رواية ذات العيون البنفسجية الفصل الثاني 2 بقلم أماني سيد


 رواية ذات العيون البنفسجيه الفصل الثاني


 وصلت أمينة وابنتها بنفسج إلى دوار العمدة، وكان المكان يموج بحركة البشر كأنه خلية نحل لا تهدأ؛ أصوات الزغاريد تتعالى وتشق عنان السماء، والنساء يرتدين أزهى ما لديهن من ثياب وحلي، والزحام الشديد يكاد يخنق الأنفاس. دلفت بنفسج بخطوات مرتجفة، متمسكة بطرف جلباب أمها بقوة، بينما كانت عيناها البنفسجيتان تلمعان بخوف وذهول من خلف سواد النقاب السميك الذي يغطي كامل وجهها.
جلست أمينة في زاوية واسعة خصصت للحريم، وسرعان ما التف حولها عدد من نساء البلدة، يتبادلن أحاديث الفرح، لكن الأعين كلها لم تنزل عن تلك الكتلة السوداء الساكنة بجوارها. ولم يطل الأمر حتى بدأ الفضول يتسلل إلى مجالس الحريم، وانطلق سهم الكلام:
ـ واه يا أمينة! مين الصبية اللى حابساها في السواد ده كله وسط الفرح؟
ـ دي بتي بنفسج يا أم غالي، جيباها تعينني في الخبز والشغل.
ـ بتك؟! بس عودها شد ما شاء الله، وطالما جيباها تعينك، إيه لزوم النقاب ده كله جوة بيت الحريم؟ ارفعي البيشه عن وشها خلينا نشوفوها ونملي عيننا من زينتها، يمكن تطلع نصيب لواحد من عيالنا!
ـ لاه يا خالة، معلش.. البت خجلانه وشديدة الحيا، ومبتطقش ترفع النقاب واصل قدام حد، سيبوها براحتها الله يستركم.
ـ عتحبكيها عاد يا أمينة؟ إحنا حريم واصل في بعضينا، مفيش راجل عيهوب ناحيتنا! ارفعي يا بتي الخمار ده خلينا نشوفوا وِشِّك، ولا إنتي عايبة وخايفة منينا؟
تراجعت بنفسج إلى الخلف وهي تشعر برعب حقيقي، وازدادت قبضتها تشنجاً على جلباب أمها، ثم همست بصوت مرتعش يكاد لا يبين من خلف قماش نقابها:
ـ ياما.. يلا نقوموا من إهنه، أنا مرياكاش القعدة دي واصل، والنسوان عياكلوني بعيونهم.
امتعض وجه أمينة، وشعرت أن إصرار النساء سيكشف سر ابنتها الذي طالما خبأته عن الأعين، فانتفضت واقفة وحسمت الأمر بنبرة حادة وقاطعة:
ـ جرى إيه يا نسوان؟ إحنا جايين ناكلوا لقمة عيش ونقضوا المصلحة، مش جايين نتفرّجوا على بعض! البت مرفعاش وشها، ويلا بينا يا بنفسج على المطبخ والملاوية، الشغل كتير والوقت عيسرقنا.
ـ واه يا أمينة! عتزعلي منينا عشان عايزين نفرحوا ببتك؟ خلاص يا ستي، الله الغني عن مرواح وشها.
سحبت أمينة بنفسج من وسط حلقة الحريم اللواتي بدأن بالهمس والاعتراض، وتوجهت بها سريعاً صوب المطبخ الكبير الملحق بالدوار، حيث كانت النيران مشتعلة تحت القدور الضخمة، ورائحة العجين تملأ المكان، لتتنفسا الصعداء بعيداً عن أعين الفضول.. لكنهما لم تعلما أن ما ينتظرهما خلف جدران هذا الدوار أكبر بكثير من مجرد فضول نساء.

دلفتا إلى المطبخ الواسع، ولم تكد أمينة تلتقط أنفاسها وتضع كفيها في العجين، حتى انفتح الباب فجأة، ودخلت زوجة العمدة .
