رواية الفرار من العشق الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم اميرة خالد


 رواية الفرار من العشق الفصل الواحد والعشرون 

خرج رحيم من البيت وهو بيجري ناحية عربيته بخطوات مسرعة؛ جاب طفاية الحريق الكبيرة وشد غطاء العربية القماشي الثقيل. قرب من طرمبة المية اللي بره، وقلع الشاله بتاعه وحطه جوه المية لحد ما اتبلل خالص، وبعدين لفه على وشّه وغطاء العربية بإيديه، ومسك الطفاية ورجع على البيت وهو بيحرق الزمن عشان يلحقهم.
دخل وسط الدخان والنار اللي كانت بتأكل جدران المكان، ونده بأعلى صوته وبنبرة كلها خوف وجنون: ـ "ألحاننن!"
وجوه الأوضة المقفولة، كانت ليلى ماسكة في ألحان وهي بتترعش من الرعب، وسمعت الصوت وسط طقطقة النار، فصرخت هي وألحان بصوت عالي ومبحوح: ـ "إحنا هنا.. احنا جوه!"
قرب رحيم من باب الأوضة بسرعة، وضرب الباب بكتفه وقال بصوت قوي وآمر: ـ "ابعدوا عن الباب حالا!"
مسكت ألحان وليلى إيدين بعض بخوف أعمى، ووقفوا بعيد عن الباب جنب الدولاب. وفي لحظة واحدة، ركل رحيم الباب برجله بكل قوة، فوقع الباب واتكسر، وهبت موجة من النار والدخان الكثيف في وشّه. على طول فتح طفاية الحريق وبدأ يطفي النيران ويزقها بعيد عنه وهو بيبص حوالين الأوضة بسرعة البرق لحد ما عيناه وقعت عليهم.
رمى غطاء العربية المبلل قدامهم وقال بسرعة وهو بيلهاث: ـ "غطوا وشكم وجسمكم بالغطا ده يلا بسرعة!"
مسكت ألحان وليلى الغطاء وعملوا زي ما أمرهم بالظبط، ووقفوا وراه. صرخ رحيم فيهم: ـ "تعالوا ورايا.. ما تبعدوش عني خطوة واحدة خالص!"
بدأ يفتح الطريق قدامهم بطفاية الحريق ويطفئ النار بشجاعة وغضب، وخطوة بخطوة قدر يخترق جدار النيران لحد ما طلعوا بره البيت تماماً ونزلوا في الهواء الطلق.
ما إن حسوا بالأمان ولمسوا الأرض بره، حتى انهارت ألحان وليلى وقعدوا على الأرض من شدة الصدمة والرعب، وهما بيلتقطوا أنفاسهم بصعوبة بالغة وقلوبهم بتخبط بجنون.
قرب رحيم من ألحان بعصبية وغضب مالي عيونه، وقال بصوت حاد: ـ "عاجبك اللي عملتيه ده؟! افرضي إني ما لحقتش أدخل وأخرجكم دلوقتي.. كنتِ هتموتي!"
رفعت ألحان راسها ليه وقالت بوجع وتحدي: ـ "كل ده بسببك أنت! لو ما كنتش ضغط عليّا في كل حاجة وكتبت كتابي غصب، كان زماني قاعدة في حالي ومرتاحة بعيد عن جحيمك!"
ما استناش رحيم يسمع باقي كلامها، وشدها من إيديها بقسوة عشان يمشيها ناحية العربية، لكنها صرخت بألم شديد ووقفت في نص الطريق ومش قادرة تحرك رجلها.
جريت ليلى عليها بلهفة وقالت لرحيم بقلق: ـ "بالراحة عليها يا رحيم.. رجلها اتحرقت من النار!"
من غير تردد، ووسط قلقه وخوفه عليها، وطى رحيم وشالها بين إيديه وركبوا العربية بسرعة. وقبل ما يدور الموتور، بص لليلى وقال بصوت سريع: ـ "خدي التليفون يا دكتورة.. كلمي معتصم حالا عشان يجي ورانا على المستشفى!"
