رواية حين يجبر العشق الفصل السادس والعشرون
بعد خمسة أيام...
خمسة أيام لم يحدث خلالها ما يستدعي إعلان الخطر، ولا ما يسمح لهم أيضًا أن يطمئنوا إليه.
كان الهدوء الذي خيّم على دار العامرية أشبه بهدوءٍ يسبق شيئًا لا يعرف أحد متى سيبدأ، لكنه يعرف جيدًا أنه قادم.
فالخيوط التي امتدت طوال الأيام الماضية بدأت تقترب من بعضها، وكل خطوةٍ اتُّخذت في صمت كانت تحمل خلفها احتمالًا واحدًا؛ إما أن تفتح الطريق أمامهم إلى صبري الرفاعي، أو تمنح عدوهم فرصةً جديدة للاختفاء.
في مكتب سلطان ...
كان يجلس خلف مكتبه في هدوء، يتابع بعض الملفات الخاصة بأعماله في القاهرة، وبين يديه أوراق تراكمت خلال الأيام الماضية، يحاول أن ينهي أكبر قدرٍ منها .
رفع عينيه عن الأوراق عندما فُتح باب المكتب، ودخل ياسين بخطوات ثابتة.
لم يحتج سلطان إلى السؤال عن سبب مجيئه؛ نظرة ياسين وحدها كانت كافية ليعرف أن هناك جديدًا.
أغلق الملف أمامه، وأسند ظهره إلى مقعده قائلًا بهدوء:إيه الجديد عندك يا ياسين؟
اقترب ياسين من المكتب، ثم قال بنبرة جادة: الرجل بتاع صبري هيتحرك كمان شوية... هيروح لشاهين زي ما إحنا خططنا بالظبط، وهيتواصل معانا زي ما فهمته.
ظل سلطان صامتًا للحظات، وكأنه يراجع في ذهنه كل خطوة من الخطة قبل أن يسأل: متأكد إنه جاهز؟
ياسين بتاكيد : جاهز... وعلى قد ما هو خايف، على قد ما عارف إن مفيش قدامه طريق تاني.
أومأ سلطان ببطء، ثم قال: كويس... أهم حاجة إن الخوف اللي جواه ما يبانش قدامهم. شاهين مش سهل، ولو شم منه أي حاجة غريبة، كل اللي عملناه هيروح في لحظة.
هز ياسين راسه مؤكداً : أنا فاهم ده كويس، وعشان كده متابع تحركه لحد ما يدخل عندهم ويستقر بينهم.
سكت ياسين قليلًا، ثم أضاف: وفيه حاجة تانية.
رفع سلطان عينيه إليه باهتمام : قول.
قال ياسين بجديه : رجالتنا إحنا ورجالة الرفاعية اتأكدوا إن فيه شحنة سلاح كبيرة هتدخل الجنوب النهارده عن طريق الحدود الشرقية. وبنسبة كبيرة الشحنة دي تخص صبري... بس لحد دلوقتي مش عارفين إذا كان هو اللي هيسلّمها ولا هو اللي هيستلمها.
تغيّرت ملامح سلطان قليلًا، وأصبح تركيزه أكثر حدة : وبعدين ؟؟
ياسين بتقرير : بلغنا السلطات بكل اللي عرفناه. وهما هيتحركوا في الوقت المناسب، وإحنا هنكون بعيد عن الصورة تمامًا.
ظل سلطان ينظر أمامه للحظات، ثم قال بنبرة ثابتة: تمام بس مش عاوز غلطة.
ابتسم ياسين ابتسامة صغيرة، وقال بثقة:ما تقلقش. أنا هكون متابع معاهم أنا وهارون، وكل خطوة هتتحسب قبل ما تتاخد.
أومأ سلطان، ثم قال بهدوء: ربنا معاكم.
ساد صمت قصير داخل المكتب، قبل أن يلتقط سلطان أحد الملفات واخذ يراجعها بتركيز : علي فكره انا مسافر النهارده على القاهرة.
