رواية قدر لا يشبهنا الفصل الثاني
وقفت روفانا قدام باب مكتب دانيال، وإيدها كانت لسه على المقبض.
كانت سمعت صوت ضحكته من جوه...
وصوت بنت.
لكن عقلها كان بيحاول يلاقي أي تفسير منطقي.
يمكن موظفة...
يمكن اجتماع...
يمكن هي فهمت غلط.
يمكن...
لكن أول ما فتحت الباب...
كل الاحتمالات اختفت.
دخلت روفانا خطوة واحدة...
وفجأة وقفت مكانها.
عينيها اتسعت من الصدمة.
وشها شحب في لحظة.
قدامها كان دانيال...
ومعه واحدة تانية.
مشهد كان كفيل إنه يهدم في ثواني كل الثقة اللي بنتها سنين.
دانيال أول ما شافها، اتجمد.
دانيال:
ـ روفانا؟!
فضلت ساكتة.
ثواني كاملة عدت عليهم كأن الزمن وقف.
كانت بتبص لدانيال...
وبعدين للبنت...
وبعدين رجعت تبص له.
البنت حاولت تقوم بسرعة وتعدل هدومها، لكن روفانا كانت أسرع.
اتقدمت ناحيتها بخطوات سريعة، ورفعت إيدها...
صفعة قوية.
صوتها دوّى في المكتب.
البنت حطت إيدها على خدها وهي مصدومة.
البنت:
ـ إنتِ بتعملي إيه؟!
روفانا بصوت مرتجف من الغضب:
ـ أنا؟!
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.
ـ أنا اللي بعمل إيه؟!
بصت لدانيال.
ـ المفروض أسألك أنت بتعمل إيه!
دانيال بسرعة:
ـ روفانا استني، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة!
روفانا:
ـ مش زي ما أنا فاهمة؟!
اتقدمت منه.
ـ أمال أفهمه إزاي يا دانيال؟!
دانيال حاول يمسك إيدها.
لكنها سحبت إيدها منه بعنف.
روفانا:
ـ متلمسنيش!
دانيال:
ـ اهدي بس واسمعيني...
روفانا:
ـ أهدى؟!
صوتها ارتفع لأول مرة.
ـ إنت عايزني أهدى وأنا داخلة مكتبي وألاقي خطيبي مع واحدة تانية؟!
البنت تدخلت وهي متضايقة:
ـ هو قال لي إنكم...
روفانا بصتلها بغضب.
ـ إنتِ بالذات متتكلميش.
البنت:
ـ بس أنا مكنتش أعرف إنك خطيبته!
روفانا:
ـ وحتى لو مكنتيش تعرفي...
سكتت لحظة، وعينيها لمعت بالدموع.
ـ هو كان عارف.
الجملة نزلت على دانيال كأنها صفعة.
روفانا قربت منه.
ـ هو كان عارف إني خطيبته.
ـ كان عارف إن في واحدة بتثق فيه.
ـ كان عارف إن في واحدة مستنياه يكمل معاها حياته.
صوتها بدأ ينكسر.
ـ ومع ذلك عمل كده.
دانيال:
ـ روفانا أنا غلطت...
روفانا بصت له بصدمة.
ـ غلطت؟
هز رأسه بسرعة.
ـ أيوه، غلطت، بس ده عادي يعني هي مجرد صديقة مش اكتر...
قاطعت كلامه.
ـ صديقة!!
سكت دانيال.
روفانا:
ـ انت شايف انها مجرد صديقة! شايف انها حاجةعادية إنت عارف اللي بتقول عليه حاجةعادية دي خيانة.
نزلت دمعة من عينها، لكنها مسحتها بسرعة.
دانيال حاول يقرب منها مرة تانية.
ـ روفانا، خلينا نتكلم بهدوء.
لكنها رجعت خطوة لورا.
ـ مفيش كلام بينا.
دانيال:
ـ لا، في كلام كتير!
روفانا:
ـ لا.
بصت له بثبات رغم إن قلبها كان بيتكسر.
ـ الكلام كان قبل ما أشوفك.
سكتت لحظة.
ـ دلوقتي أنا شفت.
وبصت للبنت للمرة الأخيرة.
ـ وشوفت كفاية.
البنت نزلت عينيها في الأرض.
أما دانيال فكان بيحاول يلاقي أي كلمة تنقذه.
