبرة حادة ووجه واجم:
"تأخرتِ يا نور! أسرعي وارتدي زي العمل.. لدينا ضيف مهم جداً في المقصورة الرئيسية، وقد طلب بالاسم أن تكوني أنتِ المكلّفة بفرده وطاولته!"
ضاق صدرها وارتفع نبضها، وسألت بوجل محاولة الثبات:
"ضيف مهم؟ ومن يكون يا أستاذ؟"
رد المدير بلهجة تحمل المهابة:
"سيادة الرائد مراد بك الحسيني.. يبدو أنه معجب بنظام المكان، لكنه اشترط أن تتولى خدماته نادلة محترفة مثلك. إياكِ والخطأ يا نور، هذا الرجل كلمته بسيف!"
شعرت "نور" برعشة غضب تسري في جسدها، وتجلت أمامها حقيقته؛ لم يكن الليلة الماضية مجرد عابر سبيل أنقذها بالصدفة، بل هو رجل يتعقب خطواتها ويستخدم سلطته ليفرض وجوده في يومياتها. رفعت رأسها بشموخ، وقررت ألا تمنحه متعة رؤيتها مضطربة أو خائفة.
ارتدت زي العمل المعتاد بخطوات ثقيلة، ثم تقدمت نحو المقصورة الرئيسية التي تطل مباشرة على مياه النيل الثائرة. كان يجلس بكامل هيبته، يرتدي بذلة رسمية داكنة تُبرز عرض كتفيه، وأمامه ملفات عمل يستعرضها بتركيز، لكن ما إن حسّ بوطأة خطواتها حتى رفع عينيه الصقريتين وسكنت حركته.
وقفت "نور" على مسافة أمان، وأخرجت دفتر المفكرة والقلم، وقالت بصوت رسمي جاف يخلل الجمود:
"صباح الخير يا فندم. طلبات سيادتك إيه النهاردة؟"
وضع "مراد" القلم من يده، واستند بظهر مقعده يطالعها بنظرة فاحصة دافئة، تحمل إعجاباً لم يستطع إخفاءه، وقال بنبرة هادئة وساخرة:
"صباح النور يا نور.. أرى أن الكبرياء ما زال مستيقظاً بكامل قوته منذ البارحة. ألم ترتاحي قليلاً؟"
قبضت "نور" على القلم بقوة حتى أبيضت أناملها، وقالت بحدة مكتومة:
"حضرتك هنا زبون في المطعم، وأنا بؤدي شغلي وبس. ياريت تقول طلباتك عشان ما أضيعش وقت حضرتك ولا وقت شغلي."
ابتسم "مراد" ابتسامة خفيفة أظهرت وسامته، ومال بجسده للأمام مستنداً على الطاولة، وقال بصوت خفيض لم يسمعه غيرها:
"أنا لا أضيع الوقت يا نور.. أنا أستثمره. أردت فقط أن أتأكد بنفسي أنكِ بخير، وأن أحداث الأمس لم تترك أي أثر سيء عليكِ."
ردت بثبات وهي تنظر في عينيه مباشرة:
"أنا بخير، وحياتي مش محتاجة طمأنة من حد. ياريت تطلب عشان أقدر أتحرك."
"قهوة سادة.. مثل هذا الجفاء الذي تعاملينني به"، قالها وهو يتابع رصانتها وثباتها.
سجلت الطلب بسرعة وأدارت ظهرها لتنصرف، لكن كلماته اللطيفة الحازمة أوقفتها في منتصف الطريق حين قال:
"وعلى فكرة يا نور.. الرجل الذي هاجمكِ البارحة والآخر الذي هرب، كلاهما الآن في حجز المركز يساقان للقضاء. حقكِ أتينا به قبل أن تشرق شمس اليوم."
تسمرت "نور" في مكانها لثوانٍ، وشعرت بمزيج غريب من الدهشة والامتنان يتصارع مع كبريائها، لكنها لم تلتفت، بل اكتفت بالقول بصوت خفيض:
"شكراً.. ده واجبتك كضابط شرطة، مش فضل منك عليا."
وانصرفت بخطوات سريعة، تركته خلفها يتابع طيفها بابتسامة أعجاب عميقة. همس لنفسه وهو يرتشف قهوته بعد حين:
"تظنين أنكِ تهربين مني يا نور.. بينما كل خطوة تبتعدين بها تُقربكِ أكثر من شباكي."