نظر إليه ياسين باهتمام : القاهرة؟ ليه؟
سلطان بضيق : عندي مشاكل في شغلي هناك، ولازم أكون موجود بنفسي. الموضوع اتأجل أكتر من اللازم، ومش هينفع أفضّل مأجله.
فهم ياسين الأمر، لكنه لم يخفِ قلقه : هتقعد قد إيه؟
أجابه سلطان ببساطة: يومين تلاتة بالكتير.
ثم رفع عينيه إليه وأضاف:وإنت هتكون بدالي هنا يا ياسين.
اجابه ياسين بجديه : أوامرك يا شيخ سلطان.ثم سكت لحظة، قبل أن يتابع: بس أنا هرتب مع شركة حراسة في مصر تكون في انتظارك أول ما تخرج من المطار. هيكونوا ملازمينك طول فترة وجودك هناك.
قطّب سلطان حاجبيه قليلًا: مالوش لزوم ..
رد ياسين بجدية:لا لازم إحنا مش عارفين رد فعل صبري على عملية النهارده هيكون إيه. ولو الشحنة فعلًا تخصه، والسلطات قدرت توقفها، فهو أكيد مش هيسكت... وأنت بالنسبة له مش مجرد كبير العامرية.أنت أكتر واحد عارف إنه خسر كتير بسببك، وأكتر واحد ممكن يحاول يوجعك بأي طريقة.
ظل سلطان ساكنًا، لكن عينيه حملتا ذلك الهدوء الذي لا يأتي إلا من رجلٍ اعتاد أن يضع الخطر أمامه دون أن يسمح له بأن يغيّر خطواته قال أخيرًا: صبري لو قرر يرد... هيرد.
ثم نهض من خلف مكتبه، واتجه ناحية النافذة، وأضاف بصوت هادئ: وانا بقي عاوزه يطلع من الحجر اللي مستخبي فيه.
التفت إلى ياسين، ونظر إليه بثبات : خاليك هنا. راقب كل حاجة، وخليك على تواصل مع هارون. وأول ما يحصل أي تغيير لازم اعرف قبل أي حد.
أومأ ياسين قبل ان يرحل : حاضر يا شيخ سلطان
..................
ما إن غادر ياسين المكتب وأُغلق الباب خلفه، حتى عاد سلطان إلى ما كان يفعله، يجمع أوراقه ويضع بعضها في حقيبته استعدادًا للسفر.
كان يتحرك بهدوءٍ محسوب، يراجع في ذهنه الملفات التي سيحتاج إليها في القاهرة، حين فُتح باب المكتب من جديد، ودخلت حور.
رفع عينيه إليها، فلاحظ منذ اللحظة الأولى الضيق المرتسم على ملامحها.
ترك ما بيده، وقال بنبرة هادئة: مالك يا حور؟
تقدمت نحوه، ثم وقفت أمام المكتب وقالت بضيق واضح: أنا عاوزة أعرف أنا إمتى هرجع الجامعة تاني؟ إحنا داخلين على التيرم وأنا مش بحضر.
تنهد سلطان بهدوء، ثم عاد لترتيب أوراقه قبل أن يجيبها : مش دلوقتي يا حور.
اتسعت عيناها بانفعال.: أومال إمتى؟
رفع نظره إليها، وقال بصدق لم يحاول تلطيفه: مش عارف... إن شالله لو مدخلتيش امتحان السنة دي وعيدتي السنة.
توقفت الكلمات على شفتيها، وكأنها لم تتوقع منه تلك الإجابة.
لمعت عيناها بالدموع وهي تقول: يعني إيه الكلام ده يا سلطان؟... إنت وعدتني.
تبدلت ملامحه فورًا.
ترك كل ما في يده، ونهض من مكانه واتجه إليها، حتى وقف أمامها، ثم احتواها بذراعيه في هدوء.
قال بصوتٍ خافت: أنا وعدتك إني أحقق لك حلمك... وأنا عند وعدي، وهفضل عنده.
رفعت وجهها إليه، وعيناها لا تزالان ممتلئتين بالعتاب.
