رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الخامس والعشرون 

أنزلت "سيلا" الهاتف عن أذنها ببطء، لكن يدها ظلت معلقة في الهواء للحظات، وكأنها عاجزة عن استيعاب ما سمعته.

كانت دموعها لا تزال عالقة على وجنتيها، وبعضها لم تجف آثاره بعد.

حاول "سليم" طوال المكالمة أن يبدو هادئًا، يختار كلماته بعناية، ويطمئنها بأن "عاصم" بخير...
لكن شيئًا في نبرة صوته لم يطمئنها.
شيء خفي، لم تستطع الإمساك به، لكنه جعل قلبها ينقبض بقوة.
ابتلعت ريقها، ومسحت دموعها سريعًا بطرف كفها، ثم انزلقت أصابعها فوق شاشة الهاتف تبحث عن اسم واحد.
"مراد".
استقرت إصبعها على اسمه، وقبل أن تضغط زر الاتصال، خرج صوتها مخنوقًا:

ـ لازم أكلم مراد.. لازم يعرف، لازم يشوف إيه اللي حصل لأبيه عاصم، وجوده هنا ضروري!
ضغطت على زر الاتصال...

لكن يدًا امتدت فجأة واختطفت الهاتف من يدها.
شهقت "سيلا" ورفعت عينيها، لتجد "نجاة" تقف أمامها والهاتف بين يديها، تضمه إلى صدرها وكأنها تنتزع من ابنتها آخر شيء قد يزيد الأمر سوءًا.
ـ في إيه يا ماما؟!

خرج صوت سيلا مرتجفًا، بينما راحت عيناها تنتقلان بين وجه والدتها والهاتف.
كانت "نجاة" تحاول أن تبدو قوية، لكن ارتعاشة أصابعها كانت تفضحها.

قالت بحدة اختلطت برجاء أم لا تعرف كيف تحمي أبناءها من شيء أكبر منها:
ـ سيبي مراد يكمل امتحاناته يا سيلا!
اقتربت منها خطوة، وكأنها تريد أن تمنعها حتى من التفكير في إعادة الهاتف.
ـ لو عرف باللي حصل هنا، هينزل فورًا ويضيع تعب تلات سنين في الغربة. أنا ما صدقت حاله انصلح وعرف طريقه وبقى ليه طموح!

اهتز صدر "سيلا" بشهقة بكاء، ولم تستطع هذه المرة أن تمنع دموعها.
اقتربت من والدتها، ومدت يدها نحو الهاتف، لكن "نجاة" تشبثت به أكثر.

قالت سيلا بصوت متهدج:

ـ أنا مش قادرة أتحمل اللي بيحصل لأبيه عاصم، ومحتاجة مراد جنبي!

مسحت دموعها بعصبية، لكن دمعة أخرى سبقتها وانحدرت على خدها.
ـ أنا خايفة أوي يا ماما.
ظلت "نجاة" تنظر إليها بصمت.
وكانت دموع ابنتها تضرب في قلبها، لكنها لم تسمح لنفسها أن تنهار.

اقتربت "سيلا" أكثر، وقالت بإصرار ممزوج بالخوف:
ـ مراد لو عرف بعدين إننا خبّينا عليه مش هيسامحنا يا ماما..
ارتجف صوتها:
ـ هيحس إنه خذل أخوه الكبير في أكتر وقت كان محتاجه فيه!
أغمضت "نجاة" عينيها للحظة، وكأن الجملة أصابتها في أكثر نقطة تؤلمها.

ثم فتحت عينيها وقالت بصوتٍ يملؤه الخوف:

ـ هما الاتنين ولادي، وقلبي قايد عليهم نار.. مراد فاضل له آخر مادة بكرة، وتعبه وشقاه وخروجه من برواز الاستهتار مش هيضيع في آخر لحظة.

ثم وضعت الهاتف على الطاولة، واقتربت من سيلا، ثم احتضنت وجهها بكفّي يديها، ومسحت دموعها بإبهاميها.
ـ ما تخافيش يا حبيبتي... سليم واقف جنب عاصم، ومش هيسمح إن حاجة تحصل له.
قالت "سيلا" بصوتٍ متهدج:
ـ أنا عارفة يا ماما... بس أنا مش مرتاحة،عشان كده عايزه أكلمه يجى.

