رواية هتاف مسيلمه الفصل الثالث 3
« و إن كنتُ لا أُخطيء التصويب ، ففي كل رميـة ضحايا و دماء ...
لا أحد يعتلي خُطاي ، و لا بشر يَسلم من عثراتي ، فما عرفتُ يومًا طلقـةً من رصاص بنصف قبضة .. ولا إشتباك بنصف جولـة ...
هي الدقيقة الأولى وحسب .. و ينتهي الشيء كله ..
أنا الذى أرتدي ثوب الأذى ، و فى ربوعي فِخَاخ دامية ..
و إن كشرتُ عن أنيابي ، فلا سبيل لليث أمام ذئبٍ غادر ٍ...
لا أَلِـين ... و إن اقتربت بسمومي ألدغ .. و إن دنوت بكفوفي أصفع ... لا أعي الشماتة فهي شيم الضعفاء ..
النصرُ حليفي دائمًا .. ويـلٌ له إن فكر بخيانتي يومـا ... !!
أنـا الغامض حد الوجع .. لا أُساوم على أهدافي .. فإن لم تجد فى الحياة ما يسُرك ، فإبتعد عن الطريق الذي فيه أتجول .. كي لا تُصيبك لعنة جبروتي ...
أنـا الألـفا الأوحـد ... »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« قلبـه مُعتِم .. لا يُضيء ..
أتعلم … يا ذا الحضور الآسر من ضراوته ؟!
ثمّة أناس لا يليق بهم إلتقاء ذوي الوجهين ؛ لِـكون صُحبتهم نزيف من الألم ..
الحنـان .. شعور لا أعي عنه شيئـا ؛ سوى أنه يُكنِي صاحبتِه ، أو كلمةً مهملة بين السطور ..
روحي كما العنقاء تُميت من يترصدهـا ، و ثورتي لا تذهب سُدى ، و لا حد لجنوني ، فلا تمتحن صبري !!
بَـرَّاق ... قوي .... خُلِقتُ لأنهض ؛ لا لأنطفيء ... و يعبر فوق جسدي أو رُفاتي الآخرون .. »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
**********
« لا تُسيء الفهم .. أنا من بني البشر ، و لكني لست بأضعفهم ... خُلقت ، لأجد جمر النار فى صدري ، و بين أناملي .. صلب .. !!
يجوز ... و لكن صلابتي كما الفولاذ لا تصدأ ..
و إن إقتدر الأقوياء على إقتحام الجبال لأجل النفيس ، فأنا النفيس ولا شيء غيري .. »
— وصلـوا .. و كلهم تحت أمرك ألفـا .. !
( عبارة جادة صدرت عن ساعده الأيمن ، الذى وقف بأقدام ثابته أمامه .. ينتظر منه الأمر المباشر )
متكئًا على أريكته المفضلة من جلد النمور البنغالية ، و خشب الماهوجني الأصيل ، يُحرك أنامله فى تتابع فوق أحد القناديل النحاسية التى كادت أن تنصهر بفعل جمر الفحم المشتعل داخلها ..
و رغم الحرارة التي لا يحتملها بشر ، ظل الألفـا يتلاعب بأنامله داخل القنديل غير عابئًا بحرارته ..
يتأمله مساعده دون دهشه ، فهو أكثرهم على عِلم بقدراته التي لا يشاطره فيها أحد ، و صلابته اللامتناهية ، و قوته ، و احتماله الذي فاق الرهـبان ..
لم يستجِب في البداية ؛ رغم يقينه بوجود مساعده الأصلب ، الأقرب إليهم " سـادي " الذي أسماه هذا الاسم نظـرًا لساديته فى الخلاص من خصومه ...
بل ظل على هدوءه الظاهري ، و عقلـه الذي لا ينفك عن التفكـير .. يستنشق عبق البخـور العطريـة التي يُفضلها ، برائحتها النفاذة حد الاختناق أحيانًـا ...
لا يزال يتنفس ... يتنفس ... يتنــ...... ثم نهـض فجـأة دون سابق إنذار ، تتألق عيناه كما نجوم الليل .. ليتقدم إلى الأمام فى جبروت ، مردفًا :
— عددهم كـام ؟!
