رواية نارين بين الحب والوجع الفصل السادس والعشرون
«انت؟!»
خرجت الكلمة من بين شفتيها بمجهود وضيق، بينما تراجع جسدها غريزيًا إلى الخلف، تلصق ظهرها بمسند الشزلونج لتخلق مسافة آمنة بينها وبينه.
التفتت يمينًا ويسارًا، تتفحص كراسي المسبح وخلف الأشجار بذعر، ثم همست بنبرة خفيضة:
ـ أرجوك.. يا شريف وطى صوتك ،وامشى دلوقتى ونتكلم بعدين، الوجود هنا خطر عليا وعليك. لو حد لمحنا واقفين مع بعض في النادي دلوقتي، كل اللي عملناه هيفشل! أنا كنت بحميك وبحمي نفسي!
أطلق شريف ضحكة ساخرة لاذعة، ودنا بجسده منها أكثر، ثم ضغط بقبضة يده على حافة الشزلونج بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وقال وهو ينظر بثبات في عينيها:
ـ بتحميني أنا؟! لا يا شاهندة.. واضح كده إنك كنتِ بتلعبي بيا! أنا عملت كل اللي أنتِ عايزاه.. خنت ثقة عاصم وسرقت الملف وبعت الراجل اللي خيره عليا ،عملت ده كله عشان خاطرك وعشان الوعد اللي وعدتيهولي!
بس شكل اللعبة أكبر من سرقة ملف.. حبس عاصم.. وموت مراته اللي أنا متأكد إن أكيد ليكي يد فيه! كل ده مكنش صدفة يا شاهندة !
تجمدت شاهندة في مكانها تمامًا، وشحب وجهها خلف النظارة الشمسية، وكأن خنجرًا طعن كبرياءها، ثم اندفعت الكلمات من بين شفتيها حادة كفحيح الأفعى:
ـ شريف.. إنت اتجننت؟ إنت عارف إنت بتقول إيه؟!
انتفض شريف واقفًا بكامل طوله، ونظر إليها من الأعلى بنظرة حاسمة وهادئة تحمل وعيدًا مخيفًا:
ـ عارف كويس أوي.. وعشان كده جاي أقولك إن قدامك ٢٤ ساعة بالظبط. تفوقي لنفسك وتنفذي وعدك وتتجوزيني.. وإلا أنا بنفسي هروح لعاصم في سجنه وهقوله على الحقيقة كلها، وهخليه يعرف ملعوبك من البداية.
المرة الجاية مش هكلمك في تليفون يا شاهندة.. هتشوفيني جوه السجن بفركش المعبد كله فوق راسك وراس اللي مشغلينك!
استدار شريف ومشى بخطوات واسعة وواثقة وسط كراسي المسبح، دون أن يلتفت خلفه، تاركًا إياها غارقة في صمتها.
وقعت الصدمة على شاهندة كالجبال، وتسمرت في مكانها لعدة دقائق، وعيناها مثبتتان على الفراغ، والوعيد يتردد في أذنها كطلقات الرصاص.
وبأصابع ترتعش بشدة، امتدت يدها نحو الهاتف الملقى بجوارها على الطاولة، وضغطت على الشاشة لتطلب ذلك الرقم غير المسجل فورًا.
جاءها الرد بعد رنة واحدة.
قالت شاهندة بسرعة:
«ـ لازم أقابلك حالًا.. في المكان المتفق عليه!»
جاءها صوته ببرود:
«ـ ساعة وأكون عندك.»
وأغلق الهاتف في وجهها دون أن ينتظر ردها.
حدقت شاهندة في شاشة الهاتف للحظات، ثم نهضت وغادرت المكان.
---
وبعد أقل من ساعة، كانت شاهندة قد وصلت إلى المكان المتفق عليه.
جلست وحدها في انتظاره، لكن عقلها لم يكن معها.
كانت كلمات شريف تتردد في رأسها بلا توقف:
«ـ لو ما اتجوزتينيش خلال ٢٤ ساعة... هروح لعاصم السجن وأقوله على كل حاجة.»
أغمضت عينيها للحظات، وعادت بها ذاكرتها إلى سنوات مضت.