قالت ليلى: "حاضر"، ومسكت تليفون رحيم واتصلت على معتصم مرة واتنين، بس مفيش رد. في المرة التالتة رد بصوت عصبي ومبحوح: ـ "عايز إيه تاني يا رحيم؟! سيبني في حالي!"
قالت ليلى بسرعة: ـ "أنا أسفة يا دكتور.. بس رحيم اللي طلب مني أكلمك عشان تيجي ورانا على المستشفى، ألحان اتعورت!"
اتخض معتصم وقال بلهفة: ـ "طب أنا جاي حالا! هي كويسة ولا فيها حاجة كبيرة؟" قالت ليلى تطمنه: ـ "ما تخافش يا دكتور.. هي كويسة."
وهو بيركب عربيته وبيدورها، قال بلهفة: ـ "طب ممكن تديها التليفون؟" قالت ليلى: "حاضر"، ومدت التليفون لألحان وقالت: "خدي يا ألحان، معتصم عايز يكلمك عشان يطمن عليكِ."
خدت ألحان التليفون بإيد بتترعش، وقالت بصوت تعبان ومبحوح: ـ "أيوه يا دكتور معتصم..."
رد عليها بصوت مليان لهفة ودموع: ـ "أنتِ كويسة يا ألحان؟! قلتي قلبي عليكِ!" قالت ألحان وهي مش مصدقة نفسها ومش عارفة تقول له إيه من التعب: ـ "أنا كويسة.. المهم أنت كويس؟"
رد معتصم بثبات وعيون دامعة: ـ "أنا عرفت كل حاجة يا ألحان.. عرفت الحقيقة!" قالت ألحان بفرحة طاغية نسيتها وجع الحريق: ـ "بجد يا يوسف؟! عرفت؟!" قال معتصم بنبرة دافية: ـ "طبعا.. وأنا جاي أقابلك دلوقتي في المستشفى عشان نتكلم في كل حاجة!" قالت ألحان بابتسامة تعبانة: ـ "طيب.. هستناك يا أخويا."
قفلت معاه السكة وهي حاسة إن الدنيا مش سايعاها من الفرحة، ومدت إيديها وادت التليفون لرحيم بهدوء.
في نفس الوقت، كانت هانم قاعدة في أوضتها بتغلي من العصبية والجنون، ومسكت تليفونها بتكلم الشخص اللي بعثته بولع البيت، وقالت بصوت مالي غضب: ـ "يعني إيه؟! إزاي يا بهايم ما عرفتوش تخلصوا منها بسرعة؟!"
رد الراجل بتوتر وخوف من الناحية التانية: ـ "يا ست هانم، كنا هنعمل إيه؟! رحيم بيه فجأة جه وراح جاب المسدس ونزل ضرب نار علينا وموت اتنين من الرجالة! كنتِ عايزاني أقف أموت أنا كمان؟!"
زعقت هانم في التليفون بصوت عالي كالمجنونة: ـ "كنت ساعتها قتلتك وقتلت عيلتك معاك! أنتم فاشلين!" قال الراجل بطمع وخوف: ـ "طيب يا ست هانم.. أنا عايز فلوس زيادة عشان تعب الرجاله واللي راحوا دول!" صرخت هانم ببرود وقسوة: ـ "ملكش عندي مليم واحد!"
وقفلت السكة في وشه بعنف، ورمت التليفون على السرير وهي بتجز على أسنانه وبتقول بغل: ـ "ماشي يا بنت نادية.. اصبري عليا، هخلص منك ومن أخوكِ في يوم واحد!"
أما في المستشفى، دخل رحيم وهو شايل ألحان بحذر شديد، ودخل بيها أوضة الكشف وحطها بالراحة جداً على السرير. معداش دقايق، وكان معتصم داخل الأوضة وهو بيلهاث وقلقان عليها، وبص لهم وقال: ـ "أنتم كويسين؟ طمنوني!"
بص رحيم على رجلها بسرعة وقال لـ معتصم بلهفة: ـ "اكشف على رجلها واشتغل بسرعة قبل ما الحرق يلتهب!"
