رواية زواج اجباري الفصل الثالث
ظلت حياة واقفة أمام مكتب يحي، والهاتف في يدها، بينما كان الفيديو ما يزال مفتوحًا أمام عينيها.
لم تكن تستوعب كيف انتشر بهذه السرعة.
ولا كيف أصبح موقف بسيط أمام الشركة حديثًا بين الناس.
رفعت عينيها إلى يحي.
كان يقف أمامها بملامح جامدة، لا يبدو عليه أي ارتباك.
قالت بضيق:
— حضرتك كنت عارف إن الفيديو ده ممكن ينتشر؟
— لأ.
— بس إنت كنت متوقع إن حد يصورنا؟
— لا.
— أمال ليه بتقول إن الموضوع أكبر من فيديو؟
اقترب يحي من مكتبه، ثم جلس خلفه.
— لأن الفيديو اتنشر، والناس بدأت تربط بيني وبينك.
ضحكت حياة بسخرية.
— ما الناس بتحب تتكلم.
— مش دي المشكلة.
— أمال المشكلة إيه؟
نظر إليها طويلًا.
— إن رمضان عرف إن الفيديو موجود.
توقفت ابتسامتها.
— عرف؟
— آه.
— وإيه اللي يهمه؟
— إنه شايف إن وجودي في حياتك هيعطل اللي هو عايزه.
عقدت حياة حاجبيها.
— هو أصلًا مين عشان يقرر حياتي؟
— دي نقطة أنا متفق معاكِ فيها.
هدأت قليلًا.
لكنها سرعان ما تذكرت شيئًا.
— طيب إنت ليه مصمم تتدخل؟
— في إيه؟
— في حياتي.
رفع حاجبه.
— أنا بتدخل؟
— أيوه.
— إزاي؟
— بتسألني كنت فين، وبتقول لي أرجع إزاي، وبتصر إنك توصلني، ودلوقتي بتقول لي إن رمضان عرف عن الفيديو!
وقف يحي.
— عشان أنا شفت بعيني إنه حاول يمنعك من المشي.
— وأنا كنت هتصرف.
— واضح.
— يعني إيه واضح؟
— يعني لو أنا ما كنتش موجود، كان ممكن يحصل إيه؟
صمتت.
لم تجد إجابة.
قال يحي بنبرة أهدأ:
— حياة، أنا مش بحاول أتحكم فيكِ.
— أمال؟
— بحاول أحميكِ.
رفعت عينيها إليه.
— أنا مش محتاجة حماية.
— كلنا ساعات بنحتاج حد يقف جنبنا.
— بس مش بالطريقة دي.
تغيرت ملامحه.
— تمام.
استدارت نحو الباب.
وقبل أن تفتحه، سمعت صوته:
— بس في حاجة واحدة لازم تعرفيها.
التفتت.
— إيه؟
— من النهارده، أي مشكلة تحصل لك بسبب رمضان، قولي لي.
نظرت إليه بحدة.
— وليه أقول لك؟
— لأنك موظفة عندي.
ابتسمت بسخرية.
— آه... موظفة.
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
ظل يحي واقفًا مكانه.
كان يعرف أنها غاضبة.
وكان يعرف أيضًا أن غضبها منه أفضل بكثير من أن تخاف منه.
لكن ما لم تكن تعرفه حياة...
أن الفيديو لم يكن الشيء الوحيد الذي أقلقه.
كان هناك شيء آخر.
شيء لم يكن مستعدًا للحديث عنه.
---
عادت حياة إلى مكتبها، فرمت الهاتف فوقه وجلست.
اقتربت منها ريما.
— ها؟
— ها إيه؟
— قال لك إيه؟
— ولا حاجة.
— وشك بيقول إن فيه حاجة.
نظرت حياة إليها.
— أنا مش طايقة يحي.
اتسعت عينا ريما.
— أخيرًا!
— أخيرًا إيه؟
— أخيرًا اعترفتي.
— اعترفت بإيه؟
— إن الراجل مستفز.
— هو مستفز فعلًا.
جلست ريما بجوارها.
— طب إنتِ زعلانة منه عشان الفيديو؟
— زعلانة منه عشان بيتعامل كأني طفلة.
— يمكن بيحاول يحميك.
— وأنا مش طلبت منه.
ابتسمت ريما.
— إنتِ عارفة إنك لو كنتِ مكانك، كنت هطلب الحماية.
— إنتِ أصلًا بتخافي من أي حاجة.
— بالضبط.
وقبل أن تكمل، ظهر مازن أمامهما.
— في حد جاب سيرتي؟
قالت ريما:
— لأ.
— متأكدة؟
— جدًا.
— أصل وشك مش مطمني.
نظرت إليه ببرود.
— ووشك إنت مطمني؟
ضحك مازن.
— لا، بس شكلي عاجبني.
— دي مشكلة في ذوقك.
ضحكت حياة.
نظر مازن إليها.
— أخيرًا ضحكتي.
قالت حياة:
— مازن، لو سمحت.
