رواية نعيم الجهل الفصل الثاني 2 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل الثاني

شهيره:
ــ مالك كده؟ اهدي...مدام إنصاف لسه هنا... 

اقترب تليد منها قائلا:
ــ إنصاف نزلت من بدري...تعالى بقى...

ضحكت شهيره وهي تقترب منه أكثر ..
راحت أصابعها تعبث بطرف ياقة قميصه:
ــ عندي طلب صغير يا تليد...

تليد ابتسم لها قائلا:
ــ ولو كبير يا قلب تليد...تحت أمرك برضه...

شهيره رفعت عينيها إليه..وانخفض صوتها:
ــ عايزاك تخلصني من إنصاف...

تليد اختفت ابتسامته..ابتعد عنها خطوة:
ــ يعني إيه؟

شهيره:
ــ يعني نخلص منها ونرتاح..
عشان نعرف نشتغل من غير..
ما كل شوية تعمل لنا مشاكل..

تليد ظل ينظر إليها للحظات قبل أن يهز رأسه:
ــ شهيره... أنا مش هقتـ ــل تاني...

شهيره نظرت إليه للحظات...
ثم اقتربت منه وقالت ببرود:
ــ وأنا طلبت منك تقتــ ــلها؟

ثم ابتسمت واكتملت:
ــ لسه ما قلتلكش تعمل إيه...

وقبل أن يكمل أي منهما...
التفتت شهيره ناحية باب الغرفة...
كان هناك ظل صغير واقف في الممر...
ضيقت عينيها....ثم رأته...طفل صغير يقف...
في منتصف الممر...تجمد للحظة عندما...
التقت عيناه بعينيها....

اتجهت نحوه شهيره بخطوات سريعة..
وقبضت على ذراعه:
ــ إنت بتعمل إيه هنا؟

ارتبك عمار:
ــ أنـــا...

شهيره هزته بعنف وصرخت فيه:
ــ سمعت إيه؟ انطق!

عمار ينتفض بخوف :
ــ أنا......انا جعان....

شهيره نظرت إليه لحظة...ثم صفعته:
ــ كنت واقف تتصنت علينا وتقول لي جعان؟

بدأت دموع عمار تنهمر:
ــ والله ما سمعت حاجة...

شهيره قبضت على ذراعه وسحبته خلفها:
ــ طيب تعالى... أنا هشبعك....

ظل عمار يحاول مقاومتها وهو يبكي:
ــ سيبيني... أنا جعان....

لم ترد....

بعد دقائق، دوى صوت المياه في الحمام الصغير... 
الملحق بالدار..وقف عمار تحت الدش..يرتجف...
 كانت شهيره تراقبه بوجه خالي من أي تعاطف...

ثم أغلقت المياه..وأمسكته من ذراعه وأخرجته...
لم تمنحه حتى فرصة لالتقاط أنفاسه....

سحبته عبر الممرات التي نام فيها عشرات الأطفال.. خلف الأبواب...حتى وصلت إلى باب الدار الخارجي...

فتحته....

كان الليل باردا..والشارع المحيط بالمبنى.. 
خاليا إلا من بعض الأضواء البعيدة...

دفعته إلى الخارج قائله:
ــ خليك هنا بقى... لما تشبع....

رفع عمار عينيه إليها في خوف:
ــ ابله شهيره انا خايف ماتسبنيش هنا...

أغلقت الباب في وجهه...وقف عمار وحده...
كانت المياه لا تزال تتساقط من شعره وملابسه.. 
وجسده الصغير ينتفض من البرد...
رفع يده المرتجفة نحو الباب..لكنه لم يطرقه...
كان يعرف...أن الطرق هذه المرة قد يجعلها تغضب أكثر...

وفي الداخل..عادت شهيره إلى الممر...
 وكأن شيئا لم يحدث...

لكن تليد لم يتحرك من مكانه...
ظل ينظر إلى الباب للحظات قبل أن..
 يعيد عينيه إليها، وقد تبدلت ملامحه:
ــ ليه عمار؟ إنتي عايزة منه إيه؟

رفعت شهيره عينيها إليه:
ــ ولا حاجة....غلط وبيتعاقب...

تليد ينظر له بشك:
ــ شهيره...

