رواية بائعة الليمون الفصل الثاني
كان الشارع لا يزال غارقًا في ظلمة الفجر عندما خرجت رحمة ويوسف من الحارة الضيقة.
كانت المحال مغلقة، وأضواء بعض المقاهي تنعكس على الأرصفة المبللة.
حملت رحمة سلتها الكبيرة التي وضعت فيها أكياس الليمون والمناديل الورقية، بينما حمل يوسف صندوق الأقلام بكلتا يديه.
كان الصندوق أثقل مما يبدو، لكن الصغير رفض أن تحمله عنه أخته.
— أنا أقدر عليه يا رحمة.
— عارفة إنك تقدر، بس أنا خايفة على ضهرك.
— أنا بقيت كبير.
نظرت إليه، وقالت بابتسامة موجوعة:
— إنت لسه صغير يا يوسف.
— بس أنا راجل البيت.
توقفت رحمة عن السير.
تلك الجملة بالذات كانت تقتلها من الداخل.
انحنت أمامه، وأمسكت كتفيه.
— اسمعني يا حبيبي... إنت مش مطالب تبقى راجل دلوقتي. إنت طفل، ومن حقك تلعب وتتعلم وتعيش زي كل الأطفال.
خفض يوسف عينيه.
— بس بابا مش موجود.
احتضنته رحمة طويلًا.
— وأنا موجودة... وماما موجودة. وإحنا هنفضل مع بعض.
ثم أمسكت يده وتابعا الطريق.
وصلا إلى محطة المترو بعد السادسة بقليل.
كانت المحطة قد بدأت تستيقظ.
موظفون بملابس رسمية، طلاب يحملون حقائب ثقيلة، سيدات يهرولن خلف أطفالهن، وباعة ينتشرون في الأماكن التي اعتادوا الوقوف فيها.
اختارت رحمة مكانًا قريبًا من مدخل السلالم، بعيدًا نسبيًا عن حركة الناس.
وضعت سلتها على الأرض، وبدأت ترتب الليمون في أكياس صغيرة.
ثم رصت المناديل بجوارها.
أما يوسف، فوقف على بعد خطوات، ورفع صندوقه.
— أقلام يا أستاذ! أقلام حبر! أقلام يا آنسة، عندنا أقلام رخيصة!
لم يلتفت إليه كثيرون.
بعضهم كان يمر مسرعًا، وبعضهم يشيح بوجهه، بينما كان آخرون يبتسمون ويشترون قلمًا أو اثنين.
اقتربت منه فتاة جامعية، وسألته:
— القلم بكام يا حبيبي؟
— بجنيهين يا آنسة.
أخرجت الفتاة خمسة جنيهات، وأعطته إياها.
أعاد إليها الباقي بدقة، ثم قالت:
— خليهملك.
هز رأسه.
— لأ، ماما قالتلي مينفعش أخد فلوس مش بتاعتي.
ابتسمت الفتاة.
— طيب خليهم تمن القلم اللي هشتريه منك بكرة.
ثم أخذت قلمًا آخر.
ضحك يوسف.
— كده ينفع!
كانت رحمة تراقبه من بعيد، فشعرت بشيء من الفخر.
لكن سرعان ما اقترب رجل عريض الجسد، يرتدي سترة داكنة، ووقف أمامها.
— إنتِ يا بنت!
رفعت رأسها.
— نعم يا أستاذ؟
— مش إنتِ اللي بتبيعي هنا كل يوم؟
— أيوه.
— المكان ده ليه ناس، وممنوع حد يقف فيه من غير إذن.
نظرت رحمة حولها.
— بس أنا بقالي شهور ببيع هنا، ومحدش قال لي حاجة.
ضحك الرجل بسخرية.
— علشان محدش كان مركز معاكي. دلوقتي لازم تدفعي مية جنيه كل يوم.
شهقت رحمة.
— مية جنيه؟! أنا ممكن ماكسبش المبلغ ده في يوم!
— دي مش مشكلتي.
— يا أستاذ، أنا ببيع علشان أجيب أكل ودوا لأمي، مش علشان عندي محل.
اقترب منها أكثر.
— يبقى روحي بيعي في حتة تانية.
تدخل يوسف، الذي كان قد اقترب منهما.
— يا عمو، إحنا مش بنأذي حد.
نظر إليه الرجل بازدراء.
— إنت بتتكلم ليه؟ ارجع مكانك.
أمسكت رحمة بيد أخيها.
— متخافش يا يوسف.
ثم التفتت إلى الرجل:
— لو سمحت، سيبنا نبيع النهارده، وأنا هحاول أشوف مكان تاني.
مد الرجل يده إلى سلة الليمون، وأخذ كيسًا.
