رواية لولا الغرام الفصل الثامن والعشرون
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«حين انطفأت آخر أنوار الرجاءِ في نفسي، أسدلتُ الستارَ وقُلتُ: "لقد مضى زمن المُعجِزَاتْ"، لم يكن ذلك خُذلاناً بقدر ما كان استسلاماً لواقع بَدَا لي مُظلماً، فألفتُ الحُزنَ حتى صار لي ظِلاً وسكناً، وفي لحظةٍ لم تحسبها ظنون البشرْ، جاء أمرُ اللهْ، جاء كغيثٍ مفاجئٍ انهمر على أرضٍ قحلاءْ، فأورقت في لمح البَصرْ.
انفجر في القلب فرحٌ عاتٍ، جارِفْ، وأكبر من أن تحتويه ضُلُوعي، وقفت أمامه مذهولةً، تائهةً بين متاهاتِ عدم الاستيعابِ وجلال العطَاءْ.
تهامستُ بشك: "هل أنا حقاً أستيقظ على نور ما كنتُ أظنهُ مُستحيلاً؟ أم أن الروح ما زالت تعانق حلماً بعيداً؟".
إنها دهشة الجَبرِ حين تفوقُ الخَيالْ، تلك اللحظةُ المهيبةُ التي تختلطُ فيها دموعُ الخشوعِ ببسمات الفَرحْ، ويقف العقل فيها صامتاً، عاجزاً عن إدراك كيف لَمَستْ يدُ المحالِ تراب الواقِعْ.»
«بسمة عبدالرحمن المسيري»
بقلمي «روز أمين»
_________♕________
تأخرت سيارة الإسعاف لأكثر من نصف ساعة، وفي غضون ذلك، وصلت "منى" بصحبة "صادق" بعد أن هاتفهما "وائل" مستنجداً، راجياً من خالته الحضور فوراً لعلها تفلح في تهدئة والدته التي انهارت تماماً.
هرعت نحو شقيقتها لتمسك بيديها وتحتوي رجفتها، بينما تقدم صادق بخطواتٍ متعثرة نحو كمال، تملكه الذهول حين لامست يداه جسده، فقد كان بارداً كالثلج، وأنفاسه منقطعة تماماً.
انتبهت منى وهي تحتضن شقيقتها لنظرات صادق، فتطلعت إليه راجية أن يطمئن قلبها، لكنه أومأ لها بعينيه بنظرة منكسرة تحمل حقيقة الفاجعة، لقد رحل، شعرت منى في تلك اللحظة وكأن روحها تفارق جسدها من فرط الحزن على ذلك الرجل الخلوق، الذي لم تره يومًا زوج أخت، بل كان لها أخًا حقيقيًا.
أخيرًا، دوت أصوات سيارة الإسعاف، وصعد المسعفون على عجل، ولكن بعد فحص دقيق التفت أحدهم إليهم وقال بأسى:
- البقاء لله.
خرجت صرخة قوية اطلقتها رغدة، صرخةٌ زلزلت أركان المنزل واعتصرت قلوب الجميع بالوجع، في حين اندفع صادق نحو وائل يضمه إلى صدره بعد أن انهار الشاب تمامًا.
غادر المسعفون تاركين جثمان الراحل، لتبدأ وفود العائلة في الحضور، حيث حضرت وفاء وبهاء برفقة زوجته،ثم توافدت عائلة كمال، يعقبها حضور عائلة صادق.
تكاتف صادق وشهاب مع وائل، متجردين من حزنهم مؤقتًا لإنهاء كل الأوراق الرسمية وتصاريح الدفن، حتى شُيعت الجنازة بعد صلاة العصر وسط جمع غفير من الأقارب والمعارف.
انفض الجمع من المقابر بعد مواراة الجثمان الثرى، ولم يبق حول الشاهد إلا الدائرة الأقرب، رغدة وابنها ووالدتها، ومنى وصادق وعائلته، وبهاء وزوجته، وعائلة الراحل كمال.
كانت رغدة في حالة من عدم الاستيعاب، جثت على ركبتيها فوق تراب قبره، وأطلقت صرخات ملتاعة خرجت من أعماق قلبها المفجوع في شريك العمر، ظلت تصرخ بإنكار مرير، بينما التفت حولها منى ووفاء تحاولان احتواء صرخاتها، حتى خارت قواها بعد نصف ساعة من البكاء المتواصل، وفقدت القدرة على الصراخ.
أمالت برأسها المنهك فوق القبر، وقالت بصوت متهدج يقطر قهرًا:
-خلفت وعدك معايا ليه يا كمال، مش قولت لي انك سندي وعمرك ما هتسبني أتبهدل وانت موجود؟
رفعت رأسها المبلل بالدموع وتأملت التراب الذي غيب حضوره، وتابعت وعيناها تفيضان بالدمع:
-هونت عليك ازاي يا حبيبي وانت عارف اني مليش حد بعدك؟.
جلس وائل إلى جوارها، محتضنًا كتفيها الواهنين، وقال بنبرة مبحوحة تخنقها العبرات:
-وانا روحت فين يا ماما، هو انا بردوا مش زي بابا
هزت رأسها برفض قاطع واستنكار أعمى لا يرى سوى فقيدها، وضربت بكفها فوق موضع قلبها وهي تقول بغصة ومرارة:
-محدش في الدنيا دي كلها زي كمال، ده حبيبي، نور عيني اللي كنت بشوف بيه وخلاص انطفى
اقتربت منها وفاء والدموع تغرق وجنتيها وقالت بقلبٍ مفطور على فلذة كبدها:
-يا بنتي حرام عليكِ متعمليش في نفسك كدا
التفتت إليها بنظرة تائهة ومشدوهة وراحت تقول بذهول:
-كمال سابني وراح يا ماما، بقيت لوحدي خلاص.
طوقتها منى بين ذراعيها،وقالت وهي تواسيها:
-متقوليش كدا يا رغدة، كلنا حواليكِ ومحدش فينا هيسيبك.
أما إلهام، فقد حاولت فرض حضورها بكلمات جافة ألقتها كمجاملة باردة:
-عيب تقولي الكلام ده وانت أخت بهاء كامل يا رغدة.
لم تلقَ مواساتها أية صدى، ولم يعرها أحدٌ أي انتباه، إذ كانت تفتقر إلى القبول من الجميع، تقدمت رقية بخطوات مثقلة، وربتت على كتف رغدة قائلة بنبرة حانية:
-قوي نفسك علشان خاطر ابنك يا بنتي، انتي بقيتي سنده خلاص.
تدخلت فاطمة في محاولة ببث القوة في روح تلك المنهكة، فنظرت إلى رقية قائلة:
-سند مين يا ماما، ده راجل الله اكبر عليه.
ثم التفتت بعينيها نحو وائل وأردفت:
-هو اللي هيسندها ويبقى راجلها بعد ابوه الله يرحمه.
حبس وائل أنفاسه، وتنهد بعمق وهو يجاهد بكل ما أوتي من قوة لمنع دموعه التي كانت تنساب بغزارة، حزنًا عميقًا على رحيل أبيه وسنده.
مالت عايدة نحو منى، وهمست لها بنبرة خافتة وهي تسألها:
-هو اسم الله عليه خلص جامعة ولا لسه يا منى؟
أجابتها من بين شهقات دموعها:
-فاضل له آخر سنة في هندسة بترول.
هزت أماني رأسها بتأثر بالغ وقالت ودعواتها تسبق كلماتها:
-ربنا يحميه ويخلصها على خير.
بينما أطلقت عايدة تنهيدة حارة يمزقها الأسى وتابعت:
-الله يرحمه كان راجل محترم، العيبة عمرها ما طلعت منه، الله يصبر قلبها على فراقه.
التفتت وفاء نحو ابنتها المكسورة، وضمتها إلى صدرها بقوة، محتوية رأسها المثقل بالهموم على كتفها، وقالت بنبرة شديدة العزيمة، أرادت من خلالها زرع الطمأنينة بقلبها:
-متخافيش يا قلب امك، أنا عمري ما هسيبك، هاجي أقعد معاكِ في بيتك لحد ما ربنا ياخد أمانته.
تعلقت رغدة بها وشددت من ضمتها إليها، وكأنها طفلة خائفة تبحث عن أي طمأنينة تثبت أقدامها في هذه اللحظة العصيبة، ولكن أي طمأنينة تلك التي يمكن أن تعوضها عن فقدان حبيب عمرها؟إذ كانت تشعر بضياعٍ كامل وتشتت يفتك بعقلها، عاجزة عن استيعاب الغد، أو تخيل شكل حياتها القادمة التي انطفأ نورها برحيل" كمال".
تقدم بهاء بخطوات هادئة، ونظر إليها ببعض الحنان الذي يداري به حزنه، ثم قال ببطء:
-يلا يا رغدة، قومي يا حبيبتي علشان نروح.
انتفضت في مكانها، وصاحت برفضٍ جنوني واستنكار صارخ:
-انا مش هسيب كمال، أنا هفضل جنبه.