أجاب سـادي فى طاعة :
— ٦٤ ما بين ١٥ و ٣٣ ..
هتف فى إحكام :
— عايزهم واحدة .. واحده .. من غير تجهيـز
ثم دلف إلى مهجعـه الذي يتوسطه فراش ناعم من خيوط الحرير الفاحم الراقي ، و حبات الزبرجَد العقدي زيتوني اللون .. ليخلع عنه سُترته العلويه .. مظهـرًا جسده البرونزي البراق
عينـاه ثابته .. لا ترمش ، و كأنها خلقت لتتفتح فقط
تركزت وجهتها إلى المدخل ؛ الذي دلف منه سادي إلى جانب ثلاث من الرجال و فى منتصف جمعتهم فتاة شقراء جميله عمرها لا يتجاوز السابعة عشر
أشار الألـفا إلى رجاله فى الانصراف ، فى حين أَمَـاء إليها لتقترب منه فى هلع مؤقت ، إلا أنها حين أبصرت هيئته الرجولية ، اتسعت مُقلتيها فى دهشة ، رغم ملامحه الحادة التي تنتظرها .. لتقف أمامه مباشرةً
أمسك ألفـا بكفيها ، يتأمل خطوطها البارزة ، و أوردتها التي انقبضت من فرط حماسها ، ليهمس فى فحيـح :
— هتكوني تحت أمري فى اللي هطلبه مِنِك .. مش عايز أي رفض ، مهما يكون ؛ و إلا هوصيهم يضيقوا قبرِك علشان وقت الحساب متقدرش روحِك تاخد راحتها .. يعني مفيش راحة لا عايشه ، و لا ميته ...
و لغرابة الموقف ... وافقت الفتاة التي احتلت الرغبة جسدها بالكامل ، ثم أمرها الألفـا بخلع ملابسها كامله و افترشت الفراش بجسدها المكتمل الأنوثة
تأملها دون أن تُحرك ساكِنِـه ، ثم أقـدم على فِعل له من الغرابة ما فاق الريبة
حيث أحضر بعض أحجار البازلت البركانية ، و وضعها على جسدها لتنتفض من حرارتها .. و ظل يُحركها بليونه على أعضاءها الحيويه
استحضر جسدها قمة شهوتها ، فى الوقت الذي أحضر فيه الرجـل أنبوب زجاجي حلزوني الشكل ، و دفعه إلى الداخل ؛ ثم سحب ما يكفي مع بويضاتها اليافعة الدافئة .. و قام بوضعه داخل حضَّانـة .. ليقترب منها من جديد صافعًا إياها فى قوة و شراسة
أفاقت الفتاة من حالميتها دون أن تكتفي ، إلا أنه لم يُمهلهـا الفرصة ؛ حتى نادى على أحد رجالِـه الذى جذبها فى شدة بعد مقاومتها الصريحة إلى الخارج
ليقول :
— دخَّـل اللي بعدها بسرعة .. كل واحدة تخلَّص .. إنت عارف هتعمل معاها إيه؟!
أجاب تابعُـه :
— هتنشحن مع اللي معاها ، و ترجعلُهم تاني .. أوامرك
( و غادر الرجل ، ليسمح للفتاة الثانية الدلوف إليه .. لم تكن كسابقتها ، و لكنها تصغرها بعامين كاملين ، بينما جسدها اليافع يكشف حُسن خفي مُتستر .. )
انتفضت بمجرد تعمقهـا فى الداخل ، لكنها لم تتراجع .. بل تقدمت فى ذهول من فخامة المكان و معمارِه ...
و ما زاد من دهشتها هو ذاك الرجل مُتقِـد الرجولة الغافِـي على فراشه بصدرٍ عاري ، و عضلات بارزه ، و عيون مغمضة .. أنفاسه مشتعله بحرارةٍ فاقت حرارة المِشعل .
لذا وجدت نفسها منه تقترب ، لتمتد يديها تتحسس عضلات البطن فى اشتهاء ، إلا أنه سحبها من يديها لتستقر إلى جانبه .. عيناه تركزت عليها فى جرأة ، يرى باطنها كما شفافية حضورها ..
