رواية نعيم الجهل الفصل الثالث 3 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل الثالث

في مكان معزول...داخل غرفة تشبه العنــ ـاية المركزة...
كانت ترقد جسدا ساكنا...وجهها مغطى بالشاش...
والأسلاك تحيط بها من كل اتجاه...
الهدوء ثقيل...لا يقطعه سوى صوت الأجهزة...
التي تعلن أن الحياة... ما زالت عالقة بداخلها.....

وقف كاهان أمامها...عيناه ثابتة على وجهها...
لا يظهر منه سوى عينيها المغلقتين...
قال بهدوء قــ ــاتل:
ــ هتعيش؟

رد الطبيب بواقعية باردة:
ــ لو هنتكلم بالطب...
نسبة فقدانها أكبر من نجاتها....

صمت كاهان لحظة...
ثم قال بصوت منخفض.. كأنه يحدث نفسه:
ــ هي الوحيدة... اللي تقدر تنهي معتز الجمال....

رفع الطبيب نظره له:
ــ بتقول حاجة؟

كاهان رد بدون ان ينظر له:
ــ اعمل كل اللي تقدر عليه... عشان تعيش...

الطبيب استدار... وخرج...

كان كايا... واقف قدام الغرفة... نظر له:
ــ هتستفاد إيه من اللي بتعمله ده؟
لو فاكر إنك تقدر على معتز الجمال... تبقى غلطان...

وقف كاهان قدامه بثبات:
ــ اللي فاكر نفسه دايما في القمة...
بيسقط من غير ما يحس....

قال كايا بقلق:
ــ إنت فاهم إنت داخل على إيه؟
دي حــ ــرب...

ابتسم كاهان ابتسامة خفيفة...
لكن عينه كانت مليانة تحدي:
ــ أنا اللي بدأت الحــ ــرب...
وأنا اللي هنهيها.....

انفعل كايا:
ــ مش هتنهي غير نفسك!
الحرب دي غير متكافئة... يعني خسارتك محسومة..
معتز الجمال بفلوسه وسلطته هو الأقوى...افهم بقي!

سكت كاهان لحظة...ثم قرب منه خطوة...
وقال بهدوء أخطــ ــر من أي تهــ ــديد:
ــ اللي فاكر إن الفلوس والسلطة قوة... 
عمره ما فهم يعني إيه قوة...افهم انت ده كويس...

سكت للحظة.. ثم سأل بجدية:
ــ تسجيلات كاميرات المستشفى؟

أجابته كايا بهدوء.. وكأن الأمر لم يكن يستحق القلق:
ــ ما تقلقش... مسحت كل التسجيلات اللي كانت في المستشفى..

ألقى كاهان نظرة أخيرة على قدر...
توقفت عيناه عندها لثواني.. ثم أبعد نظره بهدوء..
استدار دون أن ينطق بكلمة.. واتجه إلى الخارج..

            «داخــــل الغـــــرفة»

ظلام...سكون تام...كأن الزمن نفسه وقف....
لا صوت... لا إحساس... لا شيء...

ثم...
نور خافت بدأ يظهر من بعيد....
خطوة...وخطوة تانية...
كانت قدر تمشي... تايهة.. مش فاهمة هي فين....
نظرت حواليها... الفراغ ممتد بلا نهاية....

وفجأة!
ظهر قدامها.....رجل؟
واقف بهدوء... نفس الملامح اللي محفورة في قلبها..
اتسعت عينيها... وصوتها خرج مهزوز:
ــ بابا...؟

ابتسم لها بحنان... نفس الابتسامة اللي كانت...
 بتطمنها زمان....مد إيده ناحيتها....

ترددت لحظة... ثم جريت عليه.. حضنته بقوة:
ــ أنا تعبت... مش قادرة...

ربت على رأسها بحنان:
ــ لا يا قدر... إنتي أقوى من كده....

رفعت عينيها له بدموع:
ــ أنا لوحدي...

هز رأسه بهدوء:
ــ عمرك ما كنتي لوحدك....

