رواية ذات العيون البنفسجيه الفصل الثالث 3 بقلم أماني سيد


 رواية ذات العيون البنفسجية الفصل الثالث 

وصلت بنفسج إلى مخرج الحديقة الخلفية وهي تلتقط أنفاسها المتلاحقة بصعوبة، وكان جسدها ينتفض بالكامل من فرط التوتر والخوف. وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح الباب الداخلي للدوار وخرجت والدتها أمينة، وهي تضع يدها في جيب جلبابها وتعد الأجر الذي تقاضته للتو من زوجة العمدة.
وقعت عينا أمينة على ابنتها المذعورة واللاهثة، فضيقت عينيها بريبة وقالت بنبرة حادة يملؤها الشك:
ـ واه يا بنفسج! مالك عتجري وتنهجي كِدِه ليه كيف اللي قاطع نفس ومضروب بالضيع؟ في إيه عاد؟
ـ لاه يا أُمي.. مفيش واصل، بس أنا.. أنا حسيت إنك اتأخرتي جوة والوقت سرقنا، فكنت جاية جري أستعجلكِ عشان نمشوا قوام قبل ما الليل يكحل.
نظرت إليها أمينة بنظرة فاحصة، لكن تعب اليوم الطويل أعمى بصيرتها عن التدقيق في ارتباك ابنتها، فتنهدت بتعب وقالت:
ـ ماشي يا بتي.. يلا بينا جوام، الطريق عاد ضلمة وأبوكي زمانه قاعد على نار مستنينا في الدار.
سارت بنفسج بجوار والدتها مطأطئة رأسها، وقلبها لا يكف عن القرع كطبول الحرب، تلتفت وراءها بحذر خشية أن يلمحها ذلك الشاب مجدداً، بينما كان هو في الجهة الأخرى من الحديقة يقف مكانه، يتأمل الفراغ الذي تركته خلفها، وعقله يرفض تصديق أن ما رآه كان حقيقة وليس محض خيال.
وفي الصباح التالي، لم تكن شمس الصعيد قد أشرقت بالكامل بعد، حينما غادر الشاب قصر العمدة متوجهاً إلى قلب البلدة. لم يستطع النوم ليلته تلك؛ فصورة الوجه الأبيض الحليبي وتلك العينان البنفسجيتان الساحرتان حُفرتا في مخيلته كوشم لا يزول.
كان يسير في شوارع القرية الضيقة، يرتدي ملابسه المدنية الأنيقة، وعيناه تدوران بلهفة وجنون بين وجوه المارة، يتأمل نساء البلدة، الفلاحات السائرات نحو الحقول، والفتيات اللواتي يحملن جِرار الماء. كان يبحث في كل عين تلتقي بعينه عن ذلك البريق البنفسجي النادر، لكن دون جدوى؛ فكل الوجوه كانت مألوفة، وكل العيون كانت عادية، بينما صاحبة الوجه الملائكي اختفت وكأن الأرض انشقت وابتلعتها، دون أن يدري أنها تقبع خلف جدران دار بسيطة، مغلق عليها بالضبة والمفتاح
في الناحية الثانية من البلدة، بين الأراضى الخضراء،  جلس "عم متولي" تحت ظل  شجرة  يستريح قليلاً من شقاء الفأس، وبجواره جرة الماء الفخارية .
اقتربت منه "أمينة" وهي تحمل صرة الطعام الصغيرة، وجلست قبالته مسندة ظهرها  على جذع الشجرة. نظرت حولها لتتأكد من عدم وجود أي أحد من العمال قريب منهما، ثم أخرجت تنهيدة حارة كانت محبوسة في صدرها منذ الصباح.
مسحت أمينة وجهها بطرف شالها وقالت بنبرة يملؤها الهم والحيرة:
ـ واه يا متولي.. القعدة دي مش جايبة همها، والهم كبر وتقُل على قلبي كيف الجبل!
رفع متولي رأسه، ونظر إليها بعينين تعبت من الشقاء وقال:
ـ استهدي بالله يا أمينة.. مالك عاد؟ في إيه جد جديد؟
ـ البت بنفسج يا متولي! البت عودها استوى وبقت صبية في طول الباب، بنات البلد اللي في سنها واللي أصغر منها كبروا واتجوزوا وعيالهم على أيديهم، وهي حابسينها بين أربع حيطان كيف الأمانة الممنوعة!