لا يُقصِيـه عنها شيء سوى أنه لا يريد .. لا يشتهي .. لا يتأمل ..
و كما فعل مع سابقتها .. فعل معها .. الفارق الوحيد أن تلك الفتاة تمسكت به ؛ رغم انفعاله ..
لا تحتمل بعـادها عنه ، بينما لم يطيء منها موطىء الرجل بالمرأة ..
فقط تعامل ، أصاب منها الهدف " العينـة " .. ثم صرخ فيها لتنهض ، و أولاها ظهره متجهـًا إلى الشرفه .. يستنشق بعض من نسيم الهواء الطلق ، يملأ به الصدر
حابسًـا إياه قليلاً.. ثم أطلقـهُ فى زفير مكتوم ...
و حين عاود الرجوع إلى الفراش وجدها قد تجردت من الشرشف الذي سترها به .. لتبقى أمامه كما فتنة تثير بركان المتجلدين ..
و فى لحظة فارقه ... تحولت ملامحه إلى غضب فائق ، شعرت خلاله الفتاة أنها أمام وحش كاسر لا يرحم ، لتنطلق هكذا غير عابئة بما هي عليه من عراء كامل ...
ساعتين كاملتين أنهى خلالهما الألفـا مهمته ، ليجمع العينات بداخل عدد من الحضانات ، ثم عاد إلى الصراط من جديد الذى ترقد فيه فتاة الزلزال ..
انضم إليه سادي يرتدي زي أبيض أشبه برداء الأطباء ، و قفاز طبي ، و نظارة حامية ، و قناع واق " كمامة " ...
و بدأ كلٍ منهما عمله ....
لم تكن وظيفة سادي سوى مساعد من الدرجة الثانية يسجل الملحوظات خلف الألفا ؛ الذى عرض العينات كلٍ على حدى على أحد الأجهزة ، ثم أضاف إليها أخرى رجوليه نقيه نشطه بلا شوائب ، و انتظر حتى تم التلقيح و التجانس بصورة تختلف كليًـا عما هو متعارف عليه فى عمليات التلقيح الصناعي ..
ظل الألفا يراقب نشاط البويضة المُخصبة لمدة طويله تجاوزت النصف ساعه .. يسجل نشاط فوق المعتاد .. إلى أن انقسمت البويضة إلى عدد من البويضات قارب العشر ، فى سابقة لم تحدث من قبل ..
و هنا اتسعت عيني كل من الألفـا و ساديـه ، ليبتسم الأول فى شراسه قائلاً :
— أقدم لك البذرة الأولى فى جيشي القاهر ، جيشي الذى لا يُهزم ...
حمل العينه فى رفق و ثقـة ثم هتف :
— جهـِّز الرحم الصناعي فى الحال ..
( ليحقن فيه الألفـا البويضات التى انشطرت فيما يسمى بـالنشوء التلقائي .. و اهتم بضبط مؤشرات الأجهزة جيدًا .. ليختبر باقي العينات التى أثبتت نجاح القليل منها ، فى حين باءت الأغلبية بالفشل .. )
انتهى من عملـه ليقترب من المُثجاه التي قاربت الأيام الثلاثة بلا غذاء أو ارتواء حتى باتت كما الهيكل العظمي الفارغ ..
وضع الألفـا سبابته على جانبي مؤخرة عنقها ضاغطًا إياه فى قسوة ، لتنتفض فجـأة غير مفاجئة له ..
ثم أخرج من أحد البرادات محقنًا ، و ثبت ذراعيها إلى الأعلى ، ليغرسه فى موضع القلب مباشرة .. تشنجت على إثره للحظات ، ثم فتحت عيناها عن اتساعها
حتى باتت كما الضريرة لا يبدو عليها الرؤية .. ثابته لا تطرِف ...
أردف فى صرامه و اعتداد موجهـًا له الأمر المباشر :
— شيلها من هنا ، و ارميها مكان الشحنة اللي رجعت ، و حطولها أكل و شرب ... يلا مش عايز أشم ريحتها فى الصراط نهائي ..