أكمل وهو يمسح بإبهامه أثر دمعةٍ كادت تهبط من عينها: بس مش على حساب حياتك يا حور. أنا مش هخاطر بيكي تاني طول ما الكلب صبري ده إيدي مش طيلاه.
خفضت عينيها قليلًا، ثم قالت بنبرة أهدأ: طب ما في حراسة هتكون معايا.
ابتسم سلطان ابتسامة صغيرة، لكنها لم تحمل أي تهاون.: لو معاكي جيش بحاله، مش هقدر أخاطر بحياتك.
ثم ضمها إليه بقوة أكبر، وكأن مجرد استعادة ذكرى اختطافها كانت كافية لتشعل النار بصدره من جديد ، شدد ذراعيه حولها وتابع : أنا عشت أسوأ يوم في حياتي يوم ما اتخطفتي من حضني، يا حور. فاكرة إني ممكن أكرر ده بإيدي؟
سكتت بين ذراعيه، بينما تابع بصوتٍ أكثر لينًا:معلش أنا عاوزك تستحملي شوية كمان. وقريب أوي كل ده هينتهي...
علشان خاطري.
رفعت وجهها إليه، وظلت تنظر في عينيه لحظات، قبل أن تبتسم باستسلامٍ حنون : حاضرعلشان خاطرك هستحمل. وأمري لله.
اتسعت ابتسامته وامسك وجنتها بيديه : يسلم لي الحنين اللي بيسمع الكلام.
المهم دلوقتي... اطلعي البسي وجهزي نفسك، علشان طيارتنا كمان ساعة.
رمشت حور باستغراب.: طيارتنا؟ هو إحنا مسافرين؟
ابتسم سلطان وهو يعود إلى حقيبته: أيوه. هننزل القاهرة. عندي شغل مهم هناك، وهقعد كام يوم وقلت آخدك معايا.
اختفت كل ملامح الضيق من وجهها في لحظة، وحل محلها فرح صادق.: بجد يا سلطان؟
رفع عينيه إليها، وفيهما عشق واضح: بجد يا حور السلطان. يلا اطلعي جهزي... مفيش وقت.
استدارت لتخرج، ثم توقفت فجأة وعادت تنظر إليه.: بس أنا مش هلحق أحضر حاجة.
عقد حاجبيه باستغراب مصطنع. : إحنا مش محتاجين حاجة. البسي وانزلي على طول.
نظرت إليه بعدم فهم.: إزاي بس؟ مش هناخد هدوم معانا؟
رفع سلطان عينيه إليها، واستقرت على شفتيه ابتسامة جانبية تحمل من الجرأة ما جعلها تفهم قصده قبل أن ينطق.: مش هنحتاجها.
اتسعت عيناها، واحمرّ وجهها وهمست بخجل :سلطان... بطل بقى!
ضحك بخفوت، وكاد يجيبها، لكن رنين هاتفه قطع اللحظة.
نظر إلى الشاشة، ثم إليها، وقال وهو يمد يده ليلتقط الهاتف: يلا اطلعي اجهزي، على بال ما أرد على المكالمة المهمة دي.
هزت رأسها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها:
حاضر.
ثم خرجت من المكتب، بينما تابعها سلطان بعينيه حتى اختفت خلف الباب.
رفع الهاتف إلى أذنه، وعادت ملامحه إلى جديتها شيئًا فشيئًا.
................
خرج سلطان من مكتبه بعد أن أغلق حقيبة أوراقه، واتجه بخطوات هادئة نحو الصالون.
لمح عامر وماجدة يجلسان في الصالون إلى جوار والدته ...
منذ المواجهة الأخيرة بينه وبينها أصبحت هانم تتجنبه قدر استطاعتها. لم تعد تبحث عن فرصة للحديث معه، ولا تقترب من مكتبه كما كانت تفعل من قبل، وكأن كلماته ما زالت عالقة في صدرها، تذكّرها في كل مرة بالحقيقة التي قضت سنوات طويلة تحاول الهرب منها.
رفع عامر عينيه، فانتبه إلى حقيبة الأوراق التي يحملها سلطان فساله مستفهماً: إنت خارج ولا إيه يا سلطان؟
أجابه سلطان بهدوء:لا، مسافر القاهرة. عندي شغل هناك.
