رواية كيفك انت الفصل العشرون
بعد ساعات طويلة من الكلام والفرحة، تم الاتفاق على كل شيء يخص الزواج.
موعد كتب الكتاب، وترتيبات بسيطة تجمع العائلتين، وكل التفاصيل التي كانت لوجين تحلم بها، حتى وإن كانت في البداية قد قررت أن تتنازل عن الكثير منها.
كانت والدة لوجين تتحرك في البيت بسعادة، مرة تتحدث مع ابنتها عن التجهيزات، ومرة تسأل يحيى عن رأيه في بعض التفاصيل.
أما والدها، فكان يجلس أمام يحيى يتحدث معه بجدية وهدوء.
والد لوجين: ـ أنا أهم حاجة عندي بنتي تكون مرتاحة معاك يا يحيى.
يحيى باحترام: ـ اطمن يا عمي، لوجين مش بس هتكون مرتاحة... دي هتكون أغلى حاجة عندي.
ابتسم والدها، وربت على كتفه.
والد لوجين: ـ ربنا يسعدكم ويكتب لكم الخير.
نظرت لوجين إلى يحيى، وكانت السعادة واضحة في عينيها.
لوجين: ـ خلاص كده؟ يعني رسمي؟
ضحكت والدتها.
والدة لوجين: ـ أيوه يا بنتي، رسمي... بس لسه وراكي مشوار طويل معايا في التجهيزات.
لوجين: ـ يا ماما بالراحة عليا!
ضحك الجميع.
وبعد فترة، وقف يحيى استعدادًا للرحيل.
والدتها: ـ هتمشي دلوقتي يا ابني؟
يحيى: ـ آه يا طنط، أنا هروح الفندق أرتاح شوية، وبكرة نبدأ نرتب باقي الحاجات.
والد لوجين: ـ فندق؟ ما تقعد معانا يا يحيى.
ابتسم يحيى بأدب.
يحيى: ـ تسلم يا عمي، ده شرف ليا، بس مش عايز أتقل عليكم. وكمان أنا محتاج أرتب حاجتي وأخد كام يوم أكون فيهم قريب منكم.
والد لوجين: ـ براحتك يا ابني، بس البيت بيتك في أي وقت.
يحيى: ـ عارف يا عمي، وربنا يخليكم.
خرج يحيى ولوجين من الشقة.
وأثناء نزولهما السلم، كانت لوجين تسير بجواره وهي تبتسم.
لوجين: ـ مبسوط؟
يحيى: ـ جدًا.
لوجين: ـ من إيه؟
نظر إليها يحيى وقال بابتسامة هادئة:
يحيى: ـ من كل حاجة... من إن أهلك وافقوا، ومن إننا أخيرًا هنبدأ حياتنا.
ابتسمت لوجين، وشعرت بالاطمئنان.
لوجين: ـ وأنا كمان مبسوطة.
وصل الاثنان إلى أسفل العمارة.
كان يحيى قد حجز غرفة في أحد الفنادق القريبة، وقرر أن يقيم هناك خلال الفترة القادمة حتى تنتهي ترتيبات الزواج.
ركبا السيارة، وانطلقا.
لكن بعد دقائق، ساد الصمت بينهما.
كان يحيى ينظر من نافذة السيارة إلى شوارع القاهرة.
كل شارع كان يحمل له ذكرى...
كل مكان يمر به كان يعيد إليه جزءًا من الماضي.
أغمض عينيه للحظات.
وفجأة...
مرت في ذهنه صورة قديمة.
طفلة تضحك...
ثم فتاة تقف أمامه بعينيها الهادئتين...
زهرة.
فتح يحيى عينيه بسرعة، وكأنه يحاول طرد الصورة من رأسه.
لوجين لاحظت تغير ملامحه.
لوجين: ـ مالك؟
يحيى: ـ مفيش... بس سرحت شوية.
لوجين: ـ في إيه؟
نظر إليها يحيى للحظات، ثم ابتسم.
يحيى: ـ في المستقبل.
لوجين: ـ المستقبل بتاعنا؟
يحيى: ـ أيوه... بتاعنا.
ابتسمت لوجين، لكنها لم تكن تعلم أن هناك اسمًا واحدًا كان يمر في عقل يحيى رغمًا عنه...
زهرة.
وبعد قليل، توقفت السيارة أمام الفندق.
نزل يحيى، وأخذ حقيبته، ثم وقف للحظات أمام باب الفندق.
تنفس بعمق.
يحيى في نفسه: ـ لازم أواجه الماضي... وأبدأ حياتي من جديد.
دخل الفندق...
لكن قلبه كان يقول له شيئًا آخر تمامًا.
وفي مكان آخر...
كانت زهرة عائدة من السنتر، تحمل حقيبتها، ولا تعلم أن يحيى أصبح على بُعد ساعات قليلة منها.
وأن لقاءً طال انتظاره...
بدأ القدر بالفعل في ترتيبه.
يحيى الفندق، وأنهى إجراءات الحجز، ثم صعد إلى غرفته.
ما إن أغلق الباب خلفه، حتى شعر بإرهاق شديد.
خلع سترته وحذاءه، ثم ارتمى على السرير بإهمال، نصف جسده فوق السرير، بينما امتد النصف الآخر خارجه، وأغمض عينيه محاولًا أن يريح عقله.
لكن عقله لم يعرف الراحة.
كلما حاول أن يطرد الأفكار من رأسه، عادت إليه أقوى.
ذكريات قديمة...
شوارع القرية...
بيت أهله...
وصورة زهرة التي لم يفهم لماذا عادت إلى ذهنه بهذه القوة.
فتح عينيه للحظات، ثم أغلقهما من جديد.