ـ روفانا، إنتِ بتحكمِي عليا من موقف واحد!
ابتسمت بسخرية.
ـ موقف واحد؟
قربت منه خطوة.
ـ وأنا المفروض أديك كام موقف عشان أصدق إنك بتخوني؟
دانيال:
ـ أنا بحبك!
روفانا ضحكت، لكن المرة دي دموعها نزلت.
ـ بتحبني؟
سكتت لحظة.
ـ الحب عمره ما كان بالشكل ده.
ثم رفعت إيدها ومسحت دموعها.
ـ أنا كنت هاجي أتكلم معاك عن حياتنا.
نظرت حولها.
ـ عن مستقبلنا.
ثم عادت بعينيها إليه.
ـ لكن واضح إنك كنت مشغول بمستقبل تاني.
دانيال:
ـ روفانا!
لكنها لم تستمع.
أمسكت حقيبتها بقوة.
اتجهت ناحية الباب.
دانيال لحق بها.
ـ استني!
مسك ذراعها.
روفانا التفتت له بعصبية.
ـ سيب إيدي!
دانيال:
ـ بس اسمعيني!
ـ سيبني!
حاول يهدّيها.
ـ روفانا، الناس كلها بره، متعمليش مشكلة.
نظرت إليه بعدم تصديق.
ـ إنت لسه بتفكر في الناس؟!
سحبت ذراعها منه.
ـ أنا اللي اتكسرت قدام عينيك، وإنت خايف من الناس تشوف!
سكت.
ثم قالت بصوت منخفض:
ـ متخافش...
فتحت الباب.
ـ محدش هيشوف حاجة.
وقف دانيال مكانه.
وقبل ما تخرج، وقفت روفانا للحظة من غير ما تبص له.
ـ بس أنا...
سكتت.
ثم قالت:
ـ أنا شفتك على حقيقتك.
وخرجت.
خرجت روفانا من المكتب بسرعة.
الموظفون الموجودون في الخارج بدأوا يبصوا لها باستغراب.
كانت ماشية بسرعة، وملامحها جامدة، لكن دموعها كانت بتنزل رغمًا عنها.
إحدى الموظفات:
ـ روفانا هانم؟
لم ترد.
كملت طريقها لحد ما وصلت المصعد.
دخلت بسرعة.
وأول ما الباب اتقفل...
انهارت.
حطت إيدها على وشها.
وبدأت تبكي بصمت.
كانت بتحاول تمنع صوتها.
لكن قلبها كان موجوع بشكل أكبر من قدرتها على التحمل.
بصت لنفسها في المرآة.
ـ إزاي يا دانيال؟
مسحت دموعها.
ـ إزاي عملت فيا كده؟
المصعد وصل.
خرجت منه بسرعة.
وصلت للسيارة، ركبت وقفلت الباب.
ظلت للحظات تنظر أمامها دون أن تتحرك.
ثم شغلت السيارة.
لم تكن تريد العودة إلى البيت.
لم تكن تريد رؤية أحد.
كانت تريد شخصاً واحدًا فقط...
مامتها.
المكان الوحيد الذي كانت تلجأ إليه عندما تشعر أن الدنيا ضاقت بها.
انطلقت السيارة في شوارع القاهرة.
والدموع لم تتوقف.
لكن وسط كل الألم...
كان هناك شيء آخر يشغل عقلها.
الشيء الذي أخفته صباحًا.
السر الذي أقسمت ألا يعرفه أحد.
وضعت يدها على حقيبتها.
وهمست:
ـ مش هسمح لأي حد ياخد مني آخر حاجة فاضلالي...
ثم نظرت للطريق.
ولأول مرة...
لم تكن روفانا ذاهبة إلى القصر بحثًا عن الراحة.
كانت ذاهبة إليه...
لأنها لم تعد تعرف أين يمكن أن تهرب من حياتها.
لكنها لم تكن تعرف أن وصولها إلى القصر...
سيكون بداية وجع جديد
فالقدر لم يكن قد انتهى منها بعد...
بل كان لسه بيبدأ.
🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺
وصلت روفانا إلى القصر، وكانت عينيها لسه مليانة دموع.
ركنت عربيتها قدام المدخل، ونزلت بسرعة.
لم تهتم حتى إن السائق والحراس لاحظوا حالتها.
كل اللي كان في دماغها وقتها...
ماما.
