رواية ذات العيون البنفسجية الفصل الاول 1 بقلم أماني سيد


 رواية ذات العيون البنفسجية الفصل الاول

البارب الاول 
في إحدى المستشفيات الحكومية بالبندر، كان الممر الضيق يعج بحركة الأهالي والممرضات؛ صخب وتوتر، ورائحة المعقمات النفاذة تكتم الأنفاس، تختلط بقلق عارم يملأ الأجواء.
فجأة، شق ذلك الصخب صوت صراخ حاد ومتألم، صراخ وجع مخاضٍ عسير يأتي من غرفة الولادة.. استمر الصراخ لدقائق بدت للواقفين في الخارج كأنها دهر كامل، وفجأة.. انقطع الصوت تماماً و**حل صمت قاتل**.
في الممر بالخارج، حبس الأب الواقف على أعصابه أنفاسه، وتجمدت يداه في جيب جلبابه، حتى الممرضة التي كانت تمر مسرعة توقفت مكانها ترتقب. كانت لحظات تمر كالشفرات، قبل أن يتبدد ذلك الصمت بصوت بكاء رفيع وخافت.. بكاء طفلة أعلنت قدومها إلى هذا العالم.
داخل الغرفة، تنفست الطبيبة الصعداء وهي ترفع الطفلة بين يديها، لكن ملامحها تيبست فجأة من الدهشة. قربت الطفلة من عينيها، وفركتهما بغير تصديق، ثم التفتت نحو الممرضة وقالت بصوت هامس ومخطوف:
ـ يا سحر.. تعالي شوفي إكدة.. أنا زغللت ولا إيه؟
اقتربت الممرضة سحر لتنظيف الطفلة، لكن ما إن وقعت عيناها على وجه المولودة الصغيرة، حتى تجمدت في مكانها وجحظت عيناها ذهولاً. كانت الطفلة تفتح جفنيها ببطء شديد تواجه أضواء الغرفة الساطعة، ولم تكن كأي طفل آخر..
كانت تمتلك عينين بلون غريب، عميق وساحر.. **لون بنفسجي نقي**، كأنها قطعة مستقطعة من سماء الليل قبل الشروق. ورغم حُمرة بشرة الولادة، إلا أنها كانت مائلة للبياض الشديد، مما جعل كل من في الغرفة يخمن أنها ستكون شديدة البياض عندما تكبر.
ظلت الطبيبة تنظر إليها بانبهار وإكبار لصنع الخالق، أما الممرضة سحر، فقد رسمت على وجهها ابتسامة تفاؤل بمستقبل تلك الطفلة وقالت بلهجتها الصعيدية:
ـ ما شاء الله تبارك الرحمن.. البت دي هتبقى فلقة قمر، يا بخت أهلها بيها، العرسان من ديلوقتي هيقفوا على بابها طوابير!
التفتت الطبيبة نحو الممرضة، ونظرت إليها بعينين يملؤهما توجس وخوف من المستقبل، وقالت بنبرة حزينة:
ـ مش دايماً الجمال بيبقى نعمة يا سحر.. ساعات بيبقى نقمة، وسبيل لهلاك صاحبه وممكن يبقى سجن لصاحبه .
هزت سحر رأسها لتطرد كلمات الطبيبة التي نزلت عليها كالموج البارد، واستعاذت في سرها من الشيطان. لفت الطفلة على عجل في غطاء قطني أبيض، واتجهت نحو الباب لتبشر الأب المنتظر بالخارج.
ما إن فُتح الباب، حتى انتفض الأب من فوق المقعد الخشبي المتهالك، وتعلقت عيناه بالكامل بذلك الغطاء الأبيض. تقدمت منه سحر وبابتسامة عريضة تشق وجهها قالت:
ـ مبروك يا حاج.. جتك بنته كيف القشطة، تتربى في عزك . يدك على الحلاوه 
امتدت يدا الأب المرتجفتان من اللهفة، وتسلّم طفلته الصغيرة، ومع أول لمسة وأول نظرة لوجهها، انطلقت من جوف صدره تنهيدة حارة أزاحت كل تعبه، وهمس بصوت مخنوق من الفرحة:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم.. ما شاء الله، تبارك الله أحسن الخالقين.. يا رب اجعلها قدم السعد والرضا علينا.
في تلك اللحظة، كان بكاء الطفلة قد هدأ تماماً، وبدأت تفتح جفونها الصغيرة بنعاس، حتى التقت نظراتها بنظرات أبيها.
