رواية بائعة الليمون الفصل الثالث
في اليوم التالي، عادت رحمة إلى المحطة، لكنها لم تقف على السلم.
وضعت سلتها في المساحة الصغيرة بجوار كشك عم جابر، بينما جلس يوسف على صندوق خشبي، يرتب أقلامه.
وبينما كانت رحمة تبيع المناديل، ظهرت السيدة أمينة، التي قابلتهما في اليوم السابق.
ما إن رآها يوسف حتى صاح:
— طنط أمينة!
التفتت السيدة، وابتسمت.
— أهو البطل بتاعي! فين القصة؟
أخرج يوسف كراسته، وفتح الصفحة الأولى.
كانت الكلمات مكتوبة بخط متعرج:
«كان يا ما كان، ولد صغير اسمه يوسف، كان بيحب باباه أوي. وفي يوم باباه راح السما، فقال يوسف لأخته رحمة: أنا هساعدك علشان ماما متزعلش...»
توقفت أمينة عن القراءة، ورفعت عينيها إلى رحمة.
كانت الفتاة ترتب المناديل، لكنها سمعت كل شيء.
قالت أمينة:
— إنت موهوب يا يوسف.
ابتسم الصغير.
— بجد؟
— بجد. بس الموهبة محتاجة مدرسة، ومحتاجة وقت.
ثم التفتت إلى رحمة.
— أنا سألت عنكِ في المدرسة.
ارتبكت رحمة.
— سألتي عني؟
— أيوه. فيه برنامج محو أمية وتعليم مسائي للكبار، وفيه فصول لاستكمال الدراسة لبعض الحالات. لسه هسأل عن التفاصيل، لكن ممكن نلاقي طريقة تساعدك ترجعي تتعلمي.
سكتت رحمة، ثم قالت:
— أنا نفسي أكمل... بس مين هيشتغل؟
أجابتها أمينة:
— هنحاول نلاقي حل يناسب ظروفك. مش هقولك إن الموضوع سهل، لكنه يستحق المحاولة.
ثم أخرجت ورقة صغيرة من حقيبتها.
— ده عنوان جمعية قريبة من هنا بتساعد الأسر المحتاجة. ممكن يقدروا يساعدوا في الدواء أو مصاريف المدرسة. خدي الورقة، واسأليهم بنفسك.
أخذتها رحمة بكلتا يديها.
— شكرًا يا طنط.
— متشكرينيش دلوقتي. لما تلاقي باب مفتوح، ادخلي منه.
وقبل أن تغادر، اشترت أمينة كيسًا من الليمون، ثم وضعت بعض النقود في يد يوسف.
— دي تمن الأقلام اللي هتبيعها لي بكرة.
ضحك يوسف.
— بس أنا معايا أقلام!
— يبقى احتفظ بيها لبكرة.
ثم انحنت وقبّلت جبينه.
يوم المطر
لم تكن كل الأيام تحمل الخير.
ففي أحد الصباحات، استيقظت رحمة على صوت المطر وهو يضرب زجاج النافذة.
كان الجو باردًا، والشارع غارقًا في المياه.
نظرت إلى أمها، فوجدتها ترتجف تحت الغطاء.
— ماما، إنتِ كويسة؟
أجابتها سعاد بصوت ضعيف:
— جسمي بيوجعني أوي يا رحمة.
وضعت رحمة يدها على جبينها.
— إنتِ سخنة!
حاولت الأم النهوض، لكنها عادت إلى فراشها.
— روحي شغلك يا بنتي، متضيعيش اليوم.
— مش هسيبك وإنتِ تعبانة.
— يا رحمة، إحنا محتاجين الفلوس.
وقفت الفتاة حائرة.
كانت تحتاج المال فعلًا، لكن فكرة ترك أمها وحدها وهي مريضة كانت تخيفها.
تذكرت دواءها الذي أوشك على النفاد، ثم نظرت إلى يوسف.
كان الصغير يقف بجوار الباب، وقد ارتدى سترته.
— رحمة، أنا ممكن أنزل أبيع الأقلام لوحدي.