تنحنحت زوجة العمدة وقالت بنبرة آمرة:
ـ ها يا أمينة.. شدي حيلك عاد، مخرجات يدك واصل عايزينها ترفع الراس قدام المعازيم والناس اللى جاية تهنينا احنا جايين حدانا ناس كبرات أوى 
ـ عينيا ليكي يا ست هانم، واصل مش هقصر.. ده أنا جايبة البت بنفسج معاي عشان تعينني ونخلصوا قوام والطلب يروح في ميعاده.
نظرت زوجة العمدة إلى بنفسج بتمعن، وضببت عينيها بشك وقالت بفضول:
ـ بس الحريم برة عيرطنوا ويقولوا إنك مخبية ورا النقاب ده حكاية كبيرة.. ارفعي الحتة دي يا بنفسج واصل مفيش حد إهنه غيري أنا وأمك.
نظرت بنفسج لأمها بخوف، فأومأت أمينة بقلب مقبوض وهامسة:
ـ ارفعي يا بتي.. الست هانم أمان.
بأصابع ترتجف، رفعت بنفسج النقاب. في تلك اللحظة، تراجعت زوجة العمدة خطوة للخلف، وجحظت عيناها بذهول جارف وهي تتأمل بياض بشرتها الذي يشبه الحليب الصافي، وهاتين العينين البنفسجيتين الساحرتين. وضعت يدها على صدرها وصرخت بهمس:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم.. تبارك الخلاق فيما خلق! واه يا أمينة.. إيه الزين ده كله؟! دي مش بت بني آدمين واصل، دي كيف الحورية اللى طالعة من الجنة!
أسرعت أمينة بخوف وهلع، وأنزلت النقاب على وجه ابنتها مجدداً، ثم شبكت يديها برجاء حار:
ـ أبوس يدك وقدمك يا ست هانم، اكتمى سرنا! إنتي خابرة البلد وعيونها المترحمش، البت دي من يوم ولدتها وإحنا حابسينها جوة الدار خوفاً عليها من القيل والقال وأذية الخلق.
هزت زوجة العمدة رأسها بتفهم وقالت بنبرة ناصحة وجادة:
ـ عِندك حق يا أمينة، ونصيحة مني ليكي.. البت دي تفضل مدارية على طول، الجمال اللي بالشكل ده في بلادنا عيجيب الخراب والدمار، وعيون الناس مبتسميش واصل! اسمعي مني، أنا هقفل عليكم باب المطبخ ده بالضبة والمفتاح ديلوقتي، وهمنع أي واصل من الحريم أو الشغالين يخطوا إهنه لحد ما تخلصوا خبزكم، عشان سر البت يفضل مدفون إهنه ومحدش يلمحها.
ـ ربنا يسترها معاكي يا ست هانم ويجبر بخاطرك، ده العشم برضك في أصلك الطيب.
وبالفعل، أغلقت زوجة العمدة الباب عليهما، ومرت الساعات الطويلة في أمان حتى انتهتا من العمل مع حلول المساء وهدوء الدوار. جمعت أمينة الأغراض، والتفتت إلى بنفسج قائلة بصوت منهك من التعب:
ـ اسمعي يا بتي.. أنا هروح ديلوقتي لستك هانم جوة الدوار عشان أحاسبها على الشغل ونمشي، إنتي اطلعي برا بالهداوة واقعدي في الجنينة اللي ورا الدوار، استنيني إهناك بعيد عن العين والزحمة لحد ما أجيكي وقوام هنمشي.
ـ حاضر يا أُمي، عستناكي واصل ومش هتحرك من مكاني، روحي إنتي بالسلامة.
خرجت بنفسج متسللة نحو الحديقة الخلفية الواسعة؛ كانت الأجواء هادئة تماماً، وصوت الصخب يأتي مكتوماً من بعيد. نظرت يميناً ويساراً للتأكد من خلو المكان، ثم همست لنفسها بشغف:
ـ ياه.. أخيراً هوا نضيف مفيش حد واصل إهنه.
