رواية ألوان مستعاره الفصل الثالث 3
حبيبة حسّت بالدَم بيتصفى من وشها تماماً، وطعم الدفا والأمان اللي كان لسه على شفايفها تحول لمرارة ورعب. زقت إيد رباب بعنف وقسوة ورجعت خطوة لورا وهي بتصرخ بصوت مكتوم:
ـ ابعدي عني يا رباب! أنا مش راجعة المكان القذر ده تاني.. ولو قربتي مني هلم عليكي الشارع كله!
رباب ضحكت ضحكة عالية ومستفزة، وشاورت براسها للبودي جاردات الضخام اللي معاها:
ـ تلمي الشارع؟ هههه على أساس الشارع ما يعرفش جوز أمك الحشاش اللي بايعك لينا وباقي عليكي فلوس كتيره مأخرات شفتات ودوا أمك؟ يلا يا جدعان هاتوها من غير شوشرة!
قبل ما حبيبة تصرخ، واحد من الجاردات قرب بسرعة، وحط إيده الضخمة على بقها، والتاني مسك إيديها ورجليها وزقوها جوة عربية ميكروباص فامية كانت واقفة في الظلمة على جنب الشارع!
كل ده حصل في ثواني معدودة.. الشارع كان فاضي وهادي، ومحدش حس بأي حاجة.
داخل العربية، حبيبة كانت بتتفاض وتحاول تصرخ وتضربهم بإيديها، بس رباب مسكت شعرها بقسوة وقربت من ودنها:
ـ اثبتي يا روح أمك بدل ما ورب العزة أبعت المعلم ورجالته دلوقتي يخلصوا على أمك المريضة في سريرها!
كلمة أمك نزلت على حبيبة زي الشلل! اتجمدت مكانها، والدموع نزلت تتسابق على خدودها بانهيار تام. مسحت الميكأب اللي على وشها بإيدين بترتعش، وغمضت عينها وهي بتدعي في سرها بأعلى صوت في قلبها:
(يارب.. يارب احميني.. يارب كاسر ما يعرفش.. يارب انجدني منهم!)
على الناحية التانية.. في شقة كاسر.
كان قاعد على الكنبة، قلبه مقبوض ومش على بعضه أبداً. التليفون في إيده، والساعة عدت 10 بالليل، وحبيبة لسه مرنتش عليه تقول له إنها وصلت البيت زي ما اتفقت معاه!
طلب رقمها.. التليفون كان بيمشي جرس طويل وبعدين يدي: الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة
كرر الاتصال مرة.. اتنين.. ثلاثة!
قام وقف فجأة، وشه اتغير والأدرينالين ضرب في جسمه. الإحساس بالخطر بياكل فيه. مسك التليفون وطلب رقم طارق صاحبه، وصوته خرج يرعب:
ـ طارق! حبيبة مش بترد، وتليفونها اتقفل.. أنا قلبي مش مرتاح!
طارق باستغراب:
ـ اهدا يا كاسر، يمكن وصل البيت ونامت أو شبكة المنطقة الشعبية عندهم ضعيفة... او مثلا امها جنبها ولا حاجه متتهورش عشان متجبلهاش مشكله
كاسر بصوت كالهزيم وقفل معاه الفون هو معاه حق
فضل جاي رايح لغايه ما اتصال جاله من رقم مجهول
رد كاسر بسرعه
ـ انت علي كدا مستنيها ترن عليك .. بس زي اسف هي مشغوله في شغلها
كاسر بإستغراب : مين معايا ... انت مين ؟
-- انا مجدي عايز تفهم كل حاجه تعالي علي البيت ..
سحب جاكيت بدلتو ومفاتيح عربيته ونزل يجري على السلالم زي المجنون.
في النايت كلوب..
العربية نزلت حبيبة من الباب الخلفي. زقوها جوة الأوضة، ورباب رمت الفستان احمر الضيق والميكأب الصارخ على الترابيزة قدامها:
ـ قدامك عشر دقائق.. تلبسي وتتزوقي وتنزلي الصالة المعلم والأستاذ معتز مستنيينك، ولا قسماً بالله نطلع على بيت أمك دلوقتي!
حبيبة كانت قاعدة على الكرسي قدام المراية، جسمها كله بيلتف برعشة مرعبة. بصت للفستان ومسكت الروج.. الدموع نازلة تمسح كل حاجة.