إلتف الجميع حولها في حلقة من الحب والأسى، يرجونها باللين ويهدئون من ثورتها، محاولين إقناعها بأن البقاء لن يفيد، وأن الواجب يقتضي عودتهم الآن لتجهيز مراسم العزاء واستقبال المواسين.
أخيرًا رضخت لرجائهم، وابتعدت عن حبيبها بصعوبة بالغة، كانت تخطو خطواتها نحو الخارج، بينما تلتفت بعينيها مرارًا وتكرارًا نحو القبر، وتنظر إليه بنظرات توديع مريرة، وقلبها في الداخل يصرخ وينزف دمًا على رحيل حبيب الروح، وعشرة العمر الجميلة التي طويت صفحتها للأبد.
______♕_______
في سكون فجر اليوم التالي، كانت متمددة فوق فراشها، بينما ينساب صوت الراديو بجوارها حاملاً نغمات أغنية "أنت عمري" لكوكب الشرق أم كلثوم. أطلقت زفرة حارة محملة بحزن جارف يملأ أركان قلبها، فمنذ يوم زفاف كريم، وأفكارها مكبلة بذاك الذي سرق لبها بنظراته الآسرة وكلماته الغامضة.
لكن ما مزق نياط قلبها وترك في حلقها غصةً مريرة، هو غيابه التام منذ ذلك اللقاء، رغم أنها باتت تخرج كل يوم متأملةً، متشبثةً بوهم لقاء يجمعهما صدفة.
راحت توجه لنفسها الأسئلة بلوم مرير:
-ولكن، كيف سيراكِ وأين؟
وأجابت روحها المنكسرة في رثاء:
-من يُريد، يجد دائماً الطريق، وهو ضابط شرطة، يملك السلطة والقدرة على فعل المستحيل لو أراد، لكنه لم يفعل.
ثم استطردت بضيق وعتاب داخلي:
-لو كان يهمهُ أمري لصنع المستحيل، وكان اتصل برشيد وجاء لزيارته إلى هنا،لكنه لم يفعل، وهذا كافٍ ليعلمني أنني لا أهمه، وأن الشوق لم يطرق بابه قط.
زفرت بقوة وهي تحاول استجماع شتات عقلها، وقالت لنفسها من جديد:
-تمسكي بالعقل يا بسمة واستفيقي من هذا الوهم، أنتِ لست في باله مطلقاً، ألمجرد أنه جاملكِ يوماً قائلاً إن فستانكِ جميل، تظنين أنه قد وقع في شباك غرامكِ؟!
تغلبت عليها حيرتها مجدداً، فراجعت شريط الذكريات وناجت نفسها بضعف:
-لكنه لم يكتفي بالفستان، بل همس لي بأن عيني أحلى، أليس هذا دليلاً قاطعاً على أنهما نالتا إعجابه؟،وأنهما تركتا أثراً في قلبه.
بكت بمرارة وصاحت في سرها باستهجان:
-يبدوا أنه كان يجاملكِ فحسب يا غبية، استفيقي، ليس كل من رماكِ بكلمةٍ عابرة يذوب فيكِ عشقاً.
دفعت الغطاء عنها وجلست على الفراش بضيق ممتزج بالضعف، وفي تلك اللحظة، صدح صوت أذان الفجر من خلال المآذن المحيطة بها، مدت يدها وضغطت زر الراديو لتطفئه فوراً، وأخذت تتمعن في الشجن المنساب من صوت المؤذن العذب، فشعرت براحة تنبت في صدرها، وارتجف قلبها خشوعاً.
نهضت متجهة نحو الحمام، وانتظرت ريثما ينتهي والديها من وضوئهما، وما إن خرجت والدتها حتى دلفت هي، فتوضأت وارتدت إسدال صلاتها، فرشت السجادة وشرعت في الصلاة، وعندما لامست جبهتها الأرض في السجود، انهمرت دموعها التي حبستها طويلاً، وراحت تدعو بتضرع:
-اللهم إني أدعوك أن تريح قلبي وتهديني إلى الحق، فأنا أعلم يقيناً أننا كالمشرق والمغرب، ولا يمكن لأي مكانٍ أن يجمعنا أبداً.
انفجرت باكية بحرقة وشهقاتها تعلو في أرجاء الغرفة:
-اللهم أخرجه من وجداني وطهر عقلي من طيفه، أدرك يقيناً أن وصاله مستحيلاً، وربما لا يمر بخاطره اسمي أبداً. يا رب، أفرغ على قلبي سكينةً تريحه، فما عدتُ أقوى على حمل هذه العواطف، ولا طاقة لي بكل هذا الوجع.
انتهت من صلاتها، وجلست فوق السجادة تناجي ربها وتترجاه أن يمن على قلبها بالسكينة، وبعد أن هدأت ثورتها، طوت السجادة وخلعت الإسدال، وعادت إلى فراشها وراحت تذكر الله على أصابع يدها.
تناهى إلى مسامعها صوت طرقات خفيفة على الباب، ثم دلفت والدتها، وما إن أشعلت الضوء حتى تملكها الذعر وهي ترى عيني ابنتها المحمرتين وجفونها المنتفخة من أثر البكاء، فقالت بلهفة وخوف:
-مالك يا بسمة، انتِ كنتي بتعيطي ؟
أجابتها بارتباك محاولةً مداراة غصتها:
-مفيش حاجة، كان عندي شوية صداع بس الحمدلله راحوا.
رمقتها بنظرة مستغربة تشوبها الشكوك، وقالت:
-وهو الصداع يخليكِ تعيطي؟!
أشاحت بوجهها قائلة بوهن:
-عادي بقى يا ماما
التفتت الأم لتغادر الغرفة وهي تمتم بحنان:
-طب نامي وهتبقي كويسة.
كانت على وشك المغادرة حين استوقفتها بسمة بنبرة فضولية:
-انتِ كنتي جاية ليه يا ماما؟.
استدارت وتحدثت بنبرة حانية:
-أخوك لسه راجع من برة، وكنت هقولك تسخني له الأكل بدل ما يا حبيبي ينام على لحم بطنه.
انتفضت واقفة وهي تحاول رسم ملامح طبيعية على وجهها:
-تمام، بس هروح أسأله الأول.
تحركت بخطوات شبه متسارعة نحو غرفة رشيد، ووقفت أمام الباب تلتقط أنفاسها قبل أن تطرقه بخفة، في الداخل، كان ينتهي من ارتداء ثيابه المنزلية، فسمح لها بالدخول ما إن انتهى.
دلفت مشبكة أصابعها خلف ظهرها بتوتر، وقالت بصوت حاولت جعله هادئاً:
-ماما قالت لي أسخن لك الأكل فقولت أسألك الأول.
التفت إليها واكتف بابتسامة خافتة وهو يقول:
-أنا أكلت بره مع عمر .
بحثت في عقلها عن أي حجة تمنحها دقيقة إضافية،قبل ان تسألهُ متعللة:
-طب أحمر لك طاسة بطاطس؟.
أجابها بنبرة ممتنة وهو يتجه نحو فراشه:
-تسلمي يا بسوم، أنا نعسان وهنام.
شعرت بالوقت يداهمها، فقررت أن تجازف وتستدرجه في الحديث لتصل إلى غايتها، سألته بلهجةٍ مفتعلة العفوية:
-هو انت هتعزم أصحابك امتى؟.
جلس رشيد على طرف السرير، ورمقها بنظرة غامضة قبل أن يجيب:
-لما سامر ومحمود ينزلوا إجازة.
فركت كفيها ببعضهما بحركة عصبية نمت عن اضطرابها الداخلي، وتابعت بسؤال آخر وهي تحبس أنفاسها:
-مش هتعزم حد تاني معاهم؟.
تصلبت نظراته، واستبدت به الدهشة فضيق عينيه بذكاء يحاول قراءة ما خلف سطورها، وسألها بنبرة مستنكرة:
-حد تاني زي مين؟!.
شعرت بالدماء تتدفق إلى وجهها، وهربت بعينيها بعيداً عن حصار نظراته الحادة، أدركت في ثوانٍ معدودة أنها تسرعت، وأن اندفاعها كاد أن يطيح بكل حذرها، لذا تملكها رعب حقيقي تجسد في نبرة صوتها المتلعثمة:
-من أصحابك الجداد مثلاً اللي اتعرفت عليهم في الشغل.
رد عليها بجدية صارمة لم تخلُ من الحيرة:
-ما انتِ عارفة إني مبدخلش أي حد في بيتي، وإن سامر وعمر ومحمود دول مش أصحاب، دول يعتبروا إخوات.
هزت رأسها بإيماءات متلاحقة وسريعة، كمن يحاول الخلاص من ورطة،وقالت:
-مفهوم، أنا كنت بستفسر بس علشان نعمل حساب الأكل.
ولم تنتظر سماع رده، بل استدارت وهرولت نحو الباب كمن يفر من كارثة، وهي تلقي كلماتها الأخيرة بأنفاس مقطوعة:
-يلا نام، تصبح على خير.