سأله عامر:هتغيب كتير؟
سلطان وهو بنظر في ساعته : يومين تلاتة بالكتير... وهاخد حور معايا.
تبادلت ماجدة وعامر نظرة سريعة، تحمل من المفاجأة أكثر مما أرادا إظهاره.
ثم التفتت ماجدة إلى هانم، تترقب منها اعتراضًا أو حتى كلمة واحدة تكشف رفضها لما سمعته.
لكن هانم لم تفعل.
اكتفت بالنظر إلى سلطان للحظات، ثم قالت بهدوء: وماله يا ولدي... ترجع بالسلامة إن شاء الله.
رفع سلطان عينيه إليها للحظة، وكأن هدوءها فاجأه هو الآخر، ثم أومأ باقتضاب.
إن شاء الله.
أما عامر فقال:ترجع بالسلامة إن شاء الله يا خويا، واطمن... أنا هسد مكانك كأنك موجود.
ارتسمت على شفتي سلطان ابتسامة بسيطة.: تسلم يا عامر، ما تتعبش نفسك. ياسين هيقوم بكل حاجة لحد ما أرجع.
تبدلت ملامح عامر قليلًا، وقال ببعض الضيق: ياسين إيه وأنا موجود؟ هو ياسين يفهم إيه في شغل المشيخة؟
رفع سلطان نظره إليه، وقال ببرودٍ هادئ:
ياسين عارف هو بيعمل إيه كويس. وبعدين ركّز إنت في شغلك وشغل الأرض والزراعة، وياسين هيتابع الباقي، وهيكون على اتصال بيا لو حصلت حاجة.
لم يجد عامر ما يرد به.
وقبل أن يطول الصمت، سُمعت خطوات حور وهي تهبط الدرج.
ظهرت بعد لحظات وهي تحمل حقيبتها الصغيرة، وما إن رأت سلطان حتى ابتسمت واقتربت منه.: أنا جاهزة.
نظر إليها سلطان بعشق واضح لم يحاول إخفاءه، ثم قال: تمام... يلا بينا.
مد يده إليها، فوضعت يدها في يده دون تردد، واتجها معًا نحو الباب.
كانت خطواتهما بسيطة، لكنها حملت مشهدًا كاملًا أمام أعين من بقوا في الصالون؛ سلطان الذي لم يعد يخفي تعلقه بزوجته، وحور التي لم تعد تتردد في الوقوف إلى جواره أينما ذهب.
لكن عينين أخريين كانتا تتابعان المشهد من أعلى الدرج.
كانت سارة واقفة هناك، وقد سمعت كل شيء.
سفر حور مع سلطان...وقبول الجميع للأمر...
والأخطر بالنسبة إليها، صمت هانم التام.
شدّت سارة أصابعها حول حافة الدرابزين، تراقب الباب الذي خرج منه سلطان وحور معًا، ثم نزلت الدرج ببطء.
وما إن ابتعدا حتى نهض عامر بضيق واضح، وقال:أنا رايح أشوف شغلي.
ثم خرج من الصالون، تاركًا وراءه ماجدة وهانم.
التفتت ماجدة إلى هانم، وما إن تأكدت أن عامر ابتعد حتى قالت باستنكار: إيه الحوار الجديد ده؟ من إمتى حد من الرجالة ياخد مراته معاه وهو مسافر في شغل؟
ثم أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تتابع: لا، البت حور دي مش سهلة... دي أكيد ساحرة له ومخلّياه ماشي وراها زي الدلدول!
ما إن انتهت من جملتها حتى التفتت هانم إليها بعنف.: احترمي نفسك يا مرة إنتِ!
ارتبكت ماجدة من نبرة هانم المفاجئة.
وتابعت هانم بغضب:إنتِ مش عارفة بتتكلمي عن مين؟ إنتِ بتغلطي في الشيخ سلطان... كبيرنا!
خفضت ماجدة عينيها وقالت بخوف:مش قصدي والله يا خالتي... زلة لسان، أنا قصدي...