تنهد متولي وأخذ جرعة ماء من القلة، ثم رد بقلة حيلة:
ـ وما بيدناش حاجة نعملوها يا أمينة.. إنتي اللي اخترتي السجن ده من الأول، وقلتي خوفاً عليها وعلى حُسنها اللي يقطع النفس!
ـ ماناش غلطانة يا متولي! أنا خايفة عليها من عيون الخلق، الجمال ده مش بتاع بلادنا واصل، ده جمال يجيب الفتن والدمار. بس برضك قلبي بيتقطع عليها.. البت شبابها بيمرق من غير ما تفرح ولا تعيش كيف باقي البنات، ولا عارفين نطلعوها للناس ونقولوا دي بتنا، ولا عارفين نستروا عليها بعريس يتقي الله فيها!
اقتربت منه أكثر وهسحت بصوت خفيض يملؤه الرعب:
ـ أنا خايفة يا متولي.. خايفة لو حد لمحها أو عرف بسرها، الطمع يدخل قلوب الخلق، والناس ما بترحمش. ساعتها مش هتبقى مشكلة بسيطة.. ساعتها ممكن تحصل مصيبة وكارثة في البلد إحنا مش قدها واصل!
ساد الصمت بينهما للحظات، ولم يكن أحدهما يعلم أن القدر قد بدأ بالفعل في تحريك أحداثه، وأن السر الذي حاربا سنوات لإخفائه أصبح على وشك أن ينكشف!
ساد الصمت بين أمينة ومتولي للحظات، وكل واحد منهما غارق في أفكاره، حتى تنهدت أمينة ومسحت بطرف شالها عرقًا تجمع على جبينها.
ـ خلاص يا متولي.. أنا كدِه قلت لك اللي على قلبي، وربنا وحده عالم أنا خايفة على البت قد إيه.
نظر إليها متولي بحنان، ومد يده يربت على يدها:
ـ وأنا خابر خوفك يا أمينة، ومش هقولك إنك غلطانة.. بس لازم نفتكر إن ربنا هو اللي حافظها، مش الحيطان اللي حابسينها وراها.
خفضت أمينة عينيها، وقالت بصوت متهدج:
ـ ربنا يسترها علينا يا متولي.. أنا كل اللي نفسي فيه أشوفها عروسة مستورة قدامي، من غير ما حد يأذيها ولا يكسر قلبها.
ابتسم متولي ابتسامة باهتة:
ـ وهتشوفيها يا أمينة، بإذن الله.. بس سيبيها تعيش شوية، البت شبابها عيعدي وهي لسه محبوسة.
تنهدت أمينة، ثم نهضت عن الأرض ونفضت التراب عن جلبابها.
ـ يلا عاد.. أنا هروح ألحق البت قبل ما ترجع من عند الجيران، ورايا غسيل وعجين، ولو اتأخرت هتفضل مستنياني.
نهض متولي هو الآخر، ثم تناول جرة الماء وناولها لها.
ـ خدي دي في الطريق، الجو حر.
ابتسمت أمينة وهي تأخذها منه:
ـ ربنا يخليك لينا يا متولي.. خلي بالك من نفسك إنت كمان.
ـ متخافيش عليّ يا أمينة، أنا هخلص شغلي وأرجع على المغرب.
نظرت إليه للحظة وكأن شيئًا في داخلها يريد أن يمنعها من الرحيل، لكنها ابتلعت شعورها وقالت:
ـ استودعتك الله يا متولي.
ـ في حفظ الله يا أمينة.
استدارت أمينة وسارت في الطريق المؤدي إلى الدار، بينما ظل متولي واقفًا يتابعها بعينيه حتى ابتعدت.
وبمجرد أن اختفت خلف الأشجار، عاد إلى مكان عمله، وأمسك بفأسه، ثم انشغل مع بقية العمال في تجهيز الأرض.
على مسافة قريبة من الأرض، كان الشاب الذي رأى بنفسج ليلة أمس يسير في نفس الطريق.
كان عائدًا من ناحية الدوار، لكنه لم يكن منتبهًا للطريق من حوله.