ابتسمت ابتسامة باردة:
ــ قلت لك... ولا حاجة.....

لكن نظرتها لم تكن تقول ذلك....!

               ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                    «علي الجانب الآخر »

اتسعت عينا مريم بــ ــرعب، وصـــ ـرخت:
ــ بااااهر!!!

اندفعت نحوه بسرعة...
وخلفها كاهان وإلهام بقلق...
سقطت على ركبتيها بجواره..
رفعت رأسه على ساقها، ويديها ترتجف:
ــ باهر... فوق! باهر!

ربتت على وجهه بخفة، ثم بعــ ـنف:
ــ باهر... رد عليا! إنت عملت إيه؟

لم يتحرك...ولا حتى رمشة..
اقترب كاهان بسرعة، انحنى بجواره..
عينه تفحصه بقلق حاد:
ــ حد يطلب إسعاف بسرعه!

صوت الهمهمات بدأ يعلى...الفرح اتحول لفوضى...
وقفت إلهام مكانها..إيدها على قلبها..نظرتها متعلقة بابنها...

في اللحظة دي...كوب العصير اللي كان على الترابيزة 
بجوار باهر...وقع على الأرض...السائل انتشر ببطء...
لونه غامق... غريب...وعلى بعد خطوات...
كانت رباب واقفة....ثابتة...عينيها على باهر...
وابتسامة خفيفة جدا...كأنها عارفة حاجة محدش يعرفها؟

مر وقت قليل...

أبواب الطوارئ اتفتحت بعـــ ـنف..
والدكاترة دخلوا بـ باهر على نقالة بسرعة...
وقف الدكتور نائل قدام الغرفة، مانعهم:
ــ مش هينفع تدخلوا...استنوا هنا..سيبونا نشتغل..

ودخل وقفل الباب....

وقفت مريم مكانها...الدموع بتنزل بصمت
جسمها بيرتعش...سحبها كاهان لحضنه
صوته هادي لكنه متماسك:
ــ اهدي... أخوكي قوي، هيقوم... ويبقى كويس

مريم رفعت عينيها له بانكســـ ــار:
ــ كاهان... باهر بيمـــ ــوت قدامنا...
وإحنا واقفين! مش عارفين نساعده.. 

كاهان مسح دموعها بإيده:
ــ لا... مش هيمــ ــوت...
طول ما أنا موجود... مش هسمح بده..

لكن عينه اتحركت ناحية باب العمليات...
وتركيزه شد فجأة...

خرجت ممرضة بسرعة... في إيدها صينية أدوات وعلى القفاز الطبي في يدها ظهرت بقعة داكنة... مش شبه الـــ ــدم؟!

ثم ظهرت رباب وهي جاية عليهم...
أول ما لمحها كاهان، عينه اتغيرت...
من غير تفكير، اندفع ناحيتها..
مسك إيدها وسحبها وراه لحد ما خرجوا برا المستشفى...

حاولت تفلت، لكن قبضته كانت أقوى.
صـ ــرخت بانفعال:
ــ سيب إيدي يا كاهان! إنت بتعمل إيه؟!

فجأة... سابها بعــ ــنف.
جسمها ارتطم بالحيطة، شهقت بألم.
بصت له بصــ ــدمة:
ــ إنت اتجـــ ــننت؟!

في لحظة... كان قدامها.
قبض على ياقة هدومها
صوته خرج مخنوق بالغضب:
ــ انطقي... عملتي إيه في باهر؟!

رباب شهقت وهي تحاول تاخد نفسها:
ــ ماعملتش حاجة... سيبني!

كاهان قرب أكتر، عينه فيها نـــ ــار:
ــ وصل للحالة دي إزاي؟!
إيه اللي حطتيه له؟!

رباب رفعت عينيها له بثبات غريب:
ــ قولتلك... ماعملتش حاجة.

كاهان سكت لحظة... ثم سابها فجأة.
لكن صوته كان أخطـ ـــر من أي وقت:
ــ لو حاولتي تبخي سمــ ــك في أخويا...
أنا مش هرحمك...

رباب عدلت هدومها ببطء... 
عينيها عليه، وابتسامة خفيفة ظهرت...
قالت بهدوء مستفز:
ــ واضح إنك خايف عليه قوي...