— أنا مالي؟ أنا جاي أطمن عليكِ.
— أنا كويسة.
— متأكدة؟
ردت ريما بدلًا منها:
— هي كويسة، اتفضل روح شوف شغلك.
نظر مازن إليها.
— هو إنتِ دايمًا بتطرديني؟
— لو ينفع أعمل أكتر من كده كنت عملت.
— عشان إيه؟
— مش مرتاحة لك.
ابتسم.
— غريبة.
— ليه؟
— أول مرة حد يقول لي كده وأنا مش زعلان.
ضيقت عينيها.
— يعني إيه؟
— يعني يمكن أخليكي تغيري رأيك.
— في أحلامك.
ابتسم مازن.
— هنشوف.
راقبته ريما وهو يبتعد.
ثم التفتت إلى حياة.
— أنا مش مرتاحة له.
ضحكت حياة.
— إنتِ اللي من شوية بتقولي إنه جاي يطمن عليّ.
— ما أنا خايفة عليكِ منه.
— ليه؟
— عشان هو صاحب يحي.
— وإيه علاقة ده بده؟
— مش عارفة... بس إحساسي.
هزت حياة رأسها.
— ربنا يعينني عليكِ.
---
في المساء، انتهى دوام الشركة.
خرجت حياة وهي تحمل حقيبتها.
لمحت سيارة يحي أمام الشركة.
تجاهلتها واتجهت إلى الطريق.
سمعت صوته خلفها:
— حياة.
أكملت سيرها.
— حياة.
توقفت بضيق، ثم استدارت.
— نعم؟
اقترب منها.
— اركبي.
— لأ.
— ليه؟
— عشان أنا هروح لوحدي.
— اتفقنا إنك ما تخرجيش لوحدك.
— إحنا ما اتفقناش على حاجة.
نظر إليها لثوانٍ.
— إنتِ مصممة تعاندي؟
— وإنت مصمم تأمر؟
— أنا مش بأمر.
— أمال إيه؟
— بخاف عليكِ.
توقفت.
لم تتوقع منه الجملة.
نظر إليها يحي بهدوء.
— اركبي.
قالتها هذه المرة بنبرة غاضبة:
— أنت مش وصي عليّا يا يحي.
لأول مرة منذ عرفته، ظهرت على وجهه ملامح ضيق واضحة.
— وأنا عمري ما قلت إني وصي عليكِ.
— بس تصرفاتك بتقول كده.
— تمام.
ابتعد خطوة.
— روحي لوحدك.
نظرت إليه.
كانت تتوقع أن يجادلها.
لكنه لم يفعل.
استدار وعاد إلى سيارته.
شعرت بوخزة غريبة في صدرها.
لم تفهم لماذا أزعجها أن يبتعد بهذه السرعة.
سارت في الاتجاه الآخر.
لكنها لم تبتعد كثيرًا.
سمعت خطوات خلفها.
التفتت.
كان يحي يمشي على مسافة بعيدة.
صرخت:
— إنت بتعمل إيه؟
رد دون أن يقترب:
— ولا حاجة.
— إنت ماشي ورايا!
— آه.
— ليه؟
— عشان أتأكد إنك وصلتي لمكان آمن.
— مش قلت لك إني مش محتاجة حماية؟
— وسمعتك.
— أمال؟
— بس أنا كمان مش هقدر أمشي وأسيبك وأنا عارف إن رمضان ممكن يكون مستنيك.
توقفت.
لم تجد ردًا.
كان صادقًا.
وهذا أكثر شيء أربكها.
---
وصلت حياة إلى الشارع الذي تسكن فيه.
وقبل أن تدخل، نظرت خلفها.
لم تجد يحي.
شعرت براحة غريبة.
ثم سمعت صوتًا تعرفه.
— حياة.
تجمدت.
كان رمضان يقف في الجهة المقابلة.
اقترب منها.
— إنتِ كنتِ معاه؟
— مالكش دعوة.
— يعني الفيديو طلع حقيقي؟
— فيديو إيه؟
— الناس كلها بتتكلم.
— وأنا مالي بالناس؟
اقترب أكثر.
— أنا قلت لك إني هتجوزك.
— وأنا قلت لك لأ.
— إنتِ فاكرة إنك تقدري تفضلي رافضة؟
نظرت حولها.
لم يكن الشارع مزدحمًا.
قالت بحزم:
— ابعد عني.
ابتسم.
— إنتِ مش فاهمة أنا ممكن أعمل إيه.
شعرت بالخوف.
تراجعت خطوة.
وفي اللحظة نفسها، توقفت سيارة يحي بالقرب منهما.
نزل منها بسرعة.
— رمضان.
التفت الرجل إليه.
وقف يحي أمام حياة.
قال ببرود:
— امشي.
— إنت تاني؟
— آه.
— مالك بيها؟
— قلت لك امشي.
ضحك رمضان.
— إنت فاكر إنك هتخوفني؟
— مش هدفي أخوفك.
