رواية ألوان مستعاره الفصل الواحد والعشرون
ماجد وصل بيته بعد ما أطمن إن حبيبة فتحت عيونها وإن كاسر بقى جنبها. دخل البيت خطواته كلها تعب وإرهاق، كأن سنين عُمره اتهدت فوق كتفه في كم يوم اللي فاتوا. محدش في البيت كان مستوعب حجم الكارثة اللي كانوا عايشين فيها ولا هول اللي حصل.
أول ما دخل، لقي أيتن ورقيه قاعدين في الصالة. قعد على الكرسي بارهاق شديد، وقطع الصمت بلهجة صارمة:
— ماجد: سيرة حبيبة تتقفل تماماً من البيت ده.. محدش يذكر اسمها تاني، لا من قريب ولا من بعيد، حتى لو بالغلط.
رقية سألته بصوت مكسور وقلبها مقبوض:
— رقية: هي.. هي وصلت لايه دلوقتي؟
— ماجد (بدون إحساس بالنقاش): مش مهم.. المهم، ابنك فين؟
رقية نزلت دموعها بوجع وقالت:
— رقية: أنا ابني اللي طلع خسران في الآخر.. ابنك فوق، ومحدش عارف فيه إيه.. كل يوم يرجع مطوح بالطريقة دي، تايه عن الدنيا.
ماجد ما استستلمش ولا استنى كلمة زيادة؛ طلع جري على فوق، ودخل أوضة يوسف، لقيه مرمي على السرير في حالة يرثى لها. من كتر الغيظ والقهر، انقض عليه مسكه من هدومه وهزه بعنف:
— ماجد: أنت يا ولد! لازم تروح مصحة.. لازم تتعالج، كفاية لحد هنا!
أيتن جرت على الأوضة وهي مرعوبة وفزعانة من منظر أبوها ومن حالة أخوها:
— أيتن (بفزع): إيه يا بابا في إيه؟! سيب يوسف!
— ماجد (بصوت أصم وحاسم): كلمي المصحة حالا.. خليهم يجوا ياخدوه!
ممرش وقت كتير، وفعلاً وصلوا رجال المصحة ودخلوا البيت، واخدوا يوسف اللي كان طالع "جثة همدانة" مش حاسس بحاجة بالدنيا، وسط دموع رقية اللي بتموت على ابنها، وانهيار أيتن.
في اللحظة دي، ماجد رجع قعد مكانه، وحس بوجع قلب فظيع.. وجع أب بياكل روحه من جوه، وهو شايف إن الإيد اللي كان مفروض تربي وتقوم، هي نفسها اللي بتدفع ابنها لطريق القبر أو المصحة عشان يتطهر من ساديته، بعد ما كل حاجة حواليهم اتهدمت وبقت أثر بعد عين.
بعد أيام من الصمت اللي كان بيأكل في روح حبيبة، الأيام اللي كانت فيها جسد بلا روح، عيونها مفتوحة بس تايهة في عالم تاني، مفيش فيها غير انعكاس لصورة كاسر اللي مبيسبهاش لحظة.
في يوم، هدوء المستشفى كان مخيم على المكان، وكاسر كان خرج لثواني يغسل وشه ويرجع لها، تاركاً إياها في غرفتها. حبيبة، ولأول مرة من وقت ما دخلت الجحيم ده، حست بشيء غريب.. مش بس وجع، ده "جوع" للحياة. قامت بتعب، حركتها كانت تقيلة وكأن جسمها متكسر، مشيت بخطوات مهزوزة وضربت الجرس.
الممرضة دخلت بابتسامة واسعة، ولما شافت حبيبة قاعدة ومصحصحة، قلبت الابتسامة لفرحة حقيقية:
— الممرضة: حمد لله على السلامة يا جميلة! أخيراً نورتينا.. محتاجة حاجة؟
— حبيبة (بصوت مبحوح ودوخة): هو.. هو فيه أكل؟
الممرضة خرجت بسرعة، وحبيبة، وبدافع لا إرادي، سحبت نفسها بخطوات مش متزنة ناحية الشباك. فتحت الستارة، وبصت للسما.. أول مرة تحس بالهوا، أول مرة تحس إنها موجودة، إنها لسه "حبيبة".
ومع كل شهيق بتدخله رئتها، بدأت الذاكرة تتدافع في عقلها زي طوفان ملوش آخر..
كدمات جسمها اللي ظهرت تحت هدوم المستشفى..
الوجع الحاد في أحشائها اللي بيفكرها بـ "ابنها" اللي راح قبل ما ييجي..