أطفأت الضوء وغلقت الباب خلفها بسرعة، ليتمتم رشيد في الظلام بذهول وهو يلقي برأسه على الوسادة:
-مالها الهبلة دي كمان!.
أما هي، فلم تتوقف إلا داخل غرفتها، وأوصدت الباب خلفها بقوة وكأنها تحتمي به من العالم، أسندت ظهرها إلى الباب، ووضعت يدها فوق قلبها الذي كان يقرع داخل صدرها بعنف كطبول حرب.
تنفست عاليًا وقلبها يهتز بقوة مع كل زفير يخرج، وراحت تلعن في سريرتها غباءها وتهورها الذي كان على وشك أن يفضح مشاعرها الدفينة أمام شقيقها.
_______♕______
خيم الليل بسكونه الثقيل بعد يوم مجهد، عاد صادق برفقة دليلة وأحمد بعد أداء واجب العزاء في خالتهم، بينما فضلت منى ووفاء المبيت هناك لمؤازرة رغدة في مصابها.
في مكتبه، كان صادق يحاول تناسي الحزن بمراجعة بعض قواعد اللغة العربية والنحوية مع أحمد، أما دليلة، فقد جلست في الحديقة، تحتضن هاتفها وتتحدث إلى أشرف وعيناها لا تكفان عن ذرف الدموع، إذ كانت منهارة تماماً منذ تلقيها نبأ وفاة زوج خالتها.
على الجانب الآخر من الخط، كان أشرف يتحدث من بيته بنبرة تقطر حناناً محاولاً تهدئة روعها:
-اهدي يا حبيبتي وبطلي عياط بقى، ادعي له بالرحمة.
ردت من بين شهقاتها وقهر ظهر بينًا في صوتها:
-مش قادرة أصدق ان عمو كمال خلاص، مبقاش موجود معانا، لو شوفت شكل خالتو يا أشرف، تحسها تايهة ومش حاسة بأي حد فينا، كأنها في دنيا تانية.
أجابها محاولاً عقلنة الأمور ومواساتها:
-ده طبيعي يا قلبي، ده جوزها، وعلى ما أظن كانوا متجوزين بعض عن حب؟.
علقت والدموع تغشي رؤيتها:
-أيوة، كانوا بيحبوا بعض أوي.
استغل طرف الخيط ليتسلل بها بعيداً عن دوامة الحزن، محلقاً بها في عالم كلماته الساحرة، حيث قال بنبرة دافئة:
-زينا يعني.
بمجرد أن لامست الكلمة مسامعها، ارتسمت ابتسامة عذبة من بين دموعها، فاغتنم الفرصة وسألها بنبرة حملت الكثير من الرجاء:
-دليلة، انتِ بتحبيني؟!.
أخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بمشاعر تقطرُ صدقًا:
-أكيد يا أشرف.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يتابع مداعبتها:
-تعرفي إنك لحد النهاردة مقولتليش كلمة بحبك.
احمرت وجنتاها خجلاً، وقالت مفسرة:
-مش لازم أنطقها باللسان علشان تحسها، أكيد وصلك الإحساس.
كانت كلماتها ومشاعرها المتدفقة كفيلة بأن تجعله يشعر وكأنه يطير فوق عنان السماء، ومع ذلك، تملك منه طمع العشاق فأصر قائلاً:
-بس أنا عاوز أسمعها منك صريحة يا دليلة.
أخذت دقات قلبها تتسارع بعنف، ورغم المشاعر الجارفة التي اجتاحت روحها معه، وإدراكها بأنه بات يمتلك كيانها بالكامل، إلا أن تلك الكلمة ظلت حبيسة خجلها رغم تكرار طلبه لها.
صمتت، لكن إصراره كان أقوى من صمتها، إذ تابع بنبرة مشجعة:
-يلا يا حبيبتي، أنا سامعك أهو.
قالت بتلعثم وخجل:
-خلاص بقى يا أشرف.
حاول معها مجدداً، وحين وجد منها ذات الممانعة، تظاهر بالضيق والزعل وقال بنبرة حزينة مفتعلة:
-خلاص يا دليلة براحتك.
سألته بترقب يشوبه القلق:
-هو انت زعلت ؟.
أجابها بجدية وجفاء مصطنع:
-أنا هقفل، وانتِ يلا ادخلي وما تقعديش لوحدك في الجنينة في الوقت المتأخر ده.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ بدت كساعاتٍ، وفي لحظة خطفت فيها شجاعتها من بين براثن خجلها، حسمت أمرها وقررت أن تمنحه الكلمة التي طالما انتظرها لتراضيه.
قطع هو ذلك الصمت مستعداً للوداع وقال بجدية:
-تصبحي على خير.
وفجأة، وبدون أي مقدمات، انطلق صوتها رقيقاً عذباً كالنغمات الموسيقية،هامسة:
-بحبك.
اتسعت عيناه بذهول حابس للأنفاس، وانتفض قلبه بين ضلوعه، ليرد بسرعة وصوت يكاد يرقص فرحاً وحماساً:
-انتِ قولتي إيه؟.
لاذت بالصمت مجدداً، فتابع بإصرار عاشق يذوب شغفاً في كيان حبيبته:
-لا، ما أنا مش هسيبك غير لما تقوليها وأسمع حروفها، واتمزج بكل حرف فيها.
ابتسمت بخجل شديد ودارت وجهها كأنهُ يراها:
-وبعدين معاك يا أشرف.
أجابها بنبرة تفيض عشقاً:
-علشان خاطري قوليها وريحي قلبي.
شعرت في تلك اللحظة أن قلبها يرفرف في السماء من فرط السعادة، أغمضت عينيها لتستحضر كل مشاعرها ونطقت بصوت مليء بالهيام:
-بحبك، بحبك يا أشرف.
أغمض عينيه مستسلماً لتلك الموجة العاتية من المشاعر، شاعراً بكل حرف ينطق به لسانها وهو يخترق كيانه ويزلزل حصونه.
همس بصوت يقطر غرامًا:
-وأنا بعشقك يا قلب وعيون أشرف.
ابتسمت بهيامٍ، لكن فجأة تملكها الارتباك والذعر عندما لمحت والدها يخرج من البوابة الداخلية للمنزل ويهبط درجات السلم متجهاً نحوها.
قالت بسرعة وارتباك واضح:
-أنا هقفل علشان بابا جاي.
ضحك على غير المتوقع وقال مداعباً:
-فيه إيه يا دليلة، أنا خطيبك يا حبيبتي مش صاحبك.
ازداد ارتباكها وقالت بنبرة حاسمة:
-خلاص بقى.
قال مستمتعاً بتوترها:
-بطلي شغل العيال ده واديني خالي أسلم عليه.
اقترب صادق منها، وكانت ملامحه مثقلة بالحزن والوهن الذي تركته أحداث الأمس على وجهه، نظر إليها وسألها بصوت خفيض:
-بتكلمي مين؟.
أنزلت الهاتف بسرعة وعيناها تفيض خجلاً:
-ده أشرف، عاوز يكلم حضرتك.
تنهد بثقل وهو يجلس في المقعد المقابل لها، ثم مد يده وأخذ الهاتف قائلاً لها:
-اعملي لي فنجان قهوة.
أسرعت بالنهوض مغادرة نحو الداخل هرباً من الموقف، بينما وضع صادق الهاتف على أذنه وبدأ يتحدث مع أشرف بنبرته الوقورة.
_______♕______
استيقظ كريم من نومه، وارتدى ملابسه بهدوء قبل أن يغادر الغرفة، حين دلف إلى الصالة، وجد يمنى بنشاطها المفاجئ تضع أطباق الإفطار فوق المائدة ، وما إن مالت عيناها نحوه حتى هتفت بابتسامة رقيقة:
-يلا يا حبيبي، الفطار جهز.
جلسا معاً وبدأ في تناول الطعام، لتقول له بنبرة تفيض دلالاً وغنج:
-بقولك يا حبيبي، أنا هروح أزور ماما النهاردة، وهرجع قبل ميعاد رجوعك، ما تقلقش.
توقف عن تنازله للطعام، ورمقها بنظرة ساخرة حملت الكثير من التهكم وهو يقول:
-قولي كده، يعني ده السبب اللي صحاكي بدري!
ثم تابع متهكماً:
-وأنا اللي قولت لنفسي أخيراً يا واد مراتك حست بيك وقايمة تعملك فطار زي باقي الستات.
زفرت بضيق وتلاشت ابتسامتها،وهي تقول بحدة:
-ما تبقاش رخم بقى يا كريم.
ثبت نظراته عليها وأجابها ببرود مستفز:
-رخم! طب بجملة الرخامة طلبك مرفوض يا يمنى.
انتفضت ملامحها بالاعتراض وسألته بحدة:
-ليه بقى إن شاء الله؟!.
تبدلت نبرته إلى حدة أكبر ألجمتها:
-لأنك هتنزلي من النهاردة تساعدي ماما وبسمة في شغل المطبخ.