قاطعتها هانم بغضب : تقصدي ولا ما تقصديش!
اشتدت نبرة هانم، ثم قالت بحزم: حسك عينك تتكلمي كده تاني على الشيخ سلطان. الشيخ سلطان كبيرنا، وكلنا عايشين في خيره، وهو حر يعمل اللي هو عاوزه.
ثم أضافت بلهجة قاطعة: وبعدين هو عمل إيه غلط؟ دي مرته، ومسافرة معاه.
ظلت ماجدة صامتة، وقد أدركت أن أي كلمة أخرى لن تكون في صالحها.: عندك حق يا خالتي... حقك عليا.
ثم نهضت سريعًا، واتجهت إلى غرفتها.
بقيت هانم وحدها في الصالون ...
اقتربت سارة وجلست أمامها، ثم قالت بعد لحظات من الصمت: أنا مش فاهماكي.
رفعت هانم عينيها إليها بحدة.: مش فاهاني في إيه؟
قالت سارة وهي تراقب وجهها: رد فعلك على سفر حور مع سلطان. شايفاكي عادي... متقبلاه كأن مفيش حاجة.
أجابت هانم ببرود: وفيها إيه؟ زي ما قلت... سلطان حر يعمل اللي هو عاوزه.
لم يعجب سارة الرد، فقالت: ماشي... بس إنتِ مش شايفة إن حور كده بتاخد حجم أكبر من حجمها؟
استقرت عينا هانم عليها، ثم قالت بثبات:
حور مرت الكبير... ومكانها وحجمها معروفين.
اتسعت عينا سارة بعدم تصديق : نعم؟ وده من إمتى؟
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت هانم جملتها بوضوح، وكأنها تحسم أمرًا داخل نفسها قبل أن تحسمه أمام سارة: من يوم ما ولدي عشقها.
تجمدت سارة في مكانها.: يعني إنتِ... موافقة على حب سلطان ليها؟
نظرت إليها هانم طويلًا قبل أن تجيب: اللي رايده ولدي ومريّحه يعمله. دي حياته... وهو حر فيها.
ثم تابعت بنبرة لا تحتمل النقاش: وأنا مش هقف قدام راحته تاني ....
لمعت الدموع في عيني سارة.:طب وأنا؟ واتفاقنا؟ وابنه اللي في بطني؟
لأول مرة، لم تلن ملامح هانم أمام دموعها.
قالت بهدوء قاطع:ابني أهم من أي حاجة في الدنيا.
ثم اقتربت منها قليلًا، وأضافت: وزي ما إنتِ بتحاربي علشان ولدك اللي لسه ما شافش النور، أنا مش هحارب ولدي علشانك... لأن دي حرب خسرانة.
شهقت سارة بصمت.
تابعت هانم: ولدك التحليل هو اللي هيثبت إذا كان ولدنا ولا لاه. ومن هنا لحد ما نعرف الحقيقة، تقعدي في حالك ومالكيش صالح بحد.
وقفت هانم، ثم ألقت عليها نظرة أخيرة وقالت: فاهمة؟
لم تجد سارة سوى الصمت رداً علي كلامها .
تركتها هانم وغادرت المكان، دون أن تلتفت خلفها.
أما سارة فبقيت جالسة وحدها، تحدق في الفراغ بعينين ممتلئتين بالدموع.
لأول مرة، أدركت أن الأرض التي ظنت أنها تقف عليها بدأت تنسحب من تحت قدميها.
هانم لم تعد حليفتها.
وسقطت آخر ورقة كانت تراهن عليها... فلن يبقى بينها وبين سلطان سوى الحقيقة التي تنتظرها نتيجة التحليل.!!!!!
..............
وصل سلطان إلى القاهرة في منتصف النهار، وبعد أن غادرا المطار، كانت سيارته تنتظرهما أمام البوابة، تتبعها سيارات الحراسة التي أرسلها ياسين.