الذكريات القذرة، لمسات يوسف السادية، والرعب اللي عاشته في كل ليلة..
استوعبت إنها اتحررت، استوعبت إن يوسف مبقاش "سيدها"، وإنها أخيراً بقت حرة.. بس الحقيقة كانت أوجع من الخيال.
نزلت أول دمعة.. دمعة حقيقية، مش ناتجة عن صدمة عصبية، لأ، دي دمعة وعي، دمعة وجع على اللي انكسر جواها ومش هيرجع تاني. بكت على براءتها اللي اتداست وعلى حلمها اللي مات، وعلى قلبها اللي بقى مليان ندوب.
وفجأة، اتفتح باب الأوضة، كاسر كان داخل بابتسامة هادية، بس ابتسامته تجمدت فوراً لما شافها واقفة قدام الشباك وكتفها بيهتز من البكا.
اتحرك ناحيتها بلهفة ووجع، وقف وراها بمسافة بسيطة، كأنه خايف يكسر خلوتها مع وجعها. همس بصوت مشروخ:
— كاسر: حبيبة؟
حبيبة لفت ببطء، عيونها اللي كانت دايماً تايهة، المرة دي كانت مليانة حزن صافي، بصتله بكسرة وقالت بصوت متهدج:
— حبيبة: أنا لسه موجودة يا كاسر؟ ولا أنا بقيت "ألوان مستعارة" تانية زيهم؟
كاسر مقدرش يستحمل، ، بكى من القهر عليها وعلى روحها اللي لسه بتنزف، همس ودموعه بتنزل :
— كاسر: إنتي موجودة.. إنتي حقيقة، إنتي كل اللي فاضلي في الدنيا دي، وأنا هنا عشان أخليكي تنسي كل دمعة نزلت، حتى لو قضينا العمر كله نلملم في الجراح دي، أنا معاكي.. مش هسيبك، أبداً.
حبيبة أغمضت عيونها، وطلعت شهقة مكتومة كانت حابسة فيها كل اللي فات، وكأن كاسر هو المرفأ الوحيد اللي مسموح لها فيه تبكي وتنهار، عشان بعدها.. تبدأ تتعافى.
حبيبة فضلت تبكي بانهيار ، كأن كلام كاسر هو اللي بتستمد منه الأكسجين اللي كانت محرومة منه. كاسر كانت دموعها تحرقع ، كل دمعة كانت بتنزل منه بتغسل معها ذرة من الخوف اللي سكن قلبها.
بعد فترة، هديت حبيبة شوية، ورفعت راسها ببطء، بصت لعينيه اللي مليانة حزن وأمل في نفس الوقت.
— حبيبة بصوت ضعيف بس واعي: كاسر.. أنا كنت في حتة تانية، حتة ضلمة مفيهاش غير صوتك.. كنت خايفة أفتح عيني وملاقيكش، خايفة أرجع للواقع اللي كان بيقتلني كل يوم.
كاسر مسح دموعها بإبهامه بحنان مفرط، وقال بنبرة مليانة وعد:
— كاسر: أنا كنت موجود يا حبيبة، كنت بكلمك، كنت بلمس إيدك وأنا عارف إن روحك سامعاني. الواقع اتغير.. يوسف مبقاش موجود في حياتنا، ومفيش أي حاجة هتقدر تكسرك تاني وأنا في ضهرك.
حبيبة بصت لإيدها، وبصت للغرفة اللي بدأت تستوعب تفاصيلها، وقالت بوجع حقيقي:
— حبيبة: بس أنا اتكسرت يا كاسر.. كسر مش بسهولة يتصلح. وجعي أكبر من الكلام، وجعي حفر في روحي علامات مش هتروح.
كاسر نزل لمستواها، مسك إيدها وباسها برقة، وبص في عيونها مباشرة:
— كاسر: أنا مش عايز أصلحك يا حبيبة، أنا عايز أعيش معاكي بكسورك دي. كل ندبة فيكي هي ذكرى إنك كنتِ قوية، وإنك عديتي الجحيم ده. أنا مش عايزك تنسي، أنا عايزك تتجاوزي.. وعايزني أكون معاكي في كل خطوة، في كل دمعة وفي كل ضحكة جاية.
حبيبة حست براحة لأول مرة، حست إنها مش مطالبة تكون "قوية" أو "طبيعية" دلوقتي، إنها مسموح لها تكون مكسورة، وإن كاسر بيحبها بكل حالتها.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة ومعاها صينية الأكل، شافت المنظر، ابتسمت بوقار وخرجت بسرعة . كاسر قرب الصينية، وبدأ يطعمها بإيده، كأنه بيطعم طفلة صغيرة محتاجة رعاية واهتمام.