تسمر الرجل في أرضه وكأن صاعقة أصابته، واتسعت عيناه بذهول تام! نظر إلى الممرضة ثم عاد لينظر إلى الطفلة؛ ظن في البداية أن إضاءة الممر الخافتة تخدعه، أو أن هذا انعكاس لشيء ما في المكان، لكنه عندما دقق في ذلك الضوء الساحر المنبعث من عينيها، تأكدت الحقيقة.. ابنتُه تملك عينين بلون بنفسجي ناصع، لون لم تعهده عين في الصعيد كله.
عُقد لسان الرجل وتاهت منه الكلمات، لكن سحر تداركت الموقف وقالت بنبرة مرحة تهون عليه الصدمة:
ـ مبروك يا أبو العروسة.. البت عيونها بنفسج، حاجة كدة سبحان الخلاق الوهاب، مش هتشوف كيفها في بلادنا واصل.
مرر الأب إصبعه الخشن برفق شديد فوق جبين طفلته، وشعر بقلبه ينبض بقوة كطبول الحرب، مزيج من الحب الجارف والدهشة. تذكر كل الأسماء التي فكر فيها مع زوجته قبل الولادة، لكنه في هذه اللحظة شعر أن الأسماء كلها سقطت، ولم يعد هناك سوى اسم واحد يليق بهذه المعجزة الصغيرة.
ابتسم وعيناه تلمعان بالفخر واليقين وقال:
ـ خلاص.. من اليوم وطالع،اسمها هيبجى "بنفسج".. على لون عيونها اللي ملوش مثيل ..
في تلك اللحظة خرجت الطبيبة من الغرفة، ووقفت تتابع المشهد من بعيد؛ نظرات الأب المليئة بالحب والفخر، ملامح الطفلة الآسرة، والاسم الفريد الذي اختير لها.. ودعت في سرها وقلبها مقبوض: "يا رب يكون الاسم طالع خير عليها، ويصونها من عيون الخلق التي لا ترحم الجمال النادر .
مرت خمس سنوات سريعة كأنها لمحة بصر، تبدلت فيها ملامح الطفلة الرضيعة لتصبح آية في الحسن والجمال. كبرت "بنفسج" وصارت بشرتها شديدة البياض كالحليب الصافي، ينسدل فوقها شعر أسود كظلام الليل، وتتوسط وجهها هاتان العينان البنفسجيتان اللتان تخطفان الأنفاس من النظرة الأولى. ومع كل خطوة تخطوها الصغيرة خارج عتبة البيت، كانت العيون تلاحقها، والهمسات تزيد من حولها، مما أشعل نار الخوف والوجس في قلب أمها.
كانت عائلتها بسيطة للغاية؛ فوالدها "عم متولي" مجرد عامل أجير يشقى في أراضي الملاك باليومية ليأتي بقوت عيشهم، بينما والدتها "ست أمينة" امرأة مكافحة، تدور على بيوت البلدة تخبز وتساعد في الأعمال الشاقة لتعين زوجها على مصاعب الحياة.
وفي صباح أحد الأيام، بعد أن عادت بنفسج من عند الجيران والعيون تلاحقها، أغلقت أمينة باب الدار الخشبي بقوة، والتفتت لزوجها وهي تتنفس بصعوبة من شدة القلق.
ـ واه يا متولي.. عاجبك اللى عيجرا ده؟ البت كل ما تخطي برة العتبة، عيون الخلق بتاكلها أكل! أنا قلبي مقبوض ومش مرتاحة واصل.
ـ استهدي بالله يا أمينة، البت لساتها فطفوطة عندها خمس سنين، والناس عتتغزل في زينة ربنا وخلقه، إيه الجرم في كدة؟
ـ الجرم إن الجمال في بلادنا عيجيب الأذية يا متولي! البت دي بياضها كيف الحليب وعيونها بنفسج، مفيهاش واصل من ملامحنا ولا من سمارنا.. دة طالعه كيف امك وجدتك دي قطة سيامي وسط ذئاب، والناس عيونها مترحمش.
هز متولي رأسه بقلة حيلة وهو يمسح عرق جبينه بكوفيتّه:
ـ طيب والعمل يا أمينة؟ عتقطعي لحمك بيدك يعني؟ البت هتعيش كيف ما الخلق عتعيش.
ـ لاه.. من اليوم وطالع، البت دي رجلها متخطيش برة الدار واصل! هحبسها في البيت ومش هخلى أى حد يشوفها غير اجرب الاجربين لينا 
ـ تحبسيها؟ تحبسي عيلة خمس سنين بين أربع حيطان يا أمينة؟! ده ظلم واصل.
ـ الظلم هو إنها تطلع وتاكلها عيون الناس بحسدها، أو يطمع فيها اللي يسوى واللي ميسواش ولما عودها يشد وتكبر وتبقى صبية، مفيش خروج ليها واصل إلا بالنقاب اللي يداري العيون والوش ده كله!
