رواية لولا الغرام الفصل الواحد والثلاثون
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«هل عشتَ يوماً ذلك الشعور، حينما تنساب الحياة بدقةٍ كعقارب الساعة؟ أيامٌ هادئة، وتفاصيلُ صغيرة مريحة، لا غيومٍ تعكر صفو سمائك، استقرارٌ دافئ يغريك بأن تغمض عينيك وتستسلم لسلامٍ ظننته أبدياً، حتى يُخيل إليك أن هذا السلام هو القانون الأزلي للحياة.
لكن الصدمة تباغتك في اللحظة التي تتجلى فيها الحقيقة، لحظةٌ خاطفة تدرك فيها أن ذلك السكون لم يكن أماناً قط، بل كان شركاً خفياً، والهدوء المرعب الذي يسبق العاصفة.»
بقلمي "روز أمين "
_______♕________
مرت الأشهر مسرعة، وبدأت ملامح العام الدراسي الأول تلملم أوراقها، معلنةً اقتراب إمتحانات نهاية العام ، في فناء الجامعة، كانت ندى تسير بجوار فريد، يرتشفان بهدوء زجاجتي من مشروب المياه الغازية "الكوكا كولا" في جولة هادئة وسط حشود الطلاب،كانت مشاعرهما قد استقرت أخيراً بعد زيارته القريبة لمنزل عائلتها، حيث بارك الجميع خطوتهما، واتفقوا على أن يجمعهم حفل الخطوبة المنتظر مع بداية عطلة نهاية العام.
أدار فريد نظره بين زوايا الفناء المزدحم بالطلاب، ثم التفت نحو حبيبته، ثم سألها باهتمامٍ:
-هي دليلة فين؟!
ابتسمت ندى واحابته بدلال:
-في السايبر طبعاً، بتكلم حبيب القلب.
ثم أضافت مداعبة بابتسامة رائعة:
-ده مفيش يوم تقدر تفوت كلامها معاه.
بادلها الابتسامة، وتابعا سيرهما، وراحا يتبادلان أطراف الحديث فيما يخص قصة غرامهما.
على الجانب الآخر من الشارع، داخل السايبر المواجه لبوابة الجامعة، كانت دليلة تجلس أمام شاشة جهاز الكمبيوتر، منعزلة تماماً عن ضوضاء المكان ونقرات لوحات المفاتيح حولها، كانت كاميرا تطبيق ياهو ماسنجر "yahoo messenger" مفتوحة، تنقل لها تفاصيل مكتب أشرف.
الذي كان جالساً وراء مكتبه، وقد تحرر من جاكيت بدلته وعلقه على ظهر المقعد، مشمراً كمي قميصه مع فتح زريه العلويين ليخفف من وطأة ضغط العمل، ورغم انهماكه في الكتابة بين أوراقه، إلا أن عينيه كانت معلقةً بصورتها المستقرة أمامه عبر الجهاز.
في المقابل، كانت هي تتأمله بهيامٍ فاضت به نظراتها العاشقة، ساندة خدها بكفها، غارقة بتفاصيل ملامحه التي تعشقها.
انشغل لثوان ثم ترك الأوراق من يده فجأة، ونظر نحو الشاشة وراح يسألها:
- استقريتي على لون حيطان اوضة الأطفال ولا لسه يا حبيبتي؟
ابتسمت بدلال وقالت:
-أنا حابة أوي تكون باللون الموف.
اعتدلت في جلستها قليلاً، ثم نظرت إلى عينيه وسألته باهتمام بدا واضحاً في نبرتها:
-انتَ ايه رأيك؟
عاد يخط بالقلم على الورق، لكن تركيزه ظل معلقاً بنبرة صوتها، ليرفع رأسه مجدداً ويجيبها بابتسامة:
-اللي انتِ تختارية انا موافق عليه يا قلبي، أهم حاجة تكوني مبسوطة.
نظرت إلى عمق عينيه بنظرةٍ فاضت بغرامٍ لا تخطئه عين، وقالت بنبرة تقطرُ عشقًا:
-أنا مبسوطة لانك في حياتي يا أشرف.
اتسعت ابتسامته، وألقى بالقلم جانباً فوق كومة الأوراق، ثم شبك أصابعه سانداً تحت ذقنه، ونظر في عينيها وسألها بفضولٍ ممتع:
-بمناسبة أوضة الأطفال، مفكرتيش مرة في أساميهم؟!
داهمها خجل شديد، لكن حبها الكبير لعمتها جعلها تتغلب على ارتباكها، فقالت بصوت خفيض:
-أنا بحب اسم عمتو أوي.
واستجمعت حماسها وراحت تسألهُ:
-فـ ايه رأيك لو جبنا بنوتة، نسميها فاطمة، والدلع يبقى فيفي؟
وقع الكلمات وتلقائيتها في اختيار اسم والدته الغالية أحدث رجة في قلبه، نظر إليها بسعادة مباغتة، وأراد أن يتأكد من دوافعها فسألها:
-انتِ بجد عاوزة تسمي فاطمة؟، ولا بتقولي كدا علشان ترضيني؟
هتفت بحماس شديد، ولمعة الإصرار تملأ عينيها:
-لا طبعاً، أنا اه بحب ارضيك، بس انا فعلاً بحب اسم عمتو جداً، وان شاء الله هنسمي أول بنوتة بيه.
كانت سعادته بها في تلك اللحظة تتجاوز جميع الحدود، فشعوره بالحب نحوها يزداد عمقاً مع كل إشراقة يوم جديد، وما كان يأسر قلبه حقاً، هو ذكاؤها العاطفي الآسر، وسعيها العفوي الدائم لإرضائه بشتى الطرق، وكأنها تقرأ تفاصيل روحه دون عناء.
نظر إليها بعينين يشع منهما الدفء،وسألها:
-طب ايه رأيك نسمي الولد "علي"؟
هتفت بخماسٍ هائل وهي تصفق بكفيها كالأطفال:
-حلو اوي يا اشرف، انتَ عارف انا بحب ابيه علي قد إيه، وطول عمري وانا بعتبره أخويا الكبير.
ثم استكملت بنبرة صدق نابعة من أعماقها:
-واكيد هكون سعيدة لما ابني يكون على اسمه.
اتسعت ابتسامته لردها، لكن دقات مفاجئة على باب مكتبه جعلته يتحرك بسرعة ليغلق الكاميرا مكتفياً ببقاء الصوت، ثم سمح بالدخول للموظف الذي أطل برأسه قائلاً:
-المدير عاوز حضرتك حالاً يا استاذ اشرف.
أجابه بهدوء:
-حاضر، جاي حالا.
ما إن أغلق الموظف الباب وخرج، حتى أعاد أشرف تشغيل الكاميرا مجدداً، ونظر إليها قائلاً باقتضاب:
-انا هقفل يا حبيبتي، وهكلمك بالليل.
ترددت قليلاً، قبل أن تقول باستحياء:
- بلاش بالليل يا اشرف، عندي مذاكرة كتير ومحتاجة اركز علشان الامتحانات قربت.
فبرغم عشقها الجارف لذلك الذي استحوذ على قلبها، والذي يستأثر بجزء كبير من تفكيرها، إلا أنها لم تفرط يوماً في دراستها، إذ كانت تبذل قصارى جهدها وتواصل الليل بالنهار في المذاكرة، مدفوعة بتشجيع والدها المستمر لتحقيق حلمهما المشترك في أن تصبح معيدة بالجامعة.
تفهم موقفها ووافقها على الفور، فبرغم رغبته في الحديث معها، إلا أنه كان يدفعها دائماً ويشجيعها على السعي والتركيز للوصول إلى هدفها الطموح.
_______♕________
كانت بسمة في طريق عودتها من الجامعة، تستند برأسها المجهد إلى نافذة سيارة النقل الجماعي"الميكروباص"،الذي كان يزحف ببطءٍ شديد جراء الاختناق المروري، راحت تتطلع بملل إلى زحام الشوارع من خلف زجاج السيارة،تطلعت على يمينها فاستوقفت عينيها واجهة مضيئة وشفافة لمقهى معروف، كان الزجاج يكشف تفاصيل الجالسين في الداخل تماماً.
في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروقها وشُلت حركتها وهي تلمح" هشام"جالساً هناك، لم يكن بمفرده، بل كانت تجلس أمامه فتاة رائعة الجمال ترتدي كنزة بحمالات رفيعة، ورافعةً شعرها بعفوية على شكل كعكة، بديا غارقين في حديثٍ حميمي يعكس انسجاماً وتناغماً تاماً لم تخطئه عيناها المصدومتان.
لم تمنح نفسها فرصة للتفكير، بل اندفعت تصرخ بنبرة لاهثة يمزقها الذعر والاضطراب:
-نزلني على جنب يا اسطى لو سمحت.
نزلت بسرعة وتوجهت صوب المقهى، وقفت أمام الزجاج مباشرة، تراقب المشهد بأنفاس متلاحقة، كان هشام يتحدث بتأثر شديد، ولم تمضِ لحظات حتى بدأت الفتاة تبكي.
هنا، امتدت يده لتدثر كف الفتاة باحتواء دافئ، هامساً بكلمات لم تصل إلى مسامع "بسمة" بالتأكيد، لكن أثرها ظهر في ابتسامة الفتاة وسط دموعها، أخرج من جيبه محرمة ورقية وقدمها لها، فتناولتها وراحت تمسح عبراتها بامتنان.
كل هذا دار أمام عيني تلك التي بدأت تنهار، بينما تسلل الرعب إلى أعماق قلبها، بلعت ريقها بصعوبة، وأخرجت هاتفها بحركات مرتعشة لتطلب رقمه عله يفسر لها، رأت"هشام" يشعر باهتزاز هاتفه ، أخرجه من جيب سترته ونظر إلى الشاشة التي أضاءت باسمها، لكنه، وبكل برود، رفض استقبال المكالمة.
تلقت الصدمة كصفعة قوية، لم تصدق، فأعادت الاتصال لترى ردة فعله تلك المرة، تنهد هشام بضيق ونظر إلى الهاتف مجدداً، التفتت إليه الفتاة متسائلة، فأجابها، ثم أشارت بسبابتها نحو الهاتف كأنها تحثه على الرد، لكنه هز رأسه برفض قاطع.
في تلك اللحظة، شعرت بسمة أن الأرض تميد بها، وأن قدميها عاجزتان عن حملها، هزت رأسها بذهول وإنكار، ثم ركضت نحو الطريق لتشير إلى أول سيارة أجرة "تاكسي"، ارتمت في المقعد الخلفي، وانفجرت دموعها المحبوسة قهرًا.
تسارعت أنفاسها وضاقت الدنيا في عينيها وهي تواجه الحقيقة المُرة في حوارٍ نفسي:
-لماذا؟إن كان قلبه ملكاً لأخرى، فلماذا طرق بابي؟ لماذا جاء لخطبتي من الأساس؟!
لماذا أقحمني في حياته؟.
شعرت بغصة تقهر كبرياءها، فهي لم تسعَ يوماً إليه، ولم تلقِ بنفسها في طريقه ليرد لها الأمر بهذا الخذلان، أحست بمهانة الخديعة تنهش روحها، وتساءلت بمرارة تفوق الاحتمال:
- أنا لم أطلب منه شيئاً، هو من جاء باختياره ليرتبط بي، فلماذا ينسج حولي كل هذه الشباك من الزيف؟ كيف هان عليه أن يخدعني ويوهمني بعشقٍ لم يعرف قلبه يوماً؟
فجأة، اهتز هاتفها معلناً اتصالاً منه، رفضت الرد في البداية، لكن كبرياءها دفعها للحسم في اللحظة الأخيرة، فتحت الخط، وقالت بنبرة جامدة تخفي خلفها بركاناً:
-ألو.
جاءها صوته الحنون، ذلك الصوت الدافئ الذي طالما وثقت به وسلمت له مفاتيح قلبها، لكنه الآن بدا غريباً، محشواً بزيفٍ بات ظاهرًا لها:
-أنا آسف جداً يا حبيبتي، كنت في اجتماع مهم ومعرفتش ارد.
ابتسمت بسخرية لاذعة وسألته:
-اجتماع؟ اجتماع ايه ده يا هشام؟
أجابها بنبرة هادئة ومستقرة:
-اجتماع خاص بالشغل.
لم تتمكن من تمالك نفسها، فشهقت بدموع مكتومة، ليتغير صوته فجأة إلى اللهفة:
-مالك يا بسمة؟ انتِ كويسة؟
تلاشت آخر ذرات تماسكها، وانفجرت نبرتها المقهورة تفيض بمرارة الدموع والخذلان:
-انا شوفتك من شوية يا هشام، شوفتك وانتَ قاعد مع حبيبتك وماسك ايدها وبتواسيها.
اتسعت عيناه بدهشة خلف الهاتف، بينما تابعت هي دون أن تمنحه فرصة للمقاطعة:
-ولما رنيت عليك كان عندي امل، وقولت اشوف رد فعلك، واكيد هترد عليا وتفسر لي، بس للاسف، رد فعلك صدمني وخلاني اعرف قد ايه انا غبية ومضحوك عليا.
زفر بحدة وضيق، محاولاً تدارك الموقف، وقال بنبرة حازمة لكنها هادئة:
-طب ممكن تهدى وانا هشرح لك كل حاجة.
لم تحتمل كلماته، فصرخت بألمٍ مزّق نياط قلبه وهي تقول:
-تشرح لي ايه يا حضرة الظابط؟ هو اللي انا شوفته بعيوني ده محتاج شرح؟!
ضاق صدره بذروة انفعالها، فصاح بنبرةٍ امتزجت فيها الحدة بالاستعطاف، محاولاً امتصاص ثورتها بكلماتٍ تحمل قسوة العتاب، ورقة التودد في آنٍ واحد:
-انت مبتسمعيش الكلام ليه يا بسمة؟ قولت لك اهدي وانا هقولك لك اللي حصل.
تمسكت بكبرياءها الجريح كمظلة تحتمي بها من الانهيار،مسحت دموعها بكفها بحزم، ثم نطق لسانها بكلماتٍ صارمة، وبنبرة قطعت كل خطوط العودة،قالت:
-خلاص يا حضرة الظابط، وقت الكلام عدى، انا هروح ألم لك شبكتك وكل حاجة جبتها لي من يوم ما خطبتني، وابعتهم لك.
ثم تابعت بسخرية لاذعة وتهكم مرير:
- أظن حبيبتك أولى بيهم!
أنهت جملتها النارية، وضغطت على زر إنهاء المكالمة لتغلق الخط في وجهه بحدة، في تلك الأثناء، كان "هشام" قد غادر المقهى ووقف على الرصيف الخارجي للمحل الذي شهد انكسارها، كاد جنونه ينفجر، ونظر إلى شاشة هاتفه المظلمة بسخط شديد، خرج صوته مسموعاً في الفراغ:
-ده انت يومك مش معدي النهاردة يا بسمة، بقى انا تقفلي في وشي التليفون؟ ماشي يا بسمة، ماشي.