ظلت "نجاة" ممسكة بوجهها، تحاول أن تمنحها من ثباتها ما لم تعد تملكه هي نفسها.
خفضت عينيها للحظة، ثم قالت:
ـ ده جه بالعافية يوم عيد الميلاد، حضر عيد الميلاد وسافر تاني.
سكتت لحظة، ثم تابعت:
ـ مش حمل شحططة وتشتيت يدمروا مستقبله!
ساد الصمت بينهما.
ثم شدّت على يدي ابنتها، وقالت:
ـ بكرة يا سيلا.. نستحمل بكرة بس.
ثم تابعت:
ـ أنا هكلمه بنفسي بعد الامتحان على طول، وهخليه يحجز أول طيارة ويرجع.
تنفست ببطء، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها قبل أن تقنع ابنتها:
ـ بس يخلص مادته وهو رايق ومن غير ما يشتت نفسه.
سكتت لحظة، ثم انخفض صوتها وهي تستعيد مكالمتهما:
ـ هو كلمني الضهر وكان قلبه واكله وبيطمن عشان عاصم غير متاح، وسألني لقيتوا "لينا" ولا لسه..
تعلقت عيناها في الفراغ، وكأنها ترى وجه ابنها أمامها.
ـ وقلت له لسه بندور .
ابتلعت غصتها.
ـ داريت عليه عشان يركز...
ثم نظرت إلى سيلا بثبات، رغم الخوف المرتسم في عينيها:
ـ وبكرة هيرجع ويقف جنب أخوه وهو واقف على أرض صلبة.
ظلت "سيلا" تنظر إلى والدتها طويلًا.
كانت تريد الاعتراض...
لكنها لم تجد في عيني أمها سوى الخوف نفسه الذي يسكن صدرها.
خفضت رأسها، واستسلمت لواقع لا تملك تغييره.

أما "نجاة"، فبقيت واقفة أمامها، تحاول أن تطمئنها، رغم أنها لم تكن مطمئنة هي الأخرى.
----
وفي الجهة الأخرى، في لندن...
كان "مراد" يجلس وحده خلف مكتبه في غرفته الباردة.
أمامه أوراق مادته الأخيرة في الدكتوراه بإدارة الأعمال، والتي تفصله عنها ساعات قليلة.
كان القلم بين أصابعه، لكن عينيه لم تكونا على الأوراق.

ظل يقرأ السطر نفسه للمرة الثالثة...
ثم رفع عينيه عنه دون أن يستوعب كلمة واحدة.
زفر بضيق، وأسند ظهره إلى الكرسي، وأغمض عينيه.
منذ مكالمة والدته وقت الظهيرة، وهناك شيء لا يتركه.
نبرة صوتها...
ترددها...
وطريقتها في الإجابة.
فتح عينيه فجأة، ومد يده إلى هاتفه.
ظل ينظر إلى الشاشة لحظات، ثم قال بصوت خافت:
ـ عاصم تليفونه مقفول من الصبح..وماما بتقول إن كل حاجة تمام...
صمت.
انعقد حاجباه، وظهرت الحيرة واضحة في عينيه.
ـ بس نبرة صوتها ما كانتش مريحاني أبدًا!
أنزل الهاتف ببطء، ثم مرر يده على وجهه محاولًا طرد ذلك القلق الذي بدأ يزحف إلى صدره.
نظر إلى الأوراق أمامه.
حاول أن يعود إلى المذاكرة.
حاول أن يجبر نفسه على التركيز.
فتح هاتفه من جديد، وبحث عن اسم عاصم، ثم ضغط زر الاتصال.
لم تكتمل المكالمة، وظهرت أمامه عبارة: «الرقم غير متاح.»
أنزل الهاتف ببطء، ثم وضعه إلى جواره على المكتب بضيق.
أغمض عينيه مرة أخرى، وأسند رأسه إلى ظهر الكرسي، وتمتم كأنه يناشد الغد أن يمر سريعًا:
ـ يا رب يعدي بكرة على خير...
ثم فتح عينيه، ونظر إلى الأوراق أمامه من جديد.
غدًا ينهي امتحانه...
وبعدها يحجز أول طائرة عائدة إلى مصر.
سيعود إلى أخيه الأكبر.
إلى عاصم.
دون أن يعرف أن شقيقه يقضي ليلته في الحجز، وأن وراء هذا الصمت والقلق الذي تحاول والدته إخفاءه عنه أمرًا أكبر بكثير مما يتخيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما في القصر.....
أغلق "بهاء" باب مكتبه بإحكام. ظل واقفًا أمامه للحظات، بينما ظلت جملة الرجل الغامض تتردد في رأسه:
"يا دكتور الأخلاق..."
مد يده إلى هاتفه، وفتح سجل المكالمات.
عاد إلى الرقم الخاص الذي ظهر أمامه.
تأمله طويلًا، ثم اتجه نحو اللوحة المعلقة على الحائط.
رفعها بحذر، فكشف عن خزنة صغيرة مخفية خلفها.
فتحها، وأخرج مفكرة جلدية قديمة.
قلب صفحاتها ببطء، حتى توقف عند أحد الأرقام.
أخذ "بهاء" نفسًا عميقًا، ثم نقل الرقم إلى هاتفه.
ظل يحدق فيه للحظات، قبل أن يضغط زر الاتصال.