شد معتصم الجوانتي الطبي ولبسه، وقرب من رجل ألحان وبدأ يبص على الإصابة. اتوجعت ألحان بشدة، فقال معتصم بحنان وطمأنة: ـ "ما تخافيش يا حبيبتي.. الموضوع سهل وبسيط، هنشيل الجلد اللي اتحرق ده ونحط مراهم وهنظبط كل حاجة." قالت ألحان بوجع وهي بتكتم دموعها: ـ "أنا مش قلقانة." اتنهد رحيم بعمق وراحة، وقعد على كرسي جنب السرير بيراقبهم بصمت.
جاب معتصم الأدوات المعقمة وبص لليلى وقال: ـ "لو سمحتِ يا دكتورة ليلى، امسكي إيديها كويس." قالت ليلى بارتباك: ـ "حاضر."
أول ما معتصم بدأ يشيل الجلد المحروق بحذر، صرخت ألحان بقوة من شدة الألم، ولسه ليلى هتمسك إيديها سابتها بقلق وخوف وقالت وهي بترتجف: ـ "لا.. أنا مش هقدر أشرف على المنظر ده ولا أستحمل وجعها!"
في اللحظة دي، قام رحيم بسرعة البرق من مكانه، وقرب من السرير، وقعد وراء ضهر ألحان وسندها عليه، وهمس في ودنها بنبرة هادئة ومشاكسة يلهيها عن الوجع: ـ "لو أنتِ كنتِ سمعتِ الكلام من الأول وما عنادتيش، ما كانش كل ده حصل.. وكان زمانك بين حضني دلوقتي بنقضي أول ليلة لينا بعد الفرح مش في المستشفى!"
اتعصبت ألحان من جرأته في الوقت غير المناسب ده، ورفعت عيونها وقالت بغضب مكتوم: ـ "إيه اللي أنت بتقوله ده؟! على فكرة أنت قليل الأدب!"
ابتسم رحيم بخبث وقال ببرود أعصاب: ـ "لا مش قليل الأدب.. أنتِ مراتي، ومن حقي أقول لك أي حاجة أنا عايزها في أي وقت!" قالت ألحان وهي بتعض على شفايفها من الألم والغيظ: ـ "لا طبعاً مش من حقك.. احترم نفسك!"
قرب رحيم أكتر وبصوت هامس ودافئ جنب ودنها قال: ـ "يعني بذمتك.. كنتِ هتعرف تنامي النهاردة مرتاحة وأنتِ مش في حضني؟!"
اتكسفت ألحان جداً ودم الدم في وشها واحمرت خدودها من الكسوف، ولسه رحيم هينطق ويكمل مشاكساته اللطيفة عشان يخفف عنها، قاطعهم معتصم وهو بيلخلع الجوانتي وبيمسح عرقه وقال بابتسامة: ـ "الحمد لله.. خلصنا يا جماعة."
بصت ألحان لرحيم وهي حاسة بهدوء غريب جواتها، وفهمت ساعتها إن طريقته البلهاء والمشاكسة دي كانت مقصودة بالظبط عشان تعصبها وما تخليهاش تركز في وجع الحرق!

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

بص معتصم لرحيم بجدية وقال: ـ "رحيم.. أنا عايزك في موضوع مهم ضروري."
رد رحيم وهو بيبص لألحان: ـ "مش وقته يا معتصم.. بعدين نبقى نتكلم. المهم، ألحان هتفضل في المستشفى ولا كده خلاص تقدر تمشي؟"
رد معتصم بطمأنة: ـ "لا، هي كويسه والحرق مش خطير، تقدر تخرج." قال رحيم: "تمام."
من غير مقدمات، قرب رحيم من ألحان شالها بين إيديه برقة، فاتفتحت عيون ألحان بصدمة وقالت وهي بتتخبط في صدره: ـ "أنت بتعمل إيه يا مجنون؟! سيبني أقدر أمشي لوحدي!" قال رحيم ببرود وثبات: ـ "هنرجع بيتنا." عضت ألحان على شفايفها وقالت بغيظ: ـ "لا طبعا مش راجعة معاك!" بص لها رحيم بنظرة حادة وقال: ـ "اسمعي الكلام وأحسن لك تسكتي."