أعاد طلب رقمها فوراً، لكنها أغلقت الخط في وجهه. كرر المحاولة مرة أخرى، فجاءه الرد بالرفض التلقائي. اختلط جنونه بالتوتر الشديد، وافترسته المخاوف عليها وعلى عنادها في آنٍ واحد.
قطع تخبطه خروج الفتاة من داخل المقهى بعد أن كانت في الحمام، اقتربت منه وهي تقول بنبرة هادئة:
- يلا بينا.
أجابها مقتضباً يحاول التظاهر بالهدوء:
- يلا.
تقدم العامل بسيارته التي أحضرها من مرآب المكان، استلم هشام عجلة القيادة، وصعدت الفتاة لتجاور مقعده، وبينما كانت ترتدي حزام الأمان، التفتت إليه قائلة بأسف:
-كنت اخدت تاكس وخلاص يا هشام، بدل ما انا تعباك معايا كدا.
انطلق بالسيارة وعيناه مصوبتان نحو الطريق بنظرات حادة، وجاء صوته جافاً وحاداً بشكل لم تعهده:
-مفيش تعب ولا حاجة يا نور.
رمقته باستغراب شديد من تبدل حاله المفاجئ، وسألته بتوجس:
-مالك يا هشام؟ فيه حاجة حصلت وانا جوة التواليت؟
أجابها دون أن يزيح بصره عن الطريق المزدحم أمامه:
-بسمة خطيبتي شافتنا واحنا مع بعض، وطبعا فهمت الموضوع غلط.
اتسعت عينا الفتاة بأسف وقالت فوراً:
-طب اديني رقم تليفونها وانا اكلمها وافهمها.
رد بحسم قاطع:
-مفيش داعي يا نور، انا هوصلك وهروح لها البيت.
تسلل شعور طاغٍ بالذنب إلى صدرها، فقالت بلوم ذاتي:
-ما انا قولت لك من الاول اخد تاكسي يا هشام.
تنهد مثقلاً بالهموم التي تجمعت فوق رأسه دفعة واحدة، وقال بنبرة لا تقبل الجدال:
-وانا قولت لك لا يمكن اسيبك تروحي لوحدك وانت متعرفيش الطُرق كويس.
ورغم صلابة ظاهره وغضبه من إغلاقها الهاتف في وجهه، إلا أن أعماقه كانت ترتجف خوفاً على تلك الحبيبة.
كان يعلم يقيناً كم أن مشاعرها رقيقة، وكم هي هشة أمام الصدمات، ويدرك تماماً أن حبها الكبير له هو الخنجر الذي يمزق أحشاءها الآن، وهذا الإدراك بالذات كان يضاعف عذابه.
_______♕________
ولجت من باب شقتها وجسدها يرتعش كأنها تقف في مهب ريح عاتية، أغلقت الباب خلفها واستندت إليه لثوانٍ، تلمست الطمأنينة حين لمحت البهو خاويًا، فاندفعت نحو غرفتها كمن يفر بجراحه قبل أن يلحظها أحد.
ما إن خطت عتبتها حتى تهاوت على ركبتيها وانفجرت في بكاء مرير، بكاء مكتوم غصت به حنجرتها.
حين جفت دموعها مؤقتاً، نهضت تفتش في المرآة عن بقايا ملامحها، بكت بانكسارٍ وراحت تتطلع على حالها، وهي تتذكر كيف كانت قبل أسابيع فقط، تقف أمام نفس المرآة والبهجة تغمر ملامحها، وهي تتخيل مستقبلهما معاً.
بكت بهوانٍ لكن عزة نفسها انتفضت بحدة، رفعت ذقنها بشموخ هائل، فالهوان لم يجد يوماً طريقاً لملامحها، وبقسوة ولدت من رحم الكبرياء،اتجهت بقوة لتقفت أمام خزانة ملابسها.
بأصابع تفقد القدرة على التمسك بأي شيء، مدت يدها إلى الرف العلوي وسحبت علبة قطيفة زرقاء، فتحتها، فبرقت لمعة الخاتم الذهبي تحت إضاءة الغرفة الخافتة، لتنعكس تلك اللمعة في عينيها الدامعتين كخناجر تطعن كبرياءها،كان قد أهداها اياه في ذكرى ميلادها.
نقلت بصرها ببطء إلى أصبعها، تسمرت عيناها عند خاتم الخطبة( الدبلة )، تذكرت فجأة تلك اللحظة، حين ألبسها إياه وعيناه تشعان بابتسامته الساحرة التي وثقت بها، تذكرت نبرة صوته وهو يقطع عهداً بأن يكملا الدرب معاً للأبد.
عاد المشهد أمامها كشريط سينمائي ليزيد من مرارة الحقيقة التي تراها بعينيها الآن.
شعرت بقهر يمزق أحشاءها، فانتزعته من بين أصبعها وألقته داخل العلبة بعنف، توالت الدموع ساخنة، تحرق وجنتيها وهي تجمع كل سوار وقِلادة أحضرها لها، وكل هدية حملت يوماً توقيع حبه المزيف.
كانت تلملم بقايا خيبتها، ومع كل قطعة تضعها داخل الأكياس، كانت تضع معها قطعةً من قلبها المكسور.
قطع عزلتها صوت والدتها القادم من ردهة البيت،بسرعة جففت دموعها، وفتحت الباب على عجل لتخرج إلى والدتها، وبملامح متحجرة ونبرة قاطعة كسيفٍ، سألتها بحدة:
-الشبكه بتاعه هشام فين يا ماما؟
وضعت سامية عليقة المفاتيح بمكانها، ثم تطلعت إلى ابنتها بملامح غمرتها الحيرة، وأجابتها بنبرة شاردة:
-في الدولاب بتاع ابوكِ ومقفول عليها بالمفتاح.
أشاحت بسمة بوجهها في كبرياء متصلب، وقالت:
-طب هاتيها.
التقطت الأم على الفور مغزى تلك النظرات المستعرة في عيني ابنتها وقرأت ما وراءها، وبرغم هذا سألتها بنبرةٍ هادئة، محاولةً زرع الطمأنينة وتبديد شكوكها قبل أن تتفاقم:
-هتحضري فرح حد من زمايلك ولا ايه؟
تمتمت بسمة بسخط لا يخلو من عزة نفسٍ بالغة، محاولة خنق غصتها المكتومة:
-عايزاها عشان ارجعها له.
ضربت الأم على صدرها بهلع، وقد تملكتها الريبة، وهتفت:
-ترجعيها له ده ايه، مالك يا بت، ومال عنيكِ محمرة كدا ليه؟!
أجابتها ببرود قاسٍ، وكبرياء يرفض الشفقة:
-انا فسخت خطوبتي من اللي اسمه هشام.
هوى الخبر على سامية كصاعقة زعزعت ثباتها، أمسكت بمعصم ابنتها بقوة واتجهت بها إلى داخل الغرفة، ثم أغلقت الباب خلفهما بعنف وكأنها تغلق الباب بوجه الكارثة.
وما إن التفتت ورأت الأكياس المكدسة فوق الفراش، حتى تلاشت الكلمات من جوفها وهتفت بذهول ممتزج بالصدمة:
-ده انت بتتكلمي بجد بقى.
ارتسمت معالم الغضب على محيا بسمة، وهتفت بنبرة حادة:
-وهو الكلام ده فيه هزار يا ماما؟
تبددت صرامة الأم أمام غليان مشاعر ابنتها، فدنت منها بخطواتٍ راسخة، ووضعت كفها على عاتقها برأفةٍ بالغة، أرادت بلمستها تلك أن تخمد الحريق المستعر في صدرها، ثم بادرتها بسؤالٍ يقطر رفقاً:
-مالك بس يا بنتي، ايه اللي حصل لده كله؟
التقت عيناهما، فسقطت كل دروع الكبرياء، وبدون مقدمات، انهمرت دموع بسمة بغزارة، وقالت بصوت متهدج يملؤه الضعف:
-هشام بيخوني يا ماما.
خرجت شهقة مذهولة من جوف سامية لتخترق جدران الغرفة، لم تكن تدرى أن هناك من يتربص خلف الباب ليتسمع عليهما.
كانت "يمنى" قد دلفت إلى الشقة للتو، وجذبها صوت سامية المرتفع مع ابنتها، فتسللت بخطوات ثعلبية لتتسمع عليهما، ارتسمت على شفتيها ابتسامة تشفٍ وسخرية، وألصقت أذنها بالباب لتلتهم تفاصيل الحوار.
في الداخل، استسلمت بسمة لحضن والدتها، وبدأت تسرد لها تفاصيل الطعنة التي تلقتها حين رأت هشام مع فتاةً أخرى.
كانت الكلمات تخرج ممتزجة بالدموع والقهر، بينما كانت سامية تطوقها بذراعيها، تارة تهدهدها وتارة تمسح على رأسها لتخفف من عمق جرحها.
وعلى الجانب الآخر من الباب، كانت يمنى تعيش قمة نشوتها وشماتتها، منتشية بانكسار بسمة.
وسط نشيج بسمة المرير، ارتفع رنين هاتفها، نبشت في حقيبتها بآلية، وما إن وقع بصرها على الشاشة ورأت اسم "هشام"، حتى رمته على الفراش بنفور كمن يمسك جمرة نار.
تطلعت إليها والدتها وسألتها:
-ده هشام؟
نظرت إليها بعينين غارقتين بالدموع، وأومأت برأسها إيجاباً، اقتربت سامية منها، وتحدثت بنبرة عقلانية هادئة حاولت فيها تحكيم المنطق:
-ردي عليه واسمعي منه.
ثم أردفت مدافعة عن بصيص أمل:
-مش يمكن الحكاية مش زي ما انت فاهمة؟
كشف ثغر بسمة عن ابتسامة ساخرة ومريرة، وقالت متهكمة:
-بطلي طيبة بقى يا ماما، الحكاية ملهاش غير تفسير واحد، وهو ان البيه هلاس، وبيرافق بنات، ولما ملقاليش دخلة علشان انضم لـ ليستت حريمه، قالك ادخلها رسمي.
تنهدت سامية بقلة حيلة، ارتفع صوت رنين الهاتف من جديد، التقطته سامية من فوق الفراش، وضغطت زر الرد قائلة بنبرة ترحيبية:
-ايوا يا هشام يا ابني.
كان يقود سيارته متوجهاً إلى بيته لتبديل ثيابه قبل ان يذهب إلى الحبيبة، فداهمه الاستغراب من رد الأم،أجابها متسائلاً بنبرة مهذبة:
-ازي حضرتك يا ماما؟
ثم استطرد مستفهماً بنبرة يكتنفها القلق:
-هي بسمة فين؟
أجابته بذكاء إمرأة تريد اصلاح حياة ابنتها:
-هنا، وشكلها واخدة على خاطرها منك شوية.
لم يتردد هشام للحظة، بل قال على الفور:
-طب بعد اذن حضرتك، لو ينفع ازوركم الوقت علشان لازم اتكلم معاها.
تهللت أسارير سامية، وانعكست فرحة عارمة في نبرات صوتها وهي تجيبه:
-تنور يا حبيبي.
أخذت بسمة تشير بيدها لوالدتها برفض قاطع مستنكرة هذه المقابلة، لكن سامية تجاهلت إشارتها وأردفت مؤكدة:
-البيت بيتك وتنور في اي وقت.
ما إن أغلق الخط، حتى انتفضت بسمة بجنون، وهتفت بوجه والدتها بصوت هادر:
-ايه يا ماما اللي انت عملتيه ده؟
وتابعت وهي تلوح بيديها باعتراض صارخ:
-انا يا ستي مش عاوزة اشوف خلقته.
حاولت سامية تهدئة ثورتها العارمة، وضغطت عليها بحزم لترغمها على الاغتسال وتبديل ثيابها ،استعداداً لمواجهة لا مفر منها.
وما أن غادرت سامية الغرفة، حتى تفاجأت بوجود يمنى الجالسة باسترخاءٍ على الأريكة في بهو المنزل، تطلعت إليها بدهشة واستغراب، قبل أن تسألها:
-يمنى، انتِ هنا من امتى؟!
أجابتها ببرود وهي تتأمل أظافر يدها بنعومة مصطنعة:
-لسه داخلة، كريم نام وقالي صحيني على المغرب، وانا لقيت نفسي زهقانة قولت انزل اقعد معاكم.
هزت السيدة رأسها بلا مبالاة وتوجهت صوب المطبخ لإعداد واجب الضيافة لخطيب ابنتها، بينما غمرت يمنى سعادة عارمة وهي ترتشف نخب انتصارها الصغير.
بعد فترة وجيزة، وصل هشام، ألقى التحية على عبد الرحمن الذي كان قد استيقظ للتو من غفوته، ثم طلب منه بلطف أن يختلي ببسمة ليتحدثا، فوافق الأب.
دلفا إلى غرفة الاستقبال، وتعمدت سامية إلى مواربة الباب لتمنحهما بعض الخصوصية دون أن يشعر بهما أحد،وأشعلت التلفزيون وجعلت صوته عالي نسبيًا كي لا يتسرب صوتهما للجالسين.
جلس هشام على المقعد بهدوء وثبات، بينما ظلت هي واقفة، عاقدةً ذراعيها فوق صدرها بتشنجٍ بدا واضحًا، نظر إليها وقال بنبرة هادئة:
-مش هتقعدي؟
كان الغضب ينهش ملامحها، تهز جسدها بتوترٍ حاد ممتزجًا بعصبية مفرطة، لذا أجابته بحدة لا تقبل الجدال:
-مش هقعد، اتفضل قول الكلمتين اللي عندك خلينا نخلص.
ثم أردفت لتضع النقاط فوق الحروف:
-ولعلمك، انا دخلت معاك هنا علشان خاطر ماما بس، لكن لو عليا، مبقاش فيه بينا كلام.
رمقته بنظرة ساخرة وتابعت:
-انا أصلا حضرت لك الشبكة وجمعت كل الهداية وجهزتهم، علشان تاخدهم وانت ماشي.
كانت تتحدث بعصبية مفرطة، وجسدها يرتجف انفعالاً، على النقيض منه تماماً، فقد كان يجلس باستكانة وراحة وثقة استفزتها، وقال لها بنبرة حنون دافئة:
-طب اقعدي.
هتفت بسخط وعيناها تشتعلان شرراً:
-قولت لك مش قاعدة.
أكثر ما كان يمقت هشام في طباع البشر هو الصوت المرتفع والغباء، إلى جانب اتخاذ القرارات الرعناء دون الاستماع للطرف الآخر، وبرغم استيائه البالغ من اندفاعها، إلا أن حبه الجارف شفع لها في قلبه، فقال بصوت منخفض ورصين:
-اقعدي يا بنت الناس علشان اشرح لك الحكاية.
بلحظة جن جنونها، وفقدت السيطرة على أعصابها لتهتف بحدة مبالغ فيها:
-الحكاية واضحة زي الشمس يا حضرة الظابط.