( ثم غادر إلى الخارج فى تحفيز ، ليحملها سادي فى صلابه ، عيناه إلى الأسفل كأنه يحمل شيء بلا ملامح أو وجود مادي )
انفتح الباب على مصراعيه ، ليُنزلها على الأرض الصلبه فى غرفة مظلمة تماما .. خالية من أماكن التهوية إلا من فُـرجة فى منتصف السقف ، كما سجن محكم القضبان
و أمر من بالخارج إيداع الطعام و الشراب لها ، إلى حين البَت فى أمرها ... من قِبلِه .. من قِبل سيدهم .. الألفـا ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
***********
« تفتحت عيناهـا ، و حين أضاء العقل أيقنت أنها لا زالت على قيد الحياة .. لم تُصدِق ؛ و كأنها ملكت الدنيا وما فيها ...
تمنت لو تركُض هنا و هناك تبحث عن دليل يُرشدهـا ..
لهـا نظرة أطاحت بما حولها .. نظـرة من عثر أخيـرًا على ما فقده ، و لم يجده ...
اعتاد العقل الصبر قليلاً إلى أن تستجيب باقي الحواس ، لكن عضلاتها ، عظامها تئن و تتعب ..
ما عليها سوى امتلاء المعدة التي فقدت قدرتها على الهضم ، لتحاول قدر المستطاع الإتكاء على ذراعيها ، لكنها صرخت فيها صرخة أيقظت الأحياء ، و أنابت الأموات ..
لتعود إلى رقدتها من جديد .. ناظرة إلى أطباق الطعام الشهية فى اشتهاء و جزع .. و عجـز ..
مشاهد تتراءى أمامه عبر كاميرات المراقبة ، و الحساسات البصرية ، و المجسات السمعيه ، تتسع عيناه
وتحتوي الشاشة ثلاثية الأبعاد ، ثم تضيق على ملامح عجزها .. و ربما مرارتها التي دفعتها إلى المضي فى إتيان عدد من المحاولات ليست بالواقعية لكنها أيضا لم ترتقِ إلى معدل النجاح ..
ثم أردف فى غموض حائك :
— سادي ... ادخل و ابعد عنها الأكل .. محتاج أعرف استجابتها هتوصل لفين .... ؟!
و على إثر أمره المباشر ، اتجه سادي إلى مكمن المسكينة ، ليفتح بوابتها الفولاذيه فى شدة ، ثم اقترب منها لتنتبه إلى وقع خطواته ، و حذاءه اللامع الذى جاور وجهها .. و دون أن ينحني ؛ أطاح بأطباق الطعام بعيدًا دون ذرة من شفقـة ، ثم نظرة طويله .. و رحيـل فارق ..
للمرةِ الأولى شعر الألفـا بمتعة داخليه جراء صنيع سادي الذى أمره به ، ليستمر تركيزه الضمني فيما ستفعل...
ربما الخلاص منها أبسط ما لديه ، و هذا ما سيفعل ؛
لكن رؤيتها مُعذبه تضيف إليه حماس غريب لا يشوبه الشوائب ..
و حين عاد سادي ، لم يتفوه بكلمه ، فما ذنب الكلمات إن أجرمت بقص روايتها ، وذاك الداهي يقف لها بالمرصاد ..
دقائق غير محسوبه ، ثم قال :
— اتصل على " رام " ، و قوله يجهز خلال ساعه فى مكان التسليم ... ساعه ؛ مش ساعه و دقيقة .. و إلا ... هو عارف !!
وفى سرعة ، ركض سادي لاتمام الاتصال ، لينحني الألفـا غامض الهوية على أحد أجهزة التواصل ، و ضغط الزر قائلاً :
— " غسـق " .. إنت ورجالتك على مكان تسليم الشحنة ١٤ ، و " حميم " و رجالته يأمِّنـُوا وراكم ... ولو حصل قلق .. اقتلوا كلهم و ارجعوا .. قدامكم ساعتين وإلا مترجعوش أحسن
أشعل سيجاره الكوبي .. يتنفس شرارته فى لذه ، يملأ صدره بدخانه عميق الأثر ، و عقله الصَحْو لا يهدأ
حتى أنهاها كاملة ، ثم استقام فى قوة ليرتاد مرحاضه ، حاصلاً على حمام بارد كالثلج
على إثره ارتدى ثيابه السوداء ، ثم غادر غرفته إلى مكتبه ..