وخرج بيها من المستشفى قدام عيون الكل، بينما كانت ليلى واقفة مكسوفة وبتفرك في إيديها. قرب منها معتصم بحنان وقال بصوت هادي: ـ "أنتِ كويسة يا ليلى؟ طمنيني." رفعت ليلى عيونها ليه وقالت بوجع خفيف: ـ "أنا كويسة.. بس كان قلبي واجعني أوي لما شفت النار حوالينا في كل حتة، بس الحمد لله إن رحيم لحقنا في الوقت المناسب." ابتسم معتصم براحة وقال: ـ "أيوة الحمد لله.. ربنا ستر. يلا بينا."
في عربية رحيم، كانت ألحان قاعدة على رجليه عشان رجلها المتجبرة والمرتاحة، وهي حاسة بخجل كبير. بصت له وقالت بحدة مصطنعة عشان تداري توترها: ـ "على فكرة أنا ممكن أقعد على الكرسي لوحدي! أنا مش عيلة صغيرة عشان تشيلني كده!" بص لها رحيم بابتسامة جانبية وقال: ـ "لا، عيلة صغيرة ومجنونة كمان! لولا ستر ربنا وإني عرفت مكانك في اللحظة الأخيرة.. كنتِ زمانك ميته دلوقتي."
سكتت ألحان، ونبرة الخوف رجعت تسيطر عليها، فقالت بصوت مبحوح: ـ "رحيم.. هي أمك اللي عملت كده صح؟ هي السبب في اللي حصل ده كله؟"
سكت رحيم تماماً، وما ردش عليها بحرف واحد، وكمل سواقة وعيونه مركزة في الطريق وملامحه مقبوضة. كملت ألحان بوجع وقهر: ـ "أنا كنت عارفة من الأول.. ما كانش لازم أثق فيها ولا أصدقها أبداً!"
فجأة، وقف رحيم العربية على جنب الطريق في حتة هادية، وحط إيده الدافية بحنان على خدها وقال بنبرة صادقة وخارجة من قلبه: ـ "بس أنا مبسوط أوي انك جيتي وعرفتني.. أنتِ ما تعرفيش أنا كنت هموت إزاي لما شفت النار في البيت، وإني كنت خايف أكون جيت متأخر وما أقدرش ألحقك.. أنا كنت هتجنن يا ألحان!"
بصت في عيونه بدموع وقالت: ـ "ليه ده كله يا رحيم؟!" رد بدون تردد: ـ "عشان بحبك يا ألحان.. دي أول مرة قلبي يدق لواحدة بالطريقة دي."
اتوترت ألحان بشدة، وبدأت تحاول تتهرب: ـ "بس.. بس أنا ما ينفعكش يا رحيم! احنا بينا مشاكل كتير وأهلي وأمك اللي بتكرهني وكل الناس واقفة في سكتنا."
قرب منها أكتر ودفن راسه في رقبتها، وهمس بصوت دافئ يذوب الحجر: ـ "مش مهم عندي أي حد في الدنيا دي.. المهم أنا وأنتِ وبس، وأنا بحبك وعايز أكمل معاكي بقية عمري.. أنتِ بقى.. بتحبيني يا ألحان؟!"
كانت ألحان تايهة في مشاعرها وفي ريحة عطره وقربه، وقلبها بيدق بجنون، فما قدرتش تخبي أكتر من كده وقالت بصوت همس خارج من قلبها: ـ "بحبك يا رحيم.."
رفع رحيم راسه وهو مش مصدق وذنيه سامعة أحلى كلمة كان مستنيها، وقرب من شفايفها وبسها بوسة طويلة وقوية وعميقة، كأنه بيثبت لنفسه وللقدر أنها بقت بين إيديه حقيقة ومش حلم.
بعد دقيقتين، اخد رحيم نفسه بصعوبة وهو باصص لعيونها الدبلانة من التعب والخجل، وقال بنبرة قاطعة: ـ "خلاص.. أنا مستحيل أبعد عنك تاني، ولا أنتِ هتبعدي عني أبداً.. هنعيش مع بعض وناخد حقنا من الكل."