ثلاث سنوات كاملة...
ثلاث سنوات قضتها شاهندة وهي تحاول أن تبني حياة مع رجل آخر، بينما قلبها ما زال معلقًا بعاصم.
كانت تحبه، وكانت ترى أنه ظلمها.
ظلت سنوات طويلة تحمل له مشاعرها، وفي النهاية، هو الذي عاش حياته كما يريد، وأخذ الحب الذي اختاره، بينما هي بقيت تحمل وجعها وحدها.
تزوجت رجلًا آخر، وحاولت أن تبدأ حياة جديدة وتحافظ على كرامتها أمام الجميع، لكنها لم تستطع أن تنسى عاصم.
ومع مرور السنوات، فشل زواجها.
وانتهى بها الأمر مطلقة.
لكن الطلاق لم يمنحها الراحة التي كانت تتخيلها.
بل أعاد إليها كل ما حاولت دفنه.
عاد حب عاصم، وعاد معه الغضب والمرارة.
كانت ترى أنه عاش حياته وكأنه لم يفعل بها شيئًا.
هو أخذ كل شيء على الجاهز...
الحب، والزوجة، والحياة التي استقرت له في النهاية.
أما هي، فماذا أخذت؟
سنوات من الوجع، وزواجًا انتهى بالفشل، وقلبًا لم يستطع أن يتخلص منه.
وفي أضعف لحظاتها...
ظهر «الشبح».
ظهر في الوقت الذي كانت فيه شاهندة تبحث عن أي شيء يخفف عنها غضبها، فوجدها منكسرة، غاضبة، ومليئة بالرغبة في الانتقام.
استغل حبها لعاصم، واستغل شعورها بأنه ظلمها، وبدأ يغذي داخلها فكرة الانتقام.
لم تكن شاهندة تريد قتله.
كانت تريد أن تحرمه من حبه.
من لينا.
أن تجعله يتذوق بعضًا مما عاشته هي.
وبدأت الخطة.
كان شريف هو الحلقة التي احتاجا إليها.
عرفت شاهندة كيف تستغل إخلاصه الشديد لعاصم.
بكت أمامه في السيارة، وأخبرته أنها لن ترتاح ولن يهدأ لها بال حتى تشفي غليلها من عاصم، وتحرمْه من حبه ومن زوجته، كما جعلها تعيش تعيسة.
كان شريف معروفًا بإخلاصه الشديد لعاصم، وكان وفيًّا له لأبعد حد.
لكن أمام دموع شاهندة وكلامها، بدأ ثباته ينهار.
وبتوجيه من «الشبح»، دفعته إلى سرقة الملف المهم من شركة عاصم.
كان الهدف إسقاط شركة عاصم وحرق قلبه.
لكن القتل...
لم يكن جزءًا من الخطة.
لم تتفق شاهندة مع «الشبح» على أن تموت لينا.
لم تكن تريد قضية دم.
كانت تريد الانتقام فقط.
فتحت شاهندة عينيها فجأة، وعادت إلى الحاضر على صوت خطوات تقترب منها.
رفعت رأسها.
كان «الشبح» قد وصل.
جلس أمامها بهدوء، ثم نظر إلى وجهها المرتبك وقال:
«ـ إيه الرعب اللي في عينك ده؟ مش شاهندة اللي تخاف بعد ما كل خططنا نجحت وعاصم بقى ورا الشمس!»
ردت شاهندة بانفعال:
«ـ شريف جالي النادي وهددني! شريف رابط الخيوط بذكاء ومتأكد إن ليا يد في حبس عاصم وفي موت مراته! ومهددني لو ما اتجوزتوش خلال ٢٤ ساعة هيروح لعاصم السجن ويقوله على كل حاجة!»
أجابها ببرود:
«ـ خليه يروح.. تفتكري عاصم هيصدق واحد خاين سرق ملفات شركته؟»
نظرت إليه شاهندة بتوتر:
«ـ إنت مش فاهم!»
قال ببرود:
«ـ ومين قالك أساسًا.. إنها ماتت؟!»
اتسعت عينا شاهندة في صدمة:
«ـ ع.. عـ.. لينا؟!»
