رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن والعشرون 

صفّ مراد سيارته بعنف أمام باب المستشفى، وترجل منها وعقله يكاد ينفجر من فرط القلق والتوتر. دلف من البوابة يهرول مسرعًا وهو يخرج هاتفه المحمول، وضغط على زر الاتصال بسليم الذي أتاه رده سريعًا، فهتف مراد بلهفة ونبرة متهدجة:

«سليم! أنا وصلت المستشفى حالًا.. أنت في أنهي دور؟ عاصم في غرفة كام؟»

جاءه صوت سليم واهنًا ومكسورًا من الطرف الآخر:

«أنا في الدور الثاني يا مراد.. قدام غرفة العناية المركزة.. تعالى.»

أغلق مراد الخط ودلف إلى الداخل بسرعة، وصعد الدرجات راكضًا بأقصى سرعته دون أن يلتفت لأي أحد من المارة، حتى وصل إلى ممر العناية المركزة بالدور الثاني.

لم يتردد مراد لثانية واحدة، بل اندفع مباشرة نحو الزجاج الشفاف لغرفة العناية المركزة ليطمئن على شقيقه أولًا قبل أي كلام.

تصلب جسده وتوقفت أنفاسه في صدره وهو يرى عاصم مستلقيًا بلا حراك، محاطًا بأجهزة دعم الحياة وخراطيم التنفس الاصطناعي التي تصدر صفيرًا رتيبًا كأنه جسد بلا روح. وضع مراد يده المرتعشة على الزجاج بخوف وقلق قاتل، وبقي واجمًا لعدة ثوانٍ، وعيناه تتأملان هذا الوضع الصادم برعب خالص، وظل يراقبه والوجوم يكسو كل ملامحه من هول المنظر.

استدار مراد فجأة نحو سليم مستفسرًا بنظراته المشتعلة. في تلك اللحظة، كان سليم يقف مسندًا ظهره إلى الحائط، واضعًا يديه في جيبي بنطاله وعينه مثبتة على الأرض بجمود يشي بقمة الضيق وحبس الأنفاس. رفع رأسه نحو مراد وبلع ريقه بصعوبة ومرارة شديدة، ونطق بنبرة منخفضة يكسوها العجز والأسى الخالص:

«عاصم دخل في غيبوبة كاملة يا مراد.. نتيجة صدمة عصبية حادة وهبوط مفاجئ في الدورة الدموية.. المؤشرات الحيوية مستقرة تمامًا، لكن لحد دلوقتي مفيش أي استجابة منه.. والأطباء مش قادرين يحددوا إمتى هيفوق ويرجع للواقع!»

وقعت كلمة "غيبوبة" على أذن مراد كصاعقة دمرت كل شيء، وجاءه واقع الصدمة الأول عنيفًا زلزل كيانه بالكامل. قبض على شعره بكلتا يديه وشده بعنف شديد من كثرة الغيظ والحيرة، وبدأ يدور في المكان بخطوات متخبطة وهو يلف حول نفسه كالمجنون، ثم توقف فجأة والتفت نحو سليم. قبض يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، وضغط على أسنانه بعنف كاد يهشمها، وصوته يخرج حادًا، متهدجًا، ويقطر غضبًا:

«غيبوبة؟! يعني إيه غيبوبة؟! أنا عايز أعرف كل اللي حصل من ساعة ما سافرت لحد دلوقتي! لازم أفهم إيه اللي وصل عاصم لكده! وليه الشرطة أخدته أصلًا، وإيه المصيبة اللي إحنا فيها دي؟! إزاي ده حصل.. إزاااي؟!»

تحرك سليم نحوه خطوة سريعة، وأمسك بكتفي مراد بقوة وثبّته وهو ينظر مباشرة في عينيه ليفيق من ثورته العصبية، وتحدث بنبرة خفيضة ومشدودة تقطر ضيقًا، وأخذ يقص عليه الحكاية كاملة وبسرعة؛ منذ اللحظة التي وصلت فيها الشرطة إلى البيت، وما حدث بعدها، وحتى وصول عاصم إلى المستشفى ودخوله العناية المركزة.