و بداخل الغرفة جدار كامل من مكتبة تتراص فيها الكتب القديمة ذات الأعمار التي تجاوزت الألف و يزيد
و عدد من البرديات ، و مجسم للمرة الأرضية بشكل يختلف كليًا عما نراه و ندرس .
و خريطة بحجم الكون على الجدار المقابل .. لمكان أطلق عليه جبـل قاف ، يوازيه بُقعـه صغيره كتب عليها
" إسـرا_ يَم " و فى الأسفل عنوان غامض غير مُستتر
« الخريطـة الكونيـة لمجرة درب التبـانة »
و رغم ما تحمله من فضول ومعلومات تساوي الكثير ، إلا أن ذاك المجهول اقترب من الجدار الثالث و الأخير ، الذى لم يكن سوى مرآه ثلاثيه الأبعاد .. بدت فى البدايه عادية ، إلا أنها بعد بضع لحظات أصابها تموج غريب حَـالَ دون عرض صورة الألفـا ... لتنشق إلى نصفين
حيث دلف إليها الرجل فى سخاء ..
هبط عدد من درجات السلم ، حتى استقر في أسفلها ليقف أمام شاشة ذكيه ، حين اقترب منها تألقت بصوت آلي :
— مرحبـا سيدي ... أتريد استكمال المعادلة ؟!
لم يستجب الألفا إلى تساؤلها ، ليضع أحد كفيه على شاشتها التي ومضت بما يشابه ألوان الطيف السبعه ، ثم ظهرت عليها عدد من المعادلات الرياضية الغير مفهومة
، التى تأملها الألفا ، ثم بدأ فى استكمال وتيرتها بذكاء لم يسبق له وجود ..
يجتهد فيها و حين يحاول الوصول إلى نتائجها ، لا يصل إلى البرهان الأكيد...
ليمحو ما كتب ، ثم يعيد المحاوله من جديد دون كلل ...
تتابعت المحاولات واحده تلو الأخرى .. لتصل إلى العشرين ... فالثلاثين .. فالأربعين .. دون نتيجة تُذكر ...
احتل الغضب جسده ، ليصرخ فى غِل ، رافضا ذاك العجز الذي أحاط به ، ثم عاد إلى ما بدأ من جديد .
اقترب من الساعتين ، دون أن يصل إلى نتيجة ؛ ليقرر الصعود إلى الأعلى من جديد ؛ حالما عودة رجاله من مهمتهم المكلفين بها ..
يستشيط غضبًـا .. يُقسم أن يصل إلى البرهان الصائب ، لإنتاج ذاك المصل المضاد قبل أن تغدو الكارثة ...
يعي ما فى النوايا ، ومن أولئك الذين يوزعُـون البيـادق على رقعة الشطرنج فى الخفاء ..
تسارعت أنفاسه من جديد ، ليعود إلى تلك الساكنة محبسها و التي ترقرقت عيناها بالدموع الحارقة بعد تلك الغفلة المُذلة ، و الخسارة شنيعة العاقبة ...
لتهمس فى نفسها :
— ليتني مِت قبل هذا ، و كنتُ تحت الحطام كما واقعي يتيمةً مَنسية ...
و لكنهم أصابوا فى أقوالهم المتعارفة حين قالوا :
— الجـوع كما الغافِـل عن الصلاة .. كافـِـر !!
أحشائها تتمزق ، قلبها من فرط الظمأ يعلو و يهبط ، عيناها أصابها التشويش ، و أذناها اللتان كانتا تلتقط أزيز النحل ، و دبيب النمل .. صاروا الآن كما موْصُومِي الشمع ..
و أما عيناها الحارقتان بدموع القهر ، إلا أنها غريزة البقاء تتجدد ... لتعود من جديد للمحاولة ...
أصابت بزحفها ... تمنت لو أنها صدَّقت رؤياها ، و حُلمها المشوه بمنامها ، الذي سبق تلك الكارثة بنهارٍ و ليلة ...