قال ببساطة:
«ـ أيوه.. عايشة.»
شهقت شاهندة:
«ـ يعني هي فين؟! انطق.. فين لينا؟!»
رد ببرود:
«ـ ما تسأليش.»
اتسعت عيناها أكثر:
«ـ يعني إيه ما أسألش؟! إنت مستوعب إنت بتقول إيه؟ أنا شريكتك في كل حاجة، ومن حقي أفهم اللعبة رايحة فين! لو أنا وقعت إنت كمان مش هتسلم..»
قاطعها بصرامة:
«ـ اللي سمعتيه يا شاهندة.. ما تسأليش! لينا فين.. دي حاجة تخصني أنا وبس. فوقي لنفسك وافتكري كويس إنتِ بتكلمي مين.»
صمتت شاهندة للحظات، ثم قالت بقلق:
«ـ طيب أعمل إيه في شريف؟! هو مهددني.. وعايز يتجوزني خلال ٢٤ ساعة!»
قال ببرود:
«ـ اتجوزيه.»
انتفضت شاهندة من مكانها، ووقفت أمامه، ثم راحت تحرك يديها بعصبية:
«ـ أتجوز شريف؟! شريف مين اللي أتجوزه ده كمان؟! إنت مستوعب إنت بتطلب مني إيه أصلًا؟!»
أشار إليها بيده بهدوء:
«ـ اقعدي واهدي.»
ظلت واقفة للحظات، تنظر إليه بغضب، قبل أن تعود إلى مقعدها.
قال بهدوء:
«ـ ماله شريف؟ راجل كويس، ومثقف، ومهندس، وعنده شغل ومستقبل... جوازك منه أحسن من عاصم اللي باعك.»
رفعت شاهندة عينيها إليه بحدة.
تابع وهو يراقبها:
«ـ وبعدين إنتِ مستنية إيه من عاصم؟ هو إنتِ لسه عندك أمل إن عاصم يرجعلك تاني؟»
تجمدت شاهندة للحظات.
فتحت فمها لتجيبه، لكنها لم تجد ما تقوله.
أشاحت بوجهها بعيدًا، وكأن سؤاله أصاب شيئًا تحاول دفنه منذ سنوات.
وظل هو يراقب صمتها دون أن يكرر سؤاله.
أما هي، فبقيت صامتة، عاجزة عن مواجهة الحقيقة التي لم تكن تريد حتى أن تعترف بها لنفسها.
في صباح اليوم التالي...
كانت لينا لا تزال مستلقية في غرفتها، تتأمل سقف الغرفة الغريب عليها، حين طرقت سعاد الباب طرقات خفيفة تحمل دفء الأمهات.
«حبيبتي... صحيتي؟»
عدلت لينا جلستها بسرعة، ورفعت رأسها عن الوسادة قائلة:
«أيوه يا ماما سعاد، اتفضلي.»
دخلت سعاد واقتربت منها، وعيناها تطالعان المكان برضا وابتسامة حانية.
«عاملة إيه النهارده يا حبيبتي؟ معلش، امبارح الدنيا كانت مقلوبة في الشقة والترتيب، اتلهيت ومطمنتش عليكي كويس.»
لامست كلماتها شيئًا دافئًا في قلب لينا، فابتسمت برقة.
«ولا يهمك يا ماما، كفاية وجودكم جنبي.»
جلست سعاد على حافة الفراش، وبحنان أمومي أصيل، مدت يدها تمسح على شعرها وسألتها:
«طب قوليلي، والخلبوص الصغير اللي جوه ده عامل إيه؟»
ضحكت لينا بخفة، ووضعت يدها تلقائيًا على بطنها، وكأنها تحميه من العالم.
«الحمد لله بخير يا ماما.»
لم تفارق نظرات سعاد الفاحصة وجه لينا، بل تلاشت ابتسامتها تدريجيًا، وحل محلها قلق حقيقي.
«بس وشك شاحب وأصفر كده ومش عاجبني... إنتِ مش كويسة.»
هزت لينا رأسها بسرعة، محاولة رسم ابتسامة مطمئنة لتطرد القلق من عيني المرأة التي احتوتها.