سكت لحظة... ثم قال بصوت أعمق:
ــ لسه طريقك ما خلصش...
ولسه في حق لازم يرجع.....

اتجمدت ملامحها....

همس لها:
ــ إوعي تسيبي حقك... ولا حقي...
بدأ النور حوالينه يشتد...وإيده بدأت تبعد عنها...

صـــ ــرخت بخوف:
ــ لا! متسبنيش!

ابتسم... وقال آخر كلمة:
ــ عيشي... وارجعي خدي حقك!

واختفى!
ظلام مرة تانية...لكن فجأة!
صوت جهاز نبض...
بيب... بيب... بيب...
إصبعها اتحرك حركة خفيفة....
نفسها اتقطع... ثم رجع ببطء.....
رموشها اهتزت...وببطء شديد...فتحت عينيها...
دموعها انسابت بصمت ثقيل...
ووجه أبيها لم يختفي بعد....
تحركت شفتاها بالكاد.. وهمست:
ــ هعيش... عشانك... وهجيب حقك!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

           «امـــــــام المستشفـــــى »

تجمدت مريم مكانها...يد اتطبقت على فمها...
أنفاسها تسارعت...رفعت إيدها ببطء...
لمست الإيد اللي ماسكاها...
ترددت... ثم همست بخوف:
ــ إنت مين؟

اليد ابتعدت فجأة:
ــ أنا حمزه... متخافيش....

مريم لفت بسرعة.. بصت له بحدة
ثم ضــ ـــربته بخفة على كتفه:
ــ حرام عليك! قلبي وقع... مش هتبطل حركاتك دي؟

حمزه ابتسم بخفة:
ــ آسف... بس إنتي عارفة.. لازم آخد احتياطاتي...
أخوكي لو عرف إني قابلتك... هيبعتني للاخره بالبريد المستعجل...

تنهدت مريم:
ــ والله إنت اللي هتبعتني...
بس أعمل إيه؟ متورطة فيك...
ومفيش غيرك أقدر أثق فيه دلوقتي...

حمزه سأل بجدية:
ــ طمنيني... باهر عامل إيه؟

مريم:
ــ الحمد لله... الدكتور طمنا...
سكتت لحظة... ثم قالت بنبرة أخطــ ـــر:
ــ قل لي... جهزت اللي طلبته منك؟

تردد حمزه:
ــ جهزت كل حاجة...
بس إنتي متأكدة من اللي ناوية تعمليه ده؟

مريم رفعت عينيها له بثبات:
ــ لو مش عايز تيجي... مش هجبرك...

حمزه قاطعها بسرعة:
ــ مريم...أنا خايف عليكي...
اللي إحنا داخلين عليه ده... فيه مساءلة قانونية!
إحنا رايحين نفتح قبــ ـــر... من غير إذن نيابة!

مريم صمتت لحظة... 
ثم قالت بصوت منخفض لكنه حاسم:
ــ لازم أتأكد...
اللي في القبر ده... آدم ولا لأ...

حمزه بقلق :
ــ مريم...

مريم قاطعته، عينيها بتلمع بألم:
ــ أنا مش هرتاح غير لما أشوف بعيني...

سكت حمزه لحظة...ثم قال بهدوء:
ــ أنا عارف كنتي بتحبيه قد إيه...
وأنا كمان... كان زي أخويا...

رفع عينه لها بثبات:
ــ عشان كده... أنا معاكي....
لحد ما نعرف الحقيقة....

«فــــي نفس اللحظـــه »
من بعيد...
واقف في ظل عربيته...
شخص كان بيراقبهم..
عينه ثابتة عليهم... من غير ما يتحرك!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                 «بعـــــد مـــــرور شهـــــر»

في منزل كاهان..كان يبحث عن مفتاح سيارته..
بعينين ضيقتين..يقلب بعض الأشياء أمامه بضيق..

وقفت إلهام خلفه..
ترفع المفتاح بين أصابعها قائلة بهدوء:
ــ المفتاح....

التفت إليها كاهان..أخذ المفتاح من يدها..
دون أن ينطق بكلمة..ثم استدار ليغادر...