ومع نهاية كلام سليم، وقعت على مراد الصدمة الثانية وكانت أشد وأعنف كأنها رصاصة اخترقت صدره. تراجع خطوات متثاقلة إلى الخلف وهو ينظر لسليم بذهول تلوح فيه ملامح الإنكار التام، ثم تعثرت قدماه وانهار جسده تمامًا فوق أقرب مقعد في الممر. انحنى بجسده بالكامل إلى الأمام، ودفن وجهه بين كفيه، وانفجر في بكاء مرير ونحيب مكتوم وهزات عنيفة تضرب كتفيه. كان يبكي بحرقة وضياع وتشتت تام، وصوته يخرج متقطعًا من بين دموعه الساخنة:

«أنا مش عارف أعمل إيه يا سليم.. مش عارف! أمي وسيلا قاعدين على نار.. هما عارفين إن عاصم محبوس، ومستنييني أرجع لهم عشان آخدهم ونروح له القسم! أروح لهم إزاي دلوقتي؟ أقول لهم إيه؟! أقول لهم عاصم بين الحياة والموت وداخل على حبل المشنقة بتهمة قتل مراته؟!»

رفع مراد رأسه وعيناه حمراوان تفيضان بالدموع، ونظر إلى سليم بنظرة رعب خالص وقلة حيلة قاتلة، وهو يتابع بنبرة مخنوقة:

«أمي لو عرفت باللي حصل.. مش بعيدة تموت وتروح فيها في ثانية! عاصم بالنسبة لها مش مجرد ابن كبير.. عاصم ده حتة من قلبها وسندها في الدنيا! أنا مش عارف أتصرف إزاي ولا عارف هوصل لها الخبر ده إزاي!»

كان سليم واقفًا في مكانه، ملامحه متماسكة رغم الإرهاق الواضح في عينيه. كان قد استنفد كل ما بداخله من خوف وقلق، لكنه الآن أجبر نفسه على السيطرة على انفعالاته؛ فمراد أمامه ينهار، وعاصم خلف الزجاج يصارع من أجل البقاء، ولم يعد هناك مجال لأن يسمح هو الآخر لمشاعره بأن تقوده.

تقدّم سليم خطوة واحدة، ثم انحنى قليلًا ووضع يده بثبات فوق كتف مراد المهتزة، وضغط عليها بقوة، وترك له مساحة ليفرغ شحنته الباكية قبل أن يتحدث بنبرة هادئة، رصينة، تخلو من أي انفعال زائد:

«اهدا يا مراد.. ارفع راسك وبصلي هنا. البُكا مش هيحل حاجة دلوقتي، وإنت السند الوحيد اللي فاضل لأمك وأختك في اللحظة دي.. لو إنت وقعت، البيت كله هيقع.»

مسح مراد وجهه بكفيه بعنف، ورفع عينيه المحمرتين اللتين غسلهما البكاء بنظرة حائرة، بينما تابع سليم وهو يجلس على المقعد المجاور له، مقتربًا منه ليتحدث بصوت خفيض يناسب هدوء الممر:

«أنا مقدر صدمتك.. وعارف إن الحمل عليك تقيل، بس فكّر معايا بالعقل. إحنا قدام أزمة حقيقية، والوقت مش في صالحنا. طنط وسيلا لازم يفضلوا بعيد عن المحضر ده وعن المستشفى والنيابة تمامًا في الوقت الحالي.. أي ضغط نفسي أو صدمة تانية دلوقتي ممكن تنهي حياة والدتك فعلًا زي ما قلت.»

تنحنح مراد، وبصوت متحشرج ومجهد سأل:

«طب والعمل؟ هروح لهم إزاي؟ هقول لهم إيه وأنا سايب أخويا بين الحياة والموت في العناية، والشرطة واقفة على بابه؟!»