لكنها لم تُعريه انتباهًـا ، بل ظنت أنه أضغاثُ أحلام لا غير ..
وها هي تحيا كابوسها الأعظم ، دون قدرة على مجابهته .. ظلت اليتيمة تزحف ، و تزحف ..
لحظات تمضي و دقائق تمر ، بعضها تقترب ، و الأخرى تُنهك ، و أنفاسها من فرط اليأس تخبو ...
حتى وصلت ... و يالسعادتها .. مررت يديها الهشتين الشبه منكسرة قرب زجاجة الماء الزجاجية ، لتجد صعوبه فى تحمل ثقلها ..
ذاك الثقل الذى كان بالماضي ، محض لِـين ..
لكنها عالجت تعبها بإنحاء الزجاجة الخالية من غطاء الأمان لتنحني قليلاً و تتجرع القطرات كما ارتواء الصحراء الجدباء إلى مياه المطر بعد أعوام من التصحر ...
ارتوت .. نعم .. و بعض تلك النعمة التي اشتهت سقطت على الأرض الصلبه ، لتهمس فى أسف :
— خسارة المايه دي .. يمكن ملاقيهاش تاني ..
وعند تلك المقوله ، أبصرها الألفـا فى فضول ، يراقب الشاشة ، و يداه تُمسك بسلاحه المفضل الصلب بلجيكي الصُنع .. قذائفه لا تُخطيء الهدف أبدًا ، و جراحه لا تندمل أبدًا ...
اقتربت من الطعام ، تضع بثغرها ما تُقابل .. مذاق رطب ، ناعم ، سهل الهضم ، طيب الرائحة ..
امتلئت معدتها فى غضون الدقائق العشرون ، لترتاح قليلاً على نفس وضعيتها ، قائلة فى رضا :
— ياه بقى لو دش سخن كمان ، و سرير أرتاح عليه ، و بعدها أبقى أشوف أنا فين !! و خرجت من تحت الأنقاض إزاي !!
تبدد بعض غضبه لدى استماعه لتلك الجملة البسيطة .. ربما لأنه منذ الكثير اعتاد المستحيل ، و متاهات الأمور ، حتى بات البسيط المُيسر هو الندرة و ما يوازيها ..
لكنه نفض الكلمات المتراشقة ، ليستعد لاستقبال رجاله بصحبة غسق و حميم ، أو الإجهاز عليهم إن اختل الميزان ، و خسروا ما عليهم فعله ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
**********
« و أكثر محطاته إيلامًا حنينه لماضٍ بات أمامه كما ذكرى كان فيما مضى يتراشقها بالكلمات الصلبه كما الرصاص الذى يقتل دون إصابه ...
وقف أمام مرآته التي كثيرًا ما إعتز برجولته أمامها ، كما لو كان من جنس أرقى من جنس البشر ..
و ها هو اليوم يرى صورته المنكسرة ، وجهه الذى شحب لونه ، شعره الذي شَـاب فى أيام ، يداه المرتعشة ..
يتمنى لو يمنحه الزمن عودةً إلى الوراء ، و يحاوطها بذراعيه ، مُلقيًا على مسامعها وابل الاعتذار دون اكتفاء ..
و إن كان الثمن روحه و صحته و كل ما يملك ...
و لكن أين هو من أمنيات استحالت الحدوث .. »
دلفت السيدة شفيقة إلى غرفة ابنها بدري ، لتجده متصلبًا أمام المرآه و بين يديه سلاحه الذى وضع بمشطه عدد من الرصاصات ، ثم سحب الزناد ، و اقترب به من رأسه العنيد قائلاً:
— مـُـوت يا أخي .. مُــوت .. إنت أصلاً ملكش لازمة ..
صرخت المرأة ليعود الإضطراب إلى البيت من جديد بعد أيام من الألم ، و القلق ، و السخط ؛ ثم أمسكت بالمسدس الذى بين يديه لتهتف فى جزع :
— لأ يا بدري .. لأ يا حبيبي .. إوعى تعملها .. أنا مليش غيرك يا بني .... بلاش توجع قلبي عليك .. حرام يا بني ... حرام ... عايز تسيبني أنا و إخواتك لمين ؟!