افتكرت بوسة كاسر الرومانسية الحنينة من نص ساعة بس.. افتكرت إيده وهي حاضنة خدها، ونظرة الأمان في عينيه.. وقارنت ده بالنجاسة والقرف اللي هي متجبرة ترجع له دلوقتي عشان تحمي حياة أمها.
صرخت بصوت مكتوم ووجع يهد الجبال، وحطت راسها على التسريحة تبكي بانهيار:
ـ ليه يارب؟ ليه كل ما أنضف وأقرب من أمانه.. الدنيا تسحبني للقرف ده تاني؟!
في نفس اللحظة..
عربية كاسر السودا دخلت المنطقة الشعبية بسرعة جنونية، ووقف قدام العمارة. نزل من العربية ورجليه بتاكل الأرض، وطلع السلالم وضرب الجرس بفرملة وقسوة.
فتح له مجدي بجلابيته المهرودة وسيجارته في إيده، وأول ما شاف هيبة كاسر وجسمه الضخم، بلع ريقه بتوتر بس مثل القوه:
ـ إيه ده؟ جيت ازاي بالسرعه دي
كاسر زقه بقوة ودخل الصالة وعينيه زي الجمر بتتفحص المكان:
ـ حبيبة فين؟!
مجدي بتمثيل وخباثة:
ـ حبيبة؟ حبيبة نزلت من بدري ي بيه راحت شعلها بالليل.. أنا ماليش دعوة بيها!... انا قولت اكسب فيك ثواب وابينلك الحقيقه
كاسر قرب منه، ومسكه من لياقة جلابيته وعصره على الحيطة بصوت يرعب الحجر:
ـ شغلانة إيه بالليل؟! بتكذب عليا يا روح أمك؟! البت نزلت من التاكسي على أول الشارع هنا! راحت فين؟!
مجدي من كتر الخوف والخنقة، وعشان يخلص نفسه ويحرق حبيبة، قال وهو بيتخنق:
ـ والله ما بكذب! البت شغالة في نايت كلوب بالليل مع واحدة اسمها رباب.. هما اللي خدوا العربية من أول الشارع وودوها هناك!
الكلمة نزلت على دماغ كاسر زي الصاعقة!
إيديه اترخت من على رقبة مجدي.. رجع خطوة لورا وهو مش قادر يستوعب، عينيه احمرت زي الدم، والتنفس بقى يخرج منه بصعوبة وكأن حد بيضربه بشوم على راسه.
افتكر الكابوس بتاع حبيبة.. افتكر رعشتها كل ما يقرب منها.. افتكر رفضها لمقابلات الليل.. وافتكر البوسة الحنينة اللي خدها منها من ساعة!
كاسر بصوت مكسور ومنخفض يرعب:
ـ نايت كلوب...؟
كل دا واحلام امها كانت شايفه كل حاجه ومكنتش قادره تقوم وعماله تبكي بس كانت تتمني تتطلع ل كاسر وتفهمه كل دا
مجدي مسك رققبته وهو بيكح ويتنفس بالعافية، وبص لكاسر بخبث وغيار:
ـ أيوة نايت كلوب.. النايت كلوب اللي في شارع الهرم، بتاع المعلم نصحي! البت شغالة هناك بياعة هوا وشفتات بالليل، والفلوس اللي بتجيبها هي اللي مأكلانا! فاكرها شريفة ونظيفة يا بيه؟ دي ضاحكة عليك وعلى الدنيا كلها!
كاسر ما سمعش باقي كلامه.. الدنيا اسودّت في وشّه، وصوت دقات قلبه بقى يصرخ في ودانوه أغلب من أي صوت تاني. الصدمة كانت أشد من الموت.. البنت اللي لسّه بايسها بحنان من ساعة، البنت اللي حط إيده في إيدها وحس بنقاوتها، البنت اللي افتكرها طوق نجاته.. هي هي اللي عايشة في القرف ده؟!
من غير ولا كلمة، لف ضهره ونزل على السلالم زي المجنون.
ركب عربيته، ودور المحرك بأقصى سرعة، وجري بيها على طريق الهرم.. إيده كانت بتضغط على الدركسيون بقوة كادت تكسره، وعينيه جمر أحمر مليانة وجع وصدمة وكسرة قلب.