منذ أن لمح تلك الفتاة في الحديقة، وصورتها لا تفارق رأسه.
وجه أبيض كالحليب...
شعر أسود كالليل...
وعينان بنفسجيتان لم ير مثلهما في حياته.
كان شاردًا حتى سمع فجأة صرخة مدوية:
ـ ابعد يا بيه! النخلة هتقع عليك!
رفع الشاب رأسه.
كانت نخلة ضخمة تقف خلفه، وقد بدأ جذعها يميل بعد أن قطع العامل الجزء الأخير منه.
تجمد مكانه للحظة.
نظر إلى أعلى، ثم إلى العمال.
وفي تلك الثانية، كان متولي قد لمح الخطر.
صرخ بأعلى صوته:
ـ يا ولدي! اجري من إهنه!
استدار الشاب، لكن الوقت كان قد فات.
اندفع متولي نحوه بكل قوته، وأمسك بكتفه ودفعه بعيدًا.سقط الشاب عدة خطوات إلى الخلف.
وفي اللحظة نفسها...هوت النخلة.
ارتطم جذعها بجسد متولي ارتطامًا عنيفًا، فسقط الرجل أرضًا وسط صرخات العمال.
ـ يا ساتر يا رب!
ـ عم متولي!
ـ الحقوا الراجل!
نهض الشاب بسرعة، واندفع نحو متولي.
كان الرجل ملقى على الأرض، لا يتحرك، والدم يسيل من رأسه بغزارة.
انحنى الشاب بجواره، وصاح:
ـ يا حاج! سامعني؟!
فتح متولي عينيه بصعوبة.
كان أول شيء فعله أنه نظر إلى الشاب ليتأكد أنه نجا.
ـ إنت... سالم؟
رد الشاب بصوت مختنق:
ـ أيوه... أنا سالم، إنت اللي أنقذتني!
حاول متولي الكلام، لكن الألم منعه.
ـ الحمد لله... المهم إنك سالم يا ولدي.
ثم أغمض عينيه من جديد.
صرخ الشاب:
ـ يا حاج!
ثم التفت إلى العمال:
ـ هاتوا عربية بسرعة! الراجل بيموت!
أسرع الرجال في طلب سيارة، بينما جلس الشاب بجوار متولي، محاولًا إبقاءه مستيقظًا.
ـ متغمضش عينك يا حاج.. اسمعني، إنت أنقذت حياتي، ومش هسيبك.
لكن متولي لم يعد قادرًا على الرد.
كانت أنفاسه تضعف شيئًا فشيئًا.
وبعد دقائق، وصلت السيارة، وحمل الرجال متولي إليها، ثم انطلقوا بأقصى سرعة نحو المستشفى.
طوال الطريق، ظل الشاب ممسكًا بيده، وقلبه يرتجف خوفًا.
ـ استحمل يا حاج... استحمل، عشان خاطري.
لكن متولي ظل فاقدًا للوعي.
وعندما وصلوا إلى المستشفى، اندفع الممرضون نحوه وحملوه إلى الطوارئ.
وقف الشاب أمام الباب، وملابسه ملطخة بدماء الرجل الذي أنقذ حياته.
وبعد دقائق خرج الطبيب، فتقدم إليه الشاب مسرعًا:
ـ طمني يا دكتور.. حالته إيه؟
نظر الطبيب إليه بجدية:
ـ حالته صعبة جدًا.. عنده إصابة قوية في الرأس، ونزيف، وإصابات في جسمه. لازم نعمل له أشعات فورًا، وممكن يحتاج تدخل جراحي.
شحب وجه الشاب:
ـ يعني حالته في خطر؟
ـ أيوه.. ادعيله.
ظل الشاب واقفًا أمام غرفة الطوارئ، عاجزًا عن الحركة.
ثم رفع عينيه إلى السماء وهمس:
ـ يا رب تنجيه... ده حط نفسه مكان الموت عشان ينقذني.
وفي تلك اللحظة، لم يكن يعرف حتى اسم الرجل الذي أنقذ حياته...
ولا يعرف أن هذا الرجل هو والد الفتاة الوحيدة التي عجز عن إخراج صورتها من رأسه منذ الليلة الماضية.