عند هذه النقطة، نفد صبره من عنادها وغباء حكمها، فنظر إليها بسخرية متهكمة وسألها:
-طب ما تنوري المحكمة يا ميس.
رمقته بنظرةٍ اشتعلت بغضبٍ عارم،ثم قالت بنبرة جادة:
-مع اني بكرة اسلوب السخرية في النقاش، بس هجاوبك.
واستطردت بحدة مفرطة صبت فيها كل قهرها ومرارة خذلانها:
-الحكاية وما فيها ان سيادتك فرحان اوي بشبابك ووسامتك، والكام دبور اللي متعلقين على كتافك ومقويين قلبك.
وتابعت تتهكم بمرارةٍ لاذعة،والابتسامة الساخرة لا تفارق شفتيها المرتجفتين:
-وليك حق تتغر بيهم، مهي البدلة الميري ليها سحرها وبتشد البنات وتزغلل عنيهم بردوا يا باشا.
ثم أشارت بإصبعها نحوه، ونبضات قلبها تتسارع بعنف من فرط الغضب:
- الباشا عجبته البنت الثورجية اللي شافها في وسط المظاهرة، نوع جديد معداش على جنابه قبل كدا، فحب يضمها لحريمه.
رمقها بنظرةٍ امتلأت بالاشمئزاز، ثم لوى شفتيه وكرر الكلمة ذاتها بنفورٍ شديد:
-حريمه؟!
لكنها لم تتوقف، بل تابعت بسخرية لاذعة وهي ترمقه بنظراتها:
-بس فيه مشكلة، البنت الثورجية مش بتاعت صحوبية وخروجات وفسح وهدايا، للاسف، متربية.
ابتسم هشام بسخرية وأشار بيده مستهيناً بثورتها:
-كملي كملي.
تطلعت إليه بضيق واستفزاز شديد من بروده الحارق وأسلوبه، إذ كان يجلس واضعاً قدماً فوق أخرى، يستمع إليها بانسجام تام والابتسامة المريحة لا تفارق شفتيه، فهتفت بحدة:
- ليه، هو مش ده اللي حصل، مش لما معرفتش توصلي، جيت وطلبتني؟
تابعت تهكمها، وأشارت بيدها في الهواء وهي تستطرد بمرارة وغيرة مستعرة:
- اهو تقضي لك كام شهر حلوين وتسمع من الهبلة احلى كلام عن عشقها ليك، وغرامك اللي بقى بيجري في دمها، وبعد ما تزهق تتحجج بأي سبب وتفسخ الخطوبة.
ظل على ثباته المعهود، ونظر إليها بهدوء غريب ثم سألها براحة:
- خلصتي تحليلك العميق؟
زفرت بضيق، وعقدت ذراعيها فوق صدرها من جديد قائلة بنبرة تحدٍ:
-اه خلصت.
أخذ نفساً عميقاً يهدئ به روعه، ثم أشار بيده إلى المقعد المقابل له، وقال بصوت منخفض وآمن:
-اقعدي يا بسمة، اقعدي خلينا نعرف نتكلم.
ردت بحدة مفرطة حاولت بها تحصين نفسها:
-مبقاش فيه كلام يتقال بعد اللي شوفته بعنيا يا حضرة الظابط.
في تلك اللحظة، تبدلت ملامحه الصارمة، ونظر إليها بعيون مستعطفة، وهمس بصوت خفيض مترجٍ وهو يعيد إشارته للمقعد:
-علشان خاطري.
وبرغم الحزن الشديد الذي يعتصرها، والغيظ الذي يملأ جوفها منه، إلا أن قلبها الملعون كان لا يزال يقبع تحت تأثيره وسحره الطاغي.
نظرة واحدة من عينيه الحنون كانت كفيلة بأن تذيب جبال جليدها، لتتحرك منساقة خلف نداء قلبه وتنفذ طلبه.
تنفس الصعداء حين رآها تجلس أخيراً، مال بجسده إلى الأمام، وسند ذراعيه على فخذيه مشبكاً أصابعه ببعضها، ثم بدأ يروي الحقيقة قائلاً:
-البنت اللي شوفتيها معايا تبقى نور بنت عمي سليم اللي توفى بعد بابا الله يرحمه بكام شهر.
تنهد بعمق وأردف:
-اظن انا حكيت لك عنها قبل كدا.
كانت تستمع إليه وجسدها ما زال متشنجاً، والملامح العصبية ترتسم على وجهها، لكنها بدأت تركز في فحوى كلماته وهو يتابع:
- وزي ما انتِ عارفة، هي عايشة في اميركا مع جوزها وابنها اللي عمره أربع سنين.
تنهد مجدداً وقال بأسى بدا واضحاً في نبرته:
- وللآسف، حصلت مشكلة كبيرة بينهم وتفاصيلها متهمش حد غيرهم.
قال جملته الأخيرة بحزم ليقطع عليها طريق الفضول ويمنعها من السؤال عن تفاصيل تلك المشكلة، فهكذا هي شخصية هشام، يضع حدوداً صارمة لكل شيء في حياته، ثم أكمل بتأثر:
-ونور طلبت الطلاق، وخدت ابنها ونزلت مصر من كام يوم، جوزها كلمني وطلب مني اتوسط له عندها، وبما ان مرات عمي واخت نور مقوينها ومشجعينها على الطلاق، فعزمتها برة علشان اعرف اكلمها بعيد عن الضغط.
ثم أردف بابتسامة انفرجت لها أساريره:
-والحمد لله قدرت اقنعها وتقريبا المشكلة اتحلت.
وأنهى حديثه مؤكداً:
-وده كل اللي حصل.
شعرت بسمة بارتخاء مفاجئ في جسدها، وخفت حدة التشنج التي كانت تقيدها، لكن كبريائها وغيرة الأنثى دفعاها لتنظر إليه بحدة وشك قائلة:
-طب انا عاوزة اشوفها واتكلم معاها.
نظر إليها بدهشة عارمة، ولم يستوعب ما تطلبه، فاستطردت كأنها تفسر حيرته:
-علشان اتأكد انك بتقولي الحقيقة.
عند هذه النقطة، لم يعد بإمكانه كظم غيظه من تماديها، فهتف بحدة وعينين تلمعان بالوعيد:
-بسمة، احنا هنخيب ولا ايه؟
ثم تابع حديثه بنبرةٍ حادة وصارمة شحنت الأجواء من حولهما بطاقةٍ من التوتر:
-اظبطي كدا واعقلي الكلام قبل ما تطلعيه.
ارتجف داخلها من هيبته، وفي لحظة سكنت ثورتها تماماً وهدأ روعها، تحمحمت لتستجمع صوتها، وقالت بنبرة حنونة نادمة:
-آنا آسفة.
بمجرد أن اخترقت نبرتها العذبة مسامعه، ارتجف قلبه حباً، وتبدلت ملامحه القاسية إلى حنان دافئ، ونظر إليها بعيون يقفز منها العشق، كأنما تحول لشخص آخر في ثوانٍ، وقال:
- بحبك.
انتفض جسدها لتلك الكلمة، وتطلعت إليه بعيون يملؤها الهيام، فقال لها وعلامات السعادة ترتسم على وجهه:
- بتغيري على حبيبك يا بسوم؟
أجابت بكل ذرة في كيانها، وبصدق تغلغل في صوتها:
-بغير لدرجة الجنون، ومستعدة ارتكب جناية بسبب غيرتي عليك.
انتفض قلبه فرحاً وابتهاجاً بما سمع، ثم سألها بعتاب محب:
-واللي يغير على حد بجنون يقوم يتخلى عنه؟
ضحكت بخجل وقد توردت وجنتاها، وقالت:
- ما انا كنت عارفة انك هتتمسك بيا.
نظر إليها بعيون تقطر عشقاً وهياماً، وقال:
- ازاي اسيبك وانا روحي متعلقة فيكِ يا قلبي.
همست بنبرة عاشقة ذائبة:
-بحبك يا اتش.
قبض على قلبه يتظاهر بالتعب، وقال ضاحكاً:
- يا بنتي حرام عليك بقى، بحبك واتش في جملة واحدة.
ثم همس بصوت منخفض للغاية وهو يدنو للامام:
- كدا غلط على صحتي.
انفرجت شفتاها عن ابتسامةٍ غمرها خجلٌ شديد، بينما التمعت عيناها ببريقٍ آسر من البهجة، وكأن أسراباً من الفراشات الملونة قد انطلقت فجأة من أعماقهما لتطير من حولها.
_______♕________
بالخارج، كانت يمنى تجلس إلى جوار عبد الرحمن، بجسدٍ مضطرب فوق الأريكة كمن يجلس على جمر مستعر، حيث كان الفضول ينهش أحشاءها، كم كانت تتوق جاهدة لالتصاق اذنها بالباب كي تطلع على بقايا الخراب الدائر بالداخل،لولا وجود عبدالرحمن.
وما إن أبصرت سامية تتهادى خارجة من المطبخ، تحمل صينية الضيافة بثقل، حتى قفزت بخفة الأفاعي وهرعت نحوها قائلة بلهفة مصطنعة:
-عنك يا ماما، خليني انا ادخلهم العصير.
رمقتها سامية بنظرة متوجسة، وقالت بجفاف قاطع:
-خليكِ انت مرتاحة، انا هدخله.
لكن يمنى تمسكت بالصينية بإلحاح لزج وهي تهتف:
-لا والله ما يحصل، عاوزة حضرة الظابط يقول عليا ايه، قاعدة على الكنبة بتفرج على التلفزيون، وسيباك تشتغلي؟
كادت سامية أن تعترض، لولا صوت عبد الرحمن الذي هدر بضجر ونبرة حادة خرجت لتنهي هذا الصخب:
-خلاص يا ام كريم، اديها الصنية تدخلها، مش عارف اسمع البرنامج منكم.
تراجعت سامية على مضض، فاختطفت يمنى الصينية كمن حصل على جائزةٍ كبرى، دلفت إلى الغرفة وهي تصوب عينيها كالنصال لتتفحص وجهيهما.
ثوانٍ حتى تلقت صدمة حطمت كل آمالها، كانت الأجواء هادئة تماماً، وابتسامة العاشقين ترفرف على ثغريهما معلنةً عن تسامحهما وانتصار الحب .
قادت النيران في صدرها غلاً، فدنت من هشام وانحنت بخبث يقطر تملقاً وهي تمد الكأس:
-العصير يا هشام بيه.
التقط هشام كأسه برزانة وهدوء وهو يجيبها بهدوء:
- متشكر جداً.
ثم التفتت صوب بسمة التي هزت رأسها ببرود مانعة إياها:
- متشكرة يا يمنى، انا مش عاوزة.
وضعت يمنى الصينية جانباً، ولم تحتمل أن تخرج خاوية اليدين دون أن تنفث سمومها في تلك الأجواء المبهجة، أقحمت نفسها بسماحةٍ وتطفلٍ فج، والتفتت إليهما تسألهما بنبرةٍ حملت في طياتها الكثير من الخبث:
-طمنوني، اتصالحتوا؟
رفع هشام عينيه نحوها باستغراب شديد مستنكراً هذا التدخل الفج، لكنه التزم الصمت، مما شجعها على التمادي بتطفلٍ أشد:
- كله تمام يعني؟
لم تمنحها بسمة فرصة للتمادي، التفتت إليها بجفاء مستهدفةً إنهاء ذلك الحديث السمج، لذا أجابت باقتضاب:
- الحمدلله يا يمنى.
لكن الشياطين التي تسكن جوف يمنى لم تكن لترضخ بهذا الرد البارد، فما كانت لتغادر الغرفة قبل أن تحيل جنتهما إلى سعيراً مستعراً.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صفراء لاذعة، وصوبت نظراتها الماكرة نحو هشام مباشرة، وتحدثت بمزاحٍ سمج يحمل في طياته خبثًا هائلاً:
-ياريت بقى يا حضرة الظابط تعقل وتبطل شقاوة، حاكم بسمة شرانية وبتغير اوي.
وتحت ملامح هشام التي تيبست ذهولاً من وقاحتها، تابعت بوقاحة مفرطة:
-ويا سيدي، لو اتزنقت في خروجة مع واحدة، ابقى خدها في مكان متداري، بلاش الاماكن المكشوفة اوي دي.
تجمدت الدماء في عروق هشام، وأصابته الصدمة بشللٍ مؤقت ألجم لسانه لثوانٍ، قبل أن يتحول الذهول إلى بركان من الغضب يكاد ينفجر من عينيه، شعر باشمئزازٍ عارم يجتاح كرامته كضابط ورجل هُتكت أسراره، رمقها بنظرة محتقرة وهتف بصوتٍ هادر كالعاصفة:
-انتِ ايه اللي بتقوليه ده؟ وازاي تسمحي لنفسك تكلميني بالطريقة المنحطة دي؟!
أجابت مستنكرة بزيفٍ ومظلومية:
-الحق عليا الي بنصحك!
ثم مصمصت شفتيها بتهكمٍ وأردفت:
-قال خيرٍ تعمل.
هبت"بسمة" واقفة، وجسدها بأكمله ينتفض بامتزاحٍ مرير من الغضب والخجل القاتل، وصاحت وهي تشير نحو الباب:
-ممكن تسكتي وتطلعي برة.
تحرك من مقعده ببطء مخيف، والتفت نحو بسمة يرمقها بنظرات تقطر سخطاً، وهتف بصوت هادر جعل جدران الغرفة ترتجف:
-وتسكت ليه، مش انت اللي سمحتي لها وادتيها الفرصة لما روحتي حكيتي لها اسرارنا يا هانم؟!
كانت عيناه تقذفان شراراً حارقاً لو طالها لحولها إلى رمادًا في الحال، شعرت برعبٍ هائل من هيئته التي لم تعهدها من قبل، وتملكها إحراج قاتل أمام هذا الاتهام الظالم، راحت تهز رأسها بلهفة وجنون لتدفع التهمة عن نفسها وهي تبكي:
-والله ما قولت لها حاجة يا هشام.
تطلع إليها بنظرة واحدة محملة بالازدراء والخذلان، ولم ينتظر رداً، بل اندفع خارجاً كإعصار مدمر يقتلع كل ما يقابله في طريقه، ركضت خلفه لاهثة ودموعها تعمي عينيها وهي تقول:
-استنى يا هشام، ارجوك اسمعني.
في بهو المنزل، انتفض عبد الرحمن فزعاً حين رأى هشام يمرق كالبرق ووجهه محتقنًا بالدم البارد من شدة الغيظ،سأله مندهشًا:
- ايه اللي حصل يا ابني؟
وبرغم العاصفة التي تزلزل صدره، لجم غضبه احتراماً لشيبة ذلك الطيب، وأجابه بصوت متقطع جاهد ليخرج متزناً:
-بعد اذنك يا عمي، انا مضطر امشي، هبقى أكلم حضرتك بعدين.