«أنا كويسة والله يا ماما، متقلقيش. بس السفر بهدلني شوية، الطريق كان طويل وتعبت منه، ولسه ما أخدتش على المكان.»
ربتت سعاد على كفها بحنان، ثم قالت:
«قومي يا حبيبتي، ادخلي الحمام كده وفوقي، وأنا هروح أحضر الفطار.»
ابتسمت لينا وأومأت:
«حاضر يا ماما.»
نهضت سعاد واتجهت نحو الباب، وقبل أن تخرج التفتت إليها وقالت بمزاح:
«يلا بقى، متتأخريش... أحسن البت إيمان الغربان اللي في بطنها بتسوسو من بدري.»
نظرت إليها لينا باستغراب، ثم قالت:
«مش كانوا عصافير؟»
ضحكت سعاد وقالت:
«أيوه، هما عصافير فعلًا... بس اللي عند إيمان بنتي غربان.»
ضحكت لينا بخفة، فابتسمت سعاد بسعادة، وقد فرحت لأنها استطاعت أن تنتزع منها ضحكة.
«أهو كده... الضحكة دي هي اللي عايزاها منك.»
ثم خرجت من الغرفة، تاركةً لينا بابتسامة صغيرة على وجهها.
اتجهت سعاد إلى المطبخ لتحضير الفطار، بينما تحركت لينا ببطء نحو الحمام.
وبعد قليل، اجتمعت الأسرة حول مائدة الطعام.
كانت سعاد تضع آخر الأطباق على السفرة، بينما جلس إبراهيم في مكانه، وإيمان إلى جواره، ولينا تجلس بهدوء وهي تحاول أن تبدو أكثر نشاطًا.
راقب إبراهيم لينا للحظات، ثم سألها باهتمام:
«لينا عاملة إيه دلوقتي؟»
ابتسمت لينا ابتسامة خفيفة وقالت:
«الحمد لله يا عمو.»
التفتت سعاد إلى إيمان وقالت:
«خلاص يا إيمان، بعد الفطار تدوري لها على دكتورة تكون شاطرة من على النت اللي قاعدة عليه ليل نهار، يمكن نطلع منه بفايدة.»
رفعت إيمان عينيها عن طبقها وقالت بضيق طفولي:
«هو أنا قاعدة ليل ونهار يا ماما؟!»
ضحكت سعاد:
«أمال إيه؟ ده إنتِ والتليفون بقينا مش عارفين نفصلكم عن بعض.»
هزت إيمان رأسها بضيق مصطنع، بينما ضحكت لينا بخفة وهي تتابعهما.
ظل إبراهيم ساكتًا للحظة، ثم مد يده إلى كوب الشاي، وحركه بين أصابعه قبل أن يقول:
«وليه تدور؟»
نظرت إليه سعاد باستغراب.
أعاد إبراهيم الكوب إلى مكانه وقال:
«ما إحنا عندنا دكتورة نسا شاطرة هنا.»
رفعت سعاد حاجبيها:
«عندنا فين؟»
أشار إبراهيم بيده إشارة عابرة نحو الخارج:
«في نفس العمارة.»
توقفت إيمان عن الأكل ونظرت إليه:
«بجد؟»
أومأ إبراهيم:
«أيوه... في الدور التالت، عيادتها هناك.»
ابتسمت سعاد براحة:
«يا راجل! طيب ما تقول من الأول. كده وفرت علينا المشوار، خصوصًا إن لينا لسه تعبانة من السفر.»
اكتفى إبراهيم بهزة رأس، ثم تناول كوب الشاي وارتشف منه بهدوء.
قالت سعاد:
«خلاص يا إيمان، بعد الفطار شوفي مواعيدها واحجزي للينا.»
هزت إيمان رأسها:
«حاضر يا ماما.»
نظرت سعاد إلى لينا بابتسامة:
«سمعتي؟ بعد الفطار هنطمن عليكي.»
ابتسمت لينا:
«حاضر يا ماما، متقلقيش.»
وعاد الجميع إلى فطورهم، بينما ظل إبراهيم صامتًا، يراقب لينا بين الحين والآخر دون أن يعلق.