مدت يدها ببطء، ورفعت النقاب عن وجهها بالكامل، لتترك لنسمات الليل الباردة أن تلامس بشرتها البيضاء الحليبية، وأخذت تتنفس بعمق، وعيناها البنفسجيتان تدوران بذهول طفولي وهي تتأمل النخيل والأشجار المتلألئة تحت ضوء القمر، مستمتعة بلحظات الحرية النادرة، دون أن تدري أن هناك من يراقبها 
انتبهت بنفسج لخطوات تقترب، وسرعان ما انتشرت في المكان رائحة عطر رجالي فاخر وقوي، سبقت خطى صاحبها لتعلن عن حضوره.
التفتت بنفسج بمباغتة، لتجد شاباً يرتدي حُلة رسمية أنيقة تليق بأبناء الأكابر يقف أمامها. تجمدت الفتاة في مكانها كتمثال رخامي، وشلّت المفاجأة أطرافها فلم تستطع الحراك، ونسيت تماماً أن نقابها مرفوع بالكامل، تاركة ملامحها الآسرة وعينيها البنفسجيتين تحت ضوء القمر مباشرة.
تقدم الشاب نحوها وعيناه متسعتان بذهول عارم، ونظر إليها بغير تصديق وكأنه يرى ملاكاً نبت من الأرض، ثم همس بنبرة يملؤها التعجب بالعامية:
ـ إيه ده؟ هو أنتِ حقيقية؟ يعني أنا مش بيتهيألي وعقلي خف من السهر؟
ـ ......
ـ أنتِ إنسية بجد ولا جنية طلعتلي من جنينة الدوار؟ قوليلي.. أنتِ مين واسمك إيه؟
نظرت إليه بنفسج، ورغم دقات قلبها المتسارعة خوفاً، إلا أن مظهر الشاب المتلعثم وطريقته الصادمة أثارا بداخلها نزعة مرحة لم تختبرها من قبل، فخرجت منها ضحكة رقيقة خافتة باللهجة الصعيدية:
ـ عتضحك؟ طب ردي عليا وبلى ريقي.. اسمك إيه يا فلقة القمر؟
ـ لاه.. مش هقول واصل.
ـ مش هتقولي ليه بس؟ ده أنا دايخ من أول ما شفت العيون دي، قولي اسمك ومتحيرينيش كده.
فجأة، استيقظت بنفسج من غفلتها وداهمها رعب شديد من أن تأتي والدتها في أي لحظة وتراها واقفة مع رجل غريب ووجهها مكشوف، فتبدلت ضحكتها إلى فزع، وتراجعت للخلف وهي تقول لاهثة:
ـ لاه.. أُمي زمانها جاية، لو شافتني إهنه هتبقى ليلتي واصل مش فايتة! التوبة يا رب.. أوعى من طريقي عاد.
ـ استني بس رايحة فين! متجريش كده.. أنا لسه مأخدتش كفايتي من الزين ده كله! طيب هاتى رقمك أو أى حاجة تخلينى اوصلك 
لم تستمع إليه بنفسج، بل التفتت وأطلقت ساقيها للريح، تجري بأقصى سرعتها هرباً من الموقف برعب حقيقي، تاركة الشاب واقفاً في مكانه يضرب كفاً بكف من أثر تلك الصدمة الجمالية.حاول اللحاق بها لكنه لم يستطع 
وأثناء ركضها السريع في الممرات المظلمة المؤدية إلى خلف الدوار، رفعت يدها تلقائياً لتتحسس وجهها، وهنا كانت المفاجأة الصاعقة التي جعلت أنفاسها تتوقف؛ لقد اكتشفت أنها طوال فترة الحديث معه وحين هروبها، كانت رافعة النقاب بالكامل ولم تحاول إنزاله!


تعليقات