خرج مسرعاً متجاوزاً نداءات سامية المفجوعة التي ركضت خلفه وهي تصيح بلهفة:
-استني يا هشام خلينا نتفاهم يا ابني.
لكنه انطلق كالسهم، واستقل سيارته ليقودها بسرعة جنونية .
التفتت سامية نحو ابنتها وراحت تهتف بنبرة لائمة ممتزجةً بالهلع:
-عملتي ايه للجدع يا بت؟
وجهت بسمة نظراتٍ محملة بكل غل الحاقدين نحو يمنى، فوجدتها ترتخي بجسدها على إطار الباب بكل برود وتبلد، فهتفت بسمة بصوت مختنقًا بالدموع:
-اسألي الهانم مرات ابنك، وشوفيها عرفت منين الكلام اللي دار بيني وبينك.
بلعت يمنى ريقها بصعوبة بعد أن حاصرتها الأنظار، وقالت بارتباك حاولت إخفاءه:
-تقصدي ايه بكلامك ده يا ست بسمة؟
هتفت بسمة بصراخ هستيري:
-اقصد انك واحدة صناتة وخرابة بيوت، مكفكيش انك وقفتي اتصنتي عليا انا وماما في اوضتي، كمان خربتي علاقتي بخطيبي، ربنا ينتقم منك يا يمنى، ربنا ينتقم منك.
وانفجرت في بكاء مرير هز كيانها.
استشاطت سامية غضباً من تلك الشيطانة التي تنفث سمومها في بيتها، وهتفت بها بعنفٍ:
-اطلعي يلا على شقتك، وكلامنا مع جوزك.
حين أدركت يمنى أن المحاكمة ستطال زوجها، حاولت الكذب والمراوغة بذعر:
-صدقيني يا طنط ما اتصنت، دي هي وخطيبها اللي كان صوتهم عالي وسمعتهم من مكاني.
عند هذا الحد، لم يعد بإمكان عبد الرحمن لجم غيظه، فتدخل بصوته الجهوري الحاد:
-اشمعنا انت اللي سمعتيهم، ما انا قاعد جنبك اهو، مسمعتش ليه؟!
تعثرت الكلمات في فمها وقالت بغباء:
- انت كنت مركز مع التلفزيون، علشان كدا مسمعتش.
أطلقت سامية صيحةً حارقة، تفجرت من أعماقها بمرارةٍ وقهرٍ يعتصران قلبها، وهي ترى بأم عينيها، كيف تحولت حياة ابنتها وفرحتها الغالية إلى حطامٍ وخراب،بسبب تلك الحرباء:
-انت كذابة يا يمنى، انا عليت صوت التلفزيون مخصوص علشان بسمة وهشام يتفاهموا مع بعض من غير ما حد يسمعهم.
فتحت يمنى فمها لترد، لكن حماها قاطعها بنبرة حاسمة كالسيف:
-اطلعي على شقتك.
رمقتهم بنظرة خبث ومظلومية زائفة وقالت:
-حاضر يا عمي، هسمع كلامك واطلع، ومتأكدة ان ربنا هيبرأني ومش هيرضى بظلمي أبداً.
تركتاهما بسمة وركضت نحو غرفتها، التقطت هاتفها بأنامل مرتعشة وحاولت الاتصال بهشام مراراً، لكنه كان يرفض المكالمات بنفور، حتى أغلق الهاتف تماماً لتنقطع مع أثيره أنفاسها.
سقط الهاتف من يدها، وانهارت فوق الفراش تجهش ببكاء هستيري وقاهر،وهي تشعر بظلم يفتت عظام صدرها.
بينما سامية فلم تنتظر، بل هاتفت "رشيد" وهو في عمله، وسردت له بدموع وهلع ما اقترفته زوجة أخيه، استمع لها، فاشتعل الغضب في أحشائه، لكنه جاهد لتهدئة والدته قائلاً:
- اهدي يا ماما وسبي لي الموضوع ده وانا هحله مع هشام.
سألته بلهفة مستجدية:
-طب هتكلمه امتى يا رشيد؟
أجابها بحزم :
-بالليل يا ماما، بعد ما اخلص شغل هكلمه، انا مستأذن عشر دقايق علشان أرد عليك.
وافقته وأكدت عليه ألا ينسى قبل أن تغلق الخط. أبعد رشيد الهاتف عن أذنه، وتطلع ببصره نحو الفراغ بعينين حادتين كالصقر، كور قبضته بقوة وعنف حتى ابيضت عروقه من فرط الغيظ والنقمة على تلك الشيطانة التي تسكن بيته وتؤرق استقرار عائلته.
أما هشام، فكان يقطع الشوارع بسيارته بسرعة جنونية، وعقله يكاد ينفجر، لم يكن قادراً على تقبل فكرة أن بسمة خرجت أسرارهما الدقيقة لزوجة أخيها وهما ما زالا على أعتاب البداية.
تساءل بنفور وقلق ينهش فؤاده:
-إن كانت تعجز عن حفظ غيبتي الآن، فماذا عساها أن تفعل بعد الزواج؟! كيف لي أن آمن لامرأة تملك لساناً لا يربطه سر؟
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«هل عشتَ يوماً ذلك الشعور، حينما تنساب الحياة بدقةٍ كعقارب الساعة؟ أيامٌ هادئة، وتفاصيلُ صغيرة مريحة، لا غيومٍ تعكر صفو سمائك، استقرارٌ دافئ يغريك بأن تغمض عينيك وتستسلم لسلامٍ ظننته أبدياً، حتى يُخيل إليك أن هذا السلام هو القانون الأزلي للحياة.
لكن الصدمة تباغتك في اللحظة التي تتجلى فيها الحقيقة، لحظةٌ خاطفة تدرك فيها أن ذلك السكون لم يكن أماناً قط، بل كان شركاً خفياً، والهدوء المرعب الذي يسبق العاصفة.»
"دليلة صادق بدران"
بقلمي "روز أمين "
_______♕________
صعدت درجات السلم بخطوات متسارعة، اندفعت داخل غرفة النوم كالعاصفة، تسمرت نظراتها المحملة بالغل على جسد زوجها المسترخي في فراشه بنوم عميق.
امتدت يدها تدفعه بعنف وقسوة، وهي تهتف بنبرة حادة يقطر منها الغضب:
- انت نايم وسايب مراتك تتهزق من اللي يسوى واللي ما يسواش؟.
انتفض من رقدته فزعاً، وفتح عينيه المجهدتين على وسعهما يطالع وجهها المحتقن، ليسألها بذهولٍ مستنكر:
- فيه ايه يا يمنى؟ حد يصحي حد كده؟!
ضغطت على أسنانها بغيظ، ونفثت كلماتها كفحيح الأفعى:
-ما انتَ لو تعرف اللي حصلي مش هتقول كده.
وعلى الفور، بدأت مسرحيتها الهزلية، ألقت بجسدها فوق طرف الفراش، وفي لمح البصر تبدلت ملامحها الشرسة إلى انكسار مصطنع.
اعتصرت جفنيها بقوة لتجبر دمعة يتيمة على الهبوط فوق وجنتها، وبدأت تتلوى وتنتحب بنبرة متباكية تثير الشفقة، انطلت الحيلة على كريم، فسألها بقلق وهو يقترب منها:
- ايه اللي حصل؟ فهميني.
شهقت شهقة متقطعة، وبلسان يقطر زيفاً وادعاءًا قالت:
- خطيب اختك بهدلني وغلط فيا يا كريم، واهلك بدل ما يقفوا معايا، بسمة طردتني من الأوضة قدامه.
ثم تابعت بشهقات مصطنعة خاوية من الدموع، منتهزة دهشته:
- وابوك وامك بهدلوني هما كمان، وطردوني من الشقة كلها.
صاحت فجأة وهي ترفع يديها في الهواء بحركات درامية مثيرة، تلعب فيها دور الضحية:
- كل ده ليه؟ علشان قلبي على اختك ووصيت خطيبها ميزعلهاش، الهانم قفشته مع واحدة، وجت لمت له الشبكة وكانت هتبعتهاله.
واسترسلت تبث سمومها، وتقص عليه تفاصيل ما جرى بعد أن غيرت الحقيقة وشكلتها بكذبها ومكرها، عقد كريم حاجبيه وسألها مستغربًا:
- وانتِ عرفتي الكلام ده كله منين؟!
نظرت إليه بملامح جادة وصارمة، قناع من الصدق المزيف جعل حصونه تنهار ويثق بكلماتها:
- كنت قاعدة انا وبباك وهما بيتخانقوا في اوضة الصالون، وسمعتهم.
ثم عادت لتسيل دموع التماسيح من جديد، وتابعت تضرب على وتر رجولته:
- انت لازم تجيب لي حقي يا كريم، انا مراتك، وكرامتي من كرامتك.
استمرت تنفث في عقله السموم، وتملأ رأسه بالتحريض والفتنة، متلاعبة بغيرته على كرامته أمام أهله، حتى نجحت في إشعال فتيل ثورته، استشاط غضباً، وعروق وجهه برزت بحدة. انتفض من فراشه كالملسوع وقال بهياج:
- هدخل اخد حمام وانزلهم.
تابعته عيناها ببريق انتصارٍ، وزفرت بحِدة وارتياح شديدين بعد أن رأت النيران تلتهم صدره تماماً كما خططت.
_______♕________
انتهى رشيد من عمله، لكن ضجيج أفكاره لم يهدأ بعد، التقط هاتفه وضغط على اسم شقيقته، وما هي إلا ثوانٍ حتى تهاوت كل حصونها، وانفجرت في بكاء مرير، قصت عليه تفاصيل ما جرى عبر شهقاتها ودموعها التي لم تتوقف حتى تلك اللحظة.
شعر بنارٍ تشتعل في صدره، وهاج بركان غضبه، أغلق الخط سريعاً، وأنفاسه تتلاحق، قرر أن يهاتف هشام أولاً، ليوضح له سوء التفاهم ، قبل أن يتفرغ تماماً لتلك الشيطانة القابعة في جوف بيتهم وتعيث فيه خراباً.
على الجانب الآخر، كان هشام يجلس في غرفته، هرباً من أن ينال والدته جزءًا من نوبة الغضب العارمة التي اجتاحت كيانه.
رن الهاتف، ليضيء شاشته باسم "رشيد"، رغم البركان المشتعل بداخله، ابتلع غصته وضغط زر الرد، محاولاً لجم نبرته وجعلها متماسكة قدر المستطاع:
- ايوا يا رشيد.
أتاه صوته مشحونًا بالترقب واللوم:
- ازيك يا هشام.
رد باقتضاب :
- الحمد لله.
لم يينتظر رشيد أن يطول صمته،بل وجه إليه سؤالاً بنبرة حازمة:
- ايه اللي انا سمعته من بسمة ده يا هشام؟ معقولة تشك انها تخرج اسراركم؟!
كز على أسنانه بغيظ، وخرجت كلماته مشحونة بالقهر:
- واللي حصل يا رشيد، تسميه ايه؟
تنهد رشيد بمرارة، وأخرج زفرة حادة كأنما يطرد بها بقايا خجله وقلة حيلته، ثم قال بأسف يملأ حنجرته:
- للاسف يا هشام، كريم اخويا بلانا بزوجة فيها داء التصنت.
ثم استرسل يقص عليه تفاصيل تلك الواقعة اللعينة التي وقفت فيها زوجة أخيه تسترق السمع خلف الأبواب لحديث والدته وبسمة.
ساد الصمت قليلاً، ليخرج هشام تنهيدة طويلة فرغ من خلالها كل الشكوك التي نهشت قلبه، وبدأت غيوم الظن تنقشع ليحل محلها ندم جارف.
نطق بنبرة أهدأ، لكنها لم تخلو من الحرج:
- انا آسف يا رشيد، سامحني في اللي مضطر اقوله، وجود واحدة بالاخلاق دي بينكم، غير انه ما يناسبش اخلاقكم ولا تربيتكم اللي أنا اعرفها، بس دي ممكن تسبب لكم كوارث.
ثم صمت للحظة، مستحضراً ملامح حبيبته الباكية في مخيلته، وتابع بغصة:
- واللي حصل بيني وبين بسمة اكبر مثال على كلامي.
زفر رشيد بحدة، وتوعدت عيناه بنظرة قاسية في الفراغ وهو يقول بجفاء:
- متقلقش، انا هقطع رجلها من شقتنا خالص.
صمت قليلاً، ثم تحولت نبرته إلى اهتمام وهو يسأله بجدية:
- ما قولتليش هتعمل ايه مع بسمة؟
تنهد وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره، ثم زفر وقال بعجز عاشق يخاف على حبيبته من ثورة غضبه:
- هكلمها بكرة، النهاردة انا متنرفز جداً واخاف تفلت مني كلمة كدا ولا كدا، فازعلها اكتر.
ابتسم الأخر ابتسامة ذات مغزى، وكأنه يقرأ ما يقبع بجدار قلبه ، وقال بمشاكسة:
- ده لو قدرت يا اتش.
ارتسمت ابتسامة دافئة رغماً عنه، وتحدى كبرياءه قائداً دفة مشاعره بصعوبة وهو يقول:
- يبقى ما تعرفنيش يا هندسة، انا واحد قلبه في ايده، يعني انا اللي بتحكم فيه مش العكس.
ضحك رشيد بخفة وقال:
- ماشي يا عم الجامد، تصبح على خير.
رد هشام بهدوء، وقد استكان قلبه أخيراً واطمأن نبضه، وخرجت كلماته محملة بالود:
- وانت من اهله يا حبيبي.
_______♕________
هبط كريم إلى شقة والده وكأن بركانًا يغلي في صدره، ولج الصالة وتلاشى جلوس أبيه وأمه، لم يكن ير أمامه سوى نيران غضبه، صرخ بصوت زلزل أركان المكان:
-بسمة، أنتِ يلي اسمك بسمة.
انتفض عبد الرحمن، ورمقه بنظرة حادة وهتف به مستنكرًا:
-مالك يلا داخل علينا زي الطور الهايج كده ليه، ومالك ومال أختك؟
هتف كريم والغضب يكسو وجهه بظلال قاتمة:
- الوقت هتعرف يا بابا.
نظر إليه والده باشمئزاز لم يحاول إخفاءه، ثم قال بنبرة جافة:
- على العموم كويس إنك نزلت، أنا كنت لسه هرن عليك.
خرجت بسمة من غرفتها، وكانت عيناها منتفختين من فرط البكاء، أنفها يكتسي بحمرة شديدة أثر الدموع ، نطقت بنبرة جادة:
- نعم.
رمقها باشمئزازٍ، ثم صاح بحدة وغضبٍ عارم:
- أنتِ يا بت إزاي تكلمي مراتي قدام الزفت خطيبك كده؟ والبيه اللي عاملي فيها ابن ناس ومحترم، إزاي يسمح لنفسه يتكلم كده مع مراتي؟!