ـــــــــــ
أمام مبنى النيابة، كانت الأجواء مشحونة، وسيارات الشرطة تقف في جمود، بينما تحرك الحراس في صمت حول السيارة التي ترجل منها عاصم.
كان يتم اقتياده مجددًا إلى مكتب المحقق لاستكمال استجوابه الذي تأجل بالأمس، مراعاةً لحالته النفسية المنهارة بعد تلقيه صدمة خبر موت «لينا».
كانت القيود تحيط بمعصميه، والإرهاق الشديد والشحوب يغطّيان ملامحه الوسيمة، حتى بدا كأن الأيام الماضية أثقلت جسده وروحه معًا.
سار بخطوات جاهد أن يجعلها ثابتة، لكن داخله كان ساحة معركة طاحنة.
كان هناك صوت خفي في أعماق قلبه يصرخ بقوة ويخبره أن «لينا» لا تزال حية، وأن إحساسه بها لم ينقطع، وكأن روحها لا تزال تائهة في مكان ما ولم تغادر الدنيا بعد.
لكن ذلك الإحساس كان يتحطم في كل لحظة تحت وطأة الواقع المرير، والكلابشات التي تكبل يديه بتهمة إخفائها.
كان التمزق بين حدسه بأنها حية، والواقع الذي يصرخ في وجهه بأنها ماتت، يمزق صدره بلا رحمة.
وفي الوقت نفسه، كانت الساعات تمر ثقيلة داخل الفيلا.
جلست نجاة في غرفة المعيشة، والتوتر يأكل أعصابها، بينما لم تتوقف الدموع عن الانهمار من عينيها.
وبجوارها كانت سيلا تمسك هاتفها بقبضة مرتعشة، وعيناها معلقتان بالشاشة.
حاولت الاتصال بعاصم أولًا، لكنها لم تستطع الوصول إليه بالطبع، ثم أعادت الاتصال بسليم مرة أخرى، لعلّه يطمئنهما على ما يحدث داخل النيابة.
لكن سليم أيضًا لم يرد.
خفضت سيلا الهاتف ببطء، وقالت بقلق:
ـ مفيش فايدة يا ماما... لا أبيه بيرد، ولا سليم بيرد. أنا مش مرتاحة خالص.
نظرت إليها نجاة بعينين دامعتين، وقالت بصوت متهدج:
- وأنا كمان يا بنتي... قلبي مش ممكن . يا رب الموضوع يعدّي على خير.
ظلت سيلا تحدق في هاتفها، وكأنها تنتظر أن يرن في أي لحظة، ثم قالت بحزن:
- نفسي أروح له يا ماما... نفسي أشوفه وأعرف بيحصل له إيه.
تنهدت نجاة، ومسحت دموعها بطرف أصابعها.
- سليم وصّانا نستنى مكالمته... يمكن يكون لسه جوه ومشغول.
وفي تلك اللحظة، فُتح باب الفيلا، ودخلت مديحة بخطوات سريعة، وعلامات الأسى والوجع واضحة على وجهها.
ما إن وقعت عيناها على نجاة حتى اتجهت إليها فورًا.
ـ قلبي عندك يا حبيبتي...
احتضنتها مديحة بقوة، وجلست إلى جوارها، بينما بدت على ملامحها علامات العتاب الممزوج بالحزن.
ـ بقى كده يا نجاة؟ ما تقوليش على اللى حصل أنا آخر من يعلم؟ عاصم ابن أختي يحصل له كل ده، وأنا ما أعرفش غير من النت زى الغريب ؟!
خفضت نجاة عينيها بأسف، وارتجف صوتها وهي تقول:
-اعذريني يا مديحة... . أنا كنت فى ايه ولا فى ايه، وعقلي أصلًا واقف عن التفكير. مش عارفة أفكر، ومش عارفة أعمل إيه.
ربتت مديحة على ظهرها بحنان، وقالت بحزن:
- أنا أختك يا نجاة، كان لازم أعرف وأكون جنبك في وقت زي ده.
قالت نجاة بصوت مكسور:
ـ عارفة... وعشان كده أنا زعلانة من نفسي، بس والله ما كنت قادرة أستوعب اللي بيحصل.