ما إن تحرك الموكب حتى استندت حور إلى مقعدها، تنظر من النافذة إلى شوارع القاهرة التي ازدحمت بالحياة، بينما كان سلطان إلى جوارها يتابع بعض المكالمات الخاصة بعمله.
وبعد وقتٍ قصير، توقفت السيارات أمام مبنى شاهق في واحدة من أرقى مناطق القاهرة.
رفعت حور عينيها إليه بانبهار، قبل أن تترجل من السيارة إلى جواره.
كانت شركة سلطان تبدو مختلفة تمامًا عن كل ما اعتادته في الجنوب؛ مبنى ضخم بواجهة زجاجية، حركة منظمة، وموظفون يتحركون في هدوءٍ وانضباط.
وما إن دخلا حتى بدأ العاملون في استقبال سلطان باحترام واضح، بعضهم يحييه، وبعضهم يتوقف لحظات ليلقي عليه التحية قبل أن يكمل طريقه.
أما حور فكانت تسير إلى جواره، وعيناها تتحركان في كل اتجاه، تراقب المكان بإعجاب واضح.
لاحظ سلطان نظراتها، فابتسم بخفة: عجبتك الشركة؟؟
نظرت إليه بحماس طفولي: أوي... أنا أول مرة أشوف شركتك هنا. المكان كبير أوي.
ابتسم لها ثم صعدا إلى الطابق الخاص بمكتبه.
وما إن دخل سلطان مكتبه حتى تبعته حور، بينما دخل السكرتير خلفهما بملف في يده.
قال باحترام: الاجتماع هيكون جاهز خلال ربع ساعة يا فندم.
أومأ سلطان: تمام.
خرج السكرتير، وأغلق الباب خلفه.
التفت سلطان إلى حور، فوجدها ما زالت تتجول بعينيها في المكتب.
اقترب منها وقال: معلش، هسيبك شوية أخلص الاجتماع ده، وبعدها هنمشي على طول.
نظرت إليه، ثم سألته بنبرة بدا فيها الضيق:
هنروح شقتك اللي هنا؟
فهم سلطان على الفور ما وراء السؤال.
لم تكن المشكلة في الشقة ذاتها...بل في الذكريات التي تحملها.
ذلك المكان الذي كان يجمعه بالماضي قبل أن تدخل حور حياته، وقبل أن يصبح لكل شيءٍ معنى آخر.
اقترب منها أكثر، وأمسك يدها بين يديه.لا.
رفعت عينيها إليه.: اومال فين ؟؟
ابتسم بهدوء: هنقعد في فندق.
ظلّت تنظر إليه، فأكمل بنبرة تحمل يقينًا واضحًا: وعاوزك تطمني إنك مش هتدخلي مكان دخلته واحدة قبلك. علشان ترتاحي... أنا بعت الشقة اللي هنا من فترة.
اتسعت عيناها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة عاشقة.
اقتربت منه أكثر، وقالت بصوت خافت: بحبك يا شيخ سلطان.
نظر إليها طويلًا، وكأن الكلمات، رغم بساطتها، ما زالت قادرة على أن تصيب قلبه في كل مرة.
لثم باطن كفها وهو ينظر في عينها بعشق : وأنا مش عاوز حاجة من الدنيا غير إنك تفضلي تحبيني كده على طول... وأفضل أسمعها منك.
ابتسمت حور بشقاوة:أمرك يا شيخ سلطان.
ضحك بخفة، ثم هز رأسه وكأنه لم يعد يعرف ماذا يفعل معها وتابع بغيظ : بتقوليها وانتي عارفة إني مش هعرف آخد حقي منك؟
اقترب منها وهمس امام شفتيها : بس معلش... كله بحسابه. هخلص الاجتماع وأفضى لك.
وقبل أن تتمكن من الرد، خطف منها قبلة صغيرة على شفتيها، ثم ابتعد عنها سريعًا متجهًا إلى باب المكتب ثم التفت إليها بابتسامة مستفزة، ثم ذهب إلى الاجتماع.
مرّت الساعات ببطء على حور، حتى انتهى الاجتماع أخيرًا.