ابتسمت ألحان برقة، وكان رحيم لسه هيقرب منها تاني ويكمل لحظتهم الخاصة، وفجأة.. عربية معتصم وقفت جنبهم بصوت فرامل عالي!
نزل معتصم من عربيته بلهفة وخبط على زجاج عربية رحيم، وقال بقلق: ـ "في حاجة يا رحيم؟! ألحان حصل لها حاجة ولا تعبت؟!"
اتكسفت ألحان جداً ودفنت وشها بسرعة في صدر رحيم وهي مدارية ملامحها من الخجل. ابتسم رحيم بخبث وفتح الشباك وقال ببرود: ـ "لا يا عم.. مفيش حاجة! يلا بينا."
شغل رحيم العربية وداس بنزين، وطلع على القصر وفضل ماشي وراه عربية معتصم وليلى، وعينهم على اللي جاي وإيه اللي هيحصل لما يوصلوا.
بعد وقت دخل رحيم الجناح وهو شايل ألحان، حطها برقة على السرير، وبص لها بحنان وقال: ـ "ارتاحي أنتِ شوية، وأنا دقيقة وراجع."
خرج رحيم على البلكونة، وطلع تليفونه واتصل بشخص مقرّب وثقة، وقال بجدية وأوامر صارمة: ـ "أنا عايزك تجيب لي واحدة ست تكون أمينة جداً، وملهاش دعوة بأي حد هنا في القصر، وخدمتها كلها هتكون مخصصة للدكتورة ألحان وبس." رد الشخص من الناحية التانية باحترام: ـ "حاضر يا رحيم بيه، طلبتك هتكون عندك بكرة الصبح بدري."
قفل رحيم المكالمة ورجع الأوضة، وكانت ألحان لسه قاعدة بملابس البيت وطرحتها على شعرها. بص لها بمشاكسة وقال: ـ "مش هتغيري الهدوم المحروقة دي؟ هدومك كلها اتوسخت." قالت ألحان بخجل وهي بتبص حواليها: ـ "بس أنا معنديش هدوم هنا ليا!" ابتسم رحيم بخبث وراح ناحية الدولاب وفتحه وقال: ـ "از ازاي.. ده مليان!"
فتحت ألحان عيونها بصدمة وهي بتشوف محتويات الدولاب؛ لقت قدامها تشكيلة كبيرة من قمصان النوم الرقيقة والجريئة. احمرت خدودها بشدة من الكسوف وقالت بسرعة ورفض قاطع: ـ "لا طبعا! أنا مستحيل ألبس الحاجات دي!" سألها رحيم بمشاكسة وهو بيبتسم: ـ "اومال عايزة تلبسي إيه يا ست البنات؟" قالت بتوتر وهي بتبص في الأرض: ـ "مش عارفة.. أي حاجة وخلاص." قال رحيم وهو بيضحك بخفة: ـ "طب انا هنزل أجبلك أكل وأطلع، تكوني فكرتي ولحقتي تلبسي حاجة."
سبها رحيم ونزل لتحت، فقامت ألحان بصعوبة بسبب رجلها المصابة، وفتحت ضلفة دولاب رحيم التانية عشان تشوف فيها إيه. لقت هدومه كلها عبارة عن بدل سوداء أنيقة، قمصان سوداء، جلاليب صعيدي سوداء ورمادية، فبصت للدولاب بابتسامة سخرية وقالت لنفسها بصوت واطي: ـ "هي الحياة كلها سوداء في سوداء كده يا رحيم ولا إيه؟!" وفجأة مدت إيديها شدت قميص أسود طويل وواسع من هدومه وقالت بضحكة خفيفة: "أمر لله!"، قلعت هدومها ولبست القميص اللي كان واسع عليها وشكله كيوت جداً وفردت شعرها الطويل على كتافها.
وفي الوقت ده تحت في الدور الأرضي، كان رحيم ماشي رايح ناحية المطبخ، فشاف الخدامة اللي كانت سمعت مكالمة هانم وقالت له على الحريقة. وقفها وقال بهدوء: ـ "بقولك إيه.. قومي حالا اعملي صينية أكل سخنة وكويسة وطلعيها فوق لجناحي." قالت الخدامة بطاعة: ـ "حاضر يا بيه، حالا تكون جاهزة."