أخذ سليم نفسًا عميقًا، ونظر لمراد بجدية حازمة قائلًا:

«مش هتقول لهم الحقيقة كاملة دلوقتي. هترجع لهم البيت، وتاخد نفس عميق قبل ما تدخل. هتقول لهم إن المحامي طمنك، وإن قضية عاصم مجرد اشتباه أو مشكلة إدارية في الشغل ومحتاجة يومين تلاتة عشان تخلص، وعشان كده الزيارة ممنوعة عنه تمامًا بأمر النيابة. بكده هتشتري وقت.. وقت نقدر نتحرك فيه.»

لمعت في عيني مراد شرارة أمل ضئيلة ممزوجة بالخوف:

«تفتكر هيصدقوا؟ أمي قلبها حاسس، وسيلا ذكية ومش هيفوتها الكلام ده بسهولة.»

أمسك سليم بساعد مراد وأكد عليه:

«هيصدقوا لو شافوك قوي ومتماسك.. الكذبة دي مش خداع، دي حماية ليهم لحد ما نطمن على حالة عاصم الصحية، ولحد ما المحامي يقرأ أوراق القضية ويشوف ثغرة الدفاع. أنا هكلم المحامي حالًا يسبقنا على مكتب النيابة، وإنت هتروح البيت تهدي الوضع، وتغير هدومك، وترجع لي هنا في المستشفى عشان نتابع الدكاترة.. عاصم محتاجنا بره وجوه، والضعف دلوقتي رفاهية مش نملكها يا مراد.»

وقف مراد ببطء، مستندًا على ذراعي المقعد، وكأن كلمات سليم أعادت لجسده بعضًا من توازنه المفقود. أومأ برأسه موافقًا، ومسح بقايا دموعه بكف يده وهو يستعد لمواجهة اللحظة الأصعب.. العودة إلى بيته بوجه مستعار.
ـــ
كانت ظلال سقف غرفة الكشف البيضاء تبدو لـ«لينا» وكأنها تضيق فوق صدرها.
استلقت على سرير الفحص، بينما كان صوت تمزق الغطاء الورقي أسفل جسدها مع كل حركة طفيفة يزيد من حدة توترها. كانت أصابعها متشنجة، تقبض بقوة على طرف ثوبها، وعيناها معلقتان بوجه الطبيبة الجالسة بمحاذاتها.

كانت إيمان تقف إلى جوار السرير، تراقب الطبيبة في صمت، وقد بدا القلق على ملامحها رغم محاولتها إخفاءه.

تحركت الطبيبة بآلية هادئة، تمرر مجسّ جهاز السونار فوق بطن لينا. كانت عيناها تتنقلان بتركيز حاد بين الشاشة وملامح لينا. هذا الصمت الطبي؛ الصمت الذي يمتد لثوانٍ فيتحول في رأس الأم إلى دهور من الاحتمالات المرعبة.

كانت لينا تراقب عيني الدكتورة، تبحث في حركتهما عن أي إيماءة، أو قلق، أو حتى ومضة طمأنينة. انتبهت إلى أنها تحبس أنفاسها تمامًا، حتى جفّ حلقها.

أخيرًا، تخلت الطبيبة عن جمودها المهني، والتفتت نحوها بابتسامة خفيفة، ونبرة صوت دافئة قاطعت بها صوت الأجهزة:

«اطمني... كل حاجة كويسة وزي الفل.»

في تلك اللحظة بالذات، أفلتت لينا زفيرًا محبوسًا، وهبط صدرها بقوة وكأن جبلًا أُزيح عنه. سألت بصوت مرتعش حاصرته الدموع:

«يعني... يعني الحمل مستقر يا دكتورة؟ الجنين بخير؟»

ضغطت الطبيبة بخفة على يدها وهي تواصل تحريك المجسّ، وقالت بنبرة حانية:

«الحمد لله، الحمل مستقر جدًا، والنمو ممتاز... إنتِ دلوقتي في بداية الشهر التالت.»

اتسعت عينا لينا، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها بالكامل. تحركت يدها بشكل تلقائي، واستقرت فوق بطنها بكفّ مفتوحة، وكأنها تحاول تحسس هذا الغائب الحاضر.