كان من المعتاد أن تلتزم بسمة بالصمت أمام ثوراته احتراماً له، لكن هذه المرة كانت الرواية مختلفة، فقد كانت على وشك خسارة حبيب عمرها، لولا تدخل رشيد الذي طمأنها منذ قليل بأنه أنهى الأزمة معه، لهذا هتفت بحدة وعصبية لم يعهدها منها:
- قبل ما تتعصب عليا أوي كده وتغلط في هشام، شوف الأول مراتك المحترمة قالت له إيه.
نظر إليها بغضب يتطاير منه الشرر، فلم تأبه وأكملت بحدة أكبر:
- الهانم بنت الناس المحترمة، بتقوله ياريت تعقل وتبطل شقاوة، ولو اتزنقت بعد كده في خروجة مع واحدة، ابقى خدها في مكان متداري.
سقطت الكلمات كالصاعقة على كريم، فابتلع لعابه بخجل داراه خلف جدار التشكيك وهتف مدافعاً:
- يمنى متقولش كدا.
إلى هنا ولم تطق سامية صبراً، فتدخلت وقالت بنبرة يملأها السخط والمرارة:
- لا يا قلب أمك، قالت وعملت اللي أوحش من كدا، اتصنطت عليا أنا وأختك.
قال كريم بضعف محاولاً التمسك بآخر حبال الدفاع عن زوجته:
- هي حلفت لي إنها سمعت بسمة وخطيبها.
راجعه والده بتهكم لاذع وقال:
-ما أنا قاعد جنبها، أمال مسمعتش ليه، ولا أكون أطرشيت وأنا معرفش؟
تابعت سامية بصوت يقطر وجعاً وحسرة على ما وصلت إليه عائلتها :
- مراتك واحدة كذابة ومش بتاعت عيشة، دا أنا مدارية بلاوي وبفوت كتير علشان عمار بيتي، بس لحد الفتنة والخبص والتصنيت، ولا يا كريم.
قطع هذه المشاحنة الحامية رنين هاتف عبد الرحمن، مشيراً إلى اتصال وارد من رشيد، أشار لـكريم بكفه وقال:
- تعال يا بيه أقعد علشان أخوك عاوزك.
بلع ريقه بصعوبة وجلس مكرهًا بجوار والده، بينما انضمت إليهما بسمة وسامية، فتح عبد الرحمن مكبر الصوت وقال:
- أهو كريم معانا أهو يا رشيد.
انطلق صوت رشيد عبر الهاتف، متزناً ومهذباً كعادته وهو يقول:
- إزيك يا كريم؟
رد باقتضاب وصوت مكتوم يكاد يخرج من بين أسنانه :
- الحمدله.
سأله رشيد بنبرة هادئة ومباشرة:
- إيه رأيك في اللي مراتك عملته مع أختك وخطيبها؟
برغم أن الشكوك تحولت أمامه إلى يقين، إلا أن كبريائه منعه من الاعتراف، فكابر وقال بهجومية متبعاً إستراتيجية قلب الطاولة، ليداري خطأ زوجته:
-مراتي بتقول إنها معملتش حاجة.
وتابع بهجوم مستفزٍ ولاذع:
-وبعدين يا بيه بدل ما تسألني عن رأيي في شغل النسوان والكلام الفاضي اللي حصل، قولي أنت رأيك في مرات أخوك اللي اتهزأت من راجل غريب؟
بدون تفكير، خرج رده قويًا ثابتًا ليهز أرجاء المكان:
-من تدخل فيما لا يعنيه، لقي ما لا يرضيه، ومراتك مش بس اتدخلت في حاجة ما تخصهاش، دي تعدت حدود الأدب وقالت لراجل كلام بزيء، ما يخرجش من ست بتحترم جوزها وأهله يا كريم.
واستطرد بثناءٍ:
- وهشام لولا راجل جدع وبيحترم أهل البيت اللي هو فيه، كان عرف يرد عليها صح.
شعر بنيران الغيرة تأكل أحشاءه، تلك الغيرة من شقيقه التي بلغت ذروتها حتى أصبح لا يطيق سماع نبرة صوته، لذا هتف بحدة تقطر غلاً:
- طبعاً لازم تدافع عنه، ما أنتَ طول عمرك واحد متسلق وبتاع مصلحتك،وبتحب تتشعلق في الكبار، خايف لحضرة الظابط يغضب عليك.
كان وقع الكلمات على مسامع رشيد كالصدمة، حيث ألجم الذهول لسانه من فرط الكراهية المقيتة التي تنضح من حروف شقيقه الأكبر.
لم يحتمل عبد الرحمن هذا التجاوز فصرخ بغضب عارم:
- احترم نفسك واتكلم مع أخوك كويس.
ابتلع رشيد الإهانة في صمت مؤلم، ثم رد مهدئاً والده بنبل:
-سيبه يا بابا، لو إهانته ليا هتهديه، أنا موافق.
وتابع بصدق خالص نبع من أعماق قلبه:
- وقسماً بالله يا كريم، لو كان هشام غلط في مراتك، ما كنت هرحمه، وكنت جبت لها حقها من قلبه، حتى لو كان التمن سجني.
إلى هنا وقد نفد صبر كريم، لينظر إليهم جميعاً ،وصاح ملوحاً بيده بحدة :
-ما تجيبوا من الآخر كده وقولوا لي، آخرة المحكمة اللي انتوا ناصبينها لي دي إيه؟
تطوع رشيد بالرد، لإنهاء هذا الجدال العقيم وحسم الموقف:
- من الآخر يا كريم، أنا كنت السبب في نزول مراتك تحت، وعلشان كده أنا اللي هحل الموضوع، مراتك ملهاش نزول تاني، وبالنسبة لماما، أنا هجيب لها واحدة تجيلها كل يوم ساعتين تنضف لها البيت.
ارتسمت على شفتي كريم ابتسامة ساخرة مليئة بالتهكم،قبل أن يقول:
- طبعاً يا هندسة، ما أنت فلوسك كترت، فليك حق تأمر وتتأمر علينا.
تنهد بعمق محاولاً استجماع شتات صبره ليتحمل كلمات أخيه التي كانت تخترق قلبه كالرصاص.
هنا تدخلت سامية، محاولةً لـم شمل أولادها ومساندة ابنها كريم لتهدئته، وقالت:
- وبالنسبة لأكلكم معانا ما تشلش هم، أنا كل يوم هعمل حسابكم زي الأول، وتعدي عليا تاخده وأنت راجع من شغلك.
قاطعها رشيد بحدة قاطعة:
-ماما، الكلام اللي بتقوليه ده مرفوض، أنتِ مش خدامة عند حد.
ثم أخذ نفساً عميقاً،وتابع كلامه بلهجة حاسمة تنم عن تحمله للمسؤولية:
-وبالنسبة لتموين بيتك يا كريم، فخزين الشهر هيوصلك لحد عندك، اللي يكفيك أنت ومراتك وزيادة.
هنا جن جنون كريم، انتفخت عروق رقبته بشكل مرعب وهو يصرخ بأعلى صوته ويقول:
- أنت فاكر نفسك إيه يلا، قاعد تبيع وتشتري فيا ولا كأني أخوك الكبير؟!
ثم نظر إلى والديه بعتب وانكسار حزين، قائلاً:
- بس أقولك، أنت مش غلطان، الغلط على أبويا وأمي اللي سامعين بودانهم مرمطك ليا وموافقين.
واستأنف حديثه بحدة ونفور شديدين:
-وعلى فكرة يا بيه، أنت مالكش أي جمايل عليا، أنا قاعد في بيت أبويا وباكل من خيره أنا ومراتي، وبالنسبة لفلوسك، فخليها لنفسك يا حبيبي.
انفطر قلب رشيد حزناً على ما وصلت إليه علاقتهما، ولم يتمنى يوماً أن يهبط مستوى الحوار بينهما إلى هذا الجفاء، لذا قال بصوت منكسر تخنقه العبرات:
-أنا عمري ما فكرت بالطريقة دي يا كريم، كلنا عايشين في خير الحاج وبركة الحجة، ولما قولت إن خزين بيتك هيوصلك، كان قصدي إن بابا هو اللي هيجيبه لك من مرتبه .
كان عبد الرحمن يجلس والحزن يمزق نياط قلبه على حال ولديه وما آل إليه أمرهما من شقاق، وبرغم الألم الذي يعتصر فؤاده، إلا أنه هتف بحزم شديد لينهي هذه المهزلة :
- خلاص أنت وهو، مش عاوز أسمع صوت حد فيكم.
ثم صوب نظراته الحادة والنافذة نحو كريم، وقال بلهجة حاسمة لا تقبل الجدال:
-ومن النهاردة، مراتك تقعد في شقتها وماتعتبش هنا تاني، وكل اللي يحتاجه بيتك أنا المسؤول عنه، والموضوع ده اتقفل ومش عاوز أسمع فيه كلمة زيادة.
خضع الجميع للقرار وخيم على المكان صمت ثقيل، بينما انخرطت سامية في بكاء مرير وهي تشهد تشتت شمل أولادها، وضياع ترابطهم بسبب تلك الزوجة الخبيثة، التي كانت بمثابة ابتلائهم الأكبر في هذه الحياة.
_______♕________
صعد كريم والبركان الذي يغلي في صدره يوشك على الانفجار، ما إن فتح الباب ودلف إلى الداخل، حتى وجدها تقف في مواجهته، واضعة يديها في خصرها، وترمقه بنظرات تقطر احتقارًا، فقد كانت كعادتها تتلصص عند طرف السلم، واستمعت إلى كل تفاصيل المواجهة التي دارت في الأسفل.
التوت شفتاها بابتسامة ساخرة تقطر تهكماً، ونظرت إليه بنظرات مستفزة وقالت:
-جبت لي حقي يا سبع البرمبة، ولا نزلت خدت نصيبك من التهزيق أنت كمان؟
كانت هذه الكلمات القشة التي قصمت ظهر صبره، فقد وصل غضبه إلى ذروته، ولم يعد يطيق أنفاسه، عمت بصيرته تمامًا، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع نحوها كالإعصار، ويهوي على وجهها بصفعة قوية، وصاح بصوت اهتزت له عروقه:
- كله بسببك وبسبب كذبك وقرفك يا بنت الكـ.....
امتدت يده بقوة لتقبض على خصلات شعرها، وهزها بعنف وقسوة وهو ينفس عن قهر رجولته المنكسرة أمام عائلته:
- طول عمري عايش في البيت والكل كان بيحترمني، أخواتي مكنوش يجرأوا يفتحوا عيونهم فيا.
تجمعت الدموع في عينيها من فرط الألم والذهول، فلم تكن تصدق أن كريم، الذي طالما انقاد خلف كلماتها، يستطيع أن يمد يده عليها بهذه الوحشية.
صرخت بضعف وهي تحاول تخليص خصلاتها من بين أصابعه القاسية:
-سيب شعري، هتقلعه في إيدك يا حيوان.
لكنه استمر في صب جام غضبه، والكلمات تخرج من جوفه كالحمم المحترقة:
- بسبب واحدة زيك، أخواتي الاتنين اتجرأوا عليا، وكنت قاعد قدام أبويا وأمي زي التلميذ الخيبان.
مع نهاية جملته، دفعها بقوة وجفاء، لتهوي على الأرض بجسد مرتجف، سقطت ملتصقة بالأرض، وسندت بكفيها على البلاط البارد، بينما انسدلت خصلات شعرها المبعثرة لتغطي وجهها بالكامل.
رفعت كفها ببطء لتزيح شعرها عن عينيها المحمرتين، ونظرت إليه من بين دموعها التي أغرقت وجنتيها، لتصيح بنبرة تهديد مخنوقة بالبكاء:
- والله لأخلي بابا يعلمك الأدب يا كريم.
لم تحرك كلماتها فيه سوى موجة أخرى من السخرية الباردة، إذ نظر إليها باحتقار وراح يتمتم باستهانة:
- أعلى ما في خيلك اركبيه أنتِ وأبوكِ واللي يتشدد لكم.
نهضت من الأرض بخطوات متثاقلة، وجسدها يرتعش من القهر والإهانة، ثم أسرعت نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها بقوة، ارتمت على الفراش واستخرجت هاتفها لتتصل بوالدتها، انفجرت تحكي لها تفاصيل ما حدث بنبرات متقطعة يملأها النحيب والشكوى.
اشتعلت الأم غضبًا في بداية الأمر لسماعها بإهانة ابنتها، لكن خبرتها في الحياة وحسابات المصالح جعلتها تُحكم عقلها، فالتفتت إلى الجانب المادي الذي يضمن لابنتها الاستقرار والسيطرة.
لذا نصحتها أن تتجاوز الأمر وتتغاضى عنه، مؤكدةً أنه ما دامت تعيش مستقرة وتتقاضى من زوجها نصف راتبه، فعليها أن تتحمل وتتحلى بالصبر، كما طالبتها بمحاولة إصلاح علاقتها به لتكسبه في صفها مجدداً.
سقطت كلمات الأم على مسامعها لتهدئ من رغبتها في الانتقام الفوري، وتراجعت عن فكرتها الأولى بجمع ثيابها ومغادرة البيت، قررت البقاء وتجرع الإهانة مؤقتًا، مادامت مكاسبها المادية من هذا الزواج لا تزال قائمة.
_______♕________
كان يجلس في شرفة غرفته، والليل يرخي سدوله، بينما الشوق ينهش في حنايا قلبه ويحرم جفنيه لذة النوم، حاول الصمود أمام فيض مشاعره، لكنه لم يقو على الصبر، فاستسلم تمامًا وسلم رايات عناده. أمسك بهاتفه ليهاتفها، مدفوعًا بلهفة لم يستطع كبحها.
في الجانب الآخر، كانت ممددة على فراشها وسط الظلام، ودموع الخيبة تنحدر بصمت فوق وجنتيها، ما إن شق صوت رنين الهاتف سكون الغرفة، حتى التقطته بلهفة ونظرت إلى الشاشة،بالكاد لمحت اسمه يتلألأ في عتمة الليل، حتى انشقت شفتيها عن ابتسامة ساحرة حلت محل الدموع، وتلاشت غيوم حزنها في لمح البصر.
ردت سريعًا وقالت بنبرة باكية:
- أنا ما قولتش ليمنى حاجة يا هشام.
أجابها بصوت هادئ يقطر حنانًا وعذوبة:
- رشيد حكى لي على كل حاجة .
تركت دموعها لتسيل مجددًا، لكنها هذه المرة كانت دموع عتاب العاشقين، فلامته بنبرة متهدجة:
- أنا زعلانة منك أوي يا هشام.
همس بصوت دافئ يفيض عشقًا وهيامًا، وكأنه يطوق روحها بكلماته:
- حقك على قلبي يا نن عين هشام.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة رغم قطرات الدموع التي ما زالت تبلل وجهها، وقالت له بدلال عاتب:
- ما تعملش كدا تاني.
أجابها بطاعة وهدوء، تملأه الرغبة في إرضائها:
-حاضر.
