رواية جوازه اضطراريه علي الورق الفصل الثاني 2 بقلم نسرين نادر


 رواية جوازه اضطراريه علي الورق الفصل الثاني 


حدقت فيه نور بذهول شديد، ثم قالت بصوت مرتفع وهي تشير إليه بإصبعها:

ــ أنا دخلت مكتب محامي أطلب حماية من عيلتي، مش دخلت برنامج مقالب!

نقل المحامي طارق نظره بين آدم ونور بقلة صبر وذهول، ثم اعتدل في جلسته وصاح بآدم:

ــ إيه اللي بتقوله ده يا آدم؟ إنت اتجننت رسميًا ولا إيه؟ هو ده وقت الهزار بتاعك؟

التفت آدم إلى طارق بهدوء تام، وحافظ على ابتسامته الثابتة وهو يشير له بيده كأنه يهدئ الأوضاع:

ــ طارق.. سيبنا لوحدنا خمس دقائق بس، وأنا هشرح لك كل حاجة بعدين.

ضيق طارق عينيه وقال بذهول:

ــ أصلًا؟ أسيبكم لوحدكم خمس دقائق؟ ده إنتوا لو قعدتوا خمس دقائق لوحدكم المكتب هينفجر!

رد آدم بنبرة جادة هذه المرة:

ــ معلش يا طارق، اسمع مني بس.. خمس دقائق ومش هتاخد أكتر من كده.

تنهد طارق بيأس وهز رأسه، ثم قال وهو يلمع نظارته ويتجه نحو الباب:

ــ لما نشوف آخر جنونك إيه يا آدم.. أنا بره عند السكرتارية، ولو سمعت صوت حاجة بتتكسر هتدخل فورًا!

خرج طارق وأغلق الباب خلفه ببطء، ليبقى المكان هادئًا تمامًا إلا من أنفاس نور المتسارعة ونظرات آدم الباردة والمتحفزة.

وقفت نور عاقدة ذراعيها أمام صدرها، وقالت بنبرة حادة وتهكمية:

ــ ها يا أستاذ، الشوية بتوعك خلصوا ولا فاضل فيهم حاجة؟ ينفع أطلع بقى أشوف محامي بجد يعالج مشكلتي؟

اقترب آدم خطوة ببطء، وشبّك يديه خلف ظهره قائلاً:

ــ اقعدي يا نور.. واسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني بالصوت العالي بتاع الشارع ده.

نور بحدة:

ــ أنا مابصرخش! وإنت مش من حقك تقول لي اقعدي ولا أقفي!

آدم بثبات وابتسامة خفيفة:

ــ تمام، خليكِ واقفة.. بس اسمعي الحسبة البسيطة دي: إنتِ بره المكتب ده عندك عم وابن عم بيمارسوا عليكِ ضغط ويطاردوكي في الشوارع عشان يجبروكِ تتجوزي وتتنازلي عن أملاكك، وأقرب حل قانوني هياخد شهور في المحاكم، وهما مش هيسيبوكي في حالك الشهور دي.. صح ولا أنا غلطان؟

سكتت نور ولم ترد، لكن ملامح وجهها أظهرت أنها تعرف أن كلامه صحيح، فواصل آدم بثقة:

ــ وفي المقابل، أنا عندي أم من الصبح لليل بتختار لي عرايس وعايزة تجوزني بأي طريقة، وأنا شغال في شركتي ومش فاضي للجواز ووجع الدماغ ده.. فكرت في حل يخدم الطرفين؛ نتجوز على الورق لفترة محددة. قدام الناس والعيلة إنتِ متجوزة رجل أعمال له وزنه ومحدش يقدر يقرب منك أو يضغط عليكِ، وقدام أمي أنا اتجوزت خلاص وشريت دماغي!

نظرت له نور بشك وقالت:

ــ وإيه المقابل ليك؟ إنت مش هتعمل كل ده لوجه الله أكيد!

ابتسم آدم وقال:

ــ المقابل إني اشتريت دماغي من زن أمي ومن العرايس، وإنتِ أخدتي حماية واستقرار لحد ما طارق يظبط أوراق التركة والقضايا.. جواز صوري بشرط جزائي وبنود محددة، ومحدش فينا يتدخل في حياة التاني، وفي الوقت المناسب ننفصل بهدوء.

ترددت نور قليلاً، ونظرت للباب ثم عادت بنظرها إلى آدم وقالت بشرط قاطع وصارم:

ــ ماشي.. بس بشرط! العقد ده هيكون فيه بنود ما تتغيرش، أولها إن جوازنا يبقى على الورق وبس، ومحدش يعرف بيه غير المقربين جدًا، وما تحاولش تفرض عليا أي سلطة، وشقتي وحياتي الشخصية خط أحمر!

