رواية الصياد والفريسة الفصل الثالث 3 بقلم ملكة الروايات


 رواية الصياد والفريسة الفصل الثالث 

​انسحب "سعيد" بخطوات متخبطة وهو يتصبب عرقاً تحت نظرات الضباط الصارمة، بينما اقتاده أفراد الشرطة إلى السيارتين لتفتيش أوراقه وفحص البلاغات المسجلة ضده. اتسع الشارع الشعبي بالحاضرين من الجيران الذين كانوا يتابعون المشهد بذهول، يتهامسون عن هذا الضابط النافذ الذي هبط كالعاصفة لينقذ بنت حيهم.
​وقف "مراد" أمام "نور" مباشرة، وعيناه النافذتان تفحصان وجهها المشتعل كبرياءً وغضباً. مال بنظراته نحوها وقال بصوت خفيض اقتصر عليها وحدها:
"أن تحمي كرامتكِ فهذا شأنكِ يا نور.. أما أن أحميكِ أنتِ من كيد الدنيا، فهذا شأن شأن رجل لا يترك شيئاً يهدد أمان من يعنيه أمرهم.. وستعتادين على وجودي شاء كبرياؤكِ أم أبى."
​قبضت "نور" على طرف معطفها بتحدٍ، وأرادت أن ترد بنبرة تزلزل ثقته، لكن صوتاً حنوناً قاطعها من خلفها:
"نور! يا بنتي.. فيه إيه؟ مين الناس دول؟"
​التفتت "نور" لتجد والدتها "الحاجة فاطمة" تهرول بخطوات متعبة نحو مدخل العمارة، وتتبعها "منار" شقيقتها الصغرى التي طالعتها بعيون متسعة من المفاجأة.
​أسرعت "نور" لتسند والدتها وقالت بنبرة تحاول إظهار التماسك:
"مفيش حاجة يا أمي.. موضوع سعيد اتلم خلاص والشرطة بتتأكد من أوراقه."
​تقدم "مراد" بخطوات واثقة ووقار شديد، وخفض رأسه احتراماً للحاجة فاطمة، واختفت حدته القاسية لتتحول إلى نبرة رجولية دافئة:
"مساء الخير يا حاجّة.. أنا الرائد مراد الحسيني. لا داعي للقلق أبداً، هذا الشخص لن يجرؤ على إزعاجكم أو مساس حيكم بكلمة واحدة بعد اليوم."
​نظرت الحاجة فاطمة إلى هيبته والسيارات الرسمية المحيطة بالمكان، ثم التفتت إلى ابنتها "نور" بتساؤل حائر، قبل أن ترد برزانة:
"كتر خيرك يا باشا.. ربنا يسخر لك الخير زي ما وقفت معانا  بس إحنا ناس على قد حالنا وم بنحبش المشاكل مع حد."
​تدخلت "منار" الشقيقة الصغرى بفصاحة وفضول لم تستطع كتمانه وهي تنظر لـ "مراد" بإعجاب شديد:
"حضرتك الظابط اللي نزل من العربيات الشيك دي عشان سعيد البلطجي؟ الجيران كلهم واقفين بيتفرجوا ومش مصدقين!"
​نظرت لها "نور" بنظرة حادة لتسكتها، ثم التفتت إلى "مراد" وقالت بجمود حازم:
"شكراً لسيادتك يا مراد باشا.. واصلت واجبك وزيادة، وتقدر تتفضل دلوقتي عشان أمي وأختي يرتاحوا."
​ابتسم "مراد" ابتسامة خفيفة أظهرت إعجابه الشديد بعنادها الذي لا يلين حتى في أصعب المواقف، وقال وهو يوجه كلامه للحاجة فاطمة:
"عن إذنك يا حاجّة.. واعتبري أي مشكلة ت تواجهكم في الشارع ده من اختصاصي الشخصي."
​انصرف "مراد" بخطوات واثقة وركب سيارته وانطلق بها، بينما ظلت أعين الجيران تلاحق عائلة "نور" بتساؤلات لا تنتهي.