خرج سلطان من قاعة الاجتماعات، وما إن رآها حتى اتجه إليها مباشرة. يلا؟
نهضت حور وهي تبتسم.بحماس : يلا.
وبعد رحلة قصيرة، وصلت السيارة إلى الفندق الذي اختاره سلطان.
ترجلا، ودخلا الفندق وسط حراسة رجال الأمن، ثم صعدا إلى الجناح المحجوز لهما.
فتح سلطان الباب، ودخلت حور أولًا.
خطت بضع خطوات...ثم توقفت.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية.
كان الجناح واسعًا وفخمًا بصورة جعلتها تحبس انفاسها بانبهار ، إضاءة هادئة، وورود حمراء موزعة بعناية في أرجاء المكان، بينما أضاءت الشموع الحمراء زواياه بضوءٍ خافت زاد الجو دفئًا ورومانسية.
استدارت حور إليه ببطء، وعلى وجهها ابتسامة سعادة صافية.: سلطان...
إيه الجمال ده؟
وقف أمامها، ثم لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه برفق، وهمس قرب أذنها: مش أجمل منك.
ابتعد يملي عينه من حسنها وجمال عينها الزبرجدي الذي يلمع تحت ضوء الشموع الخافت وهمس بصوت مثير: هنا مفيش غير انا وانتي وبس يا حور السلطان
هنا هنبدا حياتنا سوا .....
خفضت حور راسها واخفتها داخل صدره الذي ضمها باحتواء حاني : سلطان....
سلطان بنبره عاشقه: قلب سلطان...
وضع انامله علي طرف ذقنها رافعاً راسها هامساً بعشق وعينيه تطالعها برغيه محمومه : عاوز انسي الدنيا كلها في حضنك يا حور ، مش عاوز افتكر حاجه غيرك انتي وبس ...
هتفت حور بخجل وتلعثم وضربات قلبها تدوي في اذنيها : سلطان..، اصل .... لسه
وضع سلطان اصبعه علي شفتيها يمنعها من الكلام: هششش.... كفايه كلام ...
اخذ نفساً عميقاً يهدا من ثوران مشاعره وابتعد عنها قليلا ً: ادخلي خدي شاور في الحمام ده ، وانا هاخد شاور في الحمام التاني ...
اومات حور بجسد مرتجف وتحركت حيث اشار وقبل ان تدخل الي الحمام توقفت عندما نداها ، فاستدارت اليه وجدته يمد يده اليها بحقيبه ملابس ورقيه لا تعرف من اين اتي بها : البسي الهدوم اللي في الشنطه دي بعد ما تخلصي ...
اومات حور بصمت وقد انحبس صوتها داخل صدرها من شده التوتر ،فهمس لها سلطان بخفوت : ما تتاخريش عليا...
دخلت حور الحمام واغلقت الباب خلفها وهي ترتجف بشده ، اما هو فتوجه نحو الحمام الاخر بخطوات تسابق الريح ....
بعد قليل، خرج سلطان من الحمام بعدما اخذ حمام منعش، ارتدي شورتاً قصيراً للغايه موضحاً جسده الصلب المتصلب بفجور ، اخذ يرش عطره الرجولي الثقيل علي صدره بسخاء ...
تحرك صوب الحمام الذي تختفي خلفه حور وطرق عليه ثم جاء صوته رائقاً للغايه : حور اتاخرتي ليه ؟؟
جاء صوتها من الداخل مهزوزاً : ايوه ، شويه وهخلص ..
سلطان بعبث : ادخل اساعدك ؟؟
حور بصراخ وهي ترتجف بشده : لا ، شويه وهخرج ...
سلطان بوقاحه : معاكي دقيقتين والا هتلاقيني قدامك ...
حور من الداخل وهي تكاد تبكي وهي تنظر الي قطعه القماش الصغيره الشفافه التي في يديها : البسه ازاي ده بس ، ده كاني مش لابسه اصلاً ...
جاءها صوته من الخارج : فاضل دقيقه ونص...
زفرت حور بحنق وارتدته علي جسدها فكان قصيراً للغايه بالكاد يغطي مؤخرتها شفاف باللون الارجواني يكشف تفاصيل جسدها الابيض البض بوقاحه مستفزه يغوي القديس ....