حبيبة بدأت تاكل ببطء، وعيونها مابتسيبش عيون كاسر، وكأنها بتطمن إن ده مش حلم، وإنها فعلاً، ولأول مرة من سنين.. "حرة".
مشهد بيمسح ذكريات الوجع.. أخيراً "ألوان مستعارة" بدأت تتكشف عن لون الحب الحقيقي
المستشفى بقت خلية نحل من الفرحة، الكل حوالين حبيبة.. ملك اللي بقت أكتر من أخت ليها، ميرفت اللي نظرتها لحبيبة اتغيرت تماماً وبقت حنيتها تعوضها عن أيام الخوف، وأحلام ومجدي اللي كل ما يبصوا لحبيبة بيحمدوا ربنا إنها رجعت لهم بالحياة.
كاسر، اللي رجع لشغله بقلب خفيف وروحه اللي ردت فيه، كان طارق دايماً في ضهره، بيشيل عنه ويقوي عزيمته. وفي يوم، كان التوقيت اللي بيتمناه "محمد" (أبو كاسر).. جلسة صفا في مكتب كاسر، بعيد عن دوشة المستشفى وقلق العيلة.
محمد قعد قصاد كاسر، ملامحه كانت مزيج من الأبوة والاعتراف بالخطأ. اتنهد وقال بصوت هادي:
— محمد: يا كاسر، أنا عارف إن اللي فات كان جحيم.. عارف إن البنت اتظلمت كتير، وموضوع طلاقها ده مش بس ورقة، ده بداية لحياة تانية خالص.. حياة تانية خالص بعيدة عن يوسف وعن كل ذكرياته.
كاسر قاطعه بلهجة حازمة وهادية في نفس الوقت:
— كاسر: يا بابا، حبيبة مش مجرد اختيار، دي كانت روح بتنادي على روحي وسط الضلمة. أنا مش محتاج موافقة عشان أحبها، أنا محتاج مباركتك عشان أبني معاها بيت مفيش فيه غير الأمان اللي اتحرمت منه. هي اطلقت ، ومفيش قوة في الدنيا هتبعدني عنها.
محمد بص لابنه، شاف في عينيه نظرة الرجولة اللي كان بيتمناها، شاف إصرار عاشق متمسك بطوق نجاته. ابتسم لأول مرة من شهور، وقام حضن كاسر بحرارة:
— محمد (بفرحة حقيقية): وأنا مش بس موافق، أنا اللي هروح أطلبها لك رسمي من أهلها.. البنت دي بقت بنتي قبل ما تكون مراتك، وأنا اللي هبقى ضهركم قدام الدنيا كلها.
في اللحظة دي، كاسر حس إن السحاب اللي كان مغطي سما حياته اتكشف، وإن الوعد اللي قطعه لحبيبة وهو ساند راسه على إيدها وهي نايمة، بقى حقيقة واقعة.. هي بقت له، وهو بقى أمانها للأبد.
مر شهر كامل، شهر كامل من الصبر والعلاج الطبي والنفسي، لحد ما جه اليوم الموعود.. اليوم اللي هتنور فيه المستشفى بطلوع حبيبة. العيلة كلها كانت متجمعة بره وجوه الأوضة، الزغاريد والدموع الفرحانة كانت مالية المكان، وميرفت وأحلام ماسكين إيدها بحب خايفين عليها من الهوا الطاير.
رجعت شقة أمها، وأول ما دخلت وسابت الشنطة من إيدها، فتحت الشباك وخدت نفس عميق.. هوا نقي، هوا حر، مفيش فيه ريحة خوف ولا وجع. حبيبة بتاعت زمان رجعت، بضحكتها الصافية، وهزارها اللي كان بيملا البيت بهجة، كأنها "عذراء" مرجعش عليها أي كسر ولا أي ذرة وجع، كأن سنين العذاب دي كانت كابوس وانزاح مع أول ضحكة طلعت من قلبها.
الدفا والحب رجعوا يملاوا الجدران؛ علاقتها بـ "مجدي" (جوز أمها) اتحولت تماماً، وبقى فعلا الأب الحنون اللي بيخاف عليها وبيحتويها كأنها بنته الحقيقية. وبقت كل يوم تقضي الساعات على التلفون مع ملك (أخت كاسر)، بيرغوا ويضحكوا كأنهم صحاب من سنين.
وفي يوم، وهي قاعدة في البلكونة بتشرب شاي، تليفونها رن.. عيونها لمعت أول ما شاف اسم كاسر.