في النايت كلوب..
حبيبة كانت واقفة قدام المراية في أوضة اللبس، لابسة الفستان الأحمر المغري، ومسحت دموعها وحطت الروج الصارخ.. أقدمت على خطوة الخروج للصالة وجسمها كله مشلول من القهر.
خرجت الصالة، الأضواء الحمرا والزرقا كانت بتضرب في وشها، وصوت الأغاني الصاخبة بيهز المبنى. رباب زقتها من دراعها بغل:
ـ اخلصي! التربيزة الـ VIP اللي هناك دي.. الأستاذ معتز مستنيكي ومزاجه زفت!
حبيبة مشيت بخطوات تقيلة، راسمة الابتسامة الباهتة الميتة على وشها، وقعدت على التربيزة.. بتحاول تعدي الدقايق والساعات وهي بتدعي في سرها إن الليلة دي تخلص على خير عشان ترجع لأمها.
وفجأة..
باب النايت كلوب الرئيسي اتفتح بقوة رهيبة!
دخل كاسر.. بقميصه الكحلي وهيبته الطاغية، بس المرة دي ما كانش كاسر الحنين المحترم.. كان زي الوحش الكاسر اللي طالع يلتهم المكان بكل اللي فيه!
الحراس حابوا يوقفوه، بس كاسر زقهم بقوة وجنون وطيرهم من قدامه.
عينه دارت في الصالة وسط الدخان والأنوار.. لحد ما العين جات في العين!
حبيبة اتسمرت في مكانها! الكأس وقع من إيدها اتكسر على الترابيزة.. الرعب شل أطرافها، والدم اتصفى من وشها تماماً لما شافت كاسر واقف في نص الصالة، بيبصلها بنظرة ألم وصدمة وكسرة توجع الصخر!
كاسر مشي ناحيتها بخطوات تقيلة ومخيفة كأنه ملك الموت..
حبيبة قامت وقفت بتلقائية، ودموعها نزلت تمسح الروج الصارخ، وهزت راسها بالنفي وهي بترتعش وبتحاول تتكلم بصوت مكتوم:
ـ كـ.. كاسر.. كاسر لا.. أرجوك!
كاسر وصل عندها.. وقف قدامها، وبص للفستان الأحمر الضيق، للميكأب الصارخ، ولشعرها المفرود.. وبعدين رفع عينه لعيونها المليانة دموع.
مسك دراعها بقوة وعصر صوابعه عليه، وجرّها وراه بره الصالة نحو الممر المظلم المؤدي لباب الخروج، وسط ذهول الناس والحراس اللي ما حدش فيهم اتجرأ يقرب منه من هيبته وغضبه الساطع!
زقها كاسر على الحيطة في الممر الظلمة، وبص لها بنظرة فيها كمية قهر ووجع ملهمش آخر، وصوته خرج مكسور ومبحوح بيموت من الجوا:
ـ بقى هي دي الحقيقة؟.. هو ده النقاء والدفا اللي كنتِ بتحكي عنه من ساعة؟.. كدبتِ عليا ليه يا حبيبة؟! ضحكتِ عليا ليه وحطيتِ شفايفك النظيفة دي في شفايفي وأنا دايب فيكي؟!ليه
حبيبة انهارت على الأرض تحت رجليه، مسكت بنطلونه بعياط وصريخ مكتوم هيقطع قلبها:
ـ والله العظيم غصب عني يا كاسر! والله العظيم أنا مظلومة ومجبورة.. أمي بتموت.. وجلسات الغسيل الكلوي ومجدي هو اللي بايعني! والله أنا شريفة ونظيفة وما حدش لمسني.. أنت الأمان الوحيد اللي في حياتي يا كاسر أرجوك افهمني!
كاسر نزل لمستواها، مسك وشها بإيديه الاثنين بقوة، وعينيه دمعت لأول مرة قدامها، وقال بنبرة ترعب من كتر الألم:
ـ كان ممكن تصارحيني يا حبيبة! كان ممكن تقوليلي أنا محتاجة مساعدة وأنا كنت هفديكي بروحي وبفلوسي كلها! لكن تخدعيني؟ تمثلي عليا الحب والنقاء الصبح وترجعي للقرف ده بالليل؟! كنتي منمره علي اي معايا ((صرخ في وشها جامد ))وبعدها قال بهدوء : أنتِ كسرتيني يا حبيبة.. كسرتي أكتر راجل حبك في الدنيا!