كانت محتاجة حضنها.
محتاجة تسمع منها كلمة واحدة تطمنها.
محتاجة حد يقول لها:
"إنتِ مش غلطانة."
دخلت القصر بخطوات سريعة.
وأول ما شافت والدتها، اتجهت ناحيتها فورًا.
ماري كانت قاعدة في الصالون، وما إن رفعت عينيها وشافت شكل بنتها حتى قامت.
ماري:
ـ روفانا؟!
روفانا وقفت قدامها، وحاولت تتكلم...
لكن صوتها خانها.
ماري اقتربت منها.
ـ مالك يا حبيبتي؟
روفانا بصوت متقطع:
ـ دانيال...
ماري عقدت حاجبيها.
ـ ماله دانيال؟
روفانا:
ـ أنا... أنا شوفته النهارده مع واحدة تانية.
سكتت ماري.
روفانا بدأت تحكي لها كل اللي حصل.
من لحظة دخولها الشركة...
لسماع صوت المرأة داخل المكتب...
لفتح الباب...
ولحد اللحظة اللي شافت فيها دانيال مع البنت.
كانت بتحكي وهي بتبكي.
ـ أنا كنت فاكرة إنه بيحبني يا مامي.
ـ كنت فاكرة إني أهم واحدة في حياته.
ـ أنا حتى كنت داخلة الشركة النهارده وأنا بفكر في مستقبلنا...
مسحت دموعها.
ـ لقيته بيخوني قدامي.
ماري:
ـ وعايزة تعملي إيه؟
روفانا رفعت عينيها لها.
ـ عايزة أنهي كل حاجة بيني وبينه.
قالتها بحسم.
ـ مش عايزاه في حياتي تاني.
ثم اقتربت منها أكثر.
ـ أنا عايزاكي تقفي جنبي يا مامي.
كانت تتوقع أن تسمع منها كلمات المواساة.
أن تغضب من دانيال.
أن تقول لها إنها لن تسمح له بإهانتها.
أن تأخذ لها حقها.
لكن ماري فاجأتها تمامًا.
جلست بهدوء على الأريكة وقالت:
ـ روفانا، إنتِ مكبرة الموضوع جدًا.
روفانا اتجمدت.
ـ إيه؟
ماري:
ـ دانيال ماعملش حاجة تستاهل إنك تنهي علاقتك بيه عشانها.
روفانا بصت لها كأنها لم تفهم كلامها.
ـ مامي... حضرتك بتقولي إيه؟
ماري:
ـ بقولك إنه قال لي قبل كده إن البنت دي مجرد صديقة، وإنه بيتسلى معاها لحد ما يتجوزك.
روفانا شعرت وكأن الأرض اختفت من تحت قدميها.
ـ بيتسلى؟
ماري:
ـ أيوه... وده شيء عادي.
روفانا حدقت فيها بعدم تصديق.
ـ عادي؟!
ماري:
ـ أه يا روفا.
روفانا:
ـ يعني إنتِ شايفة إن اللي عمله دانيال عادي؟
ماري:
ـ إنتِ مكبرة الموضوع ليه يا روفا ؟.
روفانا بصوت مرتفع:
ـ مكبرة الموضوع؟!
وقفت أمامها.
ـ يعني الخيانة عندك شيء عادي؟!
ماري تغيرت ملامحها، وبدأ الغضب يظهر على وجهها.
ـ متقوليش خيانة بالطريقة دي.
روفانا:
ـ أمال أسميها إيه؟!
ماري:
ـ اسميها حاجة بتحصل.
روفانا:
ـ بتحصل؟!
ضحكت روفانا بمرارة.
ـ يعني أي حد يخون شريكه نقول بتحصل وخلاص؟
ماري:
ـ روفانا، إنتِ بتتكلمي بطريقة غريبة جدًا.
روفانا:
ـ غريبة؟!
ماري:
ـ أيوه.
ثم قالت بنبرة أكثر حدة:
ـ بقيتي تتكلمي زي المسلمين بالضبط.
روفانا سكتت.
ماري تابعت:
ـ إحنا عندنا عاداتنا وتقاليدنا.
ـ ومش كل حاجة لازم تكبريها بالشكل ده.
روفانا:
ـ مامي.. أنا مش فاهمة إنتِ بتقولي إيه.
ماري:
ـ أنا بقولك متنسيش إنك مسيحية.