جاءه صوت الرجل من الطرف الآخر:
ـ خير يا مصري؟ ايه اللى فكرك بينا؟

قال "بهاء" باقتضاب:
ـ في رقم بيهددني.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال الرجل:
ـ دى مشاكلك حلها لوحدك؟

أجاب "بهاء" بنبرة هادئة، لكنها تحمل تهديدًا واضحًا:
ـ ما أنا لو وقعت... مش هقع لوحدي يا باشا.
ساد الصمت من جديد.
ثم قال الرجل:
ـ إنت كده بتلعب بالنار.
رد "بهاء" دون تردد:
ـ عشان كده كلمتك.
صمت الرجل للحظات، ثم قال:
ـ ابعت الرقم وأغلق الخط دون أن ينتظر إجابة من بهاء.

أنزل "بهاء" الهاتف ببطء، وظل واقفًا في مكانه للحظات.
رفع عينيه نحو اللوحة، وبقي ينظر إليها طويلًا، وكأنها تخفي خلفها أكثر مما ينبغي.
لقد فتح بابًا أغلقه بنفسه منذ سنوات...
ولم يكن يعرف إن كان سيتمكن من إغلاقه مرة أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استمرت السيارة في السير لساعات، حتى بدأت نسمات الهواء تزداد رطوبة، واختلطت رائحة عوادم السيارات بنفحات مالحة حملها الهواء من جهة البحر.
رفعت لينا رأسها عن زجاج النافذة دون وعي، واستنشقت الهواء ببطء.

لم تكن قد اعتادت على رائحة الإسكندرية، ولم تكن تعرف عنها الكثير، لكن شيئًا في ذلك الهواء جعل صدرها يتسع للمرة الأولى منذ وقت طويل.
تغيرت ملامح الطريق تدريجيًا.

لم تعد الشوارع ضيقة ومزدحمة بالحركة العشوائية التي اعتادتها سعاد وإبراهيم، بل أصبحت الطرق أوسع، والعمارات أكثر انتظامًا، وعلى جانبي الشوارع انتشرت محلات البقالة والصيدليات والمخابز وبعض المقاهي الصغيرة، بينما كانت السيارات تتحرك في الشارع بصورة طبيعية دون ذلك التكدس الخانق الذي كانوا يعيشونه في منطقتهم القديمة.

كانت منطقة سكنية متوسطة في سيدي بشر، لا تحمل فخامة الأحياء الراقية، ولا ملامح المناطق الشعبية المزدحمة؛ مكان بسيط ونظيف، تتجاور فيه العمارات السكنية مع المحلات والخدمات التي يحتاجها أهل المنطقة.

تطلعت سعاد من النافذة بارتياح كبير، وراحت تتأمل الشوارع والعمارات من حولها، قبل أن تلتفت إلى زوجها قائلة بنبرة مبتهجة:
ـ الحمد لله يا إبراهيم، أهو المكان أوسع وأريح من عندنا بكتير.. والشارع شكله نضيف، وفيه كل حاجة حوالينا. أهو ده مكان الواحد يعرف يتنفس فيه، مش الحارة النتنة والخنقة اللي كنا مدفونين فيها وعيشتها القرف!