ابتسم آدم وهو يمد يده لها بثقة وقال:

ــ اتفقنا يا مصيبة.. شروطك مقبولة، ننده طارق يكتب البنود؟

نظرت له نور بتفكير، وقالت وهي تضيق عينيها بذكاء:

ــ استنى عندك! طب وهنقول لعيلاتنا إحنا اتعرفنا على بعض إزاي؟ ماما عارفة كويس جدًا إن مفيش أي حد في حياتي خالص، ومستحيل تصدق إننا اتجوزنا فجأة كده!

صمت آدم للحظات يقلب الفكرة في رأسه، ثم ابتسم وقال بثقة:

ــ عندك حق.. وأنا كمان أمي حافظاني ومش هتصدق السهولة دي! بس لقيتها... هنقول إحنا اتعرفنا عن طريق أصدقاء مشتركين. لو عندك حد من صحابك نقدر نثق فيه، هنقول إنه هو اللي وصلنا ببعض، ومن ساعتها بدأنا نتكلم كل يوم، ولما حسينا إننا مرتاحين لبعض، قررنا ندي لبعض فرصة والجواز جه بسرعة.. إيه رأيك في الحبكة دي؟

هزت نور رأسها بذهول وتهكم خفيف قائلة:

ــ ما شاء الله عليك! إنت كل حاجة جاهزة عندك ومرتبة كأنك كنت مخطط لها! إنت المفروض كنت تشتغل محلل اجتماعي أو صانع خطط، مش رئيس مجلس إدارة شركة!

ضحك آدم بخفة وقال:

ــ أصل اللي يتحط في موقفي وموقف زن العرايس لازم دماغه تشتغل بسرعة يا آنسة نور!

سكتت نور قليلًا، ثم نظرت إليه بجدية واضحة وقالت:

ــ بس أنا عندي سؤال ليك.. معلش يعني.

التفت إليها آدم وقال بنبرة هادئة:

ــ اتفضلي، أؤمري.

نور بفضول وترقب وهي تدقق في ملامحه:

ــ هو إنت ليه رافض الجواز للدرجة دي ومش عايز تتجوز من الأساس، مع إنك مستعد تتجوزني حالًا على الورق؟

فجأة، اختفت الابتسامة من على وجه آدم، وتغيرت نظراته لتصبح ثقيلة وغامضة، وساد الصمت في الغرفة للحظات، بينما كانت نور تبص له بترقب شديد لتفهم سر هذا التحول.

أخذ آدم نفسًا عميقًا وقال بنبرة دافئة تحمل حزنًا مكتومًا:

ــ بعدين.. يمكن بعدين أقدر أتكلم في الموضوع ده. بس المهم دلوقت إن الجواز ده لما يحصل، يحصل بالشكليات اللي تريح أمي.. أمي عايزاني أتجوز وأستقر وأخلف وكل الحاجات دي، وطبعًا أي إنسان طبيعي نفسه في كده.. وأكيد أنا كمان نفسي في العيلة والأولاد.

توقف لبرهة وتردد كأنه يصارع ذكريات تؤلمه، ثم أضاف بصوت خفيض:

ــ بس يمكن.. مش قادر آخد الخطوة الكاملة دي دلوقت.

سألته نور بنبرة أهدأ بكثير بعدما لاحظت تأثره:

ــ ممكن أعرف السبب؟ إيه اللي مانعك؟

تردد آدم ونظر بعيدًا، ثم عاد بنظره إليها وقال بنبرة قاطعة لكنها لطيفة:

ــ مش دلوقت يا نور.. بعدين.

تفهّمت نور موقفه ولم تضغط عليه، ثم تنهدت وقالت:

ــ عمومًا.. اديني وقت أفكر فيه وأستوعب الفكرة كلها، وبعدها نحدد هنمشي إزاي.

❝لو إنتِ مكان نور، بعد ما آدم أنقذك من مازن وقال إنه خطيبك… هتهربي وتبعدي عنه، ولا هتوافقي على الجوازة الاضطرارية؟ 👀❞

وقبل أن تستوعب نور كلامه أو ترد عليه، فتح باب المكتب فجأة، ودخلت منه سيدة أنيقة ذات ملامح صارمة لكنها طيبة، تحمل حقيبة راقية، وخلفها المحامي طارق وهو يحاول إيقافها بقلة حيلة.

قال طارق بتوتر:

ــ يا طنط نجوى، والله عندهم اجتماع عمل بسيط، حضرتك ما استنيتيش بره ليه بس؟

التفت آدم بذهول وصدمة وصاح:

ــ أمي؟! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟

رفعت والدته نجوى حاجبها بتهكم وقالت وهي تضع حقيبتها على الطاولة:

ــ جابني إني عارفة إنك هربان من عزومة العروسة وجاي تستخبى عند طارق! قلت أجيلك بنفسي أقبض عليك متلبس!

وفجأة، وقعت عينا نجوى على نور الواقفة بجانب المكتب، فتأملت ملامحها الهادئة وجمالها الطبيعي بذهول، وتغيرت ملامح وجهها فورًا من الغضب إلى الاندهاش والانبهار.