انتفض بدري كمن كان فى عالم آخر غير عالمه ، ليهمس :
— أنا السبب يا ماما .. مش قادر أسامح نفسي .. ياما زعلتها ، و استقليت بيها .. كنت كل مرة بسمَّعها كلام زي السِم ، بس علشان كبريائي ... مكنتش أعرف إني بحبها و بعشقها بالشكل ده ... أنا مش قادر أتحمل ولا أنسى .. مش قادر .. مش قادر ..
أضافت الأم فى شفقة :
— والله يا بني كلنا مكسورين القلب عليها .. أنا كمان بحمِّل نفسي المسئولية ... أمها قبل ما تموت ، وصتنِي عليها ، و أنا أقسمتلها إني هحطها فى عنيا .. و أنا مكنتش قد المسئولية ، و ضيعتها بغبائي .. تفتكر إنت ممكن تحس بالذنب أكتر من كده .. ؟!
استمعت نوال إلى حديثها ، لتبكي صديقتها التي أحبتها حب الشقيقات ثم همست :
— الله يرحمِك يا حبيبتي .. عيشتي يتيمة ، و مُوتي وحدانيه .. لا حول ولا قوة الا بالله
اقتربت شفيقة من بدري ، لتمسح عنه عبراته قائلة فى تغيير جذري ، و صلابة حطت عليها بشكل مفاجيء :
— إحـنا لازم نعملها صدقة جارية .. و ندعيلها ربنا يتقبلها فى جناته .. مكنِتش تتخير عن أمها ، حتى أبوها .. أنا صحيح معرفوش ، بس والله تيسير الله يرحمها كانت دايمًـا بتفتكره بالخير و تترحم عليه .. علشان كده عايزين نريحها فى تُربتها يا بني ..
أنا بقول نعمل سبيل على أول الشارع ، و كل اللي يشرب منه يدعيلها بالرحمـة ..
تهللت أسارير بدري ، رغم حزنه .. فقد كانت الصدقة الجارية هي الفرحه التي انفتحت بسقف ظلامه ، لينبثق من خلالها النور ...
و على الفور ، فتح حافظة نقوده ، و سحب البطاقة المصرفيه ، ليركض إلى الخارج لسحب مبلغ يكفي لشراء ذاك السبيل ، و إن تكلف حسابه بالكامل لن يتراجع ..
و نظرًا للهفته ، فقد نسي انتعال حذائه ، ليغادر المنزل إلى العراء حافي القدمين ، حتى ابتسمت شقيقته الكبرى
عنبـر فى سخرية :
— بتجري ليه كده يا أخويا .. ؟! رايح فين حافِي ؟! مش تلبِس حاجه فى رجليك الأول .. !! عيني عليك وعلى اللي صابك من ساعة ما بيت الحزينة وقع فوقها .. خلاص يعني .. الدنيا اتهدت ، ولا القيامة قامت ..
ما اللي ماتوا كتير .. أهي راحت لأمها وأبوها ؛ بدل ما هي قاعده لوحدها كده !!
عدَّل بدري عن وجهتِه ، و إن كان قد خَطى عدة خطوات حافي القدمين بلا انتباه أو اكتراث ، إلا أنه لدي استماعه لما لطخت به سيرة حبيبته التي ماتت وحيدة ، حتى اقترب منها فى غِل أشبه ببركان الغضب ، لتتراجع هي إلى الخلف فى خشية جنونه ؛ إلا أنه لم يتركها و إلا و خصلاتها القصيرة بين أنامله يُحكم الحصار عليها ، ثم لطمهـا على خديها بكفين ملتهبتين كادت تحيل دنياها ظلام لتضحى بين لحظةٍ و أخرى كفيفة البصر و البصيرة
ثم صرخ فى وجهها قائلاً :
— إخرسي ... الطاهرة اللي راحت من إيدي ، و خسرتها للأبد ؛ لما تجيبي سيرتها ، تُذكريها بالخير ... فاهمة ولا مش فاهمة ...
لو نطقتي كلمه تانيه فـ حقها ، أنا هقطعلِك لسانِك .. بتغلطي فيها ليه .. !! ما راحت فى عِز شبابها .. الجميلة الرقيقة الهاديـة ، اللي محدش كان بيسمع لها حِس ..
