رواية كبيرهم الفصل الثاني 2 بقلم سهر احمد


 رواية كبيرهم الفصل الثاني 

بسم الحق بسم الملك بسم الفتاح
بسم الله صاحب التسعة والتسعون اسم


«الطاحونة القديمة... وأول خيط في سر الدم»

الليل كان نازل على نجع العزايزة بهدوء...

لكن الهدوء اللي كان مالي النجع، كان مخبي وراه حاجات كتير.

حاجات لو ظهرت للنور...

يمكن عيلة كاملة تقع.

ويمكن نجع بأكمله يتغير حاله.

وفي دوار عيلة النجار...

كان جابر واقف قدام ابنه آدم، وناجي واقف جنبهم، وكل واحد فيهم مستني يعرف السر اللي جابر بيتكلم عنه.

آدم .. سر الدم يعني إيه يا أبوي؟

جابر بص له شوية، وكأنه بيجمع شجاعته عشان يقول كلام دفنه جواه سنين.

جابر .. يعني إن اللي بين عيلة النجار والسالمي مش مجرد عداوة قديمة.

ناجي .. أمال إيه؟

جابر .. فيه دم اتخلط بدم.

آدم .. دم مين؟

جابر .. ده اللي هتعرفه لما تعرف حكاية أبو رائد.

آدم .. سالم الغريب؟

جابر هز راسه.

جابر .. أيوه... سالم.

ناجي .. أنا طول عمري فاكر إن سبب العداوة إن الحاج منصور طردهم من وسط النجع.

جابر .. دي كانت بداية الحكاية بس.

آدم .. والنهاية؟

جابر .. النهاية لسه ما جتش.

آدم قرب خطوة.

آدم .. احكيلي يا أبوي.

جابر بص ناحية الباب، وبعدها قفل عينه للحظة.

جابر .. زمان، قبل ما سالم ييجي النجع، كان فيه اتفاق بين عيلتنا وعيلة تانية.

آدم .. عيلة تانية؟

جابر .. أيوه.

ناجي .. وإيه علاقة سالم بالموضوع؟

جابر .. سالم ما كانش مجرد غريب زي ما الناس فاكرة.

آدم .. أمال كان مين؟

جابر سكت.

وبعدين قال:

جابر .. كان واحد من الدم.

آدم .. من دمنا؟

جابر .. أيوه.

آدم اتصدم.

آدم .. يعني سالم كان من عيلة النجار؟

جابر .. مش بالمعنى اللي أنت فاهمه.

ناجي .. وضح يا جابر.

جابر .. مش دلوقتي.

آدم .. ليه؟

جابر .. لأن الكلام ده مش هينفع يتقال هنا.

آدم .. أمال فين؟

جابر بص له وقال:

جابر .. في المكان اللي بدأت فيه الحكاية.

آدم .. فين؟

جابر .. الطاحونة القديمة.

آدم عقد حاجبيه.

آدم .. الطاحونة اللي عند الترعة؟

جابر .. أيوه.

ناجي .. أنت ناوي تروح هناك؟

جابر .. أنا لأ.

آدم .. أمال مين؟

جابر بص لابنه بنظرة غريبة.

جابر .. أنت.

آدم .. أنا؟

جابر .. الليلة دي ما تروحش الطاحونة.

آدم .. ليه؟

جابر .. لأن لو رحت... ممكن تسمع حاجة تغير كل اللي أنت عارفه.

آدم .. وأنت عايزني أروح ولا لأ؟

جابر سكت.

وبعدين قال:

جابر .. روح... بس خليك فاكر إن مش كل اللي هتسمعه لازم تصدقه.

آدم .. وليه بتقول كده؟

جابر .. عشان فيه ناس هتعمل المستحيل عشان تخليك تصدق الكذبة وتكذب الحقيقة.

آدم بص له باستغراب.

آدم .. أنا مش فاهم حاجة.

جابر .. هتفهم.

وفي نفس اللحظة...

رن صوت أذان العشاء من مسجد النجع.

جابر بص ناحية الشباك.

جابر .. روح صلّي، وبعدها ارجعلي.

آدم .. حاضر.

خرج آدم من الدوار.

وأول ما خرج...

ناجي بص لجابر.

ناجي .. أنت عملت إيه؟

جابر .. كان لازم يعرف.

ناجي .. بس أنت عارف إن الحقيقة دي ممكن تدمره.

جابر .. عارف.

ناجي .. وممكن تدمر العيلة كلها.

جابر .. عارف.

ناجي .. طب ليه؟

جابر بص له وقال:

جابر .. عشان رائد رجع.

ناجي سكت.

جابر .. وعودته معناها إن الماضي رجع معاه.

---

وفي ناحية تانية من النجع...

كانت لجين قاعدة قدام المراية، بتبص لنفسها وهي بتفكر في كلام رائد.

فتحت درج صغير...

طلعت منه صورة قديمة.

صورة ليها وهي طفلة.

لكن كان فيه شخص واقف جنبها في الصورة.

