رواية الصياد والفريسة الفصل الرابع 4 بقلم ملكة الروايات


 رواية الصياد والفريسة الفصل الرابع 

​لم تكن ليلة هادئة في أزقة الحي الشعبي؛ كانت خطة "سعيد" تتخمر في العتمة كالسم. بعد أن أفرج عنه بكفالة مالية وملاحقة قانونية تحيط برقابته، استشاط غضباً ورغبة في الانتقام. لم تكن خسارته لمصالحه في الشارع سوى القشة التي قصمت ظهر غروره، وكانت إهانة "مراد الحسيني" له أمام أهل الحارة جرحاً لا يندمل إلا بالدم.
​في ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ الحارة، يتسلل ثلاثة من رجال "سعيد" المدججين بالسلاح الأبيض والعصي الخشبية الثقيلة، محاصرين البناية البسيطة التي تقطنها "نور" مع أسرتها. كان الهدف واضحاً: ترعيب الفتاة وأمها، ولوي ذراع الضابط الذي تجرأ على تحديهم.
​استيقظت "نور" على صوت ارتطام قوي بباب الشقة الخارجي، يليه صراخ "سعيد" الجاف والمستفز:
"اطلعي يا ست نور! وريني بقى الظابط بتاعك هيحميكي إزاي وأنتِ في وسط حارتنا وفي بيتكم!"
​فزعت "منار" وهرعت إلى حضن والدتها "الحاجة فاطمة" التي راحت تبتهل إلى الله بالدعاء ويدها المرتجفة تتشبث بسبحتها:
"يا رب احمي بناتي.. يا رب مالناش غيرك!"
​قبضت "نور" على رأسها وشعرت بشرارة الخوف تتأجج داخلها، لكنها رفعت رأسها بكبرياء جارف، وجذبت عصا حديدية صغيرة كانت تركن بجوار الباب، ووقفت خلف الباب بصلابة وقالت بصوت مرتفع:
"امشي من هنا يا سعيد أنت ورجالك! الشارع كله سامعك والشرطة زمانها في الطريق!"
​ضحك "سعيد" بسخرية قبيحة:
"الشرطة بعيدة يا حلوة.. والنهاردة الحساب قديم وجديد!"
​بدأ الباب البسيط يتهاوى تحت ضربات أقدامهم القاسية، وتناثرت شظايا الخشب. تصاعد الرعب في الحجرة الصغيرة، وفي اللحظة التي انكسر فيها قفل الباب وانكشف المدخل، تحركت "نور" بسرعة كالبرق ووجهت ضربة بعصاها على يد أول المقتحمين تجعله يتراجع صاريخاً من الألم، لكن الكثرة كانت تبتلع شجاعتها المذهلة.
​جذبها أحدهم بقسوة من معصمها، فصرخت "منار" صرخة شقت سكون الفجر:
"نــــــور!"
​وفي لحظة انقطاع الأمل، انشق ظلام السلم عن صوت خطوات سريعة كالرعد!
​انفجر المكان بحضور إعصاري؛ لم