رشت قطرات من العطر الذي اشتراه لها علي عنقها ومقدمه صدرها ووقفت تنظر الي نفسها في المراه وهمست بخجل : هخرج ازاي دلوقتي ، السافل حتي مش جايب معاه روب البسه ....
جاء صوته المشاكس مره اخري: خلاص فاضل نص دقيقه وهدخل ...
حور بنبره مهزوزه : خلاص خارجه...
اخذت نفس عميق وابتلعت لعابها اكثر من مره ثم خطت بخطوات سحلفيه نحو الباب ومدت يدها المرتعشه وفتحت الباب ...
كان يقف في زاويه جانبيه يشغل مشغل الاغاني علي موسيقي هادئه، استدار ما ان استمع لصوت فتح باب الحمام وتخشب موضعه وسكن الكون حوله !!
شخصت انظاره علي تلك الفاتنه الساحره التي تقف مطأطأة راسها بخجل ...
جف حلقه وانحبست انفاسه داخل صدره من حسنها في ذلك الثوب الفاجر الذي اشعل النار بجسده المشتعل من الاساس ...
تقدم نحوها كالمسحور حتي وقف امامها وهمس بصوت مبحوح من فرط الاثاره : تهوسي يا حور ...
ثم مد يده الساخنه اليها ، فمدت يدها البارده المرتعشه ووضعتها في يده وهي لازالت تهرب بعينها منه ...
ضمها الي جسده المشتعل واعتقل خصرها بذراعه واخذ يتمايل بجسده معها بخفه علي انغام الموسيقى الهادئة وهمس بالقرب من اذنها بصوت مبحوح: ايدك متلجه كده ليه ...
لم تجيبه بل زادت رعشه يدها اكثر ، مد يده ورفع وجهها اليه ونظر داخل عينيها الخجله بعينه التي تشع منها نيران العشق والرغبه : مش عاوز عنيكي تفارق عينيا الليله دي خالص يا حور ...
هزت حور راسها موافقه ، وهي تكاد تموت من فرط الخجل بسبب يديه التي تسير علي ظهرها بعهر أذابها..
اقترب بوجه منها وهمس امام شفتيها ، قوليها يا حور ، عاوز اسمعها علشان اخد بحقي منك ....
فهمت حور مقصده ، وهالها النيران التي تشع من مقلتيه ، ونيران جسده التي يحيطها بدفئه وهمست بصوت مرتعش : امرك يا شيخ سلطان ..
وكانت هذا اخر ما نطقت به وبعدها لفها اعصار هادر يلسعها بنيران عشقه ..
دفعها بجسده القوي نحو الحائط خلفها وحاصرها بجسده المشتعل وانهال علي شفتيها وعنقها وكل ما تطالع شفتيه يقبلها بعشق محموم ، عشق خامد وحان وقت فورانه ...
تلون عنقها وصدرها بعضاته الشرسه المؤلمه التي رسمت خريطه عشق علي جسدها ...
حملها بين يديه والقاها علي الفراش الوثير وسط الورود المنثوره عليه وتخلص من ملابسه ثم مد يده وشق الثوب من فوق جسدها الفاتن فظهر جسدها الانثوي الناعم امام عينيه الجائعه يضاجعها بها بفجور وهمس بلهاث: بعشقك يا حور السلطان ، ثم بدا عزوه الضاري لحصونها وجسدها الذي اعلن استسلامه له في ثوان وامتزج الجسدين في ملحمه عشق ضاري طويله لاكثر من جوله امتدت حتي بزوغ الفجر حتي خارت قواهم علي الاخير....
اعتدل سلطان في نومته وجذبها لداخل احضانه يضمها بعشق وحمايه ويغطي جسديهما العاريان ، طبع قبله دافئه ممتنه علي راسها هامساً بعشق : مبروك يا حور السلطان ، مبروك يا مدام الشيخ سلطان...
ثم غرقا معاً في نوم عميق ... عميق جدا ..
..............