​صعدت "نور" مع أمها وأختها إلى شقتهن البسيطة. أغلقت "منار" الباب بسرعة، والقت بنفسها على الأريكة وقالت بذهول:
"نور! منين تعرفي ظابط كبير ووسيم كده؟ ده شكله مش مجرد ظابط معدي بالصدفة.. ده كان بيبص لك بنظرات غريبة جداً!"
​تنهدت الحاجة فاطمة وهي تجلس على مقعدها وتهز رأسها بقلق أموي شفيف:
"منار عندها حق يا نور.. الراجل ده هيبته ومشيه مش بتوع حارتنا. إيه العلاقة بينك وبينه يا بنتي؟ أنا أخاف عليكِ من الناس الأكابر دول."
​وقفت "نور" في منتصف الصالة، وعيناها تفيضان بمزيج من التعب والكبرياء، وقالت بثبات:
"مفيش أي علاقة يا أمي.. ده زبون بيجي مطعم المرسى اللي بشتغل فيه، واعتدى عليه بلطجية قبل كده وهو اتدخل بصفتة ظابط. لا هو من ثوبنا ولا إحنا من ثوبه، والحدود بيننا واضحة ومحدش يقدر يتخطاها."
​لكن في سريرة نفسها، كانت "نور" تعلم أن "مراد الحسيني" ليس ممن يعترفون بالحدود، وأن وجوده دخل حياتها كإعصار لن يهدأ إلا بعد أن يقلب كل موازينها.
​في صباح اليوم التالي، عادت "نور" إلى عملها بمطعم "المرسى". كانت تحاول تناسي ما حدث، لكن بمجرد وصولها القاعة الرئيسية، وجدت مديرة المطعم تسلمها باقة ورود بيضاء فاخرة مرفقة ببطاقة صغيرة.
​فتحت "نور" البطاقة بخفوق، لتقرأ بخط يده القوي الجميل:
"الكبرياء يزينكِ يا نور.. لكن الحماية حكايتي معكِ. قهوتي السادة تنتظرني في المساء."
​قبضت "نور" على الورقة بغضب مكتوم، وفي تلك اللحظة بالذات، دخل "مراد" المطعم بقميصه الأسود الأنيق وهيبته التي تجبر الجميع على الالتفات إليه. التقت عيناهما في مواجهة جديدة نارية.. مواجهة بين فريسة تأبى الأسار، وصياد قرر أن يقدم قلبه قرباناً لصيدها.
​وقفت "نور" في منتصف قاعة "المرسى" والبطاقة بين أناملها المرتجفة غضباً، بينما كان "مراد" يخطو نحوها بثبات وهيبة تملأ المكان. كتمت أنفاسها وهي تراه ينسحب إلى طاولته المعتاد المطلة على النيل، غير أبهٍ بالهمهمات ونظرات الإعجاب التي تلاحقه من زبائن المكان.
​تقدمت نحوه بخطوات سريعة وحازمة، ووضعت باقة الورود والبطاقة على الطاولة أمامه بجفاف شديد، وقالت بصوت خفيض حاد:
"أظن يا سيادة الباشا إن الورد ده مكانوم
ش هنا، وأنا مش باقبل هدايا من زباين المطعم. ياريت تلتزم بحدود التعامل بيننا."
​نظر "مراد" إلى باقة الورود الملقاة على الطاولة، ثم رفع عينيه الصقريتين وثبّتهما في عينيها الغاضبتين. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة خفيفة تحمل ثقة لا تتزحزح، وقال ببرود ودفء غريبين:
"الورد لم يكن هدية لـ (نادلة) يا نور.. كان تحية لـ (امرأة) أثبتت البارحة أن كبرياءها يعادل جبالاً، وأنا رجل يُقدّر الشموخ ولا يبتذله."
​ردت بثبات وكبرياء يرفض الانكسار:
"وأنا امرأة لا تنتظر تقييماً ولا تحية من رجل يظن أن نفوذه يفتتح له كل الأبواب. طلب سيادتك إيه؟"
​استند "مراد" بيديه على الطاولة، وقال بنبرة قاطعة:
"قهوتي السادة.. وحديث قصير بدون هذه الدروع التي تحيطين بها نفسكِ."