داخل غرفة الطوارئ، كانت أصوات الأجهزة تتعالى، والأطباء يتحركون في عجلة حول متولي.
ـ الضغط بينزل!
ـ زودوا المحاليل بسرعة!
ـ النزيف لسه مستمر!
ـ جهزوا غرفة العمليات فورًا، حالته مش مستحملة تأخير!
كان متولي بين الوعي والغيبوبة، لا يشعر إلا بأصوات متقطعة تأتيه من بعيد، وألم شديد ينهش جسده.
حاول أحد الأطباء مناداته:
ـ يا حاج متولي.. سامعني؟
فتح متولي عينيه بصعوبة.
ـ عايز... أخرج...
ـ لازم تفضل هنا، إحنا بنحاول ننقذ حياتك.
حرك متولي رأسه بصعوبة، ثم أمسك بيد الطبيب.
ـ الراجل... اللي جابني... عايز أشوفه.
نظر الطبيب إلى الممرض، ثم قال:
ـ مين؟
ـ الشاب... اللي أنقذني...
تبادل الطبيب والممرض النظرات.
ـ حالتك مش سامحة بالكلام يا حاج.
تشبث متولي بيد الطبيب، وقال بصوت ضعيف:
ـ عشان خاطري... هاتهولي.
خرج الممرض إلى الممر، ووجد الشاب واقفًا أمام باب الطوارئ، فاقترب منه:
ـ يا أستاذ.. الحاج متولي عايز يشوفك.
انتفض الشاب واقفًا.
ـ هو فاق؟
ـ أيوه، بس حالته حرجة، والدكتور قال متطولش معاه.
دخل الشاب إلى الغرفة.
ما إن وقعت عينا متولي عليه حتى هدأ قليلًا، ومد يده المرتعشة نحوه.
اقترب الشاب وأمسك يده.
ـ أنا هنا يا حاج.
حدق متولي فيه طويلًا، ثم قال بصوت متقطع:
ـ إنت... لسه هنا؟
ـ أيوه، مش همشي غير لما أطمن عليك.
ارتسمت على وجه متولي ابتسامة ضعيفة.
ـ ربنا... يجبر بخاطرك يا ولدي.
ثم صمت للحظات، وكأنه يجمع ما بقي لديه من قوة.
ـ عايز منك... طلب.
اقترب الشاب أكثر:
ـ اطلب اللي إنت عايزه.
ـ توعدني الأول؟
ـ أوعدك.
نظر متولي إليه بعينين ممتلئتين بالخوف.
ـ عندي بنت... اسمها بنفسج.
توقف قلب الشاب للحظة.
بنفسج!
الاسم الذي ظل يبحث عنه منذ الليلة الماضية.
تذكر وجهها الأبيض، وضحكتها الخجولة، وتلك العينين البنفسجيتين اللتين لم تفارقا خياله.
حاول إخفاء اضطرابه، وقال:
ـ بنفسج؟
أومأ متولي.
ـ أيوه... بنفسج.
ثم أخذ نفسًا بصعوبة، وقال:
ـ بنتي دي... هي كل اللي ليا في الدنيا. أمها خايفة عليها من الناس، وأنا كمان خايف عليها... بس يمكن خوفي عليها هو اللي خلاني أسيبها محبوسة العمر كله
سقطت دمعة من عينه.
ـ أنا مش عارف... هطلع من هنا ولا لأ.
ـ متقولش كده يا حاج، إن شاء الله هتقوم بالسلامة.
هز متولي رأسه، وكأنه لا يريد أن يسمع كلمات المواساة.
ـ اسمعني يا ولدي... لو ربنا كتب لي عمر، يبقى خير وبركة. ولو كتب لي غير كده... عايزك تعمل حاجة واحدة.
ضغط الشاب على يده.
ـ قول.
ـ تتجوز بنتي.
ساد الصمت.
نظر الشاب إلى متولي، وكأن الكلمات فاجأته، لكن المفاجأة لم تدم سوى لحظات.
فهو لم يحتج إلى التفكير.
ـ موافق.
اتسعت عينا متولي.