— أمال؟
— هدفي أوضح لك إن حياة قالت لأ.
نظر رمضان إلى حياة.
ثم عاد إلى يحي.
— الموضوع بيني وبينها.
— وهي قالت لك لأ.
صمت رمضان.
أضاف يحي:
— يبقى انتهى.
قال رمضان بغيظ:
— مش هينتهي.
ثم رحل.
ظلت حياة واقفة في مكانها.
اقترب يحي منها.
— كويسة؟
هزت رأسها.
— آه.
— متأكدة؟
— آه.
خلعت أنفاسها ببطء.
ثم قالت:
— شكرًا.
نظر إليها.
— العفو.
كان بينهما صمت قصير.
ثم قالت حياة:
— أنا آسفة.
— على إيه؟
— على كلامي الصبح.
— أي كلام؟
— لما قلت لك إنك مش وصي عليّ.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— وإنتِ عندك حق.
نظرت إليه باستغراب.
— عندي حق؟
— آه.
— بس إنت زعلت.
— زعلت من طريقتك، مش من كلامك.
ابتسمت رغمًا عنها.
— يعني حضرتك بتعرف تزعل؟
— أحيانًا.
— غريبة.
— ليه؟
— أصلك دايمًا عامل كأنك مش بتحس بحاجة.
اقترب خطوة.
— مين قال لك؟
نظرت إلى عينيه.
للحظة، نسيت ما كانت تريد قوله.
ثم تراجعت.
— تصبح على خير.
استدارت بسرعة.
ابتسم يحي وهو يتابعها حتى دخلت منزلها.
---
في اليوم التالي، كان الفيديو قد انتشر أكثر.
بدأت بعض الصفحات تتحدث عن "رجل أعمال ينقذ موظفته من رجل يلاحقها".
لم يكن الأمر مجرد فيديو عابر بعد الآن.
وكانت التعليقات تزداد.
داخل الشركة، دخل مازن إلى مكتب يحي.
— الموضوع كبر.
رفع يحي عينيه.
— عارف.
— الناس بدأت تقول إن حياة خطيبتك.
تغير وجه يحي.
— مش فارق معايا الناس تقول إيه.
— بس الموضوع ممكن يأثر عليها.
صمت يحي.
قال مازن:
— إنت مهتم بيها أكتر مما بتبين.
نظر إليه يحي.
— خلي بالك من كلامك.
ابتسم مازن.
— أنا صاحبك، عارفك.
— مفيش حاجة.
— لسه.
رفع يحي حاجبه.
— لسه إيه؟
— لسه مفيش حاجة.
ضحك مازن وغادر.
لكن قبل أن يغلق الباب، قال:
— وعلى فكرة، ريما بتكرهني.
— وإنت مبسوط؟
— جدًا.
هز يحي رأسه.
— إنت مجنون.
— يمكن.
---
في الخارج، كانت حياة تحاول العمل.
لكنها لم تستطع.
كلما فتحت هاتفها، وجدت الفيديو.
كلما سمعت أحد الموظفين يتهامس، شعرت أنهم يتحدثون عنها.
وبدأت تشعر بالغضب من يحي من جديد.
لماذا ظهر في حياتها بهذه الطريقة؟
ولماذا أصبح وجوده حولها يربكها؟
ولماذا كلما حاولت الابتعاد عنه، شعرت بأنها تبحث عنه بعينيها دون قصد؟
دخل يحي إلى مكتبها.
— حياة.
رفعت رأسها.
— نعم؟
— تعالي.
— في إيه؟
— عندي اجتماع.
— وأنا مالي؟
نظر إليها.
— هتحضريه.
— ليه؟
— لأنك السكرتيرة بتاعتي.
تنهدت.
— حاضر.
وقفت.
مرت بجواره.
لكنه قال:
— وبالمناسبة...
التفتت.
— إيه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— النهارده مش هطلب منك تركبي معايا.
نظرت إليه باستغراب.
— ليه؟
— عشان إنتِ مش عايزة.
ثم خرج.
وقفت حياة مكانها.
لم تعرف لماذا شعرت بالضيق.
كان المفترض أن تكون سعيدة لأنه أخيرًا ترك لها مساحتها.
لكنها اكتشفت شيئًا لم يعجبها أبدًا...
أنها بدأت تتعود على اهتمامه.
وبدأت تفتقده عندما يبتعد.
أما يحي، فكان يعرف أنه كلما اقترب منها، زاد خوفه عليها.
وكلما حاول أن يبتعد، وجد نفسه يعود إليها.
لكن القادم لم يكن مجرد فيديو ينتشر على مواقع التواصل.
كان هناك شخص لن يقبل أن يخسر حياة بهذه السهولة.
رمضان.
وكان قد بدأ يفكر في طريقة أخرى للوصول إليها.
طريقة ستجعل حياة تدرك أن وجود يحي في حياتها...
لم يعد مجرد صدفة.
بل ربما يصبح الشيء الوحيد الذي يقف بينها وبين خطر حقيقي.
