رواية لأنك انت الحب الفصل الثالث
كان الانفجار المكتوم عند الباب الخلفي كفيلًا بإعادة رسم خريطة المكان في ثوانٍ. انقض سليم كالصقر. لم ينتظر حتى يكتمل اقتحام المسلحين، بل استغل عنصر المفاجأة وضعف الرؤية في ذلك الضوء الأحمر الخافت. أطلق ثلاث طلقات متتالية من مسدسه المزود بكاتم صوت؛ فأطلقت الطلقات أزيزًا مرعبًا، وهي تشق الهواء تستقر اثنتان منها في جسدي أول مسلحين، فسقطا على الأرضية الخشبية بضجيج مكتوم. أما الثالث، فاندفع إلى داخل الكوخ مطلقًا نيرانًا آلية بعشوائية، فتطايرت الشظايا الخشبية في كل اتجاه. صرخت يارا واضعة يديها فوق رأسها، وهي تختبئ خلف الأريكة، لكن سليم لم يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه. اندفع نحوه بكل ثقل جسده، واشتبك معه في قتال تكتيكي خاطف، فجرّده من سلاحه بحركة احترافية، ثم أحكم السيطرة عليه، وهوى بقبضته الفولاذية على رأسه؛ ليسقط مغشيًّا عليه. ساد صمت مفاجئ وخانق لا يقطعه سوى صفير الهواء المتسرب من الباب الخلفي المفتوح، وصوت أنفاس سليم المتلاحقة.
تحرك سليم بسرعة، وسحب الجثث إلى الخارج بحرفية باردة، ثم أحكم إغلاق الباب باستخدام لوحٍ حديدي طارئ مثبت في الخلف قبل أن يعود بخطواتٍ سريعة نحو المكان الذي كانت تختبئ فيه يارا. كانت تلتصق بالجدار، ويداها ترتجفان، بينما انسدل شعرها على كتفيها في بعثرة عفوية، وعندما اقترب منها وأمسك بذراعها ليساعدها على النهوض؛ لمحت قطرة دمٍ حمراء دافئة تنساب من جبهته؛ إثر شظية خشبية أصابته أثناء الاشتباك.
من دون تفكير اندفعت يداها تستقرا على وجنتيه، ورفعت وجهها إليه بنظرةٍ يملؤها الذعر والاضطراب:
- سليم أنت بتنزف، أنت كويس؟!
تجمد سليم في مكانه. كانت تلك هي المرة الأولى التي تلمسه فيها يارا بإرادتها، لا بدافع المقاومة ولا الكره. كان ملمس يديها الناعمتين الباردتين على وجهه أشبه بكيِّ جرحٍ بالنار. تأمل عينيها المتألقتين بالخوف عليه، ثم انخفضت نظراته رغمًا عنه إلى شفتيها الورديتين المنفرجتين بقلق. قبض على معصميها ببطء من دون أن يُبعد يديها عن وجهه، بل ضغطهما برفقٍ أكبر إلى بشرته، قال بصوتٍ خفيض، تقطر منه الرغبة المكبوتة:
- خايفة عليَّ يا يارا؟ ولا خايفة تفضلي لوحدك؟
ابتلعت يارا ريقها، وامتزجت برودة خوفها بالحرارة المفاجئة التي بدأت تتسلل إلى أسفل بطنها. كانت المسافة بينهما قد تلاشت، وصدره العريض يلامس صدرها مع كل شهيق وزفير.
- أنا، أنا بس مش عايزاك تموت هنا بسببي.
قالتها بصوتٍ مرتبك، وبحشرجة طفولية لم تستطع إخفاءها. ابتسم ابتسامة خطيرة، ومال برأسه قليلًا حتى لامست جبهته الدافئة جبهتها الندية، وامتزجت أنفاسهما الساخنة في الهواء البارد.
- أنا مش هتموتني رصاصة يا يارا، لكن نظرة عيونك دي هي اللي تقتلني بجد.
انحبست أنفاسها في صدرها. اندفعت يده الكبيرة لتستقر خلف رأسها، فتخللت أصابعه القوية خصلات شعرها الغجري المبتل، وجذبها إليه بجرأةٍ وحزم مانعًا أي فرصة للتراجع. طوق خصرها بيده الأخرى يرفعها قليلًا فالتصقت به تمامًا، ونزل بشفتيه يلتقط شفتيها في قبلة جامحة ومشتعلة. كانت القبلة مزيجًا صارخًا من سنوات الكتمان، الغضب، والعشق المكبوت على خط النار. في البداية حاولت يارا المقاومة، ووضعت كفيها على صدره تدفعه، لكن حرارة القبلة وقسوتها الحنونة سحبت كل طاقة للتحدي من جسدها. استسلمت وارتخى جسدها بين يديه، ولفت ذراعيها حول عنقه بقوة، تجاوبه القبلة بشغف متأجج أذهله هو شخصيًا. تأوه سليم بصوت مكتوم داخل فمها وعصر خصرها بيده، وكأنه يحاول دمج جسدها داخل جسده ينتقلا معًا في مسار محفوف بالخطر والذنب. استمرت اللحظة المشتعلة حتى شعرت يارا بأن ركبتيها لم تعودا تحملانها. عندما سحب سليم شفتيه ببطء، كان كلاهما يتنفس بصعوبة، وعيناهما تسبحان في ظلام الغرفة المحموم. أسند سليم رأسه إلى كتفها، ودفن وجهه في شعرها وعنقها، واستنشق عبيرها بلهفة واضحة قبل أن يهمس بجوار أذنها:
- سنين وأنا مستني اللحظة دي، سنين وأنا بشوفِك من بعيد، وفاكر إنك خط أحمر مش مسموح لي أعديه.