ـ موافق... من غير ما تسألني هي مين؟ ولا شكلها إيه؟ ولا أهلها مين؟
أمسك فارس يده بقوة، وقال بنبرة صادقة:
ـ يا حاج، إنت أنقذت حياتي، ورميت نفسك قدام الموت عشان تنقذني من غير ما تعرفني ولا تعرف أنا مين. أنا لو قضيت عمري كله برد لك الجميل مش هوفيك حقك... فإزاي هرفض لك طلب وإنت بين الحياة والموت؟
تنفس متولي بعمق، وشعر براحة غريبة تسري في صدره، لكنه ظل مترددًا للحظة قبل أن يقول:
ـ بس أنا مش طالب منك تشيل جميل وخلاص يا ولدي... دي بتي، ودي أمانة. أنا عايز راجل يصونها ويخاف ربنا فيها.
ـ وأنا أوعدك بكده.
ـ البنات مش كلها زي بعض يا ولدي... وبتي بالذات عاشت عمرها بعيد عن الناس، قلبها طيب ومتعرفش من الدنيا غير دارها وأمها وأبوها. متكسرش خاطرها يوم.
شد فارس على يده وقال بثبات:
ـ وعد يا حاج.
سقطت دمعة دافئة من عين متولي، وسارع بمسحها بطرف يده قبل أن يراها فارس.
ـ ربنا يكتب لك الخير يا ولدي... يمكن دي تكون آخر حاجة أعملها في دنيتي، بس قلبي ارتاح لما سمعت موافقتك.
ـ متقولش آخر حاجة يا حاج، إنت هتقوم بالسلامة، وبإذن الله هتكون موجود وتشوف بنتك عروسة بعينك.
ابتسم متولي ابتسامة ضعيفة، ثم قال:
ـ يا رب... يا رب يا ولدي.
ظل فارس ممسكًا بيده للحظات، ثم سأل:
ـ طب قولي اسمك كامل يا حاج؟ يمكن أقدر أوصل لأهلك وأطمنهم عليك.
ـ متولي... اسمي متولي عبد الجليل.
أومأ فارس، ثم قال:
ـ حاضر يا عم متولي.
تردد متولي لحظة، ثم رفع عينيه إليه وسأله:
ـ وإنت يا ولدي... اسمك إيه؟
أجابه الشاب بهدوء:
ـ فارس... اسمي فارس.
وقبل أن يستكمل متولي حديثه، انفتح باب الغرفة فجأة، ودخل الطبيب ومعه ممرضان.
ـ لازم ننقله العمليات حالًا.
اقترب فارس من السرير:
ـ أنا معاك يا حاج.
أمسك متولي بيده مرة أخرى، وقال بصوت ضعيف:
ـ متنساش وعدك يا فارس.
ـ مستحيل أنساه.
تحركت النقالة بسرعة نحو باب غرفة العمليات، وظل فارس يسير بجوارها حتى أوقفه الطبيب أمام الباب.
ـ من هنا يا أستاذ.
توقف فارس، وظل ينظر إلى متولي حتى اختفى خلف باب العمليات.
أغلق الباب.
وبقي فارس وحيدًا في الممر.
جلس على المقعد الخشبي، وأسند رأسه إلى الحائط، وأخذ نفسًا طويلًا.
لم يكن يعرف عن ابنة متولي شيئًا.
لم يسأل عن اسمها. لم يسأل عن عمرها. لم يسأل عن شكلها. ولم يخطر بباله للحظة واحدة أن القدر كان يضع أمامه طريقًا سيقوده إليها بنفسه.
كل ما كان يعرفه أنه مدين لهذا الرجل بحياته...
وأنه وعده بالزواج من ابنته.
أما الفتاة التي ملأت رأسه منذ الليلة الماضية، فكانت لا تزال لغزًا بالنسبة له.
كان يتذكرها تحت ضوء القمر...
وجهها الأبيض...
شعرها الأسود...
والعينين البنفسجيتين اللتين جعلتاه يقف عاجزًا عن الكلام.
تمتم لنفسه:
ـ يا ترى إنتِ فين يا صاحبة العيون البنفسجية؟
ثم ابتسم بسخرية من نفسه.
ـ أنا حتى معرفش اسمك... ولا أعرف هلاقيكي إزاي.
ولم يكن يعلم أن المسافة بينه وبينها لم تعد سوى عدة أبواب وخطوات قليلة...


تعليقات