سابها رحيم وكمل طريقه لحد أوضة العمدة اللي في الأرضي. خبط ودخل، وتفاجأ بوجود معتصم قاعد جنب العمدة وبيتكلموا بجدية. بص معتصم لرحيم بغضب مكتوم، فالتفت رحيم وقال بصوت مكسور وواقعي: ـ "أنا عارف إنك متضيق يا معتصم، وعارف إن الكلام اللي سمعته من أبويا صعب وقاسٍ.. بس حط نفسك مكاني، دي مهما كانت أمي، وأنا ما أقدرش أأذيها.. فاهم يا يوسف؟!"
سكت معتصم وما ردش عليه بحرف واحد ووشه مقبوض. تدخل العمدة بتعب وقال بصوت مهتز: ـ "خلاص يا رحيم.. سيبه دلوقتي، وأنا هفهمك كل حاجة بالتدريج.. المهم طمني، ألحان عاملة إيه ودلوقتي كويسة؟" رد رحيم بجدية: ـ "أيوة يا ابويا، كويسة.. عن إذنكم."
خرج رحيم وقفل الباب وراه، ولقى الخدامة خارجة من المطبخ ومعاها صينية الأكل السخنة. وقفها وأخد الصينية من إيديها وقال: ـ " روحي أنتِ، أنا هطلعها بنفسي." وطلع بخطوات سريعة على جناحه عشان يطمن على مراته وحبيبته.
أول ما ألحان سمعت صوت خطواته جاية ناحية الجناح، غطت نفسها بالغطا لحد راسها بسرعة وبعشوائية عشان تداري القميص الأسود اللي لبنته من هدومه.
دخل رحيم الجناح وهو شايل صينية الأكل، وحطها على الترابيزة بهدوء، وبعدين بص لها باستغراب وقلق: ـ "أنتِ متغطية كده ليه في الحر ده؟! غلط على الجرح والدنيا مقفولة!"
قالت ألحان بتوتر واضطراب وهي متمسكة بالغطا: ـ "لا.. مفيش، أنا أصلًا بردانة شوية وكده أحسن!"
رفع حاجبه بعدم تصديق وقال: ـ "بردانة إزاي والجناح حر، وأنا لسه مشغلتش التكييف أصلاً؟!"
ما ردتش عليه وفضلت كاتمة الغطا على وشها، فقلق رحيم عليها بزيادة، وخطا ناحيتها بخطوات سريعة، وقرب ووطى عليها وحط إيده الدافية على جبينها وهو فاكر إن جالها سخونية من آثار الحريق أو الإجهاد. حسّت بالكسوف والتوتر بيتملكوا منها، وضربات قلبها علت وهي حاسة بقربه الشديد، لكنه اتنهد براحة لما لقى حرارة جسمها طبيعية وكويسة ومافيش أي سخونية.
ولسه هيتحرك عشان يبعد عنها، عينه نزلت ولاحظت عري القميص الأسود الواسع اللي لابوراه، وفهم فوراً هي متغطية ليه ومنكسفة بالشكل ده.
ابتسم بخبث ومشاكسة وعايز يضايقها، فمد إيده وبحركة سريعة ومباغتة.. شد الغطا من عليها مرة واحدة!
أول ما الغطا أتشد، تجمد رحيم مكانه وبص قدامه كأنه شاف حورية متسربة من الجنة.
كانت ألحان قاعدة قدامه بالقمصان الأسود بتاعه اللي كان واسع وقصير واصل لحد ركبتها، باين منه رجليها البيضاء الناعمة، وايديها الرقيقة، ورقبتها الطويلة الصافية، وشعرها الأسود الكثيف المفروض ومبدد على كتافها وظهرها لحد وسطها، عاطيها شكل ساحر وفتان يخطف العقل والقلب.