التفتت إليها الطبيبة، وقالت وهي تداعب أزرار الجهاز:

«تحبي تسمعي صوت دقات قلبه؟»

توقفت الكلمات في حنجرة لينا، وتجمدت نظراتها، بينما غشاوة من الدموع الدافئة تغطي عينيها. لم تستطع الرد، فاكتفت بأن أومأت برأسها عدة مرات متتالية، في لهفة طفولية لم تستطع إخفاءها.

نقرت الطبيبة على زر في لوحة التحكم.

لثانية واحدة ساد صمت مطبق... ثم فجأة، انطلق في أرجاء الغرفة صوت متسارع، قوي، وصغير في آن واحد.

«دُم-دُم... دُم-دُم... دُم-دُم.»

كان الصوت يشبه ركض خيل صغيرة في أرض واسعة.

في تلك اللحظة، انفرط عقد صمود لينا. انسابت دمعة ساخنة من طرف عينها، وتدحرجت على وجنتها لتبلل وسادة الفحص. ظلت شاخصة ببصرها نحو تلك البقعة الرمادية الوامضة على الشاشة، ولم تجرؤ حتى على رمش عينيها، خوفًا من أن تتبدد المعجزة أو ينقطع الصوت.

في هذه الأثناء، خطت إيمان خطوة للأمام، وعيناها تتسعان بفضول وحماس طفولي لم تستطع كبحه، ثم سألت:

«هو بنت ولا ولد يا دكتورة؟»

ضحكت الطبيبة بخفة وهزت رأسها وهي تمسح الهلام عن بطن لينا:

«لسه بدري أوي على الكلام ده يا حبيبتي... مش بنقدر نعرف ونحدد نوعه بالسونار غير في الشهر الخامس إن شاء الله.»

عقدت إيمان حاجبيها بنفاد صبر طفولي:

«يعني هنفضل مستنيين كل ده؟ أنا كان نفسي أعرف.»

امتزجت ضحكة لينا بشهقة بكاء صغيرة وهي تمسح وجهها بظهر يدها، ونظرت إلى إيمان بعينين تشعان بسلام لم تعرفه منذ أسابيع، ثم أومأت برأسها.

«هنستنى يا إيمان... المهم إنه بخير، وقلبه بينبض.»

ضحكت الطبيبة بخفة وهي تمسح الهلام عن بطن لينا، ثم قالت:

«خلاص يا لينا، تقدري تقعدي.»

ساعدتها إيمان على النهوض، وجلست لينا على طرف السرير، بينما اتجهت الطبيبة إلى مكتبها وبدأت تكتب لها الأدوية والفيتامينات.

ناولتها الطبيبة الورقة قائلة:

«دي الأدوية والفيتامينات، والتزمي بيهم، ونشوفك في المتابعة الجاية.»

أخذت لينا الورقة وقالت:

«متشكرة يا دكتورة.»

اقتربت إيمان منها وقالت بسرعة:

«يلا بقى... نروح عشان ألحق المسلسل.»
--
تجلس الأم مديحة بجانب شقيقتها، الخالة نجاة، ووسيلة، تتبادل الثلاث نظرات محبطة، ويتحدثن بصوت منخفض تعلوه ملامح الأسى.

في المقابل، تجلس شاهندة في أقصى زاوية التراس، ممسكة بهاتفها، تفرك الشاشة بإصبعها بآلية وملل واضح، وتزفر زفرة ضيق قوية، وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنهن، مظهرةً عدم رغبتها في البقاء.

فجأة، تتقلص ملامح شاهندة، ويتسع بؤبؤ عينها برعب فور اهتزاز الهاتف في يدها وظهور اسم «شريف».

تقف منتفضة، وتتحرك بخطوات سريعة ومرتبكة لتتوارى خلف أحد الأعمدة، وتطبق كفها بالكامل فوق فمها وهاتفها معًا لتكتم الصوت، ثم تفتح الخط بتوجس.