تدخلت سيلا بصوت متوتر، وهي لا تزال ممسكة بهاتفها:
ـ اللى حصل ده كان فوق طاقتنا... أنا وماما هنموت ونروح له النيابة نشوفه، بس سليم منبه علينا ما نتحركش ومستنيين منه مكالمة تريح نارنا.
احتضنت مديحة سيلا أيضًا، وقالت:
ـ ربنا يطمن قلبنا عليه يا رب.
وفي مكان آخر تمامًا، كان «الشبح» يجلس خلف مكتبه الضخم، وملامحه يغلفها برود مرعب.
كان أمامه بوكس هدية.
مرر أصابعه ببطء فوق الصندوق، ثم فتحه واطلع على محتوياته ، متأملًا ما يحمله من أسرار .
ظل يتفحص محتوياته بانتصار خبيث، ثم أعاد إغلاق البوكس بعناية، وأعاد لفه كما كان تمامًا.
تقدم أحد رجاله ، فأشار إليه الشبح، ودفع البوكس أمامه ليتسلمه الرجل.
قال بنبرة حاسمة تحمل متعة سادية:
ـ عايز البوكس ده يوصل النيابة لعاصم... بسرعة.
تحرك الرجل فورًا لتنفيذ الأمر.
وبعد خروجه، استند الشبح إلى مقعده، وأشعل سيجاره الفاخر، ثم نفخ دخانًا كثيفًا ملأ المكان، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مخيفة .
---
وفي ممر النيابة، كان سليم يقف في زاوية هادئة، بعدما نقل له مساعده شوقي تفاصيل التقرير الطبي السري للجثة الغريقة التي عُثر عليها.
اقترب منه محامي عاصم، وعلامات الترقب تكسو وجهه، ممسكًا بملفه الورقي بيد مرتعشة.
قال سليم بنبرة منخفضة وجادة:
ـ اسمعني كويس يا متر. أنا قدرت اجبلك المفيد من المشرحة قبل ما تدخل لوكيل النيابة وتتفاجأ. التقرير المبدئي فيه جناية؛ الوفاة «إسفكسيا غرق» تمام، بس الطب الشرعي أثبت وجود كدمات حيوية ومقاومة على الرقبة والإيدين قبل الوفاة.
يعني البنت اتخنقت واتكتفت واترمت في المية وهي صاحية. القضية اتقلبت قتل عمد.
عدل المحامي نظارته بتوتر، وقال:
ـ يا نهار أسود... قتل عمد؟ لو الدكتور بهاء دخل وأكد إنها لينا، وكيل النيابة هيغير القيد والوصف في المحضر حالًا، وعاصم بيه هيتوجه له اتهام رسمي بالقتل!
نظر إليه سليم بتركيز، وقال:
ـ عشان كده لازم نكون جاهزين. أول ما تدخل وتسمع التهمة، اطلب فورًا تأجيل توجيه الاتهام النهائي لإعادة التحريات، وسيب الباقي عليا.
دخل سليم إلى مكتب وكيل النيابة «أدهم»، حيث كانت تجمعهما زمالة وصداقة قديمة.
أغلق الباب خلفه، ثم تقدم نحو المكتب وتحدث بصوت منخفض:
ـ أدهم... إحنا أصحاب وأنت عارفني كويس. أنا متأكد وعندي يقين إن عاصم بريء، مستحيل يمد إيده على لينا أو يقتلها.
ترك أدهم الأوراق من يده، ووقف خلف مكتبه، ثم قال:
ـ أنا مقدر خوفك على عاصم يا سليم، ومقدر حيرتك، لكن أنت سيد من عارفين الإجراءات المتبعة في الحالة دي. الجثة اتلقت غرقانة، وعليها آثار خنق ومقاومة حيوية واضحة، وجده بنفسه داخل ومصمم يثبت أقواله ويأكد إنها لينا. القانون ما بيحكمش بالمشاعر يا صاحبي، والأدلة المبدئية لازم تتاخد في الاعتبار.
قال سليم بلهفة:
ـ بس يا أدهم...