تابعت بدلالٍ أنثوي أذاب بقايا جموده:
- ولما تزعل منى، اسمعنى الأول وبعدين قرر.
أغمض عينيه وهمس بنبرة خفيضة مستسلمة لحبها:
- حاضر.
اتسعت ابتسامتها بسعادة بالغة غمرت وجدانها، لتزيد بهجتها باعترافه الدافئ، حين همس بنبرة تقطرُ صدقًا:
- بحبك يا بسمة.
تلقت كلمته بقلب ينبض بالبهجة، أغمضت عينيها واستسلمت تمامًا لصوته، لتذوب في كلمات غزله التي جعلتها تشعر وكأنها فراشة رقيقة تحلق في أعالي السماء.
كانت تشعر قبل قليل وكأن روحها تفارق جسدها من فرط القهر، فجاءت مكالمته لـتكون هي الترياق الشافي الذي أعاد النبض لقلبها، والروح للحياة.
_______♕________
مرت الأيام سريعًا، وطويت سنة كاملة في لمح البصر، استقر الاتفاق أخيرًا بين صادق وعزام على أن يتم زفاف العروسان بعد أسبوعين فقط من انتهاء امتحانات دليلة في سنتها الجامعية الثانية، توافقًا مع موعد إجازة أشرف المرتقبة.
هبطت درجات السلم بخطوات هادئة، لتجد أفراد عائلتها يجلسون، كان صادق يمسك بهاتفه، يحدث "علي" بحسم هادئ:
-مش هينفع يا علي، ده تفتيش رسمي من الوزارة ولازم أكون موجود.
ثم تابع بنبرة ودودة:
-يا سيدي مش مشكلة، منى ودليلة كفاية، ويسدوا عني.
لم تكد الكلمات تخرج من فمه حتى لوحت منى بيدها سريعة بنفي قاطع واعتراض صارم، فرفع صادق كفه مستمهلًا إياها بنظرة تطمئنها، ثم عاد للهاتف قائلًا:
-خلاص تمام، هنستناك بكرة إن شاء الله.
أغلق الخط، وما إن وضع الهاتف جانبًا حتى انفجرت منى بحدة لم تستطع كبتها:
-أنت هتخلينا نروح نختار الفرش من غيرك يا صادق؟
رد عليها بهدوء:
-عادي يا حبيبتي.
لكن نبرتها ازدادت اشتعالًا واعتراضًا وهي تقول:
-لا مش عادي يا صادق، أنت أبوها، ولازم تكون موجود.
هنا تدخلت دليلة، والفضول والقلق يتنازعان في عينيها، فسألت بنبرة خفيضة:
-هو حضرتك مش هتيجي ليه يا بابا؟
أجابها بوقار ومسؤولية:
-عندنا تفتيش رسمي للمدرسة
التفتت منى إليه، وقالت بجدية تحاول بها إنقاذ الموقف:
-خلاص، كلم علي وخليه يأجل كمان يومين.
تحدث مفسرًا صعوبة الأمر:
-ما ينفعش، رايح معاه ناس من العيلة عارفين تجار في دمياط، وكلموهم والناس مستنينهم.
زفرت منى بضيق، وارتسمت على وجهها ظلال من عدم الرضا وهي تقول:
-أنا أصلاً مش فاهمة ليه الاستعجال ده، الفرح لسه باقي عليه شهرين ونص.
لم تملك دليلة إلا أن تتدخل دفاعًا عن حبيبها :
-أشرف عمل كده علشاني يا ماما، علشان أفوق لمذاكرتي وأستعد لامتحاناتي.
رمقتها منى بنظرة ذات مغزى، وقالت بنبرة لا تخلو من التهكم:
-بمناسبة أشرف، هو البيه مش ناوي يفرش الدور بتاعكم اللي هنا ولا إيه، مش كفاية بابا هو اللي شطبه؟!
تحدث صادق مدافعًا عن ابن شقيقته بنبل :
-أنا اللي أصريت إني أشطبه يا منى، عيب أوي لما الدور يبقى في بيتي وأخليه يدفع تمن تشطيبه، وبعدين أشرف عندي زيه زي أحمد بالظبط.
تنهدت بعمق، فالأمر بالنسبة لها يتجاوز مجرد الحسابات المادية، وقالت بنبرة تنضح بالقلق :
-أنا مبتكلمش عن الفلوس يا صادق، أنا حاسة إنه بدأ يغير الاتفاق واحدة واحدة، وبعد ما قال هيشطب ويفرش الشقتين مع بعض، بقى الاهتمام كله لشقة المنصورة، ومبقاش حد منهم يجيب سيرة هنا أبداً.
لم تتحمل دليلة تلك الشكوك التي تمس حبيبها، فاندفعت تدافع بقلبها العاشق وحماسها العالي:
-أشرف كان هيفرشهم مع بعض فعلاً، بس موضوع الأرض اللي اشتراها ده أخد فلوس كتير أوي.
وتابعت وعيناها تلمعان ببريق الغد المشرق:
-دي حتة أرض تحفة يا ماما، جنب جامعة المنصورة، خدها شرك هو وأبيه علي، وكل واحد هيبني برج سكني في القطعة بتاعته.
رأت نظرة عدم الرضا في عيني والدتها، فاستطردت تحاول استمالتها بوعد من الرفاهية:
-مش حضرتك كنتي زعلانة علشان هتجوز وأعيش في الأرياف، أهو هيبني لي برج سكني في المدينة.
أشارت منى بإصبعها نحو دليلة بسرعة، ملتفتة إلى زوجها وكأنها وجدت دليلاً على مخاوفها:
-شايف بنتك وكلامها يا صادق؟
تبادل النظر بين كلتاهما وقال بهدوء:
-عيلة وفرحانة بالأرض يا منى.
هزت رأسها بيأس، مشفقة على براءة ابنتها التي استسلمت تمامًا لوعود الغرام:
-لا يا صادق، ابن أختك عرف يغسل دماغها ويخليها توافقه على كل حاجة هو عاوزها.
ثم تابعت بغضب جارف تجسد على ملامحها:
-من الآخر يا صادق، ابن أختك عرف يضحك علينا كلنا بكلامه وسهوكته.
تغيرت ملامحه وظهرت علامات العصبية على وجهه جراء اتهام ابن أخته بالمراوغة، فقال بحدة:
-هو فيه إيه يا منى، أنت مش شايفة إنك مزوداها شوية؟
تراجعت خطوة للخلف، واجتاحت وجهها صدمة مريرة من رد فعله، فقالت بنبرة تقطرً عتابًا:
-هو أنا لما أخاف على بنتي وأطالب إن اتفاق الرجالة يتنفذ، أبقى وحشة ومزوداها؟
أطرقت برأسها نحو الأرض بحزن، شعرت دليلة بالذنب وهي تنظر بين أبيها وأمها الصامتة، تحرك صادق مدفوعًا بحبه لزوجته ورفيقة عمره، وجلس إلى جوارها، ثم أحاط كتفيها بـذراعه، واحتضنها بحنان بالغ ليمتص غضبها وقلقها قائلًا بنبرة رخيمة:
-متزعليش يا منى،وصدقيني، اللي أنت عاوزاه كله هيتعمل، ويا ستي لو أشرف ما فرش الشقة، أنا هفرشها وهجهزها، وهغصب عليه نص أجازاته يقضوها هنا معانا.
نظر في عينيها باحثًا عن رضاها وسألها:
-مبسوطة؟
تسللت ابتسامة هادئة على شفتيها، ليتبادل صادق بينها وبين دليلة النظرات وتابع:
-جهزوا نفسكم علشان علي هييجي بكرة ياخدكم، هتباتوا معاهم، وتصبحوا تسافروا على دمياط، تنقوا الفرش وتباتوا، وتالت يوم يجيبكم على طول.
تحدث أحمد بنبرة تملأها الخيبة:
-وأنا يا بابا، مش هروح معاهم؟
رد عليه بنبرة حازمة لا تقبل النقاش:
-لا يا حبيبي، أنت هتقعد هنا وتلتفت لمذاكرتك، المنهج متراكم عليك ومحتاج تتفرغ عشان تلحق تلمه قبل الإمتحانات.
تنهد الفتى بضيق شديد، واكتفى بالصمت .
_______♕________
أشرقت شمس يوم جديد، حاملة بين خيوطها الذهبية أماني وأحلامًا جديدة، وفي الموعد المحدد، حضر علي بسيارته ليقل منى ودليلة.
غمرت الفرحة قلب دليلة التي كانت تعيش أسعد لحظات حياتها، بينما نبضات قلبها باتت تتسارع بلهفة وشوق لا يهدأ.
وصلوا إلى البلدة، وجدوا فاطمة في انتظارهم بلهفة، وإلى جوارها داليا مع ابنتها الصغيرة "دليلة"، وابنها "ماجد" الذي أتم عامه الأول، ولم تغب عايدة عن ذلك الاستقبال الحافل، إذ كن قد أعددن مأدبة طعام فاخرة تليق بهما.
تناولوا الطعام في جو عائلي دافئ، ثم انتقل الجميع إلى الحديقة لارتشاف الشاي تحت ظلال الأشجار، وهنا تنهدت فاطمة بألم دفين وقالت:
-الله يرحمك يا ماما، كان نفسها تحضر فرح أشرف ودليلة أوي.
علقت منى بتأثر ظهر في نبرتها:
- الله يرحمها.
كان الموت قد غيب الجدة رقية قبل عشرة أشهر، حين داهمها المرض فجأة لتنقل إلى المشفى، وتفارق الحياة بعد أسبوع واحد.
تنهدت عايدة بحزن، وقالت:
- ألف رحمة ونور عليكِ يا ماما.
ثم التفتت إلى منى واستطردت بحنين:
- كان بيبقى يوم عيد عندها لما صادق يكلمها ويقولها إنكم جايين.
تابعت فاطمة وعيناها ترقرقان بالدموع:
- كانت تكلمنا وتقول لنا، سيبوا اللي في إديكم كله وتعالوا علشان تجهزوا الأكل لأخوكم وولاده.
ابتسم الحاج عزام بوقار، وقال مثنيًا على الراحلة:
- الله يرحمها، كانت ست حكيمة، اترملت في عز شبابها، قفلت بابها على عيالها وربتهم، ومحدش حس بيها، ولا في يوم لجأت لحد.
قالت منى بأسى استقر في صدرها:
-من يوم وفاتها مشفتش ابتسامة صادق، وكأنه دفن الضحكة معاها.
أكدت فاطمة على كلامها قائلة:
- كان روحه فيها يا حبيبي، كانت أول مرة أشوف دموعه يوم دفنتها.
انحدرت دمعة رقيقة على وجنة دليلة تعاطفًا مع حزن الجميع، فلمحت داليا ذلك وأرادت تبديد تلك الغمامة الحزينة، فقالت بابتسامة تحاول بها تجديد البهجة:
- ما تصلوا على النبي يا جماعة، إحنا عندنا فرش بكرة.
رد الجميع في نبرة واحدة:
- عليه أفضل الصلاة والسلام.
التفتت داليا إلى العروس وقالت:
-هاتي طنط وتعالي أفرجكم على التشطيبات الأخيرة لشقتك يا دليلة.
وافقتها بحماس، وصعدتا معًا لاستكشاف عش الزوجية المنتظر.
مر اليوم سريعًا كالحلم، وفي صباح اليوم التالي، انطلق الجميع نحو دمياط، فاطمة وعزام، منى ودليلة، وعلي وداليا. لم تكن دليلة بمفردها هناك، فقد كان أشرف معها عبر الهاتف في كل خطوة، يشاركها اختيار الموديلات والألوان.
غمرت السعادة ملامح دليلة وظهر عليها الابتهاج الشديد، خاصة وأن أشرف كان قد أوصى والده وعلي مسبقًا، بتنفيذ كل ما تتمناه دليلة دون قيد أو شرط.
وبعد أن انتهوا من اختيار قطع الأثاث بالكامل، التفتت فاطمة إلى دليلة وقالت بحنان بالغ:
-تعالى اختاري أوضة نوم أطفال يا دليلة، ودي هتكون هدية مني لفاطمة الصغيرة.
تهلل وجه الفتاة بسعادة غامرة وهتفت بامتنان:
- حبيبتي يا طنط.
ارتسمت علامات الذهول بوضوح على وجه منى، وسألت بنبرة يملأها الاستغراب:
- مين فاطمة الصغيرة؟!
ضحكت فاطمة وقالت بسعادة وفخر:
-بنت أشرف ودليلة إن شاء الله، أصلها قررت تسمي أول بنوتة ليهم فاطمة.
ثم نظرت إلى ابنها وتابعت:
- والولد علي.
ابتسم علي بدفء وتأثر، ثم نظر إلى دليلة قائلاً:
- ربنا يتمم لكم بخير ويسعدكم يا حبيبتي.
ردت عليه والابتسامة تضيء وجهها:
- متشكرة يا أبيه، عقبال ما تفرح بدليلة وماجد.
أومأ لها برأسه وقال بود:
- في حياتك يا حبيبتي.
كانت منى تراقب ابنتها بصدمة صامتة، متسائلة في روعها متى تحولت طفلتها إلى هذا الحد من التبعية؟
أما داليا، فقد نزل عليها خبر هدية غرفة الأطفال كالصاعقة التي أشعلت حزنًا دفينًا في قلبها، فقالت بابتسامة ساخرة لم تخفي مرارتها:
- مبروك يا دليلة، يا بخت من كانت حماتها عمتها.
ثم التفتت إلى فاطمة وتابعت بتهكم عاتب:
- أنا فاكرة يوم ما جينا ننقي الفرش بتاعي، طنط فيفي عملت مشكلة على أوضة نومي، وكانت هتفركش الجوازة كلها بسببها.
رمقتها فاطمة بنظرة حادة شملتها من الأسفل إلى الأعلى، وقالت بازدراء لا يخلو من القسوة:
- لا يا حبيبتي، اللي حصل يومها إن أمك نقت أوضة بتمن التلات أوض كلهم، وكانت مصممة عليها.
وتابعت بحدة أكبر:
- مع إننا كنا قايلن لها على المبلغ اللي كنا جايبينه معانا، ولما أنا قولت لها دي غالية أوي، قالت لي وأنا مالي، دي مشكلتكم، أنا جاية أنقى تلات أوض لبنتي، السعر ده بقى بتاعكم انتوا.
نظرت إليها داليا بتحدٍ صارم، فتدخل علي سريعًا ليحتوي الموقف قبل أن يتفاقم، وقال مهدئًا:
-ما خلاص يا جماعة، إحنا جايين نقلب في اللي فات بعد ما بقى عندنا جوز عيال؟!
ضربت فاطمة كفيها ببعضهما وقالت بحدة وسخط:
-مراتك يا أخويا اللي جاية وجايبة دفاترها القديمة معاها.
رغم صدمة منى الداخلية من تصرفات ابنتها، إلا أنها تدخلت بذكاء لتفض هذا الاشتباك اللفظي، فقالت بنبرة هادئة:
- خلاص يا جماعة اهدوا شوية، وبلاش منها أوضة الأطفال لو هتعمل مشاكل.