- ألو؟

على الجانب الآخر، يرتد شريف برأسه إلى الخلف، وترتسم على شفتيه ابتسامة واسعة، قبل أن يطلق ضحكة قصيرة وهو يهز رأسه، ثم يمرر يده على ذقنه، مستمتعًا بارتباكها.

- آه.. شوشو! أيوة كده.. أيوة يا شوشو! مبروك الرد السريع.

تضغط شاهندة على أسنانها، وتلتفت برأسها بوجل، لتلقي نظرة سريعة وخائفة وراءها نحو أمها وخالتها، ثم تعود لتمسك الهاتف بقوة.

- اخلص، عايز إيه؟ مش وقتك!

يتوقف شريف عن الضحك، وتختفي الابتسامة من وجهه. يثبت عينيه أمامه للحظات، ثم يتحدث دون أن يغير نبرة صوته.

- عايز أقابلك.. حالًا.

تتشنج ملامح شاهندة تمامًا، وتتنفس بصعوبة، وهي تنظر مجددًا نحو التراس.

- أنا مش هينفع خالص!

يصمت شريف للحظات، ثم يميل بجسده إلى الأمام، وتضيق عيناه، بينما تنخفض نبرته.

- ما هو لو ما جيتيش أنتِ.. هيجي لك أنا!

تشْهق شاهندة بخوف، وتتسارع أنفاسها، وتقاطع كلامه بلهفة وهي ترتعش.

- خلاص، خلاص.. طيب جاية!

تبعد الهاتف عن أذنها، وتغلقه بضغط عنيف، ثم تستند لثوانٍ على الحائط لتستجمع قوتها.

تعود شاهندة إلى التراس بخطوات متسارعة، وتلتقط حقيبتها عن الطاولة بارتباك لا يخطئه العين.

- ماما.. أنا لازم أخرج وراجعة بسرعة.

تعتدل الأم مديحة في جلستها، وتنظر إليها بملامح مشدودة ومستنكرة، وتلوح بيدها بعتاب وحسم.

- تخرجي فين؟ أنتِ لسه جاية يا شاهندة! رايحة فين تاني في الظروف دي، وإحنا قاعدين بالشكل ده؟ مش هينفع خروجك ده كل شوية.. أنتِ مطلقة! الناس هتقول عليكي إيه تاني؟!

تطبق شاهندة عينيها بنفاد صبر، وتلوح بيدها ضيقًا.

- يوه يا ماما بقى! لازم أخرج.. أصل زميلتي في الشغل تعبانة قوي، وكلمتني ومفيش حد معاها. هروح أشوفها بسرعة وأرجع، مش هأخر والله.

تستدير شاهندة بسرعة البرق، وتهرول مغادرة المكان دون أن تلتفت وراءها، بينما تتابعها الأم مديحة بنظرات مكسورة ومليئة بالشك، وتتبادل الخالة نجاة ووسيلة نظرات صامتة تعبر عن الاستغراب.

بعد قليل، تصل شاهندة إلى كافيه راقٍ على النيل، وتبحث بعينيها بين الطاولات حتى تقع عيناها على شريف الجالس في مكان هادئ بعيد عن باقي الزبائن، أمامه طاولة تطل مباشرة على مياه النيل.

تتجه نحوه بخطوات سريعة ومضطربة، وتقف مستندة بيديها على الطاولة، وتنظر إليه بعينين متسعتين من الخوف.

- عايز إيه تاني؟ أنا لازم أمشي حالًا.. قول بسرعة، عايز إيه عشان أمشي بسرعة!

ينظر إليها شريف دون أن يتحرك، ثم يشير بسبابته إلى المقعد المقابل له.

- اقعدي بس اهدي.. خدي نفسك.

تجلس شاهندة بعنف على الكرسي، وهي تنفخ بزهق شديد، وتدير رأسها يمينًا ويسارًا لتتفقد المكان برعب من أن يلمحها أحد.

يميل شريف بجسده إلى الأمام، ويثبت عينيه في عينيها.