استعادت يارا رباطة جأشها تدريجيًا، وفتحت عينيها لتجد نفسها مستسلمة لضعفها أمام الرجل الذي ظنته عدوها الأكبر. اجتاحها شعور بالحرج والارتباك، فدفعت صدره برفق هذه المرة، قائلة بصوتٍ متقطع:
- سليم... ابعد... إحنا بنعمل إيه؟ المكان مش أمان، وممكن يرجعوا في أي لحظة.
ابتعد سليم ببطء، ثم أمسك بيدها وقادها نحو الأريكة، وأجلسها عليها برفق. بعد ذلك اتجه إلى حقيبته، واستخرج منها ملفًا ورقيًا أسود اللون، ثم وضعه في حجرها. نظر إليها بجدية قاطعة، وقال:
- افتحي الملف ده يا يارا، واعرفي الحقيقة كاملة منه، واعرفي إني عمري ما خنتك ولا أقدر.
فتحت يارا الملف تحت الإضاءة الحمراء الخافتة للكشاف، وأخذت تتصفح الأوراق بسرعة. اتسعت عيناها بذهول وهي تقرأ وثائق، ومحاضر رسمية، وتفريغات صوتية.
- إيه ده؟ دي تسريبات مكتب شريف زهران! ودي توقيعات أخويا زياد.
جلس سليم بجوارها على الأريكة، واقترب بكتفه من كتفها يمرر يده فوق الأوراق حتى أشار إلى توقيعٍ محدد:
- زياد ما كانش مظلوم بالكامل يا يارا. زياد كان طمعان، وركب موجة أكبر منه. هو اكتشف إن في فساد فعلًا، لكن بدل ما يبلغ حاول يبتزهم، وشريف كان ناوي يصفيه ويخليها حادثة انتحار. أنا اللي غيرت الخطة، ودليت النيابة على الأدلة عشان يتقبض عليه ويتسجن. السجن كان المكان الوحيد اللي كان هيحميه منهم، لإنه كان هيبقى تحت عنينا.
انسابت دمعة ساخنة من عين يارا، وسقطت فوق الورق. تجمعت في ذهنها كل الصور المتناقضة؛ غضبها من سليم، وكرهها له طوال تلك السنوات، ثم حقيقته التي تكشفت الآن كدرعٍ حماه بها وحمى أخاها. التفتت إليه، وحدقت في ملامحه الصلبة التي لطختها قطرات من دمه الجاف:
- وليه مكنتش بتقول لي؟ ليه سبتني حاسه بالغدر والكره ده ناحيتك طول الفترة دي؟
اقترب سليم، ومسح دمعتها بإبهامه بلمسة رقيقة تناقض قسوته الظاهرة، وقال بنبرة صادقة هزت أركانها:
- عشان كرهك ليا كان بيحميكِ. لو كانوا عرفوا إن في حاجة بيني وبينك كانوا استخدموكِ ضدي. كرهك كان الساتر اللي بستخبى وراه، وأنا بحميكِ من بعيد.
ساد صمت ثقيل امتلأ بالاعترافات، والحرارة التي لا يمكن إخمادها. رفعت يارا يدها مجددًا، وأمسكت بقميصه عند صدره، وقالت وهي تنظر مباشرةً إلى عينيه:
- ودلوقتي الساتر سقط يا سليم؟
ابتسم سليم ابتسامة دافئة، ومال نحوها يلتقط شفتيها مجددًا في قبلة هادئة وعميقة هذه المرة؛ بددت كل شك، وأعلنت بداية مرحلة جديدة بينهما، لكن وفي ذروة تلك اللحظة انطلق صوت جهاز اللاسلكي الخاص بسليم من فوق الطاولة صدح منه صوتٍ مشوش ورسمي:
- النسر 1... النسر 1... القوة الرئيسية وصلت إلى محيط الكوخ. قدامك خمس دقائق للتسليم أو هنبدأ الاقتحام الشامل.
انقطعت القبلة، والتفت كلاهما نحو الجهاز، فتحولت ملامح سليم في لحظة من عاشقٍ ولهان إلى قائدٍ عسكري شرس.