سمعتي ولا لأ ؟!
إنضمت إليهما الأم فى لوعة ، لتحاول فكاك خصلات ابنتها من بين أنامله التي أضحت كما الكماشة لا انفصال عنها ، ثم ألَحَت عليه فى رجاء :
— معلش يا بني ... سايقة عليك النبي .. تسيب شعرها .. أختك اللي لسانها فالِت ... سيبهالي أربيها ، و روح إنت خلَّص اللي قولتلك عليه ..
لولا ما عزما عليه ، لم يكن ليتركها قبل تهذيبها ؛ كي تكف عن إسوداد قلبها و اللسان ..
لذا إنتعل حذائه .. و رحل دون إلتفات للخلف أو نظرة ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
************
« لقد أصلحنـا ثقل الميزان ..
و باتت الكفة الراجحة من جهته كما العادة .. اجتمعوا على قلب رجلٍ واحد ، حدسهم إتقان المهام الذي بها وُكِلوا .. يرتجفون لمجرد سماع صوته ..
و كما جرت المسيرة ، بطريقهم ، اشتد ساعدهم ..
عندما احتكت الحياة بصدره ، لم تعد أيام بساعاتها الأربع و عشرون تمضي ، بل أصبحت ساحة قتال جنودها عُزَّل ...
هو سيد الأقدار ، الذي أمامه الرجال ينحنون ...
لا يؤمن بالرحمة ، و لا اللين .. ولا المشاعر جميعا...
و كأن قلبه كما الأرض الجدباء التي لم تمسها سماء العواصف قط ..
خاض من الحروب الكثير .. منها الداخلي و الخارجي المضرج بالدماء ..
لذا أساء إلى نفسه بغلق أبواب قلبه ، حتى بات مُصمتًا بلا نافذة أو ستار من صبر »
اقتربت الشاحنات المُجهزة بقيادة كلاً من حميم ، و غسق .. ليترجل كلاهما فى صلابة يُحسدون عليها ، ثم أشاروا إلى الجميع باتخاذ أماكنهم ، ريثما يصل الأطراف الأخرى ..
و فى غضون لحظات ، قُبيل الساعتين ... اتخذ الاخرون أماكنهم منتظرين مع الحذر و الريبة ...لا أحد يأمن الألفـا ، أو يأمن رجاله ..
اقترب غسق و حميم ، يسبقهما سادي حاملين الحقائب الثلاث السوداء المُصمتة حيث توقفوا على مسافةٍ محسوبةٍ منهم ..
فى حين اشتدت الجدية بالآخر قائلاً:
— مش شايف الألفـا ... !! هو فين يا سادي ؟! مش عوايده يتأخر عن شغلنا ..
أجاب سادي فى نبره لا تستوجب الهـزْل :
— جاهز بفلوسك ، و لا تِلف و مترجعش لأنك عارف مصيرك ..
ابتلع الرجل ريقه فى هلع ، يتجلد القوة أمامهم :
— كله جاهز ...
( ثم نادي على مساعده ) :
— شـــافع ... الشنطة ..
( و فتحها بين ذراعيه القويتين ، فباتت ممتلئة عن آخرها بالعملات الورقية خضراء اللون من فئة المائة ) :
— الشنطة الصغيرة دي مفتاحها مع الألفـا ، و كلمة السر
فيها المعلوم ... يفتحها زي العادة خارج الحدود علشان يمنع الرد أو تتبع اللي فيها ...
قاطعه سادي فى حزم :
— فاهمين ... سلام ...
( ثم إلتفت إليه قائلاً فى دقة ) :
— تسافر الليلة و مترجعش إلا بعد شهر ... و الشحنة رجعت لأصاحبها ... لما ترجع هتلاقي هدية حلوه من الألفا شخصيًا ... روقْهَـا ... و بعدين تاويها ... سلام
و انفض جمعهم إلى غير رجعة ، حاملاً كلاً منهم كَنزه .. فذاك مـال .. و ذاك مـاس ... وذاك ما هو أهم و أقوى ..