قاطعه أدهم بهدوء حاسم:
ـ من غير «بس» يا سليم. اللي أقدر أعمله عشان خاطرك وعشان الصداقة اللي بيننا، إني مش هحول القضية للجنايات بتهمة القتل العمد فورًا. هسمع استجواب عاصم وتثبيت أقوال الجد، وبناءً على طلب المحامي اللي هتقدموه، هثبت تهمة «المسؤولية عن الاختفاء» الحالية في المحضر، وأطلب إعادة الملف للبحث الجنائي لإجراء تحريات تكميلية وفحص علاقات المجني عليها.
ثم أضاف:
ـ عاصم هيفضل محبوس، وتأجيل تهمة القتل هيكون لمدة أسبوعين لحين ورود التقرير الطبي النهائي الشامل وتحليل الـDNA من مصلحة الطب الشرعي. الأسبوعين دول فرصتك الوحيدة يا سليم عشان تثبتلي عكس الكلام اللي في الورق ده.
---
فتح الحرس الباب، ودخل الدكتور بهاء الدين إلى مكتب وكيل النيابة.
كان يسير بخطوات ثابتة، بينما جلس سليم في مكانه يراقبه بصمت.
أمسك أدهم بالمحضر الجديد، ونظر إلى بهاء بجدية:
ـ دكتور بهاء... إحنا أرفقنا بالمحضر الإقرار الرسمي الصادر من مصلحة الطب الشرعي اللي حضرتك وقعت عليه الصبح في المشرحة بالتعرف على جثة الفتاة الغريقة. حضرتك جيت النهارده عشان تثبت أقوالك رسميًا في التحقيق. هل لسه عند كلامك إن الجثة للينا؟
ساد صمت خانق للحظات.
لم يجب بهاء فورًا.
ظل ساكتًا، وعيناه معلقتان أمامه، وكأن السؤال شرده بعيدًا للحظات.
نظر سليم إليه باهتمام.
ضيّق عينيه قليلًا، وبدأ يركز أكثر في ملامح بهاء وصمته غير المعتاد.
من اللحظة دي بدأ الشك يتسلل إلى عقل سليم.
لم يفهم سبب هذا التردد، ولا لماذا شرد بهاء هكذا أمام سؤال واضح ومباشر.
وفي تلك اللحظات، دار شريط أسود في عقل بهاء؛ تذكر ماضيه وعلاقاته القديمة بالمافيا، وتذكر تهديد «الشبح» الصريح له بتدمير كل شيء.
صحيح أنه كان غاضبًا من عاصم بشدة، وكان يحمل عليه غضبًا بسبب ما حدث مع لينا، لكنه مستحيل أن يرضى بقتله.
تملكه خوف حقيقي عليه، وردد في داخله:
«لو أنا قلت الحقيقة دلوقتي وأكدت إن الجثة دي مش جثة لينا... عاصم هيطلع براءة فورًا ، وكده الشبح هيحس إن ملعوبه فشل، وهيفكر يصفّيه! لان واضح من كلامه ليا كم الحقد اللى فى قلبه لعاصم... السجن والكلابشات أمان مؤقت لعاصم. هيفضل محمي ورا قضبان النيابة وبين الحراس لحد ما أشوف وأخلص من ابن الكلب ده ازاى.»
ظل بهاء ساكتًا للحظات، وكأنه لم يسمع السؤال من الأساس.
لاحظ أدهم شروده، فناداه بنبرة واضحة:
ـ دكتور بهاء...
لم ينتبه بهاء.
فعاد أدهم يقول:
ـ دكتور بهاء، كده يعني... تمام؟ رد على السؤال.
انتبه بهاء فجأة، وكأنه عاد إلى الغرفة من مكان بعيد.
رفع عينيه إلى أدهم، وأخذ نفسًا عميقًا، بينما ظل سليم يراقبه باهتمام أكبر.
قال أدهم مرة أخرى:
ـ حضرتك لسه عند كلامك إن الجثة دي جثة لينا؟
استجمع بهاء نفسه، وأخفى توتره، ثم قال بنبرة حاسمة:
- أيوه يا فندم... أنا بأكد أقوالي وإقراري في المشرحة؛ الجثة هي جثة لينا. وللأسف، ملامح الخنق اللي في رقبتها بتقول إنها ماتت مقتولة... وعاصم هو المسؤول عن اختفائها وموتها.