أكدت دليلة على كلمات والدتها بسرعة درءًا لأي خلاف:
-أنا كمان رأيي من رأي ماما.
نظرت داليا إلى دليلة وقالت بنبرة رقيقة:
- يا حبيبتي تتهني بيها.
ثم وجهت بصرها نحو منى وقالت بصدق طغى عليه الشجن:
-أنا مش زعلانة من الأوضة يا طنط.
وتابعت بنبرة غلب عليها الحزن:
- الموقف بس فكرني باللي حصل، والتناقض بين الموقفين هو اللي ضايقني.
تحرك علي نحو زوجته ممتصًا حزنها، فاحتواها بين ذراعيه وضمها إلى صدره قائلاً بحنان ودلال:
-طب إيه رأيك إن أوضة النوم اللي كانت عجباني، هتكون عندك الأسبوع ده، ولو عاوزة لبن العصفور هجيبهولك يا دولي يا قمر أنتِ؟
ابتسمت بسعادة بالغة تلاشت معها حدتها، بينما تبسمت دليلة لأجلهما وشعرت بارتياح اجتاح كيانها.
نُقل الأثاث إلى الشقة، وتولت دليلة تنظيمه وترتيبه وفقًا لذوقها ، وعندما أسدل الليل ستاره، دلفت دليلة إلى الغرفة لتخلد إلى النوم برفقة والدتها، وقفت منى في مواجهتها، وعلامات الصدمة والحزن ترتسم على وجهها، وسألتها بمرارة:
- إيه بقى موضوع فاطمة وعلي ده كمان يا ست دليلة؟
بلعت ريقها بتوجس، وتملكها الخجل وهي تجيب:
-والله يا ماما كنت هقول لك، بس انكسفت.
هتفت منى بحدة وذهول:
- أنتِ فكراني زعلانة علشان ما قولتليش؟
نظرت إليها دليلة باستغراب وعدم فهم، فتابعت الأخرى بازدراء ورفض لطريقة ابنتها:
-انا زعلانة علشانك، إمتى بقيتي تابع لأشرف كده، وليه بتوافقيه على كل حاجة يقولها لك؟
ردت بقوة مستمدة من عشقها:
- أشرف ملوش ذنب يا ماما، أنا اللي اقترحت عليه نسمي فاطمة.
صاحت منى بنبرة تحذيرية:
- وليه ما يكونش عندك شخصيتك المستقلة، على فكرة، طالما بدأتيها بالتنازلات هتقضيها طول عمرك كده، وعمرك ما هترتاحي.
استنكرت الفتاة كلمات والدتها وهتفت مدافعة:
-هي فين التنازلات دي يا ماما، لعلمك، أشرف عمره ما غصبني على حاجة، أنا اللي من شدة حبي ليه بحاول أفرحه، وأعمله كل اللي يسعده.
قالت منى بنبرة لائمة:
-حتى حبك ليه ولهفتك بالشكل المكشوف ده غلط.
وتابعت باستنكار لمشهد معرض الموبيليا:
- معجبنيش لهفتك عليه وأنتِ لازقة التليفون على ودنك طول الوقت، وعمالة تاخدي رأيه في كل كبيرة وصغيرة.
ردت دليلة بعفوية:
- وأداري حبي ليه يا ماما طالما مش بعمل حاجة غلط، ده خطيبي وبعلم الكل، وبيعمل كل حاجة في الدنيا علشان يسعدني.
ثم أردفت بتعجب:
-أنا معرفش ليه مهما يعمل ويحاول يراضيكِ، مش بتتقبليه؟
تنهدت وقالت بنبرة جادة:
-مية مرة قولت لك إني بعزه جداً، بس مش حابة دلقتك عليه بالشكل ده، لازم تبقي أقوى من كدا يا دليلة.
تنهدت بحزن أطفأ بريق عينيها، وقالت بعتاب ناعم:
- هو ده وقت الكلام ده يا ماما، جاية لي في أسعد يوم في حياتي وتقولي لي كدا؟
زفرت منى لتخفي خوفها الشديد عليها، وقالت بحنان هائل:
- أنا بنصحك وبوعيكِ للزمن يا حبيبتي، أنا موجودة النهاردة، بكرة يا عالم هبقى فين.
ارتعب قلب دليلة من فكرة الفقد، وهتفت بلهفة جارفة:
- بعد الشر عنك يا ماما.
ارتمت في أحضانها كطفلة تشبثت بملجأها الآمن وتابعت:
- ربنا يخليكِ ليا أنتِ وبابا، وميحرمنيش منكم أبداً.
ضمتها منى إلى صدرها بقوة، وقبلت رأسها هامسة بدعاء صادق نبع من أعماق قلبها:
- ربنا يسعدك ويكتب لك اللي فيه الخير يا بنتي.
عادت دليلة إلى القاهرة، كانت غارقة في التجهيزات والترتيبات برفقة ندى وفريد، الذي بذل جهدًا كبيرًا وساعدهم في اختيار قاعة الزفاف اللائقة وإنهاء كافة التحضيرات.
في بادئ الأمر، كانت فاطمة متمسكة بشدة بأن يُقام حفل الزفاف في المنصورة، وسط عائلتهم، لكن منى واجهت هذا المقترح بإصرار صارم على إقامته في قاعة فاخرة بالقاهرة، تيسيرًا على أهلها ومعارفهم وصديقات ابنتها.
وأمام هذا التمسك، وافق أشرف ونجح في إقناع والدته بالنزول على رغبتهم، رغبةً منه في إرضاء منى، وتجنب أي خلافات قد تعكر صفو ليلتهما المنتظرة.
_______♕________
توالت الأيام، حتى لم يعد يفصلهم عن ليلة العمر سوى خمسة وأربعين يومًا، كانت دليلة قد استقرت أخيرًا على تصميم ثوب زفافها، فستان ساحر أشبه بفساتين الأميرات، يجمع بين الفخامة والاحتشام، ذات أكمام كاملة وحجاب يتناسب مع حشمة الثوب.
جلست في المقعد المعتاد داخل "السايبر"، تطالع شاشة الحاسوب وتحدث حبيبها صوتًا وصورة. نظرت إلى ملامحه عبر الشاشة بحماس جارف وعينين تشعان بريقًا، وقالت له:
- لو تشوف الفستان يا أشرف، تحفة.
بادلها ابتسامة دافئة، فاستمرت في مداعبته بنبرة ماكرة، وهي تنوي بداخلها أن تختبر غيرته عليها، وقالت:
-بس فيه حاجة كدا عاوزة أقولك عليها علشان ما تتفاجأش.
ركز نظره على ملامحها بتمعن، وسألها بهدوء:
- حاجة إيه يا حبيبتي؟
قالت بملامح جادة اصطنعتها ببراعة لتختبر رد فعله:
- الفستان كات، وصدره مكسوف شوية.
حبست أنفاسها، وانتظرت في تلك الثواني المعدودة ثورة عارمة، وغضبًا رجوليًا يحرق الشاشة، وتغييرًا في ملامحه يثبت ملكيته لها.
لكن رد فعله نزل عليها كالمطر البارد وأذهلها تمامًا، حين قال بابتسامة باردة:
- وماله يا قلبي، اعملي اللي أنت عوزاه كله،أنا المهم عندي تبقي مبسوطة.
اتسعت عيناها بصدمة، وجمد الذهول الكلمات في حنجرتها، بلعت ريقها بصعوبة، وقالت بارتباك واضح حاولت مداراته:
- يعني أنت معندكش مانع ألبس فستان درعاتي كلها تبقى باينة منه؟!
أجابها بذات الهدوء والابتسامة لم تفارق شفتيه:
- لو ده هيبسطك معنديش مانع.
ثم استدرك قائلاً بخفة:
- بس أوعى يكون صدره مكشوف أوي.
تنهدت بحزن دفين تسلل إلى أعماق قلبها، وانطفأت لهفة عينها وهي تجيبه بنبرة خفيضة أثقلتها الخيبة:
- مفيش حاجة مكشوفة يا أشرف، الفستان بأكمام كاملة، وهلبس عليه حجاب.
كان يمسك بقلمه ويدون بعض الملاحظات في أوراقه، فرفع وجهه ونظر إليها بعينين تعمقتا في تفاصيل ملامحها وقال بنبرة حانية:
- أنا قولت لك اللي يفرحك اعمليه يا حبيبتي.
وتابع وهو يغرق في سحر عينيها:
- أهم حاجة أشوف ضحكتك وهي منورة وشك دايماً.
رغم الحزن الذي جثم على صدرها، والصدمة المُرة التي تجرعتها جراء عدم غيرته عليها وعلى جسدها، إلا أن كبرياء حبها رفض التصديق.
خدعت نفسها ببراعة العاشقين، وحاولت جاهدة إقناع عقلها وقلبها المكسور، بأن تهاونه لم يكن برودًا، بل نبع من شدة حبه الجارف لها، ورغبته في أن يراها سعيدة في تلك الليلة المميزة، حتى لو كان ذلك على حساب غيرته وتخطي خطوطه الحمراء.
وضع القلم فوق الأوراق بعناية، ثم رفع بصره نحو الشاشة ليركز نظراته عليها باهتمام بالغ، وقال بنبرة حملت الكثير من الجدية:
- بقولك يا حبيبتي، أنا عاوزك في موضوع مهم أوي.
طالعته بتمعن شديد تترقب ما سيقوله، فتابع وعيناه تشعان بشغف وطموح:
-أنا جايلي عرض شغل مهم جداً مع واحد صاحبي في دبي، من خلاله هقدر أوسع شغلي، وهيبقى عندي البزنس الخاص بيا.
تهللت ملامحها وهتفت بسعادة غامرة،متجنبه صدمتها:
-ألف مبروك يا أشرف.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة وهو يجيبها:
- الله يبارك فيكي يا حبيبتي.
ثم غاصت نظراته في عينيها بهيام وعشق أذاب قلبها، وتابع قائلاً:
- أنتِ وش السعد عليا يا دليلة، من يوم ما خطبتك والرزق والفلوس نازلين يرفوا عليا.
ردت عليه بنبرة مفعمة بالود والاعتزاز:
- أنت حد طيب أوي يا أشرف، وتستاهل كل خير.
أومأ برأسه مؤكداً والبهجة تملأ صوته:
-الشغل الجديد ده هيغير حياتنا خالص يا دليلة، هينقلنا نقلة تانية.
كانت السعادة تكاد تقفز من عيني دليلة وهي تستمع لطموحاته التي تجمع مستقبلهما معاً، لكنه فجأة صمت قليلاً وتبدلت ملامحه إلى حيرة غامضة، فاستطرد:
- بس فيه مشكلة.
انقبض قلبها قليلاً وسألته بارتباك وتوجس:
- مشكلة إيه؟
أجابها بنبرة خفيضة وكأنه يبوح بسر خطير:
- لازم أسافر الإمارات بعد بكرة، وهقعد هناك تلات أسابيع، بس لو عمتك عرفت هتخرب الدنيا ومش هتوافق،هي بتخاف عليا،وكمان هتخاف من المغامرة،وانا مش هعيش عمري كله موظف يا دليلة،علشان كدا مش عاوز أي مخلوق يعرف.
وتابع برجاء حار مستشهداً بالحديث الشريف:
- الرسول عليه الصلاة والسلام قال، استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود.
شعرت بالدهشة وسألته مستفسرة:
- وهتعمل إيه؟
شرح لها خطته بهدوء وترتيب مسبق:
- أنا هسافر وهقفل تليفوني التلات أسابيع، هبقى افتحه كل يومين أكلمك وأطمنك عليا، وأهو بالمرة أسيبك علشان تركزي في الإمتحانات كويس.
ثم أردف موجهاً إياها لكيفية التعامل مع المحيطين بهم:
- وأي حد يسألك عني، قولي له إن كل يوم بكلمك وبتطمني عليا.
وختم حديثه بنبرة تحذيرية بالغة الأهمية:
- أوعي تقولي لمخلوق إني في دبي يا دليلة، عاوزين ربنا يتمم لنا الموضوع على خير يا حبيبتي.
هزت رأسها وقالت بابتسامة دافئة سحبت معها أي شكوك:
-حاضر يا أشرف، بس لازم تكلمني كل يوم وتطمني.
تبسم وقال مطئمناً قلبها العاشق:
-حاضر.
أنهت المكالمة وأغلقت الحاسوب، ثم عادت إلى بيتها وهي تطير فوق سحاب من السعادة، كانت تشعر في أعماقها بأنها تعيش أجمل أيام حياتها على الإطلاق، فكل تفاصيل زواجهما تسير بسهولة عجيبة، وتتيسر بشكل غريب فاق توقعاتها.
حالة أشرف المادية ترتقي بشكل مذهل ومبالغ فيه، وأحلامها تكبر مع كل خطوة يخطوها نحو النجاح، بدأت تحلم بذلك اليوم المنتظر، اليوم الذي سترتدي فيه ثوب عرسها الأبيض، وتصبح زوجته رسميًا أمام عيون العالم أجمع، مؤمنة بأن تلك اللحظة هي المحطة الأخيرة التي ستكتمل عندها سعادتها كاملة.
_______♕________
سافر أشرف، وفي اليوم الأول لرحيله هاتف دليلة وطمأنها، ثم أغلق هاتفه لتبدأ رحلة الانتظار المريرة، مرت أربعة أيام كاملة دون أثر، قبل أن يعاود الاتصال بها، كانت قد بلغت ذروة القلق عليه، ولم تكن مكالماته الشحيحة تتجاوز الدقائق الخمس، متعللاً دائمًا بضيق الوقت وتراكم الأعباء.
وفي الأسبوع الأخير، انقطعت أخباره تمامًا، وغاب صوته حتى عنها.
تفاقم الوضع حين اتصلت بها فاطمة تسألها عن غيابه، ورغم الرعب العارم الذي كان يأكل قلب دليلة خوفًا عليه، إلا أنها التزمت بوعدها وقبضت على سرهما بقوة، وقالت في محاولة لطمأنتها:
-اطمني يا حبيبتي هو كويس، ومفيش يوم بيعدي من غير ما يطمني عليه، كل الحكاية إنه مضغوط جداً، عشان يخلص كل اللي وراه في الشغل قبل ما ينزل إجازة الفرح.
استغربت فاطمة من إغلاق هاتفه المستمر، وقالت بنبرة قلقة:
- أنا هتصل بابن عمته اللي في جدة وأخليه يروح له السكن، ويطمنا عليه.
أسرعت دليلة بمنعها، مجددة تأكيداتها الواهية بأنه بخير ولا داعي لإزعاجه، وأخيرًا، انقضت الأسابيع الثلاثة العجاف، وعاد أشرف إلى مصر، متوجهًا إلى المنصورة مباشرة.