— ده بدل ما تدفعي.
حاولت رحمة استعادته.
— لأ يا أستاذ، ده بضاعتي!
دفع يدها بعيدًا، فسقطت السلة، وتدحرجت حبات الليمون على السلالم.
صرخ يوسف:
— رحمة!
انحنت الفتاة بسرعة تجمع بضاعتها، بينما بدأ بعض المارة يلتفتون.
قال الرجل ببرود:
— اعتبريها رسالة.
ثم غادر.جلس يوسف على الأرض، وجمع حبات الليمون واحدة تلو الأخرى.
كانت عيناه تلمعان بالدموع.
— هو ليه أخد الليمون يا رحمة؟ إحنا تعبنا فيه.
أجابته وهي تجمع ما تبقى:
— علشان هو غلطان يا حبيبي.
— طب ليه محدش وقف معانا؟
نظرت إلى الزحام.
كان الجميع يمرون.
بعضهم رأى، وبعضهم سمع، لكن أغلبهم اختار ألا يتدخل.
قالت بصوت خافت:
— مش كل الناس بتقدر تساعد، يا يوسف... بس ربنا هيبعت لنا الخير.
لم تكن تعرف أن شخصًا ما كان يراقب الموقف من بعيد.
وأنه لم يكن ينوي المرور دون أن يفعل شيئًا.
الفصل الثالث: الرجل الذي لم ينسَ
كان «عم جابر» رجلًا في أواخر الخمسينيات، يعمل في كشك صغير لبيع الجرائد والمشروبات قرب مدخل المحطة.
عرف رحمة ويوسف منذ أشهر.
كان يشتري منهما الليمون أحيانًا، ويعطي يوسف قطعة حلوى عندما يراه متعبًا.
لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يملك قلبًا لا يحتمل رؤية الضعفاء يُظلمون.
اقترب منهما بعدما غادر الرجل.
— إيه اللي حصل يا بنتي؟
رفعت رحمة رأسها، ومسحت دموعها سريعًا.
— مفيش يا عم جابر، سوء تفاهم وعدّى.
نظر إلى الليمون المتناثر.
— سوء تفاهم؟ ده كبّ البضاعة على الأرض!
— معلش، خلصت.
جلس جابر على ركبتيه، وبدأ يساعدهما في جمع الليمون.
— الراجل ده اسمه شوقي، وبيفرض إتاوات على الباعة من فترة. بس ده مش حقه، ومش من حقه يطرد حد من هنا.
سألته رحمة بقلق:
— طب أعمل إيه يا عم جابر؟ أنا مش عايزة مشاكل.
— ولا أنا عايزلك مشاكل. بس لازم تعرفي إن السكوت على الظلم مش دايمًا بيحل المشكلة.
ثم نظر إلى يوسف.
— إنت يا بطل، الأقلام لسه معاك؟
أومأ الصغير.
— أيوه.
أخرج جابر من جيبه مبلغًا صغيرًا، ومده إلى رحمة.
— خدي ده، عوض الليمون اللي اتبهدل.
تراجعت رحمة.
— لأ يا عم جابر، كفاية إنك ساعدتنا.
— خديه يا بنتي، ده مش صدقة. اعتبريه تمن الليمون اللي هشتريه منك.
ثم أضاف مبتسمًا:
— وهاتِيلي كيسين كمان.
أخذت رحمة المال، ووضعت له كيسين.
قال جابر:
— اسمعي يا بنتي، أنا عندي مكان صغير جنب الكشك، تقدري تحطي فيه سلتك بدل ما تفضلي على السلم. المكان مش كبير، بس آمن.
حدقت فيه رحمة بدهشة.
— بجد يا عم جابر؟— بجد. وهتدفعي إيجار؟
هزت رأسها بسرعة.
— أيوه، بس...
قاطعها:
— مفيش بس. لما ربنا يوسعها عليكي ابقي ساعدي حد غيرك.
انهمرت دموع رحمة.
— ربنا يوسعها عليك يا عم جابر.
ربت الرجل على كتف يوسف.
— وإنت يا بطل، هتفضل تبيع أقلامك هنا، بس وقت المدرسة لازم تروح المدرسة.
قال يوسف بحزن:
— أنا بحب المدرسة.
— يبقى لازم ترجع لها.
ثم نظر إلى رحمة.
— إنتِ ليه وقفتي تعليمك؟
خفضت رأسها.
— الظروف يا عم جابر.
— الظروف بتصعّب الطريق، بس مش لازم تقفله كله.
لم تجبه.
كانت كلمات الرجل بسيطة، لكنها فتحت داخلها بابًا أغلقته منذ وفاة والدها.
باب الحلم……