- عملتِ إيه في موضوع جوازنا؟

تفرك شاهندة يديها بتوتر، ويتلعثم لسانها.

- أنا ما أقدرش أفاتح ماما في الموضوع ده خالص دلوقتي! عاصم في المحنة اللي هو فيها دي، والظروف مش مناسبة أبدًا.. الناس هتقول علينا إيه؟

يرجع شريف بجسده إلى الخلف ببطء شديد، ويتعدل في جلسته، مستندًا بكامل ظهره إلى الكرسي، واضعًا ساقًا فوق الأخرى.

يصمت للحظات، وعيناه لا تفارقان وجهها، ثم يميل برأسه قليلًا إلى الجانب.

- خلاص بقى.. يبقى ما فيش قدامنا غير نتجوز عرفي!

تتجمد حركة شاهندة تمامًا، وتتسع عيناها بصدمة مروعة، ثم تميل بجسدها فوق الطاولة نحوه بقوة.

- أنت بتخرف بتقول إيه؟! جواز عرفي إيه؟ لأ طبعًا.. أنا مش ممكن أعمل كده أبدًا!

تتسع ابتسامة شريف من جديد، ويعود إلى الخلف في مقعده، ويترك بينهما لحظة صمت، ثم يرفع حاجبه وهو يراقبها.

- خلاص.. براحتك خالص، متعمليش.. أنا هقوم دلوقتي أروح لمراد، وأسمعه التسجيل اللي كنتِ بتخططي فيه لسرقة الملف من شركة عاصم.

يشحب وجه شاهندة تمامًا، وتتوقف أنفاسها للحظة.

تميل بجسدها نحوه، وتحدق فيه بصدمة.

- أنت كنت بتسجلي؟! اه يا سافل.. يا حقير!

يرفع شريف يده في وجهها، ويثبت عينيه عليها.

- بس ما تغلطيش.. كان لازم أحمي نفسي منكِ. اللي تعمل كده في الراجل اللي طول عمرها بتحبه، ما أضمنهاش.

تتجمد شاهندة في مكانها، وتعجز عن الرد.

ينهض شريف من مقعده، ويمسك هاتفه، ثم يعدل سترته قبل أن ينظر إليها.

- بكرة جهزي نفسك يا عروسة.. هنروح للمحامي سوا، نكتب الورقتين وندخل.

يتجه نحو الباب، ثم يلتفت إليها، وترتسم على شفتيه ابتسامة مستفزة.

- سلام يا... حَرَمي المصون.

يطلق ضحكة قصيرة مستفزة، ثم يغادر.

تظل شاهندة جالسة مكانها، تحدق أمامها بغيظ، ثم تبرطم بين شفتيها بصوت خافت.

- آه يا ابن الكلب.
---
يجلس الجد «بهاء» خلف مكتبه الخشبي الضخم، والإضاءة خافتة لا تكاد تُظهر سوى ملامحه الصارمة التي كستها مسحة من التوجس والقلق.

يمسك هاتفه المحمول، ويحدق في الرقم المكتوب على الشاشة لثوانٍ، ثم يضغط زر الاتصال ويضع الهاتف على أذنه.

يمر صمت ثقيل بانتظار الرد، بينما تتحرك أصابع بهاء فوق سطح المكتب بنفاد صبر مكتوم.

أخيرًا، يُفتح الخط.

يعتدل بهاء في جلسته، وتستقر عيناه على نقطة ثابتة أمامه، قبل أن يتحدث بنبرة منخفضة تحمل شيئًا من الحذر:

«ألو.. عملت إيه؟»

يأتي الصوت عبر الهاتف عميقًا وهادئًا، لكنه يحمل هذه المرة تحذيرًا واضحًا:

«اللعبة خرجت من إيدينا تمامًا يا بهاء.. الراجل اللي بتدور عليه ده ممكن يمحيك أنت وعيلتك كلها من الوجود لو فكرت بس تلمح طرفه. أنت بتلعب مع الموت!»