انقلبت ملامحها تماماً واشتعلت عيناها بالعصبية،وراحت تهتف بذهول:
-نعم! انت بتقول إيه يا كريم؟.
أخذ قضمة من شريحة الجبن، ومضغها ببرود متعمد قبل أن يجيبها:
-اللي سمعتيه يا يمنى، ماما فاتحتني في الموضوع امبارح، وأنا ما قدرتش أقولها لأ.
وقفت على أهبة الاستعداد، وجسدها يرتجف غضباً وهي تصيح:
-بس ده مكانش اتفاقك مع أهلي يا سي كريم!.
ثم وضعت يديها في خصرها وتابعت بتهكم غاضب:
-أنا داخلة عازلة يا حبيبي لو كنت ناسي.
تنفس الصعداء، وتنهد بثقل محاولاً امتصاص ثورتها، ونظر إليها بملامح جادة وهو يقول:
-طب اقعدي علشان نتكلم بالعقل، وبعدها اللي هتختاريه هنفذهولك.
جلست على مضض وقالت وهي تضرب قدمها بالأرض بعصبية:
-وادي قعدة لما أشوف آخرتها.
التمعت عينا كريم بدهاء وصبر شديدين، ومال نحوها قائلاً بنبرة هادئة ومغرية في محاولة منه لاقناعها:
-بصي يا حبيبتي، إحنا قدامنا طريقين، الأول إننا ناكل مع بابا وماما التلات وجبات ونوفر المرتب كله.
وتعمد الصمت قليلاً ليزرع الطمع في قلبها قبل أن يكمل:
-وصدقيني، هدلعك بيه، فسح وأكل برة وكل طلباتك هتكون مجابة.
نظرت إليه وعيناها تشتعلان ذكاءًا وغيظاً، وأدركت فخه على الفور فقالت:
-وده طبعاً هيكون قصاد خدمتي لأمك وأختك؟! مش كده؟.
لم ينكر، بل تابع بحنكة وذكاء شديدين يحاصرها بالخيارات:
-لو مش عاجبك قدامنا الحل التاني.
زفرت بزهق وضيق شديدين وسألته:
-واللي هو إيه يا أستاذ كريم؟.
أجابها بجدية صارمة:
-نرجع لاتفاقي القديم مع أهلك، نعيش لوحدنا هنا، وناكل ونشرب من المرتب.
ثم رفع إصبعه محذراً وهو يقول:
-بس بشرط، مسمعش منك شكوة واحدة عن ضيق الحال، ولا عن إن المرتب مش مكفي مصاريف البيت.
ساد الصمت لثوانٍ، زفرت بحدة بالغة وهي تشعر بالورطة، ليقاطع حيرتها قائلاً ببرود:
-قولتي إيه؟.
فكرت سريعاً، وحاولت كسب بعض الوقت للتملص:
-اديني فرصة أفكر».
حسم الموقف فوراً وقام من مقعده مستعداً للرحيل،وهو يقول بحزم:
-مفيش وقت، أنا بلغت ماما إنك هتنزلي تساعديها من أول النهاردة.
نظرت إليه بغضب شديد ووقفت عاجزة عن الرد، وقد تملكتها رغبة عارمة في الصراخ بعد أن وضعها بين مطرقة التنازل والحاجة.
صاحت بوجهه مستنكرة، وعيناها ترميانه بشرر الغيظ:
-وانت ازاي تاخد قرار يخصني من غير ما تعرفني!.
أما هو، فقد واجه ثورتها ببرود تام أثار حنقها. تناول لقمة صغيرة وهضمها على مهل، ثم رفع عينيه إليها وقال بنبرة هادئة ومقنعة:
-لأني متأكد انك ذكية وعارفة مصلحتك كويس، واكيد مش هترفضي عرض حلو زي ده
واستطرد باستهانة وهو يشير بكفه باستنكار:
-مقابل شوية ملوخية هتخرطيهم، ولا شوية مواعين هتغسليهم كل يوم.
أطرقت رأسها تفكر في كلماته، واجتاحتها حيرة عاصفة، إذ وجدت نفسها ممزقة بين كفتي ميزان، حريتها وراحتها الشخصية في شقتها المنعزلة، وبين رفاهيتها واستقرارها المادي الذي يلوح به أمام عينيها.
كانت معضلة حقيقية تتطلب تراجعاً تكتيكياً، فقالت له بنبرة محايدة:
-اديني ساعتين وهكلمك على تليفون المكتب وابلغك.
نهض من مقعده واكتفى بإيماءة خفيفة، ثم التقط جاكيت البدلة الموضوع بعناية على ظهر المقعد وارتداه وهو يقول:
-هستنى تليفونك، بس ياريت ما تتأخريش، علشان لو مش هتنزلي اتصل بماما وابلغها.
غادر الشقة متوجهاً إلى عمله، تاركاً خلفه يمنى تشتعل غضباً من طريقته الحازمة التي تعرفت عليها للتو، لم تحتمل البقاء وحيدة مع أفكارها، فاندفعت نحو الهاتف الأرضي، وراحت تضغط الأزرار بعصبية لتتصل بوالدتها وتستشيرها في هذا المأزق.
ما إن قصت عليها الأمر، حتى جاءها رد الأم مستنكراً وحاداً:
-ودي محتاجة رأي يا حمارة، طبعاً توافقي، انزلي وعيشي في وسطيهم، واهو ينوبكم من الحب جانب.
ثم تابعت بنبرة جشعة لم تخلُ من الطمع:
-وتاخدوا نصيبكم انتوا كمان من خير اخوه المهندس، بدل ما حماتك وبنتها يتمرمغوا فيه لوحدهم.
زفرت يمنى بضيق شديد، وشعرت بخيبة أمل من موقف والدتها وقالت بلوم:
-وترضيها لي اشتغل عندهم خدامة يا ماما، ده مكنش كلامك في الاول.
ردت الأم بعقلانية ونبرة باردة:
-خدامة مين يا بت، ده بيت اهل جوزك يا خايبة.
واستطردت مقللة من حجم الأمر:
- دول هما حبة مواعين على شباكين هتنفضيهم، وقصاد كده هتتهني بمرتب جوزك كله.
ثم خفضت صوتها بنبرة تحذيرية ماكرة وهي تقول:
-بس تشرطي على جوزك من اولها تاخدي منه نص المرتب، تحوشيه وتجيبي من وراه دهب ينفعك للزمن، اه، مهو اللي اوله شرط اخره نور.
هزت يمنى رأسها موافقة، ووجدت في منطق والدتها ما يرضي كبريائها الجريح ويضمن مكسبها.
أغلقت الخط وهي تشعر بالرضا والاطمئنان، ثم اتصلت بزوجها في مكتبه وبلغته بموافقتها، ملقية بشرطها المالي على طاولة الاتفاق، والذي لم يوافق عليه كريم إلا بعد جدال طويل ومناورة كلامية حامية،انتهت باستسلامه أمام اصرارها العنيد.
_______♕______
مرت الأيام متلاحقة في هدوء تام، وانشغلت دليلة هي وندى في إعداد أنفسهما لاستقبال الحياة الجامعية الجديدة، كانت الفرحة تغمرهما وهما تخطوان نحو مرحلة جديدة من عمرهما، فالشغف يملأ روحهما لخوض التجربة بكل تفاصيلها.
وفي أول يوم دراسي، هرولتا نحو جامعة"عين شمس " والحماس يسبق خطواتهما، تنقلتا بين المدرجات وحضرتا المحاضرات الأولى، وكانت ضحكاتهما تصدح في الأرجاء تعلن عن فرحة عارمة ملأت الدنيا من حولهما.
أما بجامعة "القاهرة"، وعلى النقيض تماماً، كانت بسمة تعيش في عالماً آخر، خطت نحو أسوار الجامعة وهي محملة بأمل عظيم، وحماس جارف في أن تجد بانتظارها فارس أحلامها، ذلك الطيف الذي ظهر في حياتها بغتة كـ معجزة، ثم اختفى فجأة كما ظهر.
وقفت عند البوابة الرئيسية، وعيناها تتلفتان في كل صوب وزاوية بلهفة حارقة، كأنما تنبش في الوجوه بحثاً عن روحها التائهة التي فُقدت منها.
قطع خيط شرودها المضطرب صوت صديقتها التي وقفت إلى جوارها، وراحت تسألها بنبرة قلقة:
-انتِ كويسة يا بسمة؟.
عادت إلى الواقع بجسدٍ خارت قواه، وتطلعت نحوها بنظرةٍ يملؤها الشتات وهي تقول:
-اه الحمدلله.
رمقتها الصديقة باستغراب واضح وعقبت:
-أمال مالك، عمالة أنده عليكِ مش سمعاني، وواقفة تدوري في الوشوش وكأن ضايع منك حاجة!.