زقها كاسر على الحيطة في الممر الظلمة، وعينيه اتحولت لكتلة جمر أحمر. الوجع اللي في قلبه اتحول فجأة لشرار وغضب ساطع أعمى عينيه ودمر كل مشاعر الحنية والأخلاق اللي كانت جواه.
بص للفستان الاحمر الصارخ، ولملامح وشها، وضحت ضحكة سخرية قاسية مرعبة هزت الممر:
ـ غصب عنك؟ ومظلومة؟! ولا أنتِ بتشتغلي الشغلانة دي بمزاجك يا هانم؟ أصل اللي تبيع العفة والدفا الصبح عشان تلبس ده بالليل، يبقى الشغلة عاجباها ومكيفاها!
حبيبة اتسمرت مكانها والدم اتصفى من وشها تماماً لما شافت التحول المرعب في عينيه:
ـ كـ.. كاسر.. أنت بتقول إيه؟ أرجوك افهمني.. اسمعني مره
قرب وشه منها بغل وصوته خرج سافل ومعدوم الرحمة:
ـ طيب ما كدا كدا إحنا في الهوا سوا.. ما أقوم أنا بالواجب طالما الزباين بيدفعوا بالليل! حاضر.. هعمل لك اللي يكيفك ويليق بيكي من النهاردة.. قومي... ومتقلقيش هكيفك برضو جنسيا وماديا
مسكها من دراعها بقوة وعنف شنيع، وجرّها وراه وهي بتتخبط ورجليها مش شايلاها. خرج بيها من الباب الخلفي وزقها ورزعها جوة الكرسي اللي جنب السواق في عربيته. حبيبة صرخت وحطت إيدها على وشها بتبكي بانهيار:
ـ كاسر عشان خاطر ربنا نزلني! أنت رايح بيا فين؟! والله العظيم مظلومة يا كاسر!.. اسمعني بس متكسرنبش
كاسر بصراخ : انتي اللي كسرتيني لما نزلتي من كرامتي ورجولتي
وهي فضلت تتكلم وتبكي وتصرخ
وكاسر ما ردش عليها بعين ولا كلمة. قفل الباب بفرملة ورعب، وركب وقفل السنتر لوك. داس على دواسة البنزين والسرعة عدت الـ 180! العربية كانت ماشية زي الصاروخ وسط الشوارع، وهو ماسك الدركسيون بإيدين أصلب من الحديد وعينيه متثبتة على الطريق بجمود وحشي.
حبيبة كانت قاعدة جنبه بترتعش زي الورقة، ودموعها نازلة تمسح كل المكياج، حاطة إيديها على قلبها ومشتتة من الخوف:
ـ كاسر ارحمني.. هتموتنا! كاسر أرجوك أقف!
وصلت العربية قدام برج فخم وجديد في منطقة راقية جداً. نزل كاسر ولف ناحية بابها، فتح الباب ومسكها من معصمها بضغط رهيب كاد يكسر عضمها، وسحبها برة العربية!
ـ انزلي يا روح أمك!
ـ كاسر عشان خاطر ربنا سيبني! والله العظيم ما عملت حاجة غلط! أرجوك يا كاسر! انا بحبك
كانت بتترجاه وبتبكي بصوت يقطع القلب وهي بتتسحل وراه، بس هو ما كانش سامع ولا شايف أي حاجة.. خيانتها، والمنظر اللي شافها بيه في النايت كلوب، كان بيغلي في دماغه ورجّعه وحش كاسر معندوش أي رحمة.
جرّها للأسانسير، وطلع بيها لآخر دور. فتح باب شقته الفخمة المظلمة، وزقها لجوة بكل قوته!
حبيبة وقعت على الأرض الصلبة، صرخت بوجع ومسكت كوعها، ودموعها نازلة بغزارة وهي بترجع بظهرها لورا بخوف وهلع، وشايفة كاسر بيقفل الباب بالمفتاح ويرميه على الترابيزة.
قلع جاكيت بدلتو ورمى ساعته على الأرض، وبدأ يفك زراير قميصه الكحلي الأولى وهو يقرب منها بخطوات تقيلة ومرعبة.