تضيق عينا بهاء، وتتوتر ملامحه للحظة، لكنه يحافظ على ثباته.

«بس إحنا كان لازم نتصرف قبل ما...»

يقاطعه الصوت الحاد بقسوة حاسمة:

«مفيش لازم! دور في دفاترك القديمة يا بهاء، شوف هببت إيه يخليه يهددك بالشكل ده! إحنا خلاص برة الموضوع، وما تتصلش بالرقم ده تاني!»

يُغلق الخط فجأة بصوت طنين حاد.

يبقى بهاء ساكنًا للحظات، والهاتف ما زال في يده، وعيناه معلقتان بالشاشة السوداء.

يضع الهاتف فوق المكتب ببطء، ثم يسند ظهره إلى مقعده، بينما تعود ملامحه إلى صرامتها المعتادة.

تتجه عيناه نحو خزانة الملفات القديمة في طرف المكتب، وكأن كلمات الرجل أعادت إلى ذاكرته أشياء دفنها منذ سنوات.

يصمت للحظات، ثم يهمس لنفسه بنبرة متوجسة:

«دور في دفاترك القديمة...»

تضيق عيناه، قبل أن يضيف بصوت خافت:

«يا ترى ناوي على إيه يا شبح؟»

يصمت من جديد، ثم يخرج السؤال من بين شفتيه ببطء:

«وياترى... إنت مين؟»
خطا مراد داخل ردهة البيت بخطوات مجهدة، وما إن وقعت عينا نجاة عليه حتى انتفضت من مقعدها، وأسرعت نحوه بلهفة أنطقتها ملامحها قبل لسانها:

«طمني يا مراد.. عاصم عامل إيه؟»

اقترب منها مراد سريعًا، وانحنى يقبّل يدها بحنان، ثم قال بنبرة هادئة حاول أن يخفي بها اضطرابه:

«اطمني يا أمي.. عاصم كويس، بس النيابة منعت الزيارة مؤقتًا لحد ما التحقيقات تخلص.. وهو لسه في القسم والمحامي معاه، وإن شاء الله كام يوم والأزمة دي تعدي.»

فتحت نجاة فمها بلهفة، وحركت يدها محاولةً استيقافه:

«يعني إيه يا ابني؟ طب مش هينفع..»

ابتسم مراد ابتسامة صغيرة متعبة، وقبّل رأسها هذه المرة، ثم قال برفق:

«بعد إذنك يا أمي.. أنا تعبان جدًا من السفر وهيموتني النوم. أطلع أرتاح شوية وبعدين نبقى نتكلم براحتنا، حاضر؟»

أومأت نجاة برأسها بقلة حيلة، بينما أسرع مراد إلى السلم، وصعد إلى غرفته دون أن يلتفت.

أما سيلا، فظلت متسمرة في مكانها، تتابع خطواته بعينين ضيقتين. كانت طريقته في إلقاء الخبر، ثم استعجاله في الانسحاب، قد أشعلت داخلها شكًا لم تستطع تجاهله.

ظلت عيناها معلقتين بالسلم لثوانٍ، ثم قالت يا ترى مخبى ايه يا مراد مرّ أسبوعان على الأحداث الأخيرة، استمرت خلالهما التحريات والإجراءات الخاصة بالقضية، دون أن تطرأ تطورات مهمة تستحق الذكر.

وفي الوقت نفسه، كان هناك من يراقب كل شيء من خلف الظلال، منتظرًا اللحظة التي ستظهر فيها نتيجة تحليل الـDNA...

في الغرفة الواسعة ذات الإضاءة الخافتة، يجلس الشبح على كرسيه الجلدي الفخم، سادًّا ظهره إلى الخلف في استرخاء تام، بينما يرفع قدميه الاثنتين ويضعهما فوق سطح المكتب الخشبي بكبرياء. يمسك سيجاره بين أصابعه، يأخذ منه نفسًا عميقًا، ثم ينفث الدخان ببطء شديد وبرود يثير الأعصاب.