قالت نجوى وهي تقترب خطوة وتنظر لنور بابتسامة واسعة:

ــ مين القمر دي؟ هي دي موكلة عندك يا طارق برضه؟

ابتسم آدم بمكر، واستغل اللحظة فورًا، فخطى خطوة نحو نور ووقف بجانبها بثقة قائلاً:

ــ لا يا أمي.. دي نور، البنت اللي اختارها قلبي واللي كنت مخبيها عنك ومستني الوقت المناسب عشان أقولك عليها! هي جاية معايا هنا عند طارق عشان نراجع شوية حاجات تخص شركتها.

اتسعت عينا نور بصدمة، وكانت على وشك أن تنفي كلامه، لكن آدم غمز لها بحدة واستعطاف في نفس اللحظة دون أن تلاحظ أمه.

ضربت نجوى صدرها بخفة وقالت بفرحة وذهول:

ــ يا نهار أبيض! بقى إنت عندك القمر ده كله ومخبي عليا؟ مش كنت تقولي يا ابني بدل ما كل شوية ألم لك عرايس الدنيا وأرصهم لك صف قدامك، وأنت تطلع فيهم القطط الفاطسة؟

ضحك طارق بخفة في الخلفية وهو يهز رأسه، بينما قالت نجوى وهي تحتضن نور بحرارة:

ــ أهلاً يا حبيبتي، ما شاء الله عليكِ زي الفل! إحنا بقى لازم نعمل خطوبة وفرح يكسروا الدنيا قريب جدًا!

نور وهي تحاول بلع ريقها من المفاجأة:

ــ أه.. أهلاً بحضرتك يا طنط.. بس الموضوع جه بسرعة و...

قاطعتها نجوى بابتسامة حنونة:

ــ مفيش سرعة ولا حاجة يا حبيبتي، أنا هسيبكم تكملوا كلامكم وهنزل أستناكم في العربية عشان نروح نتفق مع مامتك، سلام يا روحي!

خرجت نجوى بحماس، لتلتفت نور فورًا إلى آدم وعيناها تطردان شرارًا:

ــ إنت إيه اللي قلته لمامتك ده؟ خطوبة وفرح ورص عرايس؟ إنت ورطتني أكتر!

آدم وهو يلطف الجو بابتسامة:

ــ دي ضربة معلم يا نور! أمي كده اقتنعت تمامًا، وطلعتِ نفسك وطلعتيني من زنها.. يلا انزلي اركبي عربيتك ونتكلم بعدين.

تنهدت نور بضيق، وأخذت حقيبتها ونزلت من العمارة بسرعة لتستقل سيارتها، بينما بقيت أم آدم فوق تتبادل مع طارق بعض الأحاديث قبل نزولها.

وفور خروج نور من بوابة العمارة واتجاهها نحو سيارتها في الشارع الهادئ، توقفت سيارة سوداء ضخمة بجانبها فجأة، ونزل منها مازن ابن عمها برفقة رجلين!

قال مازن بنبرة حادة وابتسامة شريرة وهو يمسك يدها بقوة:

ــ أخيرًا لقيتك يا نور! مش عيب تسحبينا وراكي الشوارع دي كلها؟ يلا قدامي على العربية عشان نرجع الصعيد ونكتب الكتاب هناك بالذوق أو بالعافية!

حاولت نور شد يدها بقوة وهي تصرخ:

ــ سيب إيدي يا مازن! إنت اتجننت؟ أوعى تلمسني!

في هذه اللحظة بالذات، خرج آدم من بوابة العمارة، وفور أن رأى مازن يجذب نور بالعافية، تغيرت ملامح وجهه تمامًا للجمود والقتالية. تقدم بخطوات سريعة وواثقة، وجذب يد مازن بعنف ليبعده عن نور، ووقف أمامها كالسد المنيع.

قال آدم بنبرة حادة كالسيف وعينين تشتعلان غضبًا:

ــ إيدك عنها يا شاطر... بدل ما أكسرهالك!

نظر له مازن بتحدٍ وقال بحدة:

ــ وإنت مين إنت كمان عشان تتدخل بيني وبين بنت عمي؟ ابعد عن طريقنا أحسنلك!

رفع آدم رأسه بثقة قاطعة، وأردف بصوت هز الشارع:

ــ أنا خطيبها... وهيتكتب كتابنا كمان يومين، ولو فكرت تقرب منها خطوة واحدة تانية، مش هترجع الصعيد على رجليك!

وقفت نور خلف ظهر آدم تشاهد الموقف بذهول، وعيناها معلقتان بظهره القوي وثباته أمام مازن، لتشعر للحظة، ولأول مرة منذ فترة طويلة، بأن هناك من يقف في صفها ويحميها... لكن ما لم تعرفه بعد، أن تلك الجملة التي قالها آدم لم تكن مجرد كذبة لإنقاذها، بل كانت بداية حقيقية لجوازة لم تكن في الحسبان.


تعليقات