يحيى في نفسه: ـ أنا رجعت عشان أبدأ حياة جديدة... مش عشان أفتح أبواب الماضي.
لكن قلبه لم يكن يستمع إلى منطقه.
مرت ساعة...
ثم ساعة أخرى.
وبعد ساعتين، كان يحيى ما زال في نفس مكانه، ينظر إلى سقف الغرفة بشرود.
وفجأة جلس على طرف السرير، ومرر يده على وجهه.
يحيى: ـ أنا كده مش هرتاح.
نهض واتجه إلى الحمام، غسل وجهه، ثم ارتدى ملابسه بسرعة.
وقف أمام المرآة للحظات، وكأنه يحاول أن يفهم نفسه.
يحيى: ـ رايح فين؟
سكت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
يحيى: ـ للمكان اللي قلبي بينادي عليه.
خرج من الغرفة، وأغلق الباب خلفه.
لم يكن يعرف ماذا ينتظره هناك...
ولا لماذا يشعر وكأن شيئًا خفيًا يسحبه ناحية مكان ترك فيه جزءًا من قلبه منذ سنوات.
لكن شيئًا واحدًا كان متأكدًا منه...
هذه المرة، لن يستطيع الهروب من الماضي.بقلم ميادةيوسف الذغندى
عند زهرة...
كانت صفيه في المطبخ تجهز بعض الأشياء، بينما جلست زهرة وهي تشعر بالإرهاق بعد يوم طويل بين المدرسة والدروس.
زهرة: ـ إيه كل ده يا ماما؟! قولنا هنوزع فلوس صدقة عليهم وخلاص.
صفيه وهي تجهز الأكياس: ـ لأ يا حبيبتي، أنا عايزة أوزع قرص وفاكهة على روح خالتك وخالك، الله يرحمهم. هتيجي معايا؟
زهرة تنهدت وهي تشعر بالتعب:
زهرة: ـ تعبانة والله يا ماما... من المدرسة والدروس في السنتر، ومش قادرة أتحرك.
صفيه: ـ براحتك، إنتِ حرة. أنا هنزل.
حملت صفيه ما أعدته، وخرجت من الشقة وبدأت تنزل السلم.
نزلت دورًا...
ثم دورين...
وفجأة سمعت صوت زهرة من أعلى السلم:
زهرة: ـ استني يا ماما! جاية معاكي... استني!
توقفت صفيه والتفتت إليها، وما إن رأتها حتى ابتسمت وهزت رأسها.
صفيه: ـ سبحان مغير الأحوال! من شوية مش قادرة تتحرك، ودلوقتي جاية معايا!
وصلت زهرة إليها وهي تضحك.
صفيه: ـ طيب تعالي، هاتي عني اللي إنتِ شايفاه ده.
زهرة: ـ حاضر يا ماما، هاتيه.
أخذت زهرة جزءًا من الأكياس منها، ونزلتا السلم معًا.
صفيه: ـ ربنا يجعلها صدقة مقبولة ويرحم خالتك وخالك.
زهرة بابتسامة: ـ آمين يا رب... ربنا يرحمهم ويجعلها في ميزان حسناتهم.
ولم تكن زهرة تعلم أن هذه الخطوات البسيطة التي تنزلها بجوار والدتها...
كانت تقرّبها دون أن تدري من لقاء سيقلب الكثير من الأحداث القادمة.
ذهبت زهرة وصفيه إلى المقابر، وكانت الأجواء هادئة، لا يُسمع فيها إلا أصوات متفرقة من الزائرين.
توقفت صفيه، وأعطت زهرة جزءًا من الصدقة.
صفيه: ـ خدي إنتِ وزعي هنا، وأنا هروح عند خالك الأول، وبعدين هاجي على قبر خالتك.
زهرة: ـ تمام يا ماما.
اتجهت صفيه نحو المقابر، بينما بدأت زهرة تتحرك بين الزائرين، توزع ما معها.
زهرة: ـ خد يا حبيبي... واحدة واحدة يا جماعة، الكل هياخد.
تجمع حولها عدد من الأطفال وبعض الأشخاص، وهي تبتسم لهم وتحاول أن توزع عليهم بالتساوي.
زهرة: ـ استنوا بس... الكل هياخد، مفيش حد هيمشي من غير حاجة.
وبينما كانت توزع، شعرت فجأة بشخص يقف خلفها.
لم تهتم في البداية، وأكملت توزيع ما معها.
لكن شيئًا ما جعلها تتوقف.
استدارت ببطء...
وتجمدت مكانها.
اتسعت عيناها من شدة المفاجأة.
أما الشخص الواقف أمامها...
فكان هو الآخر في حالة من الذهول.
لم يتوقع أن يراها هنا.
ولم يتوقع أن يكون أول لقاء بينهما بعد كل هذه السنوات في هذا المكان تحديدًا.
سقطت الكلمات من على شفتي زهرة.
زهرة بصوت مرتجف: ـ يحيى...؟!
ظل يحيى ينظر إليها دون أن يجيب.
كان يحاول أن يستوعب ما تراه عيناه.
مرت سنوات طويلة...
لكن ملامحها كانت ما زالت محفورة في ذاكرته.
عاد إليه كل شيء دفعة واحدة...
أيام الطفولة، والضحكات، والذكريات التي ظن أنه دفنها مع الماضي.
يحيى بصوت خافت: ـ زهرة...
لم تعرف زهرة ماذا تقول.
فقط ظلت تنظر إليه، وكأن الزمن توقف للحظات.
أما يحيى، فكان قلبه يخفق بقوة، وكأنه وجد أخيرًا الإجابة عن السؤال الذي ظل يطارده منذ أن عاد إلى مصر.
كان هناك شيء بالفعل يسحبه إلى هذا المكان...
والآن فهم لماذا.......