كانت دليلة تكاد تجن شوقًا لرؤيته، فطمأنها عبر الهاتف موضحًا أنه سيأتي إليها بعد ثلاثة أيام برفقة عائلته، للاتفاق على التفاصيل النهائية للزفاف.
مرت الأيام، وجاء اليوم الموعود لزيارة بيت صادق، ارتدي الحاج عزام ثيابه ونزل لينتظرهم في الحديقة، بينما انتهت فاطمة من وضع لمساتها الأخيرة
واندفعت إلى بهو المنزل، لتتجمد في مكانها من هول الصدمة، فقد كان أشرف واقفاً أمام شقيقه علي، وكانت ملامح الأخير تشتعل غضبًا وسخطًا، وهو يدفع أشرف في كتفه بعنف وعصبية بالغة.
أسرعت فاطمة نحوهما بلهفة وهتفت مستنكرة:
-فيه إيه يا ولاد، مالك بأخوك يا علي؟
نظر إليها بضيق شديد وحنقٍ مكظوم، بينما تدارك أشرف الموقف بسرعة وقال محاولاً تزييف الحقيقة:
-مفيش حاجة يا ماما، علي كان بيهزر معايا.
زفرت فاطمة بارتياح، ثم التفتت إلى علي سائلة باستغراب من بقائه بملابس المنزل:
- أنت ما لبستش لحد الوقت ليه؟!
أجابها بنبرة جافة:
-أنا مش جاي معاكم يا ماما.
اتسعت عيناها بدهشة وقالت:
- يا ابني إحنا مش متفقين إنك هتيجي معانا أنت ومراتك وولادك؟
نظر إلى أشرف بنظرة غامضة، وقال موجهاً كلامه لوالدته:
- تعبان، ضهري واجعني ومش قادر أسوق.
ردت عليه فاطمة بغضب وضيق عارم من موقفه:
- براحتك، خليك ماشي ورا مراتك لحد ما تخسرك أخوك وأهلك كلهم.
دافع عن زوجته بنبرة حادة:
-ومراتي إيه دخلها في الموضوع يا ماما؟
هتفت بنبرة تقطر غلاً وسخطًا:
-من يوم أوضة الأطفال اللي جبتها هدية لأخوك، وهي مش على بعضها، وأهي قلبتك على أخوك الوحيد، من تاني يوم ما نزل من السفر وأنت مش طايقه.
هتف علي بنفاذ صبر وحدة:
- ماما الله يخليكِ، خدي ابنك واتفضلوا على مشواركم، وأنا بايت هنا أنا ومراتي لحد ما ترجعوا.
رمقته بنظرة حادة مليئة بالخيبة، وتمتمت بأسى:
-يا خسارة على الرجالة لما بتخيب.
ثم أخذت بيد أشرف وقالت:
-يلا يا ابني، أبوك مستنينا في العربية، ولسه هنعدي على خالتك أماني وجوزها .
أشار علي بيده نحو الباب، وقال لأشرف بنبرة غاضبة:
-اتفضل.
تحركوا للخارج، وفي تلك الأثناء نزلت داليا من الطابق العلوي، ووقفت أمام زوجها تتفحص ملامحه المجهدة، وسألته بنبرة حذرة:
- عملت إيه يا علي، طمني؟
رفع كتفيه لأعلى بقلة حيلة وإرهاق شديد، وقال:
..........
(سنكمل هذا الحديث فلاش باك في الجزء الثاني من الرواية،منعًا لحرق الاحداث).
_______♕________
وصلوا إلى منزل صادق، حيث استقبلهم هو ومنى بترحاب حار، الحاج عزام وفاطمة، وأماني وزوجها، يتقدمهم أشرف الذي لسبب غامض انفصل عنهم وظل واقفًا بالخارج ولم يدلف معهم.
تفحص صادق الوجوه من حوله، ثم التفت إلى السيد عزام وسأله:
- أمال علي ومراته فين يا حاج؟
أسرعت فاطمة بالرد لتدارك الموقف قائلة:
- عندهم شغل مهم، ومعرفوش يستأذنوا.
أومأ صادق بتفهم هادئ، هبطت دليلة درجات السلم وروحها تسبق خطواتها، مدفوعة بلهفة عارمة لرؤية حبيبها، ولجت إلى الصالة متطلعة في الوجوه، لكن غياب أشرف أثار استغرابها الشديد، وقبل أن تسأل، شعرت باهتزاز هاتفها معلنًا عن اتصال منه.
انسحبت إلى الخارج سريعًا، وسألته بدهشة:
-أنت فين يا أشرف؟
جاءها صوته عبر الهاتف من مكان قريب:
- أنا فوق في شقتنا يا حبيبتي، اطلعي.
عقدت حاجبيها بدهشة وسألته:
-بتعمل إيه فوق؟
أجابها بنبرة خفيضة:
- عاوز أسلم عليكِ بعيد عن الدوشة.
بلعت ريقها بتوجس وخوف من صرامة عائلتها وقالت:
- مش هينفع، بابا لو عرف هيبهدل الدنيا، انزل علشان عاوزة أشوفك.
تنهد وزفر بقوة وعمق وكأن صدره يضيق بسرٍ ما، ثم قال:
-حاضر.
لم تمضِ سوى خمس دقائق حتى وجدته يدلف من الباب الرئيسي، فتسمرت عيناها عليه مذهولة من التغير الواضح في هيئته، لقد ازداد وزنه بشكل ملحوظ، وبدت ملامح وجهه مستديرة للغاية ومختلفة عما عهدته.
تقدم منه صادق محتضنًا إياه بحنو وقال مداعبًا إياه:
-إيه يلا اللي أنت فيه ده، هما كانوا بيزغطوك في السعودية ولا إيه؟
هتفت فاطمة بنبرة تجمع بين الجدية والدعابة وقالت:
- جرى إيه يا صادق؟ الله أكبر في عينيك، فيه حد يقر على عريس بنته كده؟
انطلقت ضحكات الجميع لتصدح في الأرجاء، بينما ابتسم أشرف قائلاً بجرأة وثبات:
-داخل على جواز بقى ونفسي مفتوحة على الدنيا يا خالي.
تبسم صادق، ثم سأله بنبرة حانية:
- أنت كنت مختفي فين،ده احنا اعصابنا باظت،وكنا هنموت من القلق عليك؟
بثبات غريب،رد بنبرة هادئة تفيض بالسكينة والخشوع :
- الرسول عليه الصلاة والسلام ناداني، مكنش ينفع أتردد، قفلت تليفوني وسبت كل حاجة ورايا ولبيت النداء.
ربت صادق على ظهره وقال بتأثر:
- عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقالت فاطمة:
-كان بيعمل عمرة يا حبيبي.
في حين اتسعت عينا دليلة بدهشة بالغة، واستغربت حديثه هذا، اتجه أشرف نحو منى مصافحًا، فرحبت به قائلة:
- حمدالله على سلامتك يا أشرف، وعمرة مقبولة إن شاء الله.
أجابها بابتسامه واسعة:
-الله يسلمك يا مرات خالي.
ثم التفت أخيرًا نحو دليلة، كانت السعادة تفيض من عينيها وتملأ ملامحها، بينما كانت نظراته إليها مشحونة بلهفة غامضة وعميقة.
مد يده وأحاط كفها بقبضته الدافئة، وهمس قائلاً:
-إزيك يا دليلة؟
ردت بصوت مرتعش تتقاذفه أمواج الفرحة:
- حمدالله على سلامتك.
نظر في عينيها بعمق وهمس:
- الله يسلمك.
دلفت دليلة مع والدتها لإعداد المائدة، وتناول الجميع الغداء في جو سادته الألفة، قبل أن يتجهوا إلى الصالون لبدء النقاش الرسمي حول تفاصيل "القائمة" "ومؤخر الصداق" وما شابه.
احتدم الحوار قليلاً وتوترت الأجواء نتيجة الاختلاف على بعض البنود، فلمح أشرف الضيق المرتسم على وجه دليلة، فالتفت إلى خاله قائلاً بذكاء:
-بعد إذنك يا خالي، أنا هاخد دليلة ونطلع شوية في الجنينة.
تطلع صادق إلى ابنته المتوترة فأومأ له بالموافقة. خرجا معًا وجلسا متجاورين تحت ظلال أشجار الحديقة، وظل أشرف يرمقها بنظرات غريبة، مبهمة، تحمل في طياتها مسحة حزن دفين لم تفهمه. استشعرت ضيقه فسألته بنبرة حانية:
-مالك يا أشرف؟
فجأة، وبشكل غير متوقع، أمسك بيديها بقوة للمرة الأولى منذ خطبتهما، ونظر إليها بعيون ترقرقت فيها الدموع، وقال بنبرة متهدجة:
-أنا بحبك أوي يا دليلة، وعاوزك توعديني إنك تفضلي معايا.
تأملت ملامحه المنهكة، ورغم أنها همت بسحب يديها خجلاً، إلا أن مشهد دموعه المحبوسة جعلها تستسلم وتبقي كفها بين يديه، وقالت بنبرة تقطر عشقًا:
-أنا معاك على طول يا أشرف.
(دار بينهما حديثًا طويلًا، سنكملهُ في فلاش باك لاحقًا منعًا لحرق الأحداث القادمة).
بعد مرور حوالي ساعة من ذلك الحديث الغامض، تملكت الحيرة والرعب قلب الفتاة، فنظرت إليه وسألته بهلع مكشوف:
-هو فيه إيه يا أشرف، أنت ليه بتقولي الكلام ده، وفي الوقت ده بالذات؟!
أمسك كفها مجددًا واحتضنه بين يديه، وهز رأسه محاولاً رسم الهدوء على ملامحه وقال بثباتٍ:
-ولا أي حاجة، انسي كل الهبل اللي أنا قولته لك ده.
أصرت على موقفها وسألته:
-طب قولته ليه؟
تنهد وأجابها مبررًا:
-أنا متوتر بسبب الشغل الجديد يا حبيبتي مش أكتر.
ثم نهض فجأة مكملاً:
- يلا ندخل.
استطاع بدهائه أن ينزع الحزن والشك من داخلها، ودلفا إلى الداخل ليجدا الأجواء قد هدأت، والضحكات تملأ الوجوه بعد أن تم الاتفاق على كل شيء، التفت إليهم الحاج عزام وتحدث بابتسامة هادئة:
-مبروك يا ولاد، بإذن الله كتب كتابكم بعد خمس أيام.
وعقب صادق مؤكداً:
-إن شاء الله هنستناكم على الخميس الجاي.
قالت فاطمة بنبرة عتاب حانية:
- إن شاء الله، ولو إني زعلانة منك، كان نفسي كتب الكتاب يبقى في البلد، وسط كل حبايبنا.
تدخل زوج أماني ليحسم الجدال بوقار:
-صادق عنده حق في النقطة دي يا أم علي، الأصول بتقول ان كتب كتاب البنت بيتم في بيت أبوها.
خرج أشرف برفقة دليلة وشقيقها أحمد لمعاينة قاعة الزفاف، كانت دليلة تعيش أجمل لحظات عمرها، خاصة حين تولى مدير القاعة تدريبهما على مراسم الدخول وكيفية السير معًا.
عادوا جميعًا إلى المنزل وقضوا تلك الليلة، وفي الصباح الباكر سافر أهل المنصورة عائدين إلى ديارهم.
_______♕________
مرت الأيام متسارعة، وجاء ليل الأربعاء المرتقب، ليلة عقد القران. قامت دليلة بـتعليق الفستان الذي اختارته بعناية لتحضر به عقد قرانها، قامت بتعليقه إلى جوار فراشها، واستسلمت للنوم وهي تحلم باليوم التالي.
لكن سكون الليل انقطع فجأة على صوت رنين الهاتف الأرضي الصاخب، استيقظت دليلة مذعورة، واستمعت إلى صوت والدها المتهدج بالنوم وهو يجيب :
- أبلة فيفي! خير يا حبيبتي، بتتصلي في الوقت ده ليه؟
جاءه صوت فاطمة عبر الخط، منطفئاً، واهنًا،وهي تقول:
-كلم المأذون وقوله ما يجيش يا صادق.
انتفض قلبه رعبًا، وصاح بصوت عالٍ هز أركان المكان:
-إيه اللي حصل يا فاطمة؟
أجابته بنبرة خفيضة :
- هنأجل شوية.
رد عليها بعدم استيعاب وصدمة:
-يعني إيه هنأجل، فيه حد اتوفى؟
قالت بصوت بالكاد يسمع:
-لا.
سألها بحدة وغضب جارف ارتعشت له جدران الردهة:
- ولما هو لا، هنأجل ليه إن شاء الله؟
ثم صاح بـعصبية:
- هو لعب عيال يا فاطمة؟
كان قلب دليلة يدق في صدرها كطبول الحرب، فاندفعت من فراشها بهلع، ووقفت ترتعد خلف الباب تراقب ملامح والدها المذعورة.
وعلى الجانب الآخر، أغلقت فاطمة عينيها بمرارة مفرطة وهي تستمع لثورته، ثم قالت باختناق:
-بصراحة يا صادق، الولد عيان، هنستنى شوية لحد ما يخف.
انقبض قلب صادق وارتعد رعباً على ابن شقيقته، فسألها بنبرة تملأها الهلع:
- عيان إزاي يعني؟
هنا انفجرت فاطمة باحتقان وغضب عارم، وكأنها بلغت آخر حدود طاقتها وتحملها، فصرخت بصوت يمزقه الوجع:
-خلاص بقى يا صادق، سيبني في حالي وارحمني يا أخي.
وأغلقت الهاتف بعنف، تجمد صادق في مكانه مذهولاً، وراح يرمق منى بصدمة شلت حركته.
في الجانب الآخر خلف الباب، كانت تتهاوى، جسدها ينتفض برهبة عاتية، ودموع الرعب تنهال كالسيل على وجنتيها، في تلك اللحظة القاتمة، شعرت بمرارة حارقة، وكأن روحها تُسحب من بين ضلوعها من فرط الهلع والوجع المفاجئ.
_______♕________
وفي نفس تلك اللحظة التي كان يرتعد فيها منزل صادق من الخوف والهلع، كان هناك عالم آخر موازٍ يسوده هدوءٍ مريب، إذ كان رشيد متمددًا باسترخاء تام وجسده ملقى فوق الأريكة الخشبية أعلى السطوح، مستسلمًا لسكون الليل ونسماته الباردة وهي تلفح وجنتيه بحنان.
اذ كان يمسك بسيجارته بين أصابعه، يشعلها وينتشق دخانها ببطء شديد، ثم يزفره ليتصاعد ويتلاشى في عتمة السماء، باحثًا عن لحظة سلام تسكنهُ.
وفي تلك الأجواء المنعزلة، كان يغلق عينيه ويتمزج مع الأنغام الساحرة لكوكب الشرق "أم كلثوم" وهي تشدو برائعتها الخالدة "أنت عمري"، لتملأ صدى المكان وهي تقول.
رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا. علموني أندم على الماضي وجراحه. اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه. عمر ضايع يحسبوه إزاي عليا.