حبيبة شهقت بصوت مكسور وربطت إيديها على صدرها بتحاول تغطي الفستان الأحمر الضيق:
ـ كاسر.. لا.. أرجوك يا كاسر متعملش فيا كده.. أنت كاسر حبيبي انت الأمان!
كاسر ضحك ضحكة سافلة ومستفزة وهزر بوشه عليها:
ـ حبيبك؟! وأمانك؟! هههه لأ يا قطة، الأمان ده كان زمان لما كنت مغفل وشايفك ملاك وبنت ناس! إنما دلوقتي؟ أنتِ بياعة هوا.. وأنا زبون دفع ثمن الشفت كاملاً ورامي كل حنيتي في الزبالة! الليلة دي هتاخدي المعلوم مني طالما بتحبي الشغلانة دي أوي كدا!
قرب منها فجأة ونزل لمستواها على الأرض، مسك الفستان الأحمر بقسوة وجنون وحاول يمزقه من فوق، وشادد شعرها لورا. حبيبة صرخت بأعلى صوت عندها، وبقت تضربه بإيديها الصغيرين على صدره وهي بتبكي بانهيار قاسي:
ـ لاااا يا كاسر لاااا! حرام عليك! أنا نظيفة والله العظيم ما حد لمسني! لااااا!
كاسر كان قاسي ومثبتها بجسمه الضخم... وكان مثبت جسمه العريض كله فوقيها.... مفيش أي صوت في ودنه غير الغضب والشيطنة.. حط شفايفه بقسوة على رقبتها وعايز يفرض نفسه عليها بالقوة وهي تحتيه بتتفض وبتموت من الرعب والقهر، ودموعها السخنة كانت نازلة بغزارة على وش كاسر وخدوده!... نزل بوشه ل تحت رقبتها وجسمها ظهر قدامه وهي بتصرخ
وفجأة..
قطرة دموع سخنة وجريئة من عين حبيبة نزلت على شفايف كاسر..
مع طعم الدموع المالح، ورعشة جسمها الميتة تحته، وصوت شهقتها العالية وهي بتدعي بقلب محروق:
(يارب أنقذني.. يارب أنت عارف إني شريفة!)
كاسر اتجمد في لحظة!
كأن صاعقة كهربا ضربت دماغه، أو كأن حد صحاه من كابوس شيطاني بشع!
رفع وشه عنها ببطء وشحوب.. بص لإيديه اللي ماسكة هدومها وممزقاها، بص لعيونها اللي مليانة رعب وهلع وموت من أقرب شخص ليها.. بص لدموعها اللي مغرقة وشها
سحب إيديه بسرعة جنونية وكأنه لمس نار! رجع بضهره لورا وهو بينهج بصوت عالي وعرق الغرقان مالي جبهته.
نظر لإيديه وهي بترتعش بذهول وصدمة من نفسه، وبص لـ حبيبة اللي اتكومت على نفسها في الزاوية، حاضنة كتافها وبتبكي بانهيار وصوت مكتوم.
كاسر حط إيديه الاثنين على راسه وعصره بوجع وصرخ بصوت مكتوم يرعب الشقة:
ـ أنا عملت إيه...؟ أنا كنت هعمل إيه؟!
كاسر كان قاعد على الأرض وراها بيموت من الرعب والندم، عينيه مش قادرة تستوعب المنظر.
حبيبة كانت متكومة على نفسها في زاوية الأوضة، حاضنة جسمها وبترتعش زي الورقة في مهب الريح. دموعها نازلة تمسح الميكأب، وشفايفها ورقبتها الناعمة ينزفون دم خفيف من أثر قسوته وعنفه معاه.
كانت بتهز رأسها بالنفي وعيونها باصة للفراغ بذهول ورعب، وشفايفها المتروكة بتمتم بصوت خافت، مبحوح ومكسور، بكلمات متقطعة بترن في الأوضة زي النواح:
ـ والله العظيم شريفة.. والله العظيم محدش لمسني.. مظلومة يا كاسر.. أنا شريفة والله.. محدش لمسني..
الدم اللي نازل من رقبتها وشفايفها، مع صوت تمتمتها المنهارة، كان زي السكينة اللي بتدبح كاسر بالبطيء.