حاول متولي الاعتراض، لكن نظرة الإصرار والخوف القاتل في عيني زوجته جعلته يصمت، يعلم أن أمها لا تدفعها القسوة، بل يدفعها رعب حقيقي على ابنتها النادرة.
ومنذ ذلك اليوم، أُغلقت الأبواب على "بنفسج"، وصارت الدار سجنها الوردي، وحُرمت من مداعبة شمس الصعيد، كأنها سرٌّ حربي يجب إخفاؤه عن الأعين. 
مرت السنوات، وكبرت بنفسج داخل محبسها الاختياري، ومع كل يوم يمر، كان جمالها يزداد نضجاً وعمقاً. اعتادت الفتاة على جدران البيت الأربعة، وصارت أعمال المنزل من كنس، وطبخ، وترتيب هي وسيلتها الوحيدة لتسلية وقتها الطويل، والهروب من ملل العزلة. تحولت من طفلة صغيرة إلى صبية يافعة، فريدة في حسنها؛ بشرتها ازدادت نضارة، وعيناها البنفسجيتان باتتا أكثر سحراً وغموضاً تحت خصلات شعرها الفاحم. كانت كأميرة في قصر مهجور، لا يرى حسنها أحد سوى والديها.
حتى جاء ذلك اليوم الذي قلب هدوء الدار رأساً على عقب. كانت البلدة بأكملها تستعد لحدث كبير؛ زفاف ابنة العمدة. وفي الصباح، طُرق باب دار عم متولي، وجاء الخادم يبلغ "أمينة" برغبة زوجة العمدة في استدعائها لتتولى مهمة الخبز لولائم الفرح الكبيرة، وطلبوا منها أن تحضر معها من يساعدها لكثرة العمل.
عادت أمينة إلى الدار، وبدت الحيرة واضحة على وجهها، فدنت منها بنفسج وهي تمسح يديها في مريلتها وقالت بنبرة متلهفة:
ـ مالك يا أُمي؟ عتفكري في إيه وشك متبدل كدة ليه؟
ـ بيت العمدة طالبيني أخبز ل الفرح يا بنفسج، وعايزين حد يساعدني عشان الحِمل كبير، ومخابراش أخد مين معايا من نسوان البلد يسترني وميفضحنيش في وسط الشغل.
لمعت عينا بنفسج، ونبض قلبها بقوة وهي ترى في هذه الدعوة طاقة نور وخروجاً من سجنها، فتشبثت بجلباب أمها وقالت برجاء حار:
ـ خديني معاكي يا أُمي! أنا كبرت ويدي بقت خفيفة في العجين والخبز، وأهو أساعدك وأشيل عنك التعب.
ـ لاه يا بنفسج! واه يا بتي.. عتقولي إيه؟! إنتي نسيتي إحنا حابسينك إهنه ليه؟ بيت العمدة هيبقى زحمة وبلاد وناس رايحة وجاية، وأنا مأمنش عليكي واصل.
ـ يا أُمي أرجوكي.. أنا عيشت عمري كله بين أربع حيطان لما جالي الضيق! هاجي معاكي واصل بالنقاب، مش هرفع الحتة من على وشي واصل، ولا حد هيشوف مني الهوا.. أبوس يدك وافقي يا أُمي، نفسي أشوف الفرح وأشم الهوا برة الدار واصل.
نظرت أمينة إلى دموع الرجاء في عيني ابنتها، ورق قلبها الضعيف أمام توسلاتها؛ فهي في النهاية أم وتشعر بحرمان ابنتها من زينة الدنيا. تنهدت أمينة بقلق وقالت محذرة بنبرة حاسمة:
ـ ماشي يا بنفسج.. هاخدك معايا، بس وعهد الله ورسوله، لو الحتة دي اترفت من على وشك واصل، أو عينك زاغت إكِدِه ولا إكِدِه، ليكون آخر خروج ليكي من الدار لحد ما يدخلوا بيكي قبرك! سامعة يا بتي؟
ـ سامعة يا أُمي وخابرة زين.. واصل مش هتشوفي مني واصل غير اللي يرضيكي، يخليكي ليا يا رب!
ارتبطت الفتاة بوالدتها وهي تكاد تطير من الفرحة، وأسرعت تجهز نقابها الأسود السميك لترتديه، دون أن تدري أن خروجها من عتبة الدار هذه المرة، سيكون بداية لقصة طويلة، وأن عيونها البنفسجية ستلفت الأنظار حتى من خلف السواد.
ياترى ماصيرها ايه وايه اللى مستنيها فى بيت العمده ؟؟




تعليقات