صرخت فيه:
— لأ!
تراجع يوسف.
— أنا كنت عايز أساعدك بس.
انحنت أمامه، واحتضنته.
— عارفة يا حبيبي، بس مينفعش تنزل لوحدك في المطر.
ثم أمسكت هاتفها القديم، واتصلت بعم جابر.
— صباح الخير يا عم جابر... معلش، ماما تعبانة أوي، ومش هقدر أنزل النهارده.
جاءها صوته مطمئنًا:
— خليكي جنبها يا بنتي، وأنا هعدي عليكم بعد شوية أشوف محتاجين إيه.
بعد دقائق، رنّ هاتفها.
كانت أمينة.
— رحمة، إنتِ مش في المحطة النهارده؟
أخبرتها بما حدث.
قالت أمينة:
— طيب خليكي في البيت. أنا هحاول أوصل لكِ حد من الجمعية يشوف والدتك.
لم تصدق رحمة أن كل هؤلاء الناس يتذكرونها.
قالت بصوت متهدج:
— ربنا يجبر بخاطرك يا طنط.
لكن قبل أن تنهي المكالمة، سمعت طرقًا عنيفًا على الباب.
تجمدت في مكانها.
عاد الطرق مرة أخرى.
ثم جاء صوت رجل:
— يا سعاد! افتحي الباب!
تغير وجه الأم.
همست:
— ده صاحب البيت.
اقتربت رحمة من الباب.
— نعم يا عم صبري؟
جاء صوته غاضبًا:
— الإيجار متأخر تلات شهور يا بنتي! أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده.
وضعت رحمة يدها على مقبض الباب، لكنها لم تفتحه.
— والله يا عم صبري، إحنا هنجيب الفلوس، بس ماما تعبانة، وأنا...
قاطعها:
— أنا مالي؟ أنا عندي التزامات. لو الفلوس مجتش آخر الأسبوع، هتسيبوا الشقة.
بدأ يوسف يبكي.
— رحمة، إحنا هنروح فين؟
أمسكت يده.
— متخافش يا حبيبي.
قال الرجل من خلف الباب:
— أنا بديكم مهلة لآخر الأسبوع، وبعدها كل واحد يشوف حاله.
ثم انصرف.
جلست رحمة على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الحائط.
كانت تحاول أن تبدو قوية أمام يوسف، لكن الخوف كان ينهش قلبها.
قال الصغير:
— ممكن ننام عند طنط أمينة؟
نظرت إليه.
— مينفعش نرمي نفسنا على الناس يا يوسف.
— بس طنط أمينة بتحبنا.
— عارفة... بس لازم نلاقي حل بنفسنا.
في تلك اللحظة، طرق أحدهم الباب.
تبادلت رحمة وأمها النظرات.
ثم جاء صوت عم جابر:
— يا رحمة، افتحي يا بنتي.
فتحت الباب، فوجدته يحمل كيسًا من الطعام، وبجواره أمينة وامرأة أخرى.
قال جابر:
— دي الأستاذة هناء، من الجمعية اللي طنط أمينة كلمتهم.
ابتسمت المرأة.
— إحنا جايين نطمن على والدتك، ونشوف نقدر نساعدكم إزاي.
لم تعرف رحمة ماذا تقول.
دخلت هناء بعد استئذانها، وجلست بجوار سعاد، وسألتها عن حالتها.
ثم قالت:
— هنرتب زيارة لطبيب متطوع، ونشوف موضوع الدواء. وبالنسبة للإيجار، فيه برنامج مساعدة طارئة، هنقدم لكم فيه طلب، بس محتاجين بعض الأوراق.
سألت رحمة بسرعة:
— يعني ممكن نفضل في البيت؟
— هنحاول، يا حبيبتي. مش هقدر أوعدكِ قبل ما نراجع الحالة، لكن هنبدأ الإجراءات فورًا.
كانت تلك أول مرة منذ شهور تشعر رحمة بأن هناك من يسمعها دون أن يطلب منها شيئًا في المقابل.....