​"الحديث مش مدرج في قائمة طلبات المطعم"، قالتها ونظرت بعيداً لتتهرب من نظراته الحارقة، ثم سجلت الطلب وانصرفت دون أن تنتظر منه كلمة أخرى.
​مرت ساعات العمل ثقيلة، وطوال الوقت كان "مراد" يراقبها بتركيز شديد. لم يكن إعجابه بها مجرد إعجاب عابر بشرارة الجمال، بل كان شغفاً بروحها العصية على الانحناء.
​في المساء، وأثناء تجهيز "نور" للانصراف، اقترب منها مدير المطعم ووجهه يحمل علامات الجدية والاحترام:
"نور.. سيادة الرائد مراد طلب مني أبلغك إن سيارته منتظرة بره لتوصيلك. هو أبلغني إن الشارع عندك فيه مشكلات أمنية وواجب عليه يتأكد من سلامتك."
​تسمرت "نور" في مكانها وزادت ضربات قلبها انزعاجاً من قدرته على الالتفاف وفرض السيطرة بذكاء ولباقة، وقالت بحدة:
"حضرتك يا أستاذ أنا مش محتاجة وصاية من حد، وأنا بمشي لوحدي ومحدش ليه دعوة بيا!"
​خرجت من المطعم مسرعة والشرر يتطاير من عينيها، لتجد سيارته السوداء الفارهة قابعة عند الرصيف، وكان يتكئ على بابها ببنطاله الداكن ومعطفه الأنيق، ينتظرها بثبات.
​ما إن رأته حتى اتجهت نحوه مباشرة وقالت بغضب مكتوم:
"أنت فاكر نفسك مين؟ بتتكلم مع مديري ليه؟ هو أنت فاكر إنك لما تستغل سلطتك هتجبرني أسمع كلامك؟"
​اعتدل "مراد" في وقفته، وخطا خطوة واحدة نحوها جعلتها تتراجع تلقائياً، وقال بصوت حنون وخفيض ينسكب كالسحر في هدوء الليل:
"أنا لا أستغل سلطتي يا نور.. أنا أستغل خوفي عليكِ. شارعكم البارحة كان مسرحاً للبلطجة، وسعيد لن يترككِ وشأنكِ بسهولة حتى لو حبسته الشرطة.. أوليست حمايتكِ حقاً لي بعد أن جعلتني أسير هذه العينين؟"
​سكنت "نور" لثوانٍ، وتجلت في عينيه مشاعر صادقة وجريئة أربكت كل حصونها. اضطربت أنفاسها، وقالت بصوت متقطع تحاول ترميم دفاعاتها المنهارة:
"أنا.. أنا مش ملكك، ولا أمانة عندك عشان تخاف عليا. سيبني في حالي يا مراد باشا."
​ابتسم "مراد" بمرارة شفيفة ونبرة رجولية آثرة:
"تأخرتِ كثيراً في طلب هذا يا نور.. الصياد الذي جئتِ لتصطاديه، قد سقط في الشباك بنفسه، ولم يعد يملك خيار الابتعاد."
​فتحت "نور" عينيها بذهول أمام هذا الاعتراف الصريح والمباغت، وشعرت برعشة خفية تسري في أركان جسدها. لم تجد كلمة واحدة ترد بها على هذا الطوفان من المشاعر، فأدارت ظهرها بقلب يخفق كالطبول وركضت نحو موقف الحافلات دون أن تلتفت خلفها.
​ظل "مراد" واقفاً في مكانه تحت أضواء الشارع الخافتة، يتابع طيفها المبتعد بابتسامة نصر خفية وهو يهمس لنفسه:
"اهربي كما تشائين يا نور.. فكل الطرق في النهاية ستؤدي إليّ."
​تُرى.. هل تستطيع "نور" الصمود أكثر أمام هذا الحب الجارف؟
وماذا سيحدث عندما يكتشف "سعيد" ورجاله طبيعة العلاقة بين "مراد" و"نور" ويحاولون الانتقام؟


تعليقات