فضل باصص لها نظرة طويلة مليانة إعجاب ودهشة وكأنه مش مصدق جمالها الطبيعي الخاطف، لحد ما بلع ريقه بصعوبة بالغة وقال بصوت مبحوح وخارج بصعوبة: ـ "ايه الجمال ده كله..!"
اتوترت ألحان بشدة من نظرته الجريئة، وبدأت تتراجع لورا بخفة وهي بتشد الغطا حواليها، لكن رحيم ما أداهاش فرصة، وقرب منها خطوة بخطوة كأنه مسحور وعيونه ما مفارقتش عيونها، وهمس بصوت دافئ يذوب الحجر: ـ "أنتِ عارفة إنك بالقمصان بتاعي ده شبه الحوريات بالظبط؟!"
احمرت خدود ألحان أكتر واتوردت بكسوف شديد، فابتسم رحيم بحب ولمس خدها برقة وقال بمشاكسة: ـ "ولا خدودك دي اللي بقت شبه الفراولة اللي تتاكل باكل!"
قرب منها أكتر لحد ما اختفت المسافة، وتاهت هي في لمسته الناعمة ونبرة صوته اللي بتخترق دفاعاتها كلها.. وهناك سابوهم في عالمهم الخاص، رحيم بيعلمها فنون العشق والغرام بطريقته الخاصة والدافئة، بعيد عن كل صخب العالم وبره جدران القصر.
وفي الدور الأرضي، وبالتحديد جوه أوضة العمدة، كان الحوار بين الأب وابنه شغال بجدية ووجع. بص العمدة لمعتصم بحنان وقال: ـ "فهمت يا ابني كل اللي حصل؟"
رد معتصم بنبرة مقبوضة ومش مصدق لسه: ـ "طيب يا أبوي.. أمي و واختي هعمل معاهم إيه بعد كل ده؟!"
حط العمدة إيده على كتفه وقال بثبات وهدوء: ـ "مش هتعمل حاجة.. هيفضلوا زي ما هما، وأنت ما تغيرش حاجة في حياتك هنا، كل اللي يهمني إنك عرفت حقيقة أمك نادية وألحان أختك، وعرفت إن أنا أبوك.. أنا كده قلبي مرتاح ومرتاح الضمير، عشان لو جالي يوم وموتت، أكون عرفتك كل حاجة وريحت ذمتي."
سكت معتصم وما ردش عليه بحرف واحد، وكانت جواه صراعات ومشاعر متلخبطة، فقام وقف وخرج من الأوضة وسابه لوحده.
اتنهد العمدة بعمق وراحة وهوا سخن طلع من صدره، وكأنه أخيرًا نزع شوكة كبيرة كان حاططها جواه سنين طويلة.
قاعدت ليلى على كرسي في جنينة القصر، ماسكة كوباية اليانسون الدافية وبترجف وهي بتشرب منها عشان تهدي أعصابها من هول اليوم المرعب. فجأة، حسّت بخطوات بتقرب منها، ولقته معتصم (يوسف) قاعد جنبها بهدوء، وبص لها بحنان وقال بصوت دافئ: ـ "قاعدة لوحدك كده ليه؟ وليه ما نمتيش لحد دلوقتي؟!"
رفعت ليلى عيونها ليه وقالت بوجع ونبرة مكسورة: ـ "قاعدة بفكر في كل اللي حصل ده.. وبقول يا ريت أنا وألحان ما جينا هنا أصلاً."
اتضايق معتصم من كلامها، وبان الضيق في عيونه وقال بجدية: ـ "ليه بتقولي كده بس؟!"
كملت ليلى وهي بتبص في كوباية اليانسون بحزن: ـ "حياتنا في إسكندرية كانت هادية و ماشية كويس جداً.. وفجأة كل حاجة اتلخبطت وانقلبت! ألحان سابتني في الأول ودخلت في دوامة ، وأنا فضلت لوحدة تايهة وخايفة.."
سكتت ليلى فجأة ودمعت عيونها، وبصت لمعتصم اللي قرب منها أكتر وقال بصوت هادي يطمئن قلبها: ـ "فاكرة إنك لوحدك؟ طب وأنا روحت فين يا ليلى؟"

تعليقات