رواية بائعة الليمون الفصل الاول
لم يكن الفقر هو أكثر ما يؤلم «رحمة» في حياتها، بل تلك اللحظة التي أدركت فيها أن والدها لن يفتح باب المنزل مرة أخرى، ولن يناديها بصوته الدافئ قائلًا:
— يا رحمة، اعملي لأبوكي كوباية شاي يا حبيبتي.
منذ عام ونصف، كان ذلك الصوت قد اختفى إلى الأبد.
رحل والدها «حسن» بعد سنوات من العمل الشاق في ورشة صغيرة، إثر أزمة قلبية مفاجئة، تاركًا خلفه زوجة مريضة، وابنة لم تتجاوز السابعة عشرة، وطفلًا صغيرًا لم يكمل عامه الثامن.
لم يترك لهم حسن مالًا، ولا منزلًا ملكًا، ولا معاشًا يكفي احتياجاتهم.
ترك لهم فقط بعض الملابس القديمة، وصورة عائلية معلقة على الحائط، وذكريات لا تُشترى بالمال.
ومنذ يوم وفاته، تغير كل شيء.
اضطرت رحمة إلى ترك المدرسة قبل أن تنهي دراستها، بعدما كانت تحلم بأن تصبح طبيبة، وتبدأ رحلة البحث عن أي عمل يمكن أن يوفر لهم ثمن الطعام والدواء.
أما والدتها «سعاد»، فقد أصابها المرض بالحزن والإرهاق، وأصبحت تعاني من آلام مزمنة في المفاصل وضغط الدم، مما جعل خروجها للعمل أمرًا شبه مستحيل.
وبقي «يوسف»...
طفل في الثامنة، بوجه مستدير وعينين واسعتين، وشعر أسود كثيف كان والده يحب تمشيطه كل صباح.
كان يوسف لا يزال يحتفظ بحذاء والده القديم تحت سريره، رغم أنه أصبح أكبر من مقاسه بكثير.
وكان كلما اشتاق إليه، أخرج الحذاء من مكانه، ومسح عنه الغبار، ثم أعاده في صمت.لم يكن يفهم لماذا يرحل الطيبون بهذه السرعة.
لكنه كان يفهم شيئًا واحدًا:
أن أخته رحمة تبكي كثيرًا عندما تظن أنه لا يراها.
الخامسة صباحًا
رنّ المنبه القديم فوق الطاولة الخشبية المهترئة، فأصدَر صوتًا مزعجًا في الغرفة الضيقة.
مدت رحمة يدها وأغلقته، ثم فتحت عينيها ببطء.
كانت الساعة الخامسة إلا ربعًا.
جلست على الفراش، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت إلى جوارها.
كان يوسف نائمًا فوق مرتبة رقيقة، وقد انكمش جسده الصغير تحت غطاء خفيف.
نهضت رحمة، وغسلت وجهها بماء بارد، ثم ارتدت عباءتها البسيطة، ووضعت حجابها أمام المرآة المشروخة.
وقفت أمام صورتها لحظات.
كان وجهها شاحبًا، وتحت عينيها هالتان واضحتان، لكن ملامحها ظلت تحمل شيئًا من الجمال الهادئ الذي لم تستطع قسوة الحياة أن تنتزعه منها.
همست لنفسها:
— شدّي حيلك يا رحمة... يوم جديد، ولازم يعدّي.
ثم اتجهت إلى المطبخ الصغير.
فتحت الخزانة، فلم تجد سوى القليل من الخبز الجاف.
أخرجت ثلاث قطع، ووضعت اثنتين في كيس صغير، ثم احتفظت بالثالثة.
أشعلت الموقد، وسخنت بعض الماء لإعداد الشاي، لكنها توقفت عندما سمعت صوت أمها.
— رحمة؟
— أيوه يا ماما، صحيتي؟
— إنتِ هتنزلي دلوقتي؟
— أيوه، علشان ألحق الموظفين والطلبة قبل ما الزحمة تهدى.
خرجت سعاد من الغرفة ببطء، وهي تستند إلى الحائط.
كانت امرأة في منتصف الأربعينيات، لكن المرض والحزن جعلاها تبدو أكبر من عمرها.
نظرت إلى ابنتها وقالت:
— طب كلي الأول يا بنتي.
ابتسمت رحمة.
— هاكل لما أرجع.
— كل مرة تقولي كده.
اقتربت الأم منها، وأمسكت يدها.
— أنا مش عايزاكي تتعبي نفسك بالشكل ده.
أجابتها رحمة وهي تحاول إخفاء إرهاقها:
— وإحنا نعيش إزاي يا ماما؟ إيجار البيت متأخر، والدوا قرب يخلص، ويوسف محتاج كراسات.
سكتت الأم.
كانت تعرف أن ابنتها على حق، لكنها كانت تتمنى لو أن الحياة منحتها فرصة لتحميها بدلًا من أن تصبح عبئًا عليها.
فجأة، جاء صوت يوسف من الغرفة:
— رحمة... هو إحنا هننزل؟
دخلت إليه، فوجدته جالسًا فوق الفراش، يفرك عينيه.— صباح الخير يا حبيبي.
— صباح النور.
ثم نظر إلى ملابسه الموضوعة بجواره.
— أنا لبست القميص ده امبارح، مش كده؟
— أيوه، بس هو نضيف. غير بس البنطلون.
ارتدى يوسف ملابسه، ثم مد يده إلى صندوق بلاستيكي صغير بجوار الحائط.
كان الصندوق يحتوي على أقلام حبر وأقلام رصاص وممحايات رخيصة، اشتراها من تاجر جملة بعدما ادخر جزءًا من مصروفه القليل.
قال بفخر:
— أنا رتبت الأقلام امبارح، وحطيت الأزرق لوحده والأحمر لوحده.
ابتسمت رحمة.
— برافو عليك يا تاجر العيلة.
ثم أضافت وهي تساعده في ارتداء سترته:
— بس اسمعني كويس يا يوسف، لو تعبت، أو حسيت إنك مش قادر، تيجي تقعد جنبي فورًا. فاهم؟
— فاهم.
— ولو حد زعقلك؟
— أنادي عليكي.
— ولو حد حاول ياخد منك فلوسك؟
تردد قليلًا، ثم قال:
— أنده على حد كبير وأجيلك.
قبلت جبينه.
— شاطر.
وقفت الأم عند الباب، وقالت:
— ربنا يحفظكم من كل شر.
اقترب يوسف منها، وقبّل يدها.
— ادعيلي أبيع كل الأقلام يا ماما.
ابتسمت سعاد، وقالت:
— ربنا يرزقك يا ضنايا.
خرجت رحمة بصحبة أخيها، وأغلقت الباب خلفها.
لم تكن تعرف أن هذا اليوم لن ينتهي كما بدأ…….