لم يقل سليم شيئًا.
لكنه ظل يراقب بهاء باهتمام.
لم يكن يعرف ما الذي يخفيه بهاء، لكنه أصبح متأكدًا أن وراء ذلك الصمت والتردد شيئًا لم يُكشف بعد.
أنهى بهاء أقواله، ثم نهض من مكانه.
تلاقت عيناه بعيني سليم للحظات.
نظرة طويلة، غامضة، ومثقلة بأسرار لم تُكشف بعد.
ثم انصرف بهاء من الغرفة.
ظل سليم يتابعه بعينيه حتى خرج، قبل أن يعود بنظره إلى الداخل.
وبعد لحظات، دخل عاصم إلى مكتب وكيل النيابة، وخلفه الحرس.
كان يجر أصفاده التي أحدثت قعقعة معدنية باردة في الغرفة.
جلس الجميع في أماكنهم، بينما تراجع سليم إلى زاوية المكتب في صمت.
نظر أدهم إلى العسكري وقال:
ـ فك الكلابشات يا عسكري.
اقترب العسكري وفك القيود عن معصمي عاصم.
ثم نظر أدهم إلى عاصم وقال بهدوء:
ـ اتفضل اقعد يا دكتور عاصم.
جلس عاصم بصمت.
كان وجهه شاحبًا، وعيناه تحملان إرهاقًا لا تخطئه عين، بينما كان داخله يرفض حتى الآن تصديق أن لينا رحلت.
أمسك وكيل النيابة أدهم بالمحضر، ثم بدأ الاستجواب:
ـ ما قولك تفصيلًا فيما هو منسوب إليك؟
ثبت عاصم نظراته المتعبة في عيني أدهم، وأجاب:
ـ محصلش يا فندم... أنا مقتلتش مراتي.
رفع عاصم عينيه إليه، وقال بانفعال ممزوج بالوجع:
ـ إنتوا ليه مصممين إنها ماتت؟ هي ما ماتتش... لينا لسه عايشة. أنا عارف إنها عايشة، ومش ممكن تسيبني.
ظل أدهم ينظر إليه لثوانٍ، ثم قال بجدية:
ـ إنت بتنكر التهمة الموجهة إليك؟
أجابه عاصم دون تردد:
ـ أنا بقولك لينا عايشة... أنا ما قتلتهاش، وهي ما ماتتش.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول أدهم وهو يدون في محضر التحقيق:
ـ أُثبت إصرار المتهم على إنكار التهمة الموجهة إليه.
بدأ أدهم يملي على السكرتير الأقوال بدقة.
ثم وجه إليه عدة أسئلة تفصيلية ومستفيضة حول تواجده في الساعات الأخيرة قبل اختفائها، وكان عاصم يجيب بهدوء، بينما ظل سليم يراقبه في صمت.
وفجأة...
انقطع حبل التحقيق القاسي بصوت طرقات سريعة وقوية على الباب.
رفع أدهم عينيه وقال:
ـ ادخل.
فتح العسكري الباب ودخل مسرعًا، يحمل بين يديه بوكس الهدية الحقيقي.
قال:
ـ يا فندم، في شخص مجهول ساب البوكس ده مع أمن المبنى بره ومشي بسرعة، وقال إن الحاجات دي لازم توصل للدكتور عاصم حالًا في مكتب التحقيق. إحنا فتشنا البوكس بره للتأمين.
نظر أدهم إلى الصندوق، ثم قال:
-حطه هنا على المكتب يا عسكري.
تقدم العسكري ووضع بوكس الهدية أمام أدهم وعاصم.
تعلقت عينا عاصم بالصندوق.
تغيرت ملامحه للحظات، وكأن شيئًا غامضًا في شكله طرق باب ذاكرته بقوة.
ظل ينظر إليه في صمت...
ثم مد يده ببطء نحوه.
اقتربت أصابعه من الغطاء...
وتوقفت لحظة فوقه.
ثم أمسك بطرفه...