كاسر حس بركبه بتتخشب، ومش قادر حتّى يرفع عينه يرجع يبص في عينها. زحف على الأرض ببطء ورعشة رهيبة في إيديه، وبصوت مبحوح طالع من قاع قلبه مليان وجع وندم يهد الجبال:
ـ حبيبة... أنا أسف.. والله العظيم أسف.. أنا اتعميت.. أسف يا حبيبة!
حبيبة ما ردتش عليه.. كان صوت تمتمتها المكسورة بتقل تدريجياً، وعيونها تثبتت على الفراغ وشفايفها اللي بتنزف دم بقت تترعش برعشة أمنية، لحد ما أنفاسها تقلت فجأة، وعيونها أغلقت ببطء، وجسمها استسلم وسقط على الأرض تماماً بعد ما أغمى عليها من كتر الخوف والقهر وإرهاق الجسد.
كاسر صرخ باسمها بصوت يرعب الشقة:
ـ حبيبة!
زحف ليها على ركبه زي المجنون، مسكها من كتافها وحط رأسها على رجله بذهول ورعشة رهيبة في إيديه. الدم اللي على رقبتها وشفايفها صبغ أطراف صوابعه، وشحوب وشها كان كأنه ميتة.
ـ حبيبة فوقي! عشان خاطري فتحي عينيكي! حبيبة أنا أسف.. والله العظيم أسف!
مسح الدم من على شفايفها وورقبتها بأطراف قميصه وهو بينهج بانهيار، وقام شالها بين إيديه بالراحة كأنها أجزاء زجاج مكسورة خايف تجرحه اكتر. حطها على السرير في أوضته، وغطاها بشال دافي.
جري على المطبخ، جاب مية ساقعة وقطن ومطهر، ورجع يقعد على ركبه جنب السرير. إيديه كانت بترتعش ببطء شديد وهو بيمسح الدم الخفيف من على رقبتها وشفايفها، وكل ما قطنة المطهر تلمس جرحها، حبيبة كانت تتأوه بصوت واطي وموجوع وهي مغمضة عينها، وفي كل مرة تتأوه فيها، كاسر كان يتعصر من جوة بالندم.
قعد جنب السرير على الأرض، حاطط جبهته على طرف المرتبة ومسك كف إيدها البارد جداً، وفضل يبكي في صمت قاسي.. بكاء راجل أدرك إنه بغضبه كان هيضيع أنضف حاجة دخلت حياته، وكان هيتحول لنفس الوحش اللي هي كانت بتهرب منه كل ليلة.
مرت ساعتين كأنهم دهر.. الساعة بقت 3 الفجر.
حبيبة بدأت تفتح عينها بالعافية. الضوء الخافت في الأوضة كان بيزغلل عينها، وجسمها كله كان بيوجعها. أول ما افتكرت اللي حصل، اتفضت من مكانها بصرخة خفيفة ورجعت بظهرها لورا وهي بتشد الغطا على جسمها وخوفها مالي عينها.
كاسر قام وقف فوراً، بس رجع خطوة لورا ورفع إيديه الاتنين في الهواء عشان يطمنها وما يخوفهاش، وصوته خرج خافت جداً ومبحوح من العياط:
ـ متخافيش.. والله العظيم مش هقرب منك تاني.. أنا آسف يا حبيبة.. قسماً بالله آسف.
حبيبة كانت بتبص له بعيون مليانة خيبة أمل وكسرة أكبر بمراحل من الخوف. مسحت شفايفها المجروحة بإيدها، وبصت للدم اللي على أطراف صوابعها، وبعدها رفعت عينها لـ كاسر وقالت بصوت مكسور، هادي بس قاسي زي السكينة:
ـ أنت كنت هتدمرني يا كاسر.. كنت هتكسر البقية الباقية من كرامتي.
كاسر نزل راسه في الأرض مش قادر يحط عينه في عينها، ودمعة نزلت من عينه:
ـ الشيطان أعمى عيني.. الصدمة والغيظ من المكان اللي شفتك فيه قتلوا عقلي. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تسامحيني.. بس بلاش تبصيلي النظرة دي... بس انا لازم افهم انتي كنتي هناك ليه
حبيبة اتجمعت كل طاقتها وقامت وقفت على رجلها بالعافية، ظبطت هدومها الممزقة بالغطا والجاكيت بتاعه اللي كان مرمي، وقالت بنبرة حسم وموت:
ـ أرجوك.. افتح الباب ورجعني لأمي.. أنا مش عايزة اشوف وشك تاني يا كاسر.