انطلقت أسارير ابنتهما إيمان، وراحت تصفق بكفيها بحماس شديد وفرحة طفولية تملأ وجهها، ثم التفتت صوب والدها وصاحت بابتسامة عريضة:

ـ هو إحنا بجد هنسكن في الحتة دي يا بابا؟!
ضحك إبراهيم بملء فيه، ونظر إلى زوجته وابنته عبر مرآة السيارة الأمامية وهو يعدل جلسته براحة وفخر، ثم قال وهو يغمز بعينه بفكاهة:

ـ أمال إيه؟ ده أنا منقي لكم مكان معقول ومستور.. ده لسه لما تشوفوا الشقة من جوه كمان، ده أنتم هتهبلوا لما تشوفوها!
وسط هذه الهيصة والضحكات المتبادلة، كانت لينا تقف على ضفة أخرى تمامًا.
أسندت رأسها إلى زجاج النافذة، وظلت عيناها تتنقلان بين العمارات والمحلات والوجوه المارة في الشوارع.
كل شيء من حولها كان جديدًا.
مدينة أخرى...
منطقة أخرى...
وحياة لا تعرف عنها شيئًا بعد.
لم يكن أحد من الثلاثة يركز مع صمتها، فالفرحة الغامرة جعلتهم مستغرقين في تفاصيل عالمهم الجديد، غير ملتفتين إلى أنها كانت تراقب المكان بعينين تحملان خليطًا من الخوف والشرود.

انعطفت السيارة إلى شارع جانبي أهدأ، ثم توقفت أمام بناية سكنية حديثة نسبيًا، ذات واجهة بسيطة ونظيفة، تتكون من عدة طوابق، ويتوسط مدخلها باب زجاجي واسع.

رفع إبراهيم عينيه إلى أعلى البناية، ثم قال بفخر:
ـ وصلنا يا جماعة... أهو بيتنا الجديد!
هبطت سعاد وإيمان من السيارة بنشاط، وراحتا تتأملان مدخل البناية والشوارع المحيطة بها بتعليقات متلاحقة تنم عن الرضا والارتياح، بينما ترجلت لينا بخطوات وئيدة وآلية، تتحرك كظل يتبعهم دون أن تلفت انتباههم، المنشغلين بفرحتهم العائلية.

دخلوا جميعًا إلى مدخل البناية، واتجه إبراهيم بثقة نحو المصعد وضغط على الزر.
صدرت منه نغمة رنين خفيفة، ثم انفتح الباب المعدني تلقائيًا.
تراجعت سعاد خطوة إلى الخلف، ونظرت إلى الصندوق الحديدي بريبة ممزوجة بقلة حيلة، ثم لوت فمها وقالت بفكاهة وتوجس:

ـ لا بقولك إيه يا إبراهيم.. أنا صحيح بشوفه في المسلسلات وعارفة إنه أسانسير وكل حاجة، بس الشوف غير الركب يا خويا! أنا رجلي تشيلني في السلم ولا إن السلك ده يتقطع بينا ونروح في شربة مية! أنت مش فاكر فيلم «بين الأرض والسماء» والكهرباء لما قطعت بيهم وفضلوا محشورين جوه؟ ده أنا يجرى لي حاجة لو النور قطع بينا هنا!
انفجر إبراهيم بضحك صاخب هز أركان المدخل،

بينما راحت إيمان تقفز وهي تضحك بملء فيها وتشد عباءة والدتها قائلة:
ـ يا ماما ما الناس كلها بتركبه عادي ، تعالي بس جربي، وبعدين ده فيلم قديم أبيض وأسود يا ماما!
حاول إبراهيم سحبها من يدها بضحكة خفيفة وهو يقول:
ـ تعالي بس يا ولية ومتفضحيناش في العمارة، فيلم إيه وسلك إيه اللي يتقطع؟ ده أحدث نظام وفيه أمان، اخلصي قبل ما الباب يقفل علينا ونبقى فرجة للجيران!
دخلت سعاد وهي تسمي بالرحمن بصوت عالٍ، والتصقت بجدار المصعد تمامًا، ممسكة بذراع إبراهيم بقوة كأنها تتشبث بالحياة
.
وكلما تحرك المصعد خطوة لأعلى وشعرت بهزته الخفيفة، أصدرت شهقة مكتومة وحركت شفتيها بقدر من الأدعية، مما جعل إبراهيم وإيمان يستمران في الضحك على مظهرها طوال الصعود.
وسط هذه السعادة  العائلية والضحك المتواصل على خوف سعاد، كانت لينا تقف في الزاوية الأخرى في حالة شرود تام.