سكتت لحظة، ثم أكملت:
ـ وإنتِ الفترة الأخيرة قربتي جدًا من أصحابك المسلمين، واتأثرتي بيهم زيادة عن اللزوم.
روفانا بصت لها بصدمة.
ـ يعني إيه؟
ماري:
ـ يعني لازم تبعدي عنهم.
روفانا:
ـ ابعد عن أصحابي ليه؟!
ماري:
ـ لأنهم بيغيروا طريقة تفكيرك.
روفانا:
ـ مامي ، أصحابي ملهمش علاقة باللي حصل!
ماري:
ـ لأ، ليهم علاقة... إنتِ بقيتي بتفكري بطريقة مختلفة عننا.
روفانا بصت لها للحظات.
ثم قالت بصوت مليان وجع:
ـ أنا كنت جاية هنا عشان ألاقيكي في صفي.
ـ كنت فاكرة إنك هتطبطبي عليا.
ـ كنت فاكرة إنك هتقوليلي إن اللي حصل غلط.
نزلت دموعها.
ـ لكن إنتِ بتقوليلي إن أنا اللي مكبرة الموضوع.
ماري:
ـ لأنك فعلًا مكبراه.
روفانا:
ـ حتى لو هو خطيبي؟!
ماري:
ـ هو في النهاية هيتجوزك.
روفانا شهقت من الصدمة.
ـ وإنتِ شايفة إن ده كفاية؟
ماري:
ـ دانيال اختارك إنتِ في الآخر.
روفانا:
ـ بس أنا مش عايزة واحد يخوني وأنا لسه مش زوجته اومال هيعمل ايه بعد الزواج !
ماري:
ـ إنتِ لسه مش متجوزاه أصلًا.
روفانا:
ـ وده يخلي اللي عمله عادي؟!
سكتت ماري.
أما روفانا فكانت واقفة أمامها، وعينيها ممتلئتان بالدموع.
كانت تنتظر كلمة واحدة...
لكنها لم تأتِ.
رفعت يدها ومسحت دموعها.
ثم قالت:
ـ خلاص.
ماري:
ـ خلاص إيه؟
روفانا:
ـ مش هتكلم في الموضوع تاني.
ماري:
ـ كويس.
روفانا بصت لها بحزن.
ـ بس حاجة واحدة فهمتها النهارده.
ماري:
ـ إيه؟
روفانا:
ـ مش مهم.
ثم استدارت وبدأت تمشي.
ماري:
ـ روفانا!
لكنها لم ترد.
صعدت السلم بسرعة، ودخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
وقفت للحظات مستندة إلى الباب.
ثم انزلقت ببطء إلى الأرض.
وضعت يدها على وجهها.
وبدأت تبكي.
ليس بسبب دانيال فقط...
لكن بسبب أمها أيضًا.
كانت دائمًا تظن أن والدتها هي أكثر شخص يمكن أن يفهمها.
لكنها اليوم اكتشفت أنها قد تكون أبعد شخص عنها.
رفعت عينيها للسماء من خلف نافذة غرفتها، وهمست بصوت مكسور:
ـ يا ريتني كنت مسلمة...
سكتت لحظة، ثم نزلت دمعة على خدها.
ـ يمكن كنت هلاقي حد يفهمني.
وضمت نفسها بذراعيها.
لكنها لم تكن تعرف...
أن هذه الجملة الصغيرة التي خرجت منها في لحظة وجع...
ستكون يومًا ما بداية سؤال كبير داخل قلبها.
سؤال عن الدين...
وعن الحقيقة...
وعن نفسها.
🌺🌺🌺🌺🌺
فضلت روفانا قاعدة على الأرض شوية، ودموعها بتنزل من غير صوت.
كانت حاسة إن كل حاجة حواليها اتكسرت في يوم واحد.
دانيال...
ومامتها...
حتى المكان اللي كانت بتعتبره أمانها، بقى فجأة مكان مش قادرة تفهمه.
لكن بعد وقت...
مسحت دموعها.
وقفت قدام المراية، وبصت لنفسها.
وشها كان أحمر من كتر البكاء، وعينيها منتفخة.
روفانا لنفسها:
ـ كفاية.
سكتت لحظة.
ـ أنا مش هفضل أعيط عشانه.
دخلت الحمام، وفتحت الحنفية.
غسلت وشها بالمية الباردة أكتر من مرة.