ثم مالت نحوه، همست:
ــ ولا خايف من سمــ ـك... يطوله زي ما طال غيره؟

تجمد كاهان لحظة...
ثم قال بنبرة فيها صدمة وغضـــ ــب:
ــ مش قادر أصدق... إن كرهك عماكي للدرجة دي..
تيمور كان صاحبي... وأخويا..

رباب قاطعته بعــ ــنف، عينيها بتلمع:
ــ وأنا النهارده... هبقى مرات أخوك...
فاهم ده معناه إيه؟
إنك انتهيت يا كاهان...

كاهان ابتسم بسخرية فيها تحدي، وعينه ثابتة فيها:
ــ طول ما فيا نفس...مش هتوصلي للي إنتي عايزاه...
وجوازك من باهر... انسيه...لأنه مش هيتم...

سابها ولف، ورجع ناحية غرفة باهر....

وقفت رباب مكانها... تتابعه وهو بيبعد..
إيدها ارتفعت ببطء... ومسحت دمعة نزلت غصب عنها...
ثم همست لنفسها، بصوت مليان وجع ووعيد:
ــ الجواز هيتم...والليلة دي... 
انا مش هاخد منك حق تيمور مرة...
هاخده ألف مرة....

             «عنــــد غـــرفة بــــاهر »

خرج الدكتور نائل... ملامحه هادية
بس عينيه فيها حاجة مقلقة...
قرب منهم، بص لـ مريم الأول:
ــ اطمني... هو عدى مرحله الخطـ ــر دلوقتي...

انهارت مريم بدموع:    
ــ يعني هيبقى كويس؟

الدكتور نائل هز رأسه بهدوء:
ــ عنده ضعف في عضلة القلب... 
وده اللي سبب الانهيار...
بس الحمد لله قدرنا نسيطر على الحالة...

تنفس كاهان ببطء، لكنه فضل مركز في وش الدكتور:
ــ محتاجين نعمل إيه؟انا مستعد اسفره بره..

سكت نائل لحظة... كأنه بيفكر يقول ولا لأ؟
بعدين قال بهدوء محسوب:
ــ ما فيش داعي لسفره دلوقتي.... 
هنعمل له شوية تحاليل بس... 
نطمن على استقرار الحالة.

نظرة سريعة عدت في عينه... غامضة.
كاهان لمحها...ضيق عينه:
ــ تحاليل إيه بالظبط؟

ابتسم الدكتور ابتسامة خفيفة:
ــ روتين... مفيش حاجة تقلق...

وبعدين تحرك من قدامهم...

قالت مريم بصوت مرهق:
ــ أنا هخرج شوية... محتاجة أشم هوا...

هز كاهان رأسه بهدوء:
ــ طيب يا حبيبتي... وأنا هروح أطمن على ماما..

تحرك كل منهما في اتجاه مختلف...
خرجت مريم من باب المستشفى...
الهواء البارد خبط في وشها...
حاولت تاخد نفس عميق...
لفت حوالين نفسها، المكان كان شبه فاضي...
إضاءة خافتة... وسكون غريب....
خطت خطوتين لقدام...

وفجأة-
يد قوية اتسحبت من وراها...
اتطبقت على فمها بإحكام...
اتسعت عينيها بــ ــرعب...
حاولت تصـــ ــرخ...
لكن الصوت اتخنق جواها؟!

             ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                   « فيــلا معتـــز الجمـــال»

جلس معتز خلف مكتبه...
عينه على الأوراق أمامه، هدوءه بارد كعادته...
دخـــل كـــريم الغـــرفة...

رفع معتز نظره له لحظة..
ثم عاد يركز في الأوراق، وقال بهدوء:
ــ جبت الميكروفيلم من الصحفية؟

كريم ما ردش فورا...
كان باين عليه التوتر، يمسح جبينه..
وعقله مشغول بصورة الجثـــ ــة اللي وقعت قدامه...

لاحظه معتز، فقفل الملف ببطء:
ــ مالك؟ مش على بعضك ليه؟
سألتك... عملت إيه مع الصحفية؟

بلع كريم ريقه بصعوبة:
ــ مــ ـــاتت.....

سكت معتز لحظة:
ــ مــ ـــاتت؟ مين اللي مــ ــاتت؟

كريم قال بصوت مهزوز :
ــ الصحفية... مـــ ــاتت....