مرت أيام الأسبوع سريعة، ولم يقطع "مراد" زيارته للـ"مرسى". كان يكتفي بالجلوس في الزاوية ذاتها، يراقبها وهي تتنقل بكرامة وكبرياء بين الطاولات، ولم يحاول التمادي أو فرض نفسه بالقوة، بل كان يحيطها بهالة غير مرئية من الحماية، حتى لاحظ العمال والمدير أن أحداً لا يجرؤ على إزعاج "نور" أو رفع صوته بوجهها في وجوده.
وفي أحد الأيام الماطرة، انتهت نوبة عمل "نور" في وقت متأخر من الليل. كانت الأمطار تهطل بغزارة على كورنيش النيل، والرياح تضرب الأشجار بقوة، والشارع خالٍ تماماً من حافلات النقل أو سيارات الأجرة. وقفت تحت مظلة المطعم ترتجف من البرد، وتلف معطفها البسيط حول جسدها وهي تفكر في كيفية الوصول إلى منزلها.
فجأة، توقفت السيارة السوداء الفارهة أمامها مباشرة، وانفتح الباب الجانبي. أطل "مراد" بوجهه الصارم وعينيه الحانيتين، وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال هذه المرة:
"الطقس قاسي يا نور، ولن تجدي أي مواصلات في هذا الوقت. اركبي، وسأوصلكِ إلى طرف حيكِ دون أن أخطو خطوة واحدة تتجاوز حدودكِ."
عقدت ذراعيها وقالت وهي تقاوم ارتجاف شفتيها من البرد:
"قلت لحضرتك قبل كده.. أنا باعتمد على نفسي، ومش بركب مع حد غريب!"
نزل "مراد" من السيارة متجاهلاً المطر الذي أخذ يبلل بذلته وشعره، ووقف أمامها مباشرة. كانت عيناه تلمعان بصدق وجدية لم ترهما فيه من قبل، وقال بصوت خفيض اختلط بصوت هطول المطر:
"أنا لستُ غريباً يا نور.. أنا الرجل الذي شغلتي تفكيره منذ أول لحظة رأيتكِ فيها. كبرياؤكِ على رأسي، وكرامتكِ خط أحمر لن أسمح لنفسي ولا لغيري بمساسه.. ولكنني لن أترككِ تتجمدين هنا باسم هذا الكبرياء. اركبي.. أعدكِ أنني سأكون حارسكِ فقط."
سكنت "نور"؛ كانت كلماته الصادقة ونبرته الرجولية الدافئة تخترق دروع الحذر التي بنتها حول قلبها منذ سنوات. نظرت إلى المطر النازل بغزارة، ثم نظرت إلى عينيه الشامختين اللتين تفيضان اهتماماً غير مشروط.
وللمرة الأولى.. تراجعت "نور" خطوة عن عنادها، وخطت نحو السيارة بخطوات خافقة القلب.
تُرى.. هل كانت هذه الخطوة هي بداية استسلام "الفريسة"
جلس "مراد" خلف عجلة القيادة، وساود الصمت أرجاء السيارة الفارهة، باستثناء صوت قطرات المطر التي كانت تتساقط بانتظام على الزجاج الخارجي. كانت "نور" تجلس في المقعد الخلفي، تلتفّ بمعطفها، وتتجنب النظر إليه في المرآة العاكسة، محاولة السيطرة على اضطراب دقات قلبها التي كانت تخفق لسبب تجلّى لها كبركان غضب وخوف من هذا القرب المفاجئ.
توقفت السيارة عند مدخل الحي الشعبي الهادئ، حيث الإنارة الخافتة والأزقة الضيقة التي تتلاقى فيها البيوت البسيطة. لم يتجاوز "مراد" حدوده؛ بل أوقف السيارة تماماً كما وعدها، والتفت بجسده نحو الخلف بخفة، وعيناه النافذتان تتفحصان ملامحها الدقيقة الناعمة في عتمة الليل.
قال بنبرة هادئة حملت صرامة الرجل الذي اعتاد الحماية والاحتواء:
"وصلتِ يا نور.. لن أدخل للداخل احتراماً لكِ ولأهل حيكِ، لكن عينيكِ تخبرانني بوجود شيء أكبر من مجرد خوفكِ من المطر أو مني.. هل يضايقكِ أحد هنا؟"
قبضت "نور" على مقبض الباب، وقالت بصوت هادئ يحاول الاستماتة في الثبات:
"أنا بخير يا سيادة الباشا، حياتي مفيهاش أي مشاكل مقدرش أواجهها بنفسي.. وشكراً للمرة الثانية."