وقفت قدام المراية، خدت نفس عميق، وبدأت ترتب شعرها وتظبط ملامحها.
حطت لمسات بسيطة من المكياج تخفي آثار بكائها.
لبست جاكتها، أخذت حقيبتها، ونظرت لنفسها مرة أخيرة.
روفانا:
ـ المرة دي راجعة الشركة عشان أقفل الموضوع نهائي.
ثم خرجت من غرفتها.
بعد وقت قصير...
كانت سيارة روفانا بتتحرك مرة تانية ناحية الشركة.
لكن المرة دي كانت مختلفة.
لم تكن ذاهبة للعمل فقط.
كانت ذاهبة لإنهاء علاقتها بدانيال.
وصلت الشركة، ونزلت من السيارة ودخلت بخطوات ثابتة.
الموظفون أول ما شافوها بدأوا يحيّوها.
لكنها لم تتوقف.
اتجهت مباشرة إلى مكتب دانيال.
وقفت أمام الباب لحظة...
ثم طرقته.
دانيال من الداخل:
ـ ادخل.
فتحت الباب.
دانيال أول ما شافها، وقف بسرعة.
ـ روفانا!
لم تجبه.
دخلت وأغلقت الباب خلفها.
دانيال:
ـ أنا كنت مستنيكي.
روفانا:
ـ وأنا جيت.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
ـ عشان ننهي كل حاجة بينا.
دانيال اتصدم.
ـ روفانا، استني...
روفانا:
ـ مفيش استنى يا دانيال... أنا فكرت كويس.
ـ وعرفت إني مش هقدر أكمل معاك بعد اللي حصل.
حاول يقاطعها.
لكنها رفعت إيدها تمنعه.
ـ خليني أخلص كلامي.
سكت.
روفانا:
ـ أنا مش جاية أتشاجر... ومش جاية ألومك... أنا بس جاية أقولك إن الخطوبة انتهت.
دانيال فضل ساكت للحظات.
ثم أخذ نفسًا عميقًا.
ـ لو ده قرارك...
نظرت له.
دانيال:
ـ فأنا هحترمه.
روفانا لم تتوقع منه الرد.
دانيال أكمل بهدوء:
ـ أهم حاجة عندي إنك تبقي سعيدة.
روفانا بصت له.
دانيال:
ـ حتى لو سعادتك مع شخص تاني.
سكتت.
كان كلامه مختلفًا تمامًا عن الشخص الذي رأته منذ ساعات.
لم يكن غاضبًا.
لم يكن بيحاول يهددها.
كان هادئًا بشكل جعلها تتردد.
دانيال:
ـ يمكن أنا مش الشخص المناسب ليكي.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
ـ ويمكن في يوم من الأيام تلاقي حد يحبك بالطريقة اللي تستحقيها.
روفانا فضلت ساكتة.
لأول مرة منذ بداية اليوم، شعرت أن قلبها بدأ يهدأ.
يمكن...
يمكن هو ندم فعلًا.
يمكن فعلًا كان مجرد خطأ.
ويمكن...
كان بيحترم قرارها.
روفانا:
ـ أتمنى لك الخير يا دانيال.
دانيال:
ـ وأنا كمان.
ابتسم لها.
ـ خلي بالك من نفسك.
روفانا:
ـ حاضر.
خرجت من المكتب.
وما إن أغلقت الباب خلفها...
حتى اختفت الابتسامة من على وجه دانيال.
تغيرت ملامحه تمامًا.
الهدوء اختفى.
والحزن اختفى.
وحل مكانه شيء آخر...
شيء بارد ومخيف.
أخرج هاتفه من جيبه.
اتصل بأحد الأشخاص.
وبمجرد أن جاءه الرد، قال بصوت منخفض:
ـ أيوه.
سكت يستمع.
ثم قال:
ـ نفّذ اللي اتفقنا عليه.
صمت قليلًا.
ـ تمام... دلوقتي.
ثم أغلق المكالمة.
رفع عينيه ناحية باب مكتبه.
وابتسم ابتسامة غريبة.
ابتسامة خالية تمامًا من الود.
دانيال بهمس:
ـ مبروك يا روفانا...
ثم ضحك ضحكة قصيرة.
ـ لسه البداية.
مرّت ساعات العمل ببطء.
روفانا حاولت تدفن نفسها في الشغل.