اتبدلت ملامح معتز للقلق:
ــ والميكروفيلم؟ أخدته قبل ما تمـــ ــوت؟

هز كريم رأسه بسرعة:
ــ لااااا.....

تجمدت اللحظة....وفجأة... قام معتز..
ومسكه من ياقة قميصه بعـــ ـنف:
ــ فشل ورا فشل!
ولا حاجة طلبتها منك ونجحت فيها!

دفعه كريم خطوة للخلف، والغــ ــضب بان في صوته:
ــ أنا بحاول أعمل كل حاجة عشان أرضيك...
بس إنت طول عمرك مش شايفني غير فاشل!

صــــ ــرخ معتز:
ــ اخرس!
ثم اقترب منه بحدة:
ــ مــ ـــاتت إزاي؟

بلع كريم صمته، ثم قال:
ــ كنت بحاول أخد الصور منها...
هي رفضت تقول مكان الميكروفيلم...
وحصلت مشاجرة... ووقعت....

اشتدت نظرة معتز:
ــ يعني قتلــ ــتها قبل ما تجيب اللي إحنا عايزينه؟

دافع كريم بسرعة:
ــ ماكانش قصدي أقتــ ــلها... كانت حــ ــادثة...

ضحك معتز بسخرية باردة:
ــ حــــ ـادثة؟
نظفت وراك ولا عكيتها وجيت لي؟

هز كريم رأسه بسرعة:
ــ لا... أنا نظفت كل حاجة...مفيش أي دليل..…

سكت معتز لحظة...
نظرة طويلة باردة ثبتت عليه...
ثم قال بصوت منخفض أخطـ ــر من الصــ ــراخ:
ــ ما كانش لازم أعتمد عليك من البداية...
لو ظهرت أي مشكلة في الموضوع ده... 
هتتحاسب عليها لوحدك....

              ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

      «في أحد المستشفيات الحكوميه»

كانت امرأة في منتصف الأربعين...
تصـــ ــرخ بحرقة في أرجاء المكان:
ــ فين بنت أخويا؟! وديتوها فين؟!

حاول الدكتور تهدئتها...لكن صــ ــراخها...
 كان بيزيد والممرضين واقفين في صمت متوتر...

جلنار...اقتربت منهم وهي تبكي بانهيار:
ــ فين قدر؟! قتــــ ــــلتوها؟!

تنهد الدكتور محاولا السيطرة على الموقف:
ــ يا مدام اهدي... بنت أخوكي جات المستشفى..
 في حالة خطيــ ــرة جدا بسبب نـــ ــزيف حاد...
إحنا قدرنا نوقف النـــ ـــزيف..وحطيناها في العناية المركزة... لكن؟!!

توقف لحظة.
جلنار...اتسعت عينا...ثم انهارت على الأرض:
ــ مـــ ـــاتت؟...

رفعت رأسها وهي تبكي بحرقة:
ــ لو مـــ ــاتت... ادوني جثتــ ــها... 
أدفنــ ــها جنب أمها وأبوها...
وأقول له يا أخويا... أنا آسفة...
مقدرتش أحافظ على الأمانة....

انحنى الدكتور بجوارها بصوت هادئ:
ــ صدقيني... لحد دلوقتي محدش يقدر يقول..
مــ ـــاتت أو عايشة...
هي اختفت من غرفة العناية...

جلنار...تجمدت ملامحها:
ــ يعني إيه اختفت؟ راحت فين؟!

الدكتور:
ــ احنا بلغنا الشرطه... وهيحققوا في الموضوع...
بس لو سمحتي... اهدي.. احنا ؟؟!

وقبل ما يكمل الدكتور كلامه...
اتفتح باب الطوارئ فجأة...
ممرضة دخلت مسرعة، وشها شاحب..
وفي إيدها ملف تقارير...
وقفت لحظة، وبصت للدكتور بقلق:
ــ دكتور... في حاجة غريبة حصلت في..
 تسجيلات الكاميرات؟!

                           ******

وهنا يصبح الغموض لغة الجميع…
لا تثق ببراءة أحد فكل ابتسامة قد تخفي جــ ــريمة.. 
وكل نجاة مؤقتة قد تكون بداية السقوط؟!


تعليقات