لم تبتسم ولم تشاركهم التعليقات؛ كانت عيناها مثبتتين على مؤشر الأدوار الذي يتحرك صعودًا، وعقلها يسبق هذه الأرقام نحو حياة جديدة لا تدري كيف ستتشكل تفاصيلها.
ظل الرقم يرتفع...
الخامس...
السادس...
السابع...
حتى توقف أخيرًا عند الدور الثامن.
انفتح باب المصعد، فخرجت سعاد مسرعة إلى الممر، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة منذ دخلت المصعد، ثم وضعت يدها على صدرها وأخذت نفسًا عميقًا.
ـ يا فتاح يا عليم... الحمد لله إننا وصلنا!
نظر إليها إبراهيم وهو يخرج الحقائب من المصعد، ثم قال ساخرًا:

ـ وصلنا يا ستي، أهو لا السلك اتقطع ولا النور قطع ولا روحنا في شربة مية.
رمقته سعاد بنظرة ممتعضة، وقالت وهي ما تزال تلتقط أنفاسها:
ـ اسكت يا إبراهيم! أنا كنت حاسة إن قلبي هيطلع قبلي ويستنانا هنا!
انفجرت إيمان بالضحك، وأمسكت بذراع والدتها وهي تقول:
ـ يا ماما، ده أسانسير! يعني المفروض يطلعنا، مش يقتلنا!
ـ ما أنا عارفة يا بنتي... بس الواحد بيبقى مطمّن أكتر لما رجله تكون على الأرض!
ضحك إبراهيم، ثم حمل إحدى الحقائب وتقدم نحو باب الشقة.
أخرج المفتاح من جيبه، وأداره في القفل، ثم فتح الباب على اتساعه.
توقفت سعاد عند العتبة للحظة.

اتسعت عيناها وهي تتطلع إلى الداخل.
كانت الشقة أوسع بكثير مما توقعت؛ صالة كبيرة تتوسطها مساحة مريحة، تتفرع منها الغرف، والنوافذ الواسعة تسمح لضوء النهار بالتسلل إلى المكان، بينما بدت الجدران نظيفة والدهانات هادئة، وكل شيء فيها بسيط لكنه مرتب ومريح للنفس.

دخلت إيمان أولًا، ثم دارت في الصالة وهي تنظر حولها بانبهار.
ـ يااااه يا بابا!
ضحك إبراهيم بفخر، وأسند إحدى الحقائب إلى جانب الحائط.
ـ قلت لكم هتهبلوا لما تشوفوها.
راحت إيمان تتنقل بين الغرف، تفتح هذا الباب وتطل من ذاك، ثم عادت إلى الصالة وهي تقول بحماس:
ـ دي كبيرة أوي يا بابا! يعني إحنا هنعيش هنا بجد؟!
ابتسم إبراهيم، وربت على كتفها.

ـ أيوه يا بنتي... من النهارده دي بيتنا.
أما سعاد، فكانت لا تزال واقفة في منتصف الصالة، تدور بعينيها في المكان وكأنها تحاول استيعاب الفرق بينه وبين البيت القديم.

مررت يدها على أحد الجدران، ثم نظرت إلى زوجها بابتسامة واسعة وقالت:
ـ يا إبراهيم... ده إحنا كنا عايشين في علبة سردين!
ضحكت إيمان.
ـ علبة سردين إيه يا ماما؟
أشارت سعاد إلى المساحة الواسعة حولها وقالت بدهشة:
ـ بصي بس على المكان! الواحد هنا يعرف يتحرك على راحته!
ضحك إبراهيم، وهو يهز رأسه:
ـ يعني عجبتك؟
ابتسمت سعاد وهي تنظر حولها من جديد، وقالت بإعجاب صادق:
ـ هى عجبتني بعقل... ده المكان يشرح القلب.

ابتسم إبراهيم وهو يتأمل فرحتها، ثم بدأ يضع الحقائب في مكانها، بينما راحت سعاد تتفقد الشقة من جديد بعينين مليئتين بالرضا.
أما لينا، فظلت واقفة بعيدًا عنهم تنظر إليهم فى صمت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلس سليم خلف عجلة القيادة، وأغلق الباب بقوة.
لم يشغّل المحرك فورًا، بل أراح رأسه على مسند المقعد وأغمض عينيه لثوانٍ معدودة، أخذ خلالها نفسًا عميقًا محاولًا أن يطرد عن صدره ثقل الأسى، ويستعيد ذلك البرود الصارم الذي تدرب عليه لسنوات كضابط مخابرات.