اجتماعات...
تصميمات...
مكالمات...
أوراق...
أي شيء يمنعها من التفكير.
ومع اقتراب نهاية اليوم، بدأت الشركة تهدأ.
الموظفون بدأوا يمشوا واحدًا وراء الثاني.
روفانا جمعت حاجتها، وأغلقت جهازها.
وقفت للحظة أمام نافذة مكتبها.
السماء كانت بدأت تظلم.
أخذت حقيبتها وخرجت.
عند مدخل الشركة، كان عدد من رجال الحراسة مستعدين للتحرك معها.
أحد الحراس:
ـ روفانا هانم، نتحرك ورا حضرتك؟
روفانا:
ـ لأ.
الحارس باستغراب:
ـ بس يا فندم...
روفانا:
ـ عايزة أروح مكان لوحدي شوية.
ـ متبعنيش حد.
الحارس:
ـ بس التعليمات...
روفانا قاطعته:
ـ أنا اللي بدي التعليمات هنا.
سكت الحارس.
ثم أومأ باحترام.
ـ حاضر يا فندم.
ركبت روفانا سيارتها وانطلقت.
كانت محتاجة تهرب من كل شيء.
من القصر...
من دانيال...
من كلام ماري...
ومن نفسها حتى.
كانت تسوق بلا هدف واضح.
لحد ما دخلت طريق هادئ نسبيًا.
نظرت حولها.
لم يكن هناك زحام كبير.
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم شعرت فجأة بالعطش.
مدت يدها ناحية زجاجة المياه الموجودة بجوارها.
لكنها كانت بعيدة قليلًا.
روفانا:
ـ اووف ...
مدت إيدها أكثر.
ثم قررت توقف السيارة على جنب.
ضغطت على الفرامل.
لكن...
السيارة لم تتوقف.
روفانا بصت للطريق.
ثم ضغطت على الفرامل مرة تانية.
ولا شيء.
ضغطت بقوة.
ـ إيه ده؟!
بدأ قلبها يدق بسرعة.
حاولت مرة أخرى.
الفرامل لم تستجب.
روفانا:
ـ لأ...
حاولت تهدي سرعة السيارة، لكن العربية كانت مستمرة.
بصت قدامها بخوف.
ـ مستحيل...
حاولت تستخدم الفرامل مرة أخرى.
لا استجابة.
بدأت تستوعب الحقيقة المرعبة.
الفرامل عطلانة.
أمسكت هاتفها بسرعة.
اتصلت بصديقتها ياسمين.
بعد ثوانٍ...
ياسمين:
ـ ألو؟ روفا؟
روفانا بصوت مرتجف:
ـ ياسمين!
ـ أنا في مشكلة!
ياسمين:
ـ في إيه؟!
روفانا:
ـ العربية مش بتقف!
ياسمين:
ـ إيه؟!
روفانا:
ـ الفرامل مش شغالة!
بدأ صوتها ينهار.
ـ أنا مش عارفة أعمل إيه!
ياسمين:
ـ روفانا اهدي!
ـ حاولي تشغلي الانتظار...
روفانا:
ـ بحاول!
ياسمين:
ـ طيب وجهي العربية لمكان فاضي وحاولي تقللي السرعة تدريجيًا!
روفانا:
ـ الطريق قدامي مفتوح بس أنا مش عارفة أوقفها!
ياسمين:
ـ روفانا اسمعيني!
لكن فجأة...
روفانا شهقت.
عينيها اتسعت.
ياسمين:
ـ روفانا؟!
روفانا لم ترد.
أمامها مباشرة...
ظهرت دراجة نارية.
كانت قريبة جدًا.
حاولت روفانا تلف الدركسيون بسرعة.
لكن الوقت كان فات.
روفانا صرخت:
ـ لأااااااا!
اصطدمت السيارة بالدراجة النارية بقوة.
صوت ارتطام هائل دوّى في الطريق.
السيارة انحرفت بعنف...
والزجاج تحطم...
والدراجة اندفعت بعيدًا.
هاتف روفانا سقط من يدها.
وظل صوت ياسمين يخرج منه:
ـ روفانا!
ـ روفانا ردي عليا!
ـ روفاناااا!
لكن لم يكن هناك رد.
السيارة توقفت أخيرًا بعد أن اصطدمت بجانب الطريق.
و ساد الصمت المخيف....