يقف الرجل الآخر أمامه، ملامحه خشنة ومتوترة، وهو ينظر إلى ساعة يده، ثم يتحدث بنبرة حائرة ومستنكِرة:

«هتعمل إيه كده بقى يا بص تاني؟ النتيجة هتطلع بكرة، والنيابة هتعرف إن عاصم بريء والقضية هتقفل ضد مجهول.. يعني الواد هيخرج منها طليق! أنا مش قادر أبلعها.. ليه ما خلصناش منه مرة واحدة وخلاص والكلام ده كله؟ ما كنا ريّحنا دماغنا بطلقة في دماغه وهو في غيبوبته وانتهينا! ليه اللف والدوران ده كله؟»

ينزل الشبح قدميه من فوق المكتب فجأة، ويتعدل في جلسته ببطء وهيبة مرعبة. يضع سيجاره على الطفاية، ثم يقف ويتحرك بخطوات هادئة ليلتف حول المكتب، متوجهًا نحو الرجل بخطوات واثقة لها رنين حاد في الغرفة الساكنة.

يقترب منه حتى يصبح خلف ظهره مباشرة، وينحني قليلًا ليقترب من أذنه، ويتحدث بصوت خافت جدًا، هادئ وواطئ، كأنه يهمس بسرّ قاتل تقشعر له الأبدان:

«طلقة؟ الطلقة دي رحمة يا غالي.. وأنا مبرحمش. لو كنت عاوزه يموت أو ينعدم، كان أسهل لي أصفيه في ثانية وأخلص منه. أنا مش عاوزه يرتاح! أنا عاوزه لما يفوق من غيبوبته دي، يلقى نفسه ميت وهو عايش!»

يعتدل الشبح في وقفته ببطء، ويتحرك خطوتين وهو ينظر إلى الفراغ بدهاء:

«عاصم ده مش صبي من صبيان الشارع عشان أخلص منه برصاصة.. ده دكتور جامعي، واسم كبير وله ثقله في السوق، والناس كلها بتبص له باحترام. السجن كان هيحبس جسمه بس، وعيلته بفلوسها ونفوذها كانت هتداري الفضيحة جوه الزنزانة.

إنما اللي أنا عملته؟ أنا سحقت تاريخه كله!

التقرير اللي هيطلع بكرة ده يطلعه من السجن ورقيًا وبس، لكنه عمره ما هيمسح اللي اتكتب في عقول الناس. الرأي العام مبيسامحش ومبينساش.

الناس حتى لو شافت ورقة البراءة، مش هتفتكر غير حاجة واحدة.. مش هتفتكر غير عاصم، الدكتور الجامعي المحترم، اللي طلّق مراته وضربها وأهانها قدام الدنيا كلها في الحفلة!

وما اكتفاش بكده.. ده راح قتلها وشوّه جثتها كمان!

الناس مش هتفتكر غير الكلام ده.»

تضيق عينا الشبح بشر، وتتحول نبرته إلى خباثة مرعبة وهو يكمل حاسمًا:

«وعشان نضمن إن الورقة دي ملهاش قيمة.. عايزك تسبق النيابة وتنزّل الخبر في كل الجرايد والمواقع من الليلة. اقلب الدنيا وافتكر الفضيحة تاني قبل ما النتيجة توصل لإيد الوكيل بكرة.

أنا من أول يوم ميزتك وشغلتك معايا عشان اللحظة دي بالذات..»

يقترب الشبح مجددًا، ويسلط عينيه الحادتين اللتين تشعان قسوة في عيني الرجل، ثم يهمس بنبرة تقطر تهديدًا باردًا وصادمًا:

«أنا أكتر حاجة كانت عاجباني فيك من الأول ذكاءك يا شريف.. ما تخلينيش أغير رأيي!»

ارتسمت على شفتي شريف ابتسامة خبيثة، بينما ظل واقفًا أمامه في صمت، وقد بدا واضحًا أنه لم يكن مجرد رجل ينفذ الأوامر، بل الذراع التي يعتمد عليها الشبح في تحريك خيوطه من خلف الستار.


تعليقات