راجل ملامحه مش واضحة.

لجين بصت للصورة بحيرة.

لجين .. هو مين ده؟

وقبل ما تكمل...

دخل رائد.

رائد .. بتعملي إيه؟

لجين بسرعة خبّت الصورة.

لجين .. ولا حاجة يا عمي.

رائد قرب منها.

رائد .. إيه اللي في إيدك؟

لجين .. صورة قديمة.

رائد مد إيده.

رائد .. هاتيها.

لجين ترددت.

وبعدين ادتهاله.

رائد أول ما شاف الصورة...

اتغيرت ملامحه.

لجين لاحظت ده.

لجين .. مالك؟

رائد .. الصورة دي كانت فين؟

لجين .. في الدرج.

رائد .. مين اداها لك؟

لجين .. معرفش.

رائد .. حد شافها غيرك؟

لجين .. لأ.

رائد أخد الصورة ومزقها.

لجين اتفاجئت.

لجين .. ليه عملت كده؟

رائد .. عشان دي حاجة قديمة ومش عايزك تشغلي بالك بيها.

لجين .. بس الراجل اللي فيها...

رائد قاطعها.

رائد .. متسأليش عنه.

لجين .. ليه؟

رائد قرب منها وقال بنبرة حادة:

رائد .. لأن بعض الناس لما تعرف حقيقتهم... بتتمنى لو كانت ما عرفتش.

لجين سكتت.

رائد خرج من الغرفة.

لكن أول ما خرج...

وقف في الممر.

طلع من جيبه قطعة صغيرة من الصورة اللي مزقها.

بص عليها.

وكان واضح فيها جزء من وش الراجل.

رائد ابتسم ابتسامة غامضة.

رائد .. لسه بدري يا لجين.

وبعدين همس:

رائد .. يوم ما تعرفي أبوكي الحقيقي مين... هتكرهي عيلة النجار أكتر مني.

---

مرت ساعات...

والليل بقى أهدى.

وفي تمام الساعة العاشرة...

وصل آدم للطاحونة القديمة.

الطاحونة كانت مهجورة من سنين.

بابها الخشبي مكسور.

والهواء بيحركه ويعمل صوت يخوف.

آدم نزل من عربيته.

آدم .. لجين؟

مفيش رد.

آدم بص حواليه.

آدم .. لجين!

وفجأة سمع صوتها من وراه.

لجين .. آدم.

لف بسرعة.

كانت لجين واقفة قدامه.

لابسة عباءة بسيطة، وشعرها مغطى، ووشها فيه توتر واضح.

آدم .. اتأخرتي ليه؟

لجين .. كنت خايفة.

آدم .. خايفة من إيه؟

لجين .. من اللي هقولهولك.

آدم قرب منها.

آدم .. قولي.

لجين .. قبل ما أقول... عايزاك توعدني بحاجة.

آدم .. إيه؟

لجين .. مهما سمعت، ومهما حصل، ما تكرهنيش.

آدم ابتسم.

آدم .. هو أنا عمري كرهتك؟

لجين بصت في الأرض.

لجين .. ممكن تكرهني بعد اللي هتعرفه.

آدم .. أنا مش فاهم.

لجين رفعت عينيها له.

لجين .. آدم... أنا مكنتش بقرب منك عشان بحبك.

آدم سكت.

الابتسامة اختفت من وشه.

آدم .. يعني إيه؟

لجين .. أنا كنت بنفذ أوامر.

آدم .. أوامر مين؟

لجين .. عمي رائد.

آدم اتراجع خطوة.

آدم .. رائد؟

لجين هزت راسها وهي بتحاول تمنع دموعها.

لجين .. هو اللي طلب مني أقرب منك.

آدم .. ليه؟

لجين .. عشان تستخدمك في حاجة.

آدم .. حاجة إيه؟

لجين سكتت.

آدم بص لها بغضب.

آدم .. اتكلمي يا لجين!

لجين .. عشان أعرف منك سر أبوك.

آدم .. سر أبويا؟

لجين .. أيوه.

آدم .. وإيه اللي رائد عايز يعرفه؟

لجين قربت منه وقالت:

لجين .. عايز يعرف الحقيقة اللي جابر مخبيها عنك.

آدم اتجمد.

آدم .. إنتي تعرفي إيه؟

لجين .. أنا معرفش كل حاجة.

آدم .. أمال تعرفي إيه؟

لجين .. أعرف إن فيه علاقة بين أبوك وسالم.

آدم .. إزاي؟

لجين .. وإن رائد مش راجع عشان الأرض.

آدم .. أمال راجع ليه؟

لجين بصت ناحية الطاحونة.

لجين .. عشان ياخد حاجة اتسرقت من أبوه.

آدم .. إيه؟

لجين .. حقه.

آدم .. أي حق؟

قبل ما تجاوبه...

سمعوا صوت خطوات.

لجين بصت وراها بخوف.

لجين .. حد جاي.

آدم .. مين؟

الصوت قرب.

خطوة...

وبعدها خطوة...