حبيبة كانت قاعدة على السرير جسمها بيلتف برعشة مرعبة، وعيونها مشتتة بين الزوايا. رفعت إيدها اللي بترتعش ولمست رقبتها وشفايفها، ولما بصت على صوابعها، شافت بقع الدم الأحمر الفاقع..
وفي نفس اللحظة، عينها جات على الملاية البيضا تحتها وشافت بقع الدم اللي نزلت من جرح رقبتها وشفايفها.
في ثانية واحدة.. عقلها وقف، والزمن اتجمد!
الفكرة البشعة ضربت دماغها زي الصاعقة: (شرفي.. دم شرفي!)
عقلها ربط بين عنفه وقسوته لمّا كان فوقيها، وبين الدم اللي مالي الملاية وصوابعها. اتفتحت عينها على آخرها بصدمة وذهول يقطع النفس، والدم اتصفى من وشها تماماً وبقت زي الجثة.
حطت إيديها الاثنين على رأسها، وبدأت تصرخ بصوت هيستيري مكسور يرج أركان الشقة:
ـ لاااااااااا! لا يا كاسر لاااا! عملت فيا إيه؟! شرفي يا كاسر؟! عملت فيا إيه حرام عليك! ياااااارب!
كانت بتضرب على جسمها ورجلها بذهول وانهيار تام، ودموعها نازلة كالمطر، بتمتم بصوت مقطوع ونفس ضايع:
ـ ضيعتني.. دمرتني يا كاسر.. ضيعت شرفي وأنا شريفة.. يارب تموتني يارب!
كاسر أول ما شاف صدمتها وتفكيرها، قلبه اتخلع من مكانه! اتخض وركب بلهفة ورعب وجري ناحيتها على السرير، بس مسك نفسه وما لمسهاش، ورفع إيديه الاثنين قدام وشها وهو بينهج ودموعه نازلة بغزارة، وبيصرخ بصوت مبحوح عشان يفوقها من الكابوس ده:
ـ والله العظيم محصلش حاجة يا حبيبة! اقسم بالله العظيم شرفك سليم وملمستكيش! حبيبة اسمعيني أرجوكي.. ده دم شفايفك ورقبتك! ده جرح من أظافري وقسوتي لما مسكتك!
حبيبة كانت بتهز رأسها بحركة هيستيرية، ومش سامعة، باصة للدم على الملاية وبتبكي بصوت يقطع القلب:
ـ بتكذب عليا.. بتكذب عليا عشان تداري جريمتك! أنت دمرتني خلاص!
كاسر قرب منها أكتر بقلة حيلة ودموع محبوسة، مسك القطنة والمطهر المليانين دم ووراهالها، ومسك القماش الممزق بتاع الفستان ووراهالها بنبرة ترجي ترعب من كتر الوجع:
ـ بصي هنا! بصي للقطنة وبصي لرقبتك في المراية يا حبيبة! والله العظيم ده دم جرح رقبتك وشفايفك! أنا أفدي شرفك بروحي.. قسماً بالله العظيم إني فقت قبل ما ألمسك أو أعمل أي حاجة! أنتِ شريفة وطاهرة وزي ما أنتِ.. اسمعيني وحياة أمك اقسم بالله محصلش حاجة!
حبيبة اتسمرت مكانها، أنفاسها متقطعة وصدرها بيعلى ويوطى بسرعة جنونية. رفعت إيدها التي بترتعش ببطء شديد ولمست الجرح اللي في رقبتها والشرح اللي في شفتها.. وحست بالوجع والحرقان فيهم لما لمستهم.
بصت للقطنة.. وبصت لـ كاسر اللي كان قاعد على ركبه تحت رجليها بيبكي بانهيار ويدعي ويحلف بكل ما يملك.
بلعت ريقها بالعافية، وصوت عياطها الهيستيري بدأ يتحول لشهقات مكسورة ومتواصلة، ورعب الصدمة الأولى بدأ يهدأ سنة بسيطة، بس الشك والخوف كان لسه بياكل في قلبها.