عندما فتح عينيه، كانت النظرة المهزوزة قد اختفت تمامًا، وحلّت مكانها نظرة حادة، متيقظة، وعملية.
ـ في حاجة غلط... وغلط كبير كمان.

تمتم بها وهو يضغط على زر تشغيل المحرك.
انطلق سليم وسط شوارع المدينة، وعقله يعيد ترتيب الخيوط بسرعة ودقة. 
كان يعرف علميًا أن تقرير التشريح المبدئي يصدر سريعًا، لكن نتيجة الـDNA القاطعة تحتاج إلى أيام.

كان طلب الجد دفن الجثة بهذه السرعة أمرًا يثير شكوكه، خصوصًا مع إصراره على إنهاء الإجراءات قبل صدور النتيجة النهائية.

مد يده إلى لوحة القيادة، وضغط على زر الاتصال السريع لرقم مشفر لا يحمل اسمًا.
جاءه الصوت من الطرف الآخر :

ـ أيوة يا فندم.
تحدث سليم بنبرة هادئة، لكنها تحمل سلطة لا تقبل النقاش:
ـ «شوقي».. عايز نسخة من التقرير المبدئي للجثة اللي طلعت الصبح بأقصى سرعة. وعايزك تفحصلي سجل مكالمات بهاء الدين المصري في آخر 48 ساعة.
تردد الطرف الآخر لثانية، ثم قال بصوت خفيض:
ـ تمام يا فندم، هتوصلك على السيرفر المؤمن. بس... هل التحقيق ده رسمي؟
ضيّق سليم عينيه وهو ينظر إلى الطريق المظلم أمامه، وقال بحسم:

ـ التحقيق ده يخصني أنا شخصيًا يا شوقي.. وأهم من كل ده، عايزك تأمّنلي عينة من الـDNA للجثة دي قبل ما تدفن. المعامل بتاعتنا هتطلع النتيجة في كام ساعة، مش هنستنى روتين النيابة.
ـ علم وينفذ يا فندم.

أغلق سليم الخط، ووضع الهاتف على المقعد المجاور له.
لم يسرع بالسيارة فورًا، بل أسند معصميه إلى عجلة القيادة وظل يحدق في عتمة الليل عبر الزجاج الأمامي بتركيز شديد.
كرجل مخابرات تدرب على التقاط التفاصيل التي قد يغفل عنها الآخرون، كان عقله يعيد شريط الأحداث الأخيرة ببرود.

طلب الجد دفن الجثة بهذه السرعة الشديدة، وثقته المفرطة، وتخطيه لكل الإجراءات الروتينية... كل هذه كانت إشارات غير طبيعية بالمرة بالنسبة لضابط محترف.

كان هناك شيء خطير يقف خلف تصرفات بهاء، شيء لم يظهر بعد على السطح.
ضيّق سليم عينيه، وظهرت في حدقتيه نظرة تحدٍ حادة.
لم يكن يملك دليلًا بعد، وكل ما لديه مجرد شكوك قوية تحرك حسه الأمني، لكنه أدرك شيئًا واحدًا:

مفتاح لغز الجثة... وربما القضية كلها، عند الجد بهاء.
أدار محرك السيارة، وتمتم بصوت خافت، بارد كالفولاذ:
ـ في حاجة وراك يا بهاء... وأنا مش هسيبها غير لما أعرفها.
ــــ
منذ الصباح الباكر، كانت مديحة تعبر ردهة الفيلا الواسعة بخطوات متعجلة.
انعكس وجهها القلق في المرآة الكبيرة، بينما راحت خصلات شعرها تتمايل مع سرعتها. توقفت أمام غرفة شاهندة، ثم انفتح الباب على آخره، ليقابلها سرير مرتب بعناية... وفارغ.

بقيت لحظة تحدق في الغرفة، قبل أن تخرج هاتفها من حقيبتها وتضغط على الشاشة بنفاد صبر.

رن الهاتف.

وفي الوقت نفسه، كانت أشعة الشمس تنعكس على سطح مسبح النادي الرياضي، بينما استقرت شاهندة على شزلونج مريح، بملابس رياضية بيضاء ونظارة شمسية تخفي عينيها تمامًا. ارتفعت ضحكتها مع صديقتها الجالسة إلى جوارها، قبل أن تمتد يدها إلى كأس العصير المثلج وتستقر بين أصابعها.