وفجأة ظهر رجل كبير في السن من بين الأشجار.

آدم .. مين حضرتك؟

الراجل ما ردش.

قرب منهم.

وبص لآدم طويل.

وبعدين قال:

الراجل .. أنت ابن جابر؟

آدم .. أيوه.

الراجل .. يبقى الوقت جه.

آدم .. وقت إيه؟

الراجل مد إيده، وكان ماسك مفتاح قديم.

الراجل .. خد.

آدم .. ده إيه؟

الراجل .. مفتاح باب تحت الطاحونة.

آدم بص للمفتاح.

آدم .. باب إيه؟

الراجل .. الباب اللي أبوك خبّى وراه الحقيقة.

لجين بصت للرجل بصدمة.

لجين .. أنت مين؟

الراجل بص لها.

وسكت.

وبعدين قال:

الراجل .. أنا الوحيد اللي شاف اللي حصل ليلة موت سالم.

آدم .. سالم مات إزاي؟

الرجل .. سالم ما ماتش.

آدم اتصدم.

آدم .. إيه؟

الرجل .. سالم لسه عايش.

لجين حطت إيدها على بقها.

لجين .. مستحيل!

الرجل .. والأغرب من كده...

بص لآدم.

الراجل .. إن سالم مش أبو رائد.

آدم .. أمال أبوه مين؟

الرجل سكت لحظات.

وبعدين قال:

الراجل .. اسأل أبوك.

آدم .. أبويا؟

الراجل .. لأن جابر كان موجود يوم اتبدلت الأسماء.

آدم .. أسماء مين؟

لكن الرجل بدأ يمشي.

آدم جري وراه.

آدم .. استنى!

الرجل وقف من غير ما يلف.

آدم .. قول لي الحقيقة!

الراجل لف نص لفة وقال:

الراجل .. الحقيقة إن رائد السالمي مش هو رائد.

آدم .. يعني إيه؟

الراجل .. الاسم اللي عاش بيه عشر سنين... مش اسمه الحقيقي.

ثم اختفى بين الأشجار.

آدم وقف مكانه مش قادر يستوعب.

ولجين كانت بتبص له وهي منهارة.

آدم لف ناحيتها.

آدم .. إنتي كنتي عارفة؟

لجين .. لا.

آدم .. متأكدة؟

لجين .. والله ما كنت أعرف.

آدم بص للمفتاح اللي في إيده.

وفجأة سمع صوت من داخل الطاحونة.

صوت رجل عجوز:

«لو عايز تعرف أبوك خبّى إيه... انزل تحت.»

آدم ولجين بصوا لبعض.

آدم فتح باب الطاحونة.

وكان تحتها سلم حجري نازل للظلام.

نزل أول درجة...

ثم الثانية...

ثم الثالثة...

لحد ما وصل لباب حديد قديم.

دخل المفتاح في القفل.

لكن قبل ما يلفه...

سمع صوت جابر من وراه:

جابر .. متفتحش الباب يا آدم!

آدم لف بسرعة.

كان جابر واقف فوق السلم...

ووشه لأول مرة كان عليه خوف حقيقي.

آدم .. أنت كنت عارف؟

جابر سكت.

آدم .. كنت عارف إن فيه باب هنا؟

جابر .. أيوه.

آدم .. وعارف اللي وراه؟

جابر بص له.

جابر .. أيوه.

آدم .. وعارف إن سالم عايش؟

جابر سكت.

آدم صرخ:

آدم .. رد عليا يا أبوي!

جابر نزل درجة.

جابر .. سالم مات.

آدم .. الراجل قال إنه عايش!

جابر .. الراجل كذاب.

آدم .. أمال ليه خايف من الباب؟

جابر سكت.

آدم قرب منه.

آدم .. أنا ابنك... ومن حقي أعرف.

جابر غمض عينه.

وبص للباب الحديد.

جابر .. لو فتحت الباب ده...

آدم .. إيه؟

جابر .. هتعرف إن أبوك كذب عليك طول عمرك.

آدم سكت.

وفي اللحظة دي...

جاء صوت من خلف الباب.

صوت رجل واضح.

هادئ...

لكنه كان كفيل يخلي الدم يتجمد في عروق جابر.

الصوت .. افتح يا جابر.

جابر اتراجع خطوة.

آدم بص له.

آدم .. مين ده؟

الصوت من خلف الباب:

«أنا سالم.»

جابر وشه اصفر.

ولجين شهقت.

وآدم وقف مكانه مش قادر يتكلم.

ثم جاء الصوت مرة ثانية:

سالم .. افتح يا أخويا... كفاية عشرين سنة.

جابر بص لآدم.

آدم .. أخوك؟!

جابر لم يرد.

آدم قرب من الباب.

آدم .. سالم أخو جابر؟!

وفجأة...

انطفأت الأنوار.

وفي الظلام...

جاءت آخر جملة من خلف الباب:

سالم .. قول لابنك يا جابر... مين أبوه الحقيقي.


تعليقات