تنهدت إلهام وهي تراقبه:
ــ يا ابني..إنت هتفضل زعلان مني كده كتير؟ 
بقالك شهر...من يوم جواز أخوك...
وإنت رافض حتى تتكلم معايا...

توقف كاهان..لكنه لم يلتفت إليها:
ــ أنا قولتلك رباب مش مناسبة لباهر... 
وانتي من غير حتى ما تفكري في كلامي..
روحتي جوزتيهم من ورايا...

ردت إلهام بهدوء:
ــ أخوك كان متمسك بيها..
وإنت عارف إنه تعبان... كنت عايزني أعمل إيه؟

استدار إليها كاهان، ونظر لها بحدة:
ــ كنت عايزك تفكري في كلامي..
اتأكدي إن رباب هتتعبه أكتر...

لم يتغير شيء في ملامح إلهام..فقط قالت ببرود:
ــ رباب بتحبه يا كاهان...وإنت بنفسك عارف إن باهر عمره 
ما كان هيسمع كلامنا ويبعد عنها..

كاهان ضحك بسخرية وهو يضع المفتاح في جيبه:
ــ الحب مش مبرر إننا نسلم رقبتنا لحد مش مناسب لينا...

إلهام اقتربت منه قائلة بهدوء:
ــ وإنت حكمت عليها من إيه؟ 
إنت حتى مدتهاش فرصة...

كاهان:
ــ أنا شوفت كفاية...

الهام:
ــ شوفت إيه؟ وبعدين كل واحد حر في اختياراته..
يا كاهان... باهر اختار..وأنا مش هقف في طريقه...

نظر لها كاهان بحدة:
ــ انتي عارفة كويس إن الموضوع
مش بالبساطة دي...

ابتسمت إلهام بهدوء:
ــ بالعكس...بسيط جدا...أخوك عايز رباب...
ورباب وافقت عليه...يبقى يتجوزوا...

كاهان:
ــ وانتي فجأة بقيتي مؤمنة
إن كل واحد يعمل اللي هو عايزه؟

الهام رفعت حاجبها قائلة:
ــ لما يكون الموضوع جواز... آه...

اقترب منها كاهان:
ــ وأنا قولتلك إنها مش مناسبة...

الهام ردت دون اهتمام:
ــ وإنت قولت رأيك...وأنا سمعته...
بس في الآخر أنا أمه..وكنت شايفة إن ده الأفضل..

كاهان ضيق عينيه:
ــ الأفضل لمين؟

سكتت إلهام للحظة، ثم قالت ببرود:
ــ مش كل حاجة لازم تعرف سببها يا كاهان...

أنهت إلهام حديثها..ثم استدارت ودخلت...
غرفتها تاركة كاهان واقفا مكانه للحظات...

وما إن أغلقت الباب خلفها...
حتى خرجت مريم من غرفتها:
ــ كاهان...

التفت إليها بضيق..وقاطعها بانفعال:
ــ مريم...أجلي أي كلام دلوقتي...

مريم اقتربت منه خطوة:
ــ كاهان... أنا ماكنش قصدي...

كاهان استدار إليها بغضب:
ــ ماكنش قصدك إيه؟! إنك تضيعي مستقبلك وتتجاهلي كلامي..وتروحي تفتحي قبر آدم؟! 
انتي اتجننتي؟!

ارتبكت مريم.. ولم تجد ما تقوله!

تابع كاهان بعصبية:
ــ لو ضياء ماكانش اتدخل وخلص الموضوع...
كنتي هتبقي دلوقتي في السجن يا هانم!

رفعت مريم عينيها إليه.. وقالت بصوت خافت:
ــ أنا كنت عايزة أتأكد بنفسي...
كنت حاسة إن في حاجة غلط...

قال كاهان بصرامة..رافعا يده ليوقفها:
ــ ولا كلمة كمان يا مريم... الموضوع ده اتقفل..
ومش عايز أسمع فيه حرف تاني...

تجمدت مريم أمام نبرته..وظلت تنظر إليه بصمت وكأنها للمرة الأولى تستوعب حجم العواقب التي كان يمكن أن تواجهها.