اهتز هاتفها فوق الطاولة الزجاجية.

ألقت شاهندة نظرة سريعة على الشاشة، ثم عادت ابتسامتها إلى وجهها، ورفعت الهاتف إلى أذنها.

ـ أيوة يا ماما.. صباح الخير.

جاءها صوت مديحة سريعًا، وهي لا تزال تحاول السيطرة على ضيقها:

ـ انتي فين يا شاهندة؟ دخلت أوضتك أبص عليكي ما لقتكيش! أنا رايحة لخالتك.. حصليني على هناك على طول.

أدارت شاهندة العصير بين أصابعها، ومالت برأسها قليلًا، قبل أن تنطلق عيناها في ملل خلف النظارة.

ـ أنا في النادي بلعب رياضة وقاعدة مع صاحبتي. ولازم يعني يا ماما؟ ما كفاية أنتي وخلاص!

كانت مديحة قد وصلت إلى سيارتها، لكن كلمات ابنتها جعلتها تتوقف للحظة قبل أن تمتد يدها إلى الباب بعصبية.

ـ أنتي بتقولي إيه؟ لازم طبعًا! خالتك منهارة وتعبانة أوي من اللي حصل لعاصم والمصيبة اللي هو فيها.
لازم يا بنتي.. لازم نبقى جنبها في الظروف دي، مش هينفع نسيبها لوحدها!

أمالت شاهندة رأسها بعيدًا عن صديقتها، وكأن الحديث بدأ يثقل عليها.

ـ يا ماما الأصول وكل حاجة على عيني، بس أنا مش فاضية النهاردة خالص وكده! ورايا حاجات تانية كتير.

اشتد الضيق في صوت مديحة:

ـ مش فاضية؟! جبتي القسوة دي منين؟ دي خالتك وأختي، وما ينفعش نتخلى عنها!

خرجت الزفرة من صدر شاهندة وهي تحاول إنهاء الحديث.

ـ خلاص يا ماما بقى.. يوه يا ماما! هبقى أحصلك على هناك.. مع السلامة دلوقتي.

انتهت المكالمة، واستقرت يد شاهندة على الهاتف لحظة، قبل أن تضعه فوق الطاولة الزجاجية بضيق. عادت إلى وضعها المريح، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة وهي تلتفت إلى صديقتها.

بعد فترة وجيزة مالت صديقة شاهندة نحو حقيبتها الصغيرة، ثم التفتت إليها:

ـ أنا رايحة التواليت.

جاءها الرد دون أن ترفع شاهندة عينيها:

ـ ماشي.

غابت الصديقة بين ممرات النادي، وعاد الهدوء يحيط بالمكان.

استسلمت شاهندة للشزلونج من جديد، وأراحت رأسها إلى الخلف، ثم عدّلت نظارتها الشمسية فوق عينيها.

وفجأة...

عاد الهاتف إلى الرنين.

امتدت يد شاهندة إلى الطاولة، والتقطته دون استعجال. وما إن وقعت عيناها على الشاشة حتى اختفت الراحة من ملامحها.

اسم المتصل.

ثبتت عيناها عليه لثوانٍ، ثم خرجت زفرة ضيق طويلة من بين شفتيها.

لم تجب.

أعادت الهاتف إلى الطاولة، وأغمضت عينيها من جديد، متعمدة تجاهل الرنين.

لكن الهدوء لم يستمر طويلًا.

حجب ظل طويل الضوء عن وجهها.

فتحت شاهندة عينيها، لتجد رجلًا يقف أمامها. لم يمنحها فرصة لتسأل، بل استقر على طرف الشزلونج بجوارها مباشرة.

اعتدلت شاهندة في مكانها فجأة، واتسعت عيناها وهي تحدق في وجهه القريب.

جاء صوته هادئًا، لكنه حمل من العتاب والحدة ما جعل الكلمات أثقل من أن تمر عابرة:

ـ زي ما توقعت بالظبط.. أول ما تشوفي اسمي ما ترديش!

توقفت أنفاس شاهندة للحظة.

حدقت فيه، وكأن ظهوره أمامها كان آخر شيء تتوقعه.

ـ أنت!


تعليقات