نزلت بسرعة ودون أن تنتظر رده، واختفت بخطواتها السريعة بين الأزقة المعتمة، بينما ظل "مراد" يراقب أثرها بابتسامة غامضة، حتى تأكد من دخولها منزلها القديم بنجاح، ثم انطلق بسيارته مخترقاً شوارع المدينة.
في صباح اليوم التالي، وتحديداً في وقت الظهيرة، كانت "نور" تنهي بعض الأعمال المنزلية قبل توجهها للمطعم، حتى تناهى إلى مسامعها صوت صراخ وضجيج صادر من مدخل البناية. أسرعت للأسفل، لتفاجأ بشخص يُدعى "سعيد"، أحد بلطجية الحي المعروفين ومستأجري المحال المجاورة، يلوح بأوراق في وجه جارتها العجوز ويصرخ بصوت مرتفع مستغلاً عدم وجود رجل في بيتها:
"البيت ده ملزوم يفضى خلال أسبوع! المكان ده أتعادت ملكيته، واللي مش عاجبه يرقع رأسه في أكبر حيطة!"
تقدمت "نور" بجموح لا يهاب وشجاعة غريزية وقفت بها في وجهه:
"جرى إيه يا سعيد؟ فاكر المكان مالوش صاحب عشان تستقوى على ست كبيرة؟ أوراقك دي تبلها وتشرب ميتها، والشارع ده فيه قانون!"
ضحك "سعيد" بسخرية واقترب منها بشر:
"قانون؟ القانون هنا هو كلمة الكبار يا شاطرة.. وما تحاوليش تعملي فيها بطلة، عشان حسابك معايا هيتقل!"
وفي اللحظة التي رفع فيها "سعيد" يده محاولاً التهديد، توقفت سيارتان سوداوان عند مدخل الزقاق الضيق. نزل منهما رجلان بزي رسمي، ينتميان لقوات الشرطة، يتبعهما "مراد بك الحسيني" بخطوات ثقيلة وحضور مرعب جمد الدماء في عروق الحاضرين.
ساد الصمت المفاجئ في الشارع، وتراجع "سعيد" خطوتين للوراء وقد شحب وجهه فور معرفته بهوية القادم.
تقدم "مراد" بخطوات واثقة، وعيناه كالصقر مثبتتان على "سعيد". وقف بينه وبين "نور" كدرع حصين، وسأل بنبرة جليّة حادة جعلت الجميع يرتعدون:
"من هذا الذي يرفع صوته ويستعرض قوته على نساء الحي؟"
ارتبك "سعيد" وقال بصوت متلعثم:
" يا.. يا باشا.. ده موضوع خاص بيننا، شغل أوراق وإيجارات.."
التفت "مراد" إلى أحد الضباط المرافِقين له وقال ببرود قاتل:
"أفحص أوراق هذا الشخص، وشوف كل المخالفات والبلاغات المسجلة ضد أعماله في المنطقة.. القانون يطبق هنا فوراً وبكل حزم."
ثم التفت لـ "نور" التي كانت تقف مذهولة، تداخلت في عينيها مشاعر الصدمة، الغضب، والامتنان الرغماً عنها. اقترب منها خطوة واحدة، وقال بصوت خفيض اقتصر عليها وحدها:
"أخبرتكِ البارحة أنني أقرأ الخوف في عينيكِ.. وأنا رجل لا يترك شيئاً يهدد أمان من يعنيه أمرهم."
نظرت إليه "نور" بعيون مشتعلة بكبرياء جريء وقالت بتحدٍ خافت:
"أنا مأمرتكش تتدخل في شؤوني يا مراد باشا.. كرامتي وحقي أعرف أجيبهم بنفسي، ومش محتاجة حماية من حد!"
ابتسم "مراد" ابتسامته الساحرة الواثقة، ومال بنظراته نحوها وقال بثقة هزت كيانها:
"أن تحمي كرامتكِ فهذا شأنكِ يا نور.. أما أن أحميكِ أنتِ من كيد الدنيا، فهذا شأني أنا، وستعتادين على وجودي شاء كبرياؤكِ أم أبى."
تلاقت الأعين في مواجهة ملتهبة بين صمود الفريسة التي ترفض الخنوع، وسلطة الصياد الذي ينسج شباكه بالحب والشهامة لا بالقوة.
فكيف ستكون مواجهتهما القادمة؟ وهل سيصمد كبرياء "نور" أمام طوفان مشاعر "مراد"؟