ردت بضحكة خفيفة:
— حبيبة: السلام على أشجع راجل في الدنيا كلها .. أقصدي أرخم شخص في العالم!
— كاسر (بصوت دافئ وضحكة مليانة حب): وعليكم السلام يا ست الكل.. أخدتي على قعدت البلكونات ولا إيه؟ ما تلمي نفسك عشان الجو هيبتدي يبرد!
— حبيبة (ببرود مصطنع وهزار): الله! وانت مالك ومال البلكونة بتاعتي؟ وبعدين أنا حرّة، الشقة شقتنا والهوا هوانا!
— كاسر: بس تقعي بس تحت ايدي
— حبيبة ضحكت ضحكة عالية، ضحكة صافية من قلبها مفيش فيها أي أثر لخوف السنين اللي فاتت:
— حبيبة: تصدق بالله؟ أنا حاسة إني أول مرة في حياتي أتكلم في التليفون.. حاسة إني عيلة لسه في ثانوية عامة!
— كاسر بنبرة حنونة ومؤكدة، كان بيحاول بكل طريقته يحسسها إنها ما اتجوزتش قبله أصلاً، وإن كل الماضي ده مجرد كابوس واتمسح:
— كاسر: وعمرك الجاي كله هيكون أحلى من ثانوية عامة دي بكتير يا حبيبة قلبي.. أنا مش بس هخليكي تنسي، أنا هكتب لك تاريخ جديد.. تاريخ يبدأ من أول يوم ضحكتي فيه الضحكة دي ليا.
— حبيبة بهمس حتة ورقة وشوق: مستنياك يا كاسر.. مستنية التاريخ ده يبدأ.
قفلت المكالمة وهي حاطة إيدها على قلبها اللي بينبض بحب وأمان حقيقي، وعارفة إن ربنا عوضها بكل نقطة دمعة نزلت منها.. العوض اللي جه على هيئة قلب بيحميه كاسر.
وبعد مرور شهرين انتهت عدة حبيبة كان
البيت كله مقلوب زغاريد وفرحة، وريحة الشاي والقهوة ماليّة المكان. عيلة كاسر كلها وصلت، والأصول اتعملت أصول. قعدوا في الصالة، والضحكة والهزار كانوا هيمالوا الحيطان. أحلام (أم حبيبة) كانت قاعدة بتوزع الشاي وعيونها مدمعة من الفرحة، وميرفت (أم كاسر) قاعدة جنبها ماسكة إيدها وكأنهم صحاب وأهل من سنين.
مجدي، بقا، قرر يعمل فيها "الأب العطوف الصارم" شوية، وقعد على الكرسي حاطط رجل على رجل، وبصلهم بنظرة كلها هزر بس متبطنة جدية مصطنعة.
— مجدي (بجدية مزيفة): بصوا بقى يا جماعة.. الأصول أصول، وأنا راجل على قد حالي بس بنتي دي غالية عندي، وعندي شروط صارمة ومش هتنازل عنها!
— كاسر (ابتسم بنص عين، وهو عارف دماغ مجدي): اسمعك يا عمي.. قول شروطك، وأنا جاهز.
— مجدي: أهم حاجة لغاية ما أجهّز بنتي.. ميكونش لا فيه مقابلات ولا مكالمات.. ولا حاجة خالص!
— حبيبة (فتحت عيونها على آخرها بصدمة، ووقفت مكانها): يا بابا ليه كدا؟! مكالمات ايه ومقابلات ايه! حرام عليك!
— مجدي (بكل برود وبص لها): اسكتي يا بت.. إنتي لسه ليكي صوت أصلاً ولا إيه؟ اقعدي مكانك!
الكل في الصالة انفجر ضحك على طريقة مجدي وهزاره، وميرفت مدت إيدها ضربت مجدي في كتفه بضحك:
— ميرفت: حرام عليك يا مجدي، هتقطع عيش الواد من أولها ولا إيه؟ ده كاسر بيموت في دبدوبها!
— كاسر (بص لحبيبة اللي كانت قاعدة مبرقة ومحبطة، ورجع بص لمجدي بابتسامة واسعة وقال بثقة): أنا مستعد يا عمي.. أستحمل أي شروط، حتى لو هتقعدني على الباب حارس! المهم البضاعة تسلم بعضها في الآخر ونخلص من الحرمان ده.
الضحك على كلام كاسر ملا البيت كله، وحبيبة وطت راسها بكسوف وهي بتضحك، وحست إن أخيرًا الدنيا بتضحك لها، وإن كل وجع وسواد فات، ما هو إلا تمهيد للفرحة العارمة دي، وسط أهلها وناسها اللي بيحبوها بجد.