تسمرت بسمة في مكانها، واجتاحها ارتباك شديد كاد أن يعصف بـثباتها، بدت نظراتها مهزوزة وحائرة وهي تحاول جاهدة دفع التهمة عن نفسها، فقالت بنبرة حادة غلفت توترها:
-انتي بتخرفي تقولي إيه انتي كمان يا عنايات!.
لم تتراجع عنايات، بل غمزت بعينها، وقالت بابتسامة خبيثة ومداعبة:
-طب ومالك اتعصبتي كده ليه؟! تكونيش بتحبي ومواعداه تتقابلوا هنا؟.
انتفض قلبها بين ضلوعها برعب، وشعرت أن سرها بات عارياً أمام عيني صديقتها، فصاحت بحدة بالغة لتداري دقات قلبها المكشوفة:
-لأ، انتِ شكلك اتجننتي.
ولم تنتظر كلمة أخرى، بل استدارت وسارت بخطوات غاضبة ومتسارعة متوغلة داخل الحرم الجامعي، تاركة خلفها عنايات تقف في مكانها بنظرات مذهولة ومستغربة من تلك الثورة غير المبررة.
في مكان آخر مختلف تماماً، وبالتحديد داخل مكتب الضابط "هشام موافي الحديدي"، كان التحقيق جارياً مع أحد المتهمين، لكن عقل هشام كان يغزل تفاصيل في وادٍ آخر بعيد.
ما إن انتهى من استجواب المتهم وأمر بخروجه حتى عاد الهدوء إلى المكان، ليبقى وحيداً بملامحه المثقلة بالتفكير.
سند ظهره إلى الخلف مسترخياً على مقعده، وأغمض عينيه باستسلام وحزن دفين، كان يتمنى من كل قلبه لو أنه يقف الآن بانتظارها عند بوابة الجامعة في أول أيامها، يستقبلها بباقة ورد منتقاة بعناية تليق ببريق عينيها الجميلتين.
لكن الواقع المرير صفعه بقوة وراح يخبره بعدم وجود رابط شرعي يمنحه هذا الحق بعد.
زفر بضيق وقوة والأشواق تعتصر قلبه، فقد اشتاق إليها إلى حداً مؤلماً، فمنذ حفل زفاف شقيقها وطيفها الساحر يرفض مفارقة خياله.
ثوبها الرقيق، عيناها الآسرتان، وكل تفصيلة صغيرة مرت في ذلك اليوم حُفرت في أعماق عقله بصورة لا تُمحى، حتى باتت رفيقة صحوه ومنامه.
تنفس الصعداء وأطلق تنهيدة دافئة، يصبر بها روحه المتعبة بذكرى قرب ذلك الموعد المنتظر الذي سيجمعه بحبيبته وجميلته.
___________
بينما عادت بسمة من جامعتها والكسرة تملأ أركان روحها، ما إن دلفت إلى غرفتها حتى أوصدت الباب خلفها بالمفتاح، وكأنها تغلق المنافذ على وجعها بعيداً عن أعين العالم.
ارتمت فوق الفراش بجسد متهالك، وانفجرت في نوبة بكاء مريرة يمزقها القهر، انهار حصن صبرها الفولاذي فجأة، واجتاحتها حقيقة قاسية جعلتها تشعر بأن حلمها الوردي المبهج لم يكن سوى كابوس مظلم، وأنها طوال تلك الشهور الماضية كانت تخدع نفسها وتعيش في أوهام نسجها خيالها الضعيف.
وبينما كانت عبراتها تحرق وجنتيها، خاطبت نفسها بنبرة حادة وجارحة:
-انفضي عنكِ هذا الوهم يا غبية واصحي على واقعكِ، فقد ولى زمن المعجزات دون رجعة، والمنطقُ يقول إنكما لن تكونا لبعضكما أبداً.
استسلمت لشهقاتها المتلاحقة وتركت دموعها الحبيسة تتدفق دون مقاومة لتغسل حزنها الدفين، راحت تبكي بحرقة وصوت متهدج، وكأن هذا البكاء الصاخب ليس إلا حفل تأبين حزين ومؤلم لذلك الحب الوليد الذي قررت اليوم، وبملء إرادتها، أن تدفنه حياً تحت ثرى الواقع، وتتوقف تماماً عن الركض خلف أحلام مستحيلة لن تتحقق أبداً.
_______♕______
مر أسبوعان على دخول دليلة وندى الجامعة، وخلال هذه الفترة لاحظتا وجود شاب وسيم للغاية يراقبهما بنظراته بانتظام، أينما ذهبتا في الحرم الجامعي تجدانه أمامهما، وعيناه لا تفارقانهما أبداً.
جلستا ذات يوم في الكافتيريا، وطلبتا بعض الشطائر ومشروب "الكابتشينو"، المفضل لكلتاهما، وبدأتا في تناول طعامهما بهدوء، لم يمر وقت طويل حتى ظهر الشاب مجدداً، وجلس على الطاولة المقابلة لهما تماماً، ثم طلب كأساً من العصير الطازج وجلس يحتسيه وعيناه مركزتان بالكامل على ندى.
زفرت دليلة بضيق وقالت بحدة وعصبية ناتجة عن غيرتها على صديقتها:
-الواد ده زودها قوي، مش معقول كده، ده مفيش مكان بنروحه إلا ويلحقنا فيه.
وتابعت بسخرية وهي تلاحظ هدوء ندى وارتياحها:
-ده مبقاش فاضل غير المدرج نلاقيه لازق لنا فيه.
ضحكت ندى بنعومة وقالت بدهاء طالما صاحبها:
- أهو ده المكان الوحيد اللي مش هينفع يبقى معانا فيه.
ضيقت دليلة عينيها بترقب تطلب تفسيراً، فتابعت ندى لترضي فضولها بابتسامة هادئة:
-لأنه ببساطة طالب حقوق، وبعدين انتِ زعلانة ليه،طالما الراجل بيقعد باحترام ومش بيتعدى حدوده معانا،يبقى ايه المشكلة.
قاطعتها دليلة وهي تنظر إليها بذهول تام،وراحت تطلب تفسيرًا:
-استني هنا، انتِ عرفتي منين إنه طالب حقوق؟!.
أرجعت ندى ظهرها إلى الخلف بكبرياء مصطنع، ورشفت رشفة من المشروب ثم قالت:
-عيب عليكِ يا ديدا، ده أنا" ندى عبدالغفار".
ثم أخذت نفساً عميقاً ورفعت رأسها بثقة وتابعت:
-"فريد حسين المنشاوي"، طالب حقوق في الفرقة الرابعة، ومن أوائل الدفعة كل سنة.
اتسعت عينا دليلة بدهشة بالغة وهتفت تسألها بذهول:
-انتِ عرفتي كل المعلومات دي منين يا أستاذة؟!
ضحكت بخفة وقالت:
-أنا ليا مصادري.
سألتها دليلة بجدية وإصرار:
-لأ بجد عرفتي منين؟.
التفتت إليها تحاول تبرير ما فعلته، وقالت بنبرةٍ تجمع بين التحدي والقوة والدهاء:
-مش هو بس اللي ذكي وماشي يراقبنا، أنا كمان غفلته في مرة ومشيت وراه لحد مبنى الكلية بتاعته، وسألت بنوتة معاه في نفس المجموعة.
ضيقت دليلة عينيها واستنكرت الأمر قائلة:
-وانتِ بتسألي عليه ليه إن شاء الله؟.
ضحكت وتمتمت بدلال:
-يعني واحد ماشي ورانا زي ضلنا، من الطبيعي أحاول أعرف هو مين، علشان أفهم هو عاوز مننا إيه بالظبط.
سألتها دليلة بفصوول:
-وعرفتي؟.
أجابتها بنبرة معجبة ولم تخلُ من التحدي:
-لسه، بس أكيد هنعرف مع الوقت.
واستطردت باعجاب بدا واضحًا على ملامحها:
- هو آه تقيل وراسي، بس أكيد تقله ده ليه نهاية، وأدينا مستنيين انهيار أعصاب الباشا واعترافاته.
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«حين انطفأت آخر أنوار الرجاءِ في نفسي، أسدلتُ الستارَ وقُلتُ: "لقد مضى زمن المُعجِزَاتْ"، لم يكن ذلك خُذلاناً بقدر ما كان استسلاماً لواقع بَدَا لي مُظلماً، فألفتُ الحُزنَ حتى صار لي ظِلاً وسكناً، وفي لحظةٍ لم تحسبها ظنون البشرْ، جاء أمرُ اللهْ، جاء كغيثٍ مفاجئٍ انهمر على أرضٍ قحلاءْ، فأورقت في لمح البَصرْ.
انفجر في القلب فرحٌ عاتٍ، جارِفْ، وأكبر من أن تحتويه ضُلُوعي، وقفت أمامه مذهولةً، تائهةً بين متاهاتِ عدم الاستيعابِ وجلال العطَاءْ.
تهامستُ بشك: "هل أنا حقاً أستيقظ على نور ما كنتُ أظنهُ مُستحيلاً؟ أم أن الروح ما زالت تعانق حلماً بعيداً؟".