أما كاهان.. فأدار وجهه عنها واتجه نحو الباب..
وكأنه حسم الأمر نهائيا...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                  «منــــزل قــــدر»

خرجت جلنار من المطبخ..تحمل كوبا في يدها..
 وما إن رفعت عينيها حتى تجمدت في مكانها..

كانت قدر تحاول النهوض من على الكرسي المتحرك..

وضعت كفيها على جانبي الكرسي..
وضغطت بكل قوتها.. فارتجفت ساقاها تحتها..

جلنار صرخت:
ــ قدر!

انتفضت قدر من صوتها.. لكنها لم تجب...

حاولت أن تستقيم أكثر..إلا أن الألم اشتد..
فانقبض وجهها وأغلقت عينيها للحظة...

أسرعت جلنار نحوها.. ومدت يدها لتسندها:
ــ استني... انتي بتعملي إيه؟!

أبعدت قدر يدها عنها بعناد:
ــ سيبيني يا عمتو...

قالت جلنار بخوف:
ــ هتقعي!

ردت قدر بتحدي:
ــ حتى لو وقعت... هقوم تاني...

نظرت إليها جلنار بقلق..
 ثم قالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة:
ــ الدكتور قال إنك لسه محتاجة وقت... 
ما تضغطيش على نفسك...

ضحكت قدر بسخرية.. وهي تحاول تثبيت قدميها:
ــ كلهم بيقولوا محتاجة وقت... 
كأن الوقت هو اللي هيرجعلي رجلي...

سكتت جلنار!
كانت تنظر إلى ساقيها المرتجفتين...
 ثم إلى وجه قدر الذي يحاول بكل قوته ألا يظهر ضعفه..

قالت قدر من بين أنفاسها المتقطعة:
ــ أنا مش هفضل كده...

جلنار بحنان:
ــ محدش قال إنك هتفضلي كده... 
أنا واثقة إنك هترجعي تقفي على رجلك تاني..

رفعت قدر عينيها إليها... وأضافت بإصرار:
ــ أنا لازم أمشي يا عمتو... لازم...

اقتربت جلنار منها أكثر... لكن هذه المرة لم تحاول.. 
إجبارها على الجلوس...فقط وقفت بجوارها..
 مستعدة للإمساك بها إن سقطت...

وبعد لحظات من الصمت..
 نجحت قدر في أخذ خطوة صغيرة...
ثم ثانية...لكن ساقيها خانتاها فجأة...

أمسكت بها جلنار قبل أن تسقط.. وضمتها إليها...
دفنت قدر وجهها في كتف عمتها للحظات..
 وهي تحاول كتم شهقة الألم...

همست جلنار:
ــ واحدة واحدة يا قدر... مش لازم تثبتي حاجة لحد!

رفعت قدر وجهها ببطء.. وعيناها تلمعان بالدموع:
ــ أنا مش بثبت لحد...

سكتت للحظة... ثم قالت بصوت مرتجف لكنه حاسم:
ــ أنا بثبت لنفسي... إني لسه عايشة..
وإني أقدر أقف على رجلي تاني...

ظلت جلنار تحتضن قدر.. تحاول تهدئة أنفاسها..

وفجأة...طرق الباب!

رفعت جلنار رأسها.. وتبادلت نظرة سريعة مع قدر..
ابتعدت عنها واتجهت نحو الباب بخطوات مترددة.. ثم مدت يدها إلى المقبض وفتحته...

لكن ما إن رفعت عينيها إلى الواقف أمامها...
حتى تجمدت ملامحها.. واتسعت عيناها بصدمة:
ــ إنت...!

قال بهدوء:
ـ أيوه... أنا...

                        *********

ليس كل مـــ ــوت نهاية...
فبعض الأرواح تــ ـدفن لتعود...
محملة بجــ ـراح لا تلتئم...وقسم لا يكســ ــر...
لتجعل من عودتها بداية لعقـــ ـــاب لا يرحم أحدا...!


تعليقات