إنها دهشة الجَبرِ حين تفوقُ الخَيالْ، تلك اللحظةُ المهيبةُ التي تختلطُ فيها دموعُ الخشوعِ ببسمات الفَرحْ، ويقف العقل فيها صامتاً، عاجزاً عن إدراك كيف لَمَستْ يدُ المحالِ تراب الواقِعْ.»
«بسمة عبدالرحمن المسيري»
بقلمي «روز أمين»
_________♕________
بعد خمسة وأربعين يوماً من الكفاح والعمل المضني في البريمة، عاد رشيد أخيراً إلى أحضان منزله ليحظى بإجازته التي طال انتظارها.
لم يكد يستقر حتى تلقى اتصالاً هاتفياً من الضابط" هشام موافي الحديدي"، والذي طلب لقاءه بشكل عاجل، وبالفعل، التقيا في أحد الأماكن الهادئة، وتبادلا السلام والتحية بحرارة بالغة تنم عن تقدير متبادل، ثم جلسا.
بادر هشام بالسؤال وهو يتصفح قائمة المشروبات بتمعن:
-تحب تشرب إيه يا رشيد؟.
نظر إليه رشيد بلمحة من الاستغراب، إذ لاحظ أن هشام تخلى عن الألقاب الرسمية تماماً، استدرك هشام تلك النظرة سريعاً وبادر بالتعقيب متبسماً:
-أنا شايف إننا نشيل الألقاب بما إننا بقينا أصحاب.
سرعان ما تلاشت دهشة رشيد لتحل محلها ابتسامته الجذابة المعتادة، وأجابه بصوت وقور:
-إنك تعتبرني صديق ده في حد ذاته شرف ليا يا فندم.
رمقه هشام بنظرة لوم، وعقب عاتبًا:
-أفندم إيه بقى وأنا بقولك رشيد من غير مهندس.
ضحك رشيد على تسرعه وقال مازحًا:
-واحدة واحدة أكيد هتعلم.
شاركه هشام الضحكة لتذوب بقايا الرسمية بينهما، ثم تابع مستفسراً:
-هتشرب إيه؟.
أجابه مقتضبًا:
-خليها قهوة مظبوط.
أشار هشام للمضيف وطلب فنجانين من القهوة المظبوطة، ثم اعتدل في جلسته وتنحنح بجدية مهدت لما هو قادم بقوله:
-أنا طلبت أشوفك النهاردة علشان عاوزك في موضوع خاص ومهم جداً.
انتبه إليه رشيد وسأله:
-خير يا فندم؟!.
قاطعه هشام بدعابة لطيفة بددت جدية الموقف وقال:
-تاني يا فندم؟!،انتَ شكلك هتتعبني معاك.
ابتسم رشيد وصحح سؤاله:
-خير يا هشام.
تنفس هشام الصعداء، ثم قال ممازحاً وقد بدت عليه علامات الارتياح:
-أيوا كدا فك يا راجل.
ثم صمت برهةً، قبل أن يستطرد بنبرة تجمع بين الحسم والصدق:
-أنا طول عمري راجل جد، ومؤمن بمقولة أقصر طريق للوصول هو الخط المستقيم، علشان كده أنا هدخل في الموضوع على طول وبدون مقدمات.
كان رشيد يتابعه بتمعن شديد، وينتظر حديثه بذكاء وهدوء، إذ كان يتوقع في داخله ما سيفصح عنه، وتابع هشام بنبرة تقطر احتراماً:
-بصراحة كده أنا معجب بأختك بسمة، وعاوز أتقدم لها.
ولم يكتفي بهذا بل أردف بكلمات رفعت من شأنه كثيراً في نظر رشيد:
-وعلى فكرة، أنا كان ممكن أروح لها الجامعة وأعرف رأيها، بس أنا حبيت أدخل البيت من بابه، تبع الشرع والأصول.
لم يكن هذا الطلب مفاجأة مربكة لرشيد، فقد لمح منذ اليوم الأول نظرات الإعجاب والاهتمام ببسمة في عيني هشام، كما أن إصراره على التقرب منه ودفع فاتورة الغداء سابقاً، كلها كانت مؤشرات أكدت له أن الرجل يحمل مشاعر حقيقية تجاه أخته وينوي خطبتها.
لكن ما فاجأ رشيد وأسر قلبه حقاً هو أخلاق هشام الرفيعة، واحترامه الشديد لنفسه وللتقاليد، في تلك اللحظة، شعر بارتياح داخلي كبير، وتأكد أن هذا الرجل سيكون زوجاً مناسباً لشقيقته.
نظر إليه رشيد بامتنان ورد قائلاً:
-كلامك ده علاك في نظري جداً يا هشام، وخلاني أتأكد إنك راجل محترم وتشرف أي حد.
وتابع وهو ينظم خطواته المقبلة:
-أديني فرصة أسبوع، أفاتح بسمة ووالدي ووالدتي وأخويا كريم، وإن شاء الله أبلغك برأيها.
أومأ هشام برأسه، ثم قال بنبرة جادة تحمل في طياتها رجاءً حاراً:
-تمام يا رشيد، بس ياريت تعجل بالموضوع، لأن أختي الوحيدة نزلت مصر وواخدة أجازة لمدة شهر هي وأولادها وجوزها، وكمان علشانك.
ثم تابع حديثه بوضوح ونبرة حملت رجاءً دافئاً:
-علشان إن شاء الله لو حصل نصيب نعمل الخطوبة وانت وصفاء أختي موجودين.
ابتسم رشيد مقدراً حرصه وأجابه بطمأنينة:
-هنظبط كل حاجة ما تقلقش.
تنفس هشام بارتياحٍ بليغ، وتابعا حديثهما في أجواء غمرها الود.
عندما عاد رشيد إلى المنزل، وجد والديه يجلسان معاً في بهو المنزل، فتقدم نحوهما يلقي عليهما التحية بحفاوة ، ثم التفت إلى والدته يسألها باهتمام:
-أمال بسمة فين يا ماما؟.
أجابته بنبرة حانية:
-بتذاكر في أوضتها يا حبيبي.
أومأ برأسه وقال:
-طب أنا هدخل أطمن عليها.
طرق الباب واستأذن قبل أن يدلف إلى الداخل، ليجدها غارقة بين كتبها، تدرس بتمعن شديد وكأنها تخوض حرباً شرسة ضد مشاعرها، محاولةً طحن أفكارها وتشتيت قلبها بالانشغال التام.
التفتت إليه حين دخل، فبادرها بابتسامة لطيفة وسألها:
-فاضية نتكلم شوية؟.
أجبرت شفتيها على ابتسامة باهتة مطفأة وقالت:
-تعالي يا رشيد.
خطا نحوها وجلس على طرف الفراش، ثم ألقى كلماته بهدوء مراقباً رد فعلها:
-فيه واحد صاحبي متقدم لك وعاوز يخطبك.
وقعت الكلمة على مسامعها كالصاعقة التي زلزلت كيانها، فصاحب شقيقها يعني حتماً واحداً من اثنين، إما محمود أو عمر، بما ان سامر قد خطب بالفعل منذ شهرين.
تحجرت ملامحها تماماً، وقالت بصوت جاد يحمل رفضًا قطعاً لا رجعة فيه:
-أنا مبفكرش في الجواز حالياً يا رشيد.
رمقها باستنكار وغمغم:
-مش تعرفي هو مين الأول؟!.
ردت بحدة لتنهي النقاش قبل أن يبدأ:
-مش مهم، المسألة مسألة مبدأ.
ضيقت عيناه ونظر إليها بدهاء وصمت لثوانٍ، ثم تظاهر بالاستسلام وقام واقفاً، تحرك نحو الباب ممسكاً بالمقبض وهو يقول بنبرة هادئة:
-تمام، أنا هكلم هشام موافي وأبلغه إنك رفضتي طلبه.
في تلك اللحظة، اتسعت عيناها بذهول حابس للأنفاس، واهتز جسدها بالكامل وكأن الأرض تنهار من تحتها.
ماذا قال؟ اقال هشام موافي؟! هو بعينه لا غيره!
لمحت شقيقها يهم بالخروج، فهتفت بسرعة البرق لتوقفه، وصوتها يرتجف بلهفة تجلت في نبراتها:
-هشام موافي الظابط؟!.
لم يستدر نحوها وظل واقفاً مكانه، لكن ابتسامة خبيثة ومستمتعة ارتسمت على شفتيه، فقد كان يدرك بحدسه مشاعر أخته الدفينة تجاه ذلك الضابط.
أخذ نفساً عميقاً ليخفي ابتسامته، ثم التفت إليها بملامح تفيض بالجدية المصطنعة وقال:
-أه هو، بس خلاص، مضطر أبلغه برفضك.
صاحت بلهفة وخوف من ضياع الفرصة:
-استنى بس يا رشيد.
التفت إليها ورأى توترها، فقال باقتضاب:
-ارغي.
بلعت ريقها بصعوبة، وبدأت تفرك كفيها ببعضهما في حركة عصبية تفيض بالخجل والارتباك، حتى شعرت بالحرارة تتدفق إلى وجهها، وحبات العرق تتصبب من جبينها.
أشفق على حالها ورق قلبه لحالتها، فابتسم بحنان بالغ وفتح لها ذراعيه، لم تتردد لثانية واحدة، بل اندفعت تجري نحوه، لتختبئ في صدره مغمضة عينيها بخجلٍ.
طوقها بذراعيه وقبل رأسها بنعومة وهو يهمس:
-مبروك يا حبيبتي، هشام راجل جدع ويستاهل ست البنات.
أبعدها عن أحضانه قليلاً ليرفع وجهها، فرأى الدموع تتلألأ في عينيها، فعقب بابتسامة دافئة:
-يعني يستاهلك يا بسمة؟.
لم تجبه بكلمات، بل عاودت ضمه بقوة وعنفوان مشاعرها، ليقول لها وهو يربت على ظهرها:
-أنا هطلع أكلم بابا وماما، لأن العريس مستعجل.
وقعت كلمة "مستعجل" على قلبها الجريح، فجعلته يرفرف في صدرها كعصفور صغير يتعلم الطيران لأول مرة، قبل جبينها مجدداً، وغادر الغرفة مسرعاً حين استشعر فيض تأثرها وعجزها عن الحديث.
ما إن أغلق الباب خلفه وانفردت بنفسها، حتى تهاوت على السرير وجلست بذهول، ودون أي مقدمات، انهمرت دموعها بغزارة شديدة لم تستطع السيطرة عليها.
غطت فمها بكفيها بقوة وهي تبكي، كاتمةً صوت شهقاتها حتى لا يصل إلى الخارج.
لم تكن تصدق حجم كرم الله وعطفه السخي عليها، فقد كان قلبها قبل دقائق يشبه أرضاً قاحلة يابسة، ونزل هذا الخبر عليه كالغيث الذي رواه وأنعش نبضه من جديد.
كانت عبراتها تسيل على وجنتيها الساخنتين وهي تكاد تجن من شدة الفرحة، هل يعقل أنه يحبها؟ هل يبادلها ذات المشاعر والشغف؟ إذن، لم يكن حدسها واهماً، وتلك النظرات التي لمحتها في عينيه يوم الزفاف كانت صادقة.
أحست أن دقات قلبها ستتوقف من فرط السعادة التي اجتاحت كيانها، كان وقع الخبر عليها مزيجاً متناقضاً ومذهلاً من الدموع الساخنة والفرح العارم.
رفعت رأسها نحو السماء، وعيناها تفيضان بالدموع المنهمرة، وهمست بنبرة خاشعة وممتنة من أعماق روحها:
-سبحانك ربي ما أعظمك، أشكرك على فيض كرمك وجزيل عطائك، فلك الحمد كله، ولك الشكر كله.
______♕______
خرج رشيد ليجد أن شقيقه وزوجته قد انضما لوالديه، فجلس وراح يزف إليهم نبأ تقدم هشام لخطبة بسمة، فتهللت الوجوه وساد المكان ارتياح دافئ وترحيب حار يليق ببهجة المناسبة.
إلا أن هذا الصفو لم يدم، إذ سرعان ما اخترق صوت يمنى الأجواء بنبرة تقطر تهكماً وسخرية، حين علقت باستهجان لم تفلح في تزييفها:
-معقولة، ظابط ظابط يعني ولا أمين شرطة؟!.
رمقها كريم بنظرة مستاءة من أسلوبها، فرد بنبرة حادة ليلجمها:
-ما انتِ سامعة رشيد وهو بيقول ظابط.
التوت شفتيها عن ابتسامة ساخرة، وتمتمت ببرود استفز الجميع:
-غريبة!.
تملك الضيق من رشيد ورفض تماماً أن يمرر هذه الإهانة المبطنة في حق شقيقته، اعتدل في جلسته بحزم، ونظر إليها بجدية صارمة هزت ثقتها وهو يقول:
-وإيه الغريب في كده يا مدام؟!.
ثم أسند ظهره إلى الخلف بكبرياء ، وتابع بنبرة قوية صب فيها كل فخره بشقيقته ليرفع من شأنها ويضع يمنى في حجمها الطبيعي:
-بسمة بنت جميلة ومحترمة ومتعلمة، وألف واحد زي الظابط ده يتمناها.
التفت كريم نحو زوجته وصوب تجاهها نظرة نارية حادة حذرتها من تماديها، فارتجف ثباتها وارتبكت ملامحها تماماً، حاولت جاهدة تدارك موقفها فقالت بتوتر وتلعثم:
-أنا مقصدش والله، بالعكس أنا فرحانة ليها من كل قلبي،وسؤالي كان علشان أتأكد مش أكتر.
لم يقتنع أحد بحديثها، وكاد رشيد أن يستأنف هجومه الشرس، لولا أن التقت عيناه بعيني والدته، التي رمقته بنظرة رجاء صامتة واستعطاف، تتوسل إليه بعينيها أن ينهي الجدال من أجل شقيقه، وحفاظاً على سلام المنزل.
ابتلع رشيد غيظه، وهز رأسه باستسلام نزولاً عند رغبة والدته، والتزم الصمت مطبقاً شفتيه، إكراماً لكلمة والدته التي لا ترد.
______♕______
وأخيراً أشرقت ليلة اللقاء المرتقب، حاملة معها دفئاً خاصاً وتوتراً مبهجاً ملأ أركان المنزل، كانت عائلة عبد الرحمن بكامل أناقتها واستعدادها تقف في صالة الاستقبال بقلوب متلهفة، وما إن رن جرس الباب حتى تسارعت النبضات.
فتح الباب لتطل عائلة هشام، تقدم هو وخلفه والدته الوقورة، وشقيقته التي حضرت برفقة زوجها، يتقدمهم عم هشام السيد اللواء حسن الحديدي بوقاره وهيبته.
استقبلتهم عائلة عبد الرحمن بحفاوة بالغة وترحيب حار عكس كرم أصلهم، تبادل الرجال المصافحة.
كان هشام في قمة وسامته، يحمل بين يديه باقة ورد ساحرة الألوان، وإلى جوارها هدايا قيمة وعلبة شوكولاتة من أفخم الأنواع، تليق بمقام العروس لديه.
انتقل الجميع إلى مجلس الضيوف، وساد المكان حديث شائق غمرته المودة والتعارف المبدئي، بينما كان عقل هشام وعيناه يترقبان شيئاً آخر.
وفجأة، صمت الجميع وتعلقت الأنظار مبهورة نحو الممر، حيث أطلت بسمة وهي تتقدم بخطوات هادئة والخجل يسيطر عليها، بدت جمبلة جداً، سحرت كل من التفتت إليها بثوبها الرقيق الناعم الذي انساب حول جسدها ليظهر مدى تناسقه، وزادها تميزاً زينة وجهها الهادئة والبسيطة، والتي لم تغير ملامحها بل أبرزت عذوبتها الطبيعية فبدت في منتهى الرقة والجمال.
ما أن وقعت عينا هشام عليها،حتى شعر بزلازل تضرب حصون ثباته، تسارعت دقات قلبه بعنف وجنون، ودب في عروقه شعور جارف تمرد على كل القيود والقوانين، تمنى في تلك اللحظة لو أن هذا العالم يختفي من حولهما، ليتخلى عن وقاره ورسمية الموقف، ويجري نحوها ليطوقها بين ذراعيه ويضمها إلى صدره بقوة، ليعوض كل أيام الانتظار التي عاشها على طيفها.
تماسك بصعوبة، واكتفى بنظرة طويلة تفيض عشقاً وهياماً، وصلت إلى عمق قلبها الخافق .
تقدم رشيد من شقيقته بخطوات واثقة، ووقف إلى جوارها يقدمها لعائلتها الجديدة بفخر واعتزاز، التفتت والدة هشام نحوها، وانبهرت بجمالها الهادئ وتهذيبها الذي ارتسم على تقاسيم وجهها، فقالت بحنان تجلى بصوتها:
-أهلاً يا حبيبتي، ماشاء الله عليكِ زي القمر.
ردت وصوتها يرتجف خجلاً:
-متشكرة يا فندم.
في حين تقدمت شقيقة هشام ورحبت بها بحفاوة بالغة، حيث أزالت كل الحواجز الرسمية وقالت بحماس:
-انتِ طلعتي قمر خالص زي ما هشام وصفك بالظبط، إحنا هنبقى أصحاب على فكرة.
ابتسمت برقة وأجابتها بارتباكٍ:
-أكيد، ده شيء يشرفني.
ثم تقدمت لتلقي التحية على عمه، الذي رمقها بنظرة مغلفة بالكبرياء والتعالي، لعدم ارتياحه وتقبله لهذه الزيجة منذ البداية،التقت عيناهما لثوانٍ ثقيلة، قبل أن ينطق بنبرة جافة خالية من أي ود:
-أهلاً وسهلاً.
وجاء دور هشام، ما إن وقفت أمامه مباشرة، حتى شعرت بجسدها ينتفض، وكأن قلبها يقرع ضلوعها بعنف طالباً النجاة، في تلك اللحظة، تسمرت عيناه في عينيها بافتتانٍ جارف وانبهارٍ عجزت كل حصونه عن إخفائه، وبنبرةٍ تفيض غرامًا قال:
-إزيك يا بسمة؟.
رفعت عينيها ببطء لتلتقي خاصتيه، ويا ليتها لم تفعل، إذ سرت في أوصالها قشعريرة مباغتة وجارفة، وشعرت بوهنٍ شديدٍ يجتاح ركبتيها، حتى خُيل إليها أن وعيها سيسلب منها من فرط التأثر.
بلعت ريقها بصعوبة وحاولت استجماع ثباتها الزائف وهي تقول بهدوء استدعته بأعجوبة:
-الحمد لله.
جلس الجميع في أماكنهم، وتولى العم دفة الحديث ليلقي الكلمات الرسمية المعتادة في مثل هذه المواقف، فقال بنبرة مغلفة بالغرور والتباهي:
-إحنا جايين النهاردة نطلب إيد بنتك يا أستاذ عبد الرحمن، لابن أخويا حضرة الظابط هشام، نجل جناب اللوا موافي الحديدي الله يرحمه.
لم يعجب الأسلوب المتغطرس هشام وظهر الضيق على ملامحه، بينما رد عبد الرحمن بطيبته المعهودة وكرمه:
-إحنا نتشرف بنسبكم يا فندم.
هنا تدخل هشام بسرعة ليعيد الأمور إلى نصابها، متحدثاً برجولة وسعادة حقيقية طمأنت الجميع:
-أنا اللي بتشرف بنسب حضرتك والأستاذ كريم والباشمهندس يا عمي.
ولم ينتظر طويلاً بل تابع بحسم متجاهلاً استياء عمه الواضح:
-أنا شايف اننا نقرأ الفاتحة والشبكة الخميس الجاي إن شاء الله.
ارتفعت الأيادي تزامناً مع كلماته، وبدأ الجميع في قراءتها، التفت هشام بنظراته نحو بسمة، فلمحها غارقة في خجلها، فقال بنبرة دافئة ومهذبة:
-ارفعي إديكي واقرأي معانا الفاتحة يا عروسة.
ارتسمت الابتسامات على وجوه الحاضرين، ورفعت بسمة يديها بخجل شديد لتشاركهم القراءة، وسط سعادة عارمة غمرت الأرجاء، وقلبين يرفرفان في سماء العشق كعصفورين حصلا على حريتهما للتو. وما إن انتهوا من القراءة، حتى انطلقت زغاريد النساء لتدوي في أركان المنزل .
أخرج هشام من جيبه علبة مخملية أنيقة، وفتحها ليظهر منها خاتم أنيق وقال:
-ده هديتي لبسمة لحد ما ننزل نجيب الشبكة إن شاء الله.
اقترب من بسمة التي مدت يدها إليه بملامح يكسوها الحياء، فدفع الخاتم في إصبعها برفق والدنيا لا تسع قلبه من فرط السعادة، كانت سامية تواصل اطلاق الزغاريد بقلبٍ يقفز فرحًا.
وعلى النقيض تماماً، كانت يمنى تجلس وعيناها تنضحان بالحقد والغل وهي تتأمل جاذبية العريس الطاغية والمستوى الرفيع لعائلته التي تفوقت على كل توقعاتها.
بعد قليل، استأذن هشام من رشيد بذكاء ليتسنى له الجلوس مع بسمة بمفردهما، فاصطحبهما رشيد إلى جانب بعيد من الردهة، ليجلسا معاً على أريكة منفردة.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ، وكانت بسمة في قمة خجلها، تفرك كفيها ببعضهما بتوتر لطيف، وعيناها معلقتان بالأرض.
اخترق هشام الصمت، ومال نحوها يرمقها بنظراته الدافئة التي تحمل عمق ذكائه وفطنته، وقال بنبرة خفيضة:
-كنتي فاكرة إنك هتتخلصي مني ببساطة ؟!.
رفعت عينيها ببطء، والتقت نظراتها بنظراته في عِناق فاض بالعشق الصادق، فتابع هو بنبرة عذبة تقطر هياماً وعشقًا جارف:
-محدش قدر على قلب هشام الحديدي غيرك يا بسمة، أنتِ الوحيدة اللي عرفتي ازاي تملكيه.
لم ينقل بصره عنها، بل ظلت عيناه ذائبتين في تفاصيل وجهها وهو يكمل بكلمات أذابت قلب كلاهما:
-وخروجك من جوايا بقى مستحيل ، لأنك ببساطة بقيتي النبض اللي عايش بيه هشام.
ركز على عينيها وتابع مسترسلاً بنبراتٍ تقطرُ عشقًا:
- يا مالكة قلب هشام.
بلعت ريقها بحذر،وسرت في أوصالها شجاعة مباغتة استمدتها من غرامه الجارف، قررت أن تسأله، وهي ترمقه بنظرةٍ مغلفة بعتاب العاشقين ولومهم:
-ولما انت بتحبني، ليه سبتني كل ده من غير ما تطمني؟.
أخذ نفساً عميقاً غاص في صدره قبل أن يجيبها بدلال عاشق:
-علشان أوصل للهفة اللي شايفها في عيونك دي.
واستطرد شارحًا:
- كنت محتاج أتأكد من مشاعري ومشاعرك يا بسمة، ولما اتأكدت إنك خلاص بقيتي بتجري في دمي، جت لك على طول وأنا رافع راية الاستسلام.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وساحرة، ثم خفضت عينيها نحو الأرض هرباً من جرأته المبالغ بها، بينما تابع هو بنبرة تملؤها الدهشة من رقتها:
-تعرفي إنك حلوة أوي.
نظرت إليه وصدق مشاعرها يسبق كلماتها:
-عمري ما شوفت نفسي حلوة إلا لما قابلتك يا هشام.
اتسعت عيناه بذهولٍ حابس للأنفاس، وضاعت الكلمات من على شفتيه لثوانٍ قبل أن يهمس بقلب يخفق بشدة:
-يا وقعتك السودة يا هشام يا موافي.
نظرت إليه باستغراب يشوبه الخوف من رد فعله، فاستطرد بنبرة تقطرُ عشقًا:
-قولي كده تاني يا هشام.
ضحكت بخفة ونعومة، وأشاحت بوجهها بعيداً من فرط الخجل، فتابع بإصرار مغازلاً إياها:
-لأ ما أنا مش همشي من هنا غير لما أسمع اسمي مرة تانية حضرتك،يعني خلصي نفسك وقولي بسرعة.
كانت على وشك أن تنطق بالحروف وتلبي رغبته، لكن فجأة انقطع حبل خلوتهما الشاعري بدخول رشيد المباغت، والذي وقف أمامهما بملامح ماكرة وهو يقول بمزاح:
-أجيب اتنين ليمون؟.
التفت إليه هشام ببرود مصطنع وعقب باسترخاءٍ ومزاجٍ رائق:
-وتاخدهم وتورينا جمال خطوتك لحد البلكونة
وأشار بكفه بطريقة كوميدية:
- تشربهم وتبقى ترجع نكون خلصنا الكلمتين اللي بنقولهم.
ضحك رشيد مجلجلاً، ولم يأبه لتهديده، بل تقدم بخطوات مرحة، وجذب شقيقته إليه قليلاً ثم جلس في المنتصف بينهما تماماً وهو يعلن بانتصار:
-للأسف يا إتش، وقتك انتهى.
رمقه هشام بنظرة مستنكرة مصدومة، وراح يكرر كلمته وهو يعقد حاجبيه:
-إتش؟! هي وصلت لأتش يا رشيد!.
ثم أطلق تنهيدة مستسلمة وهز رأسه، وتمتم بنبرة ممتزجة بالمزاح:
-آدي آخرة اللي يشيل الألقاب والكلفة بينه وبين الناس.
مال رشيد على شقيقته، وضغط عليها بحنان وهو يضمها إلى أحضانه قائلاً بفخر:
-مبروك يا بسوم.
كانت السعادة تغمر وجهها وتفيض من عينيها المتلألئتين، فهمست بنبرة خافتة:
-الله يبارك فيك يا حبيبي.
تأملهما هشام وهو يضيق عينيه باستنكار طريف، وعقب بتهكم لا يخلو من الغيرة المحببة:
-بسوم وحبيبي؟! منورين يا حبايبي، أجيب اتنين ليمون؟!
انطلقت ضحكات الثلاثة معاً لتدوي في أركان المنزل بأكمله، تزامناً مع الفرحة العارمة التي خيمت على قلوبهم وملأت المكان بالدفء، ممهدةً الطريق نحو مستقبل مشرق يفيض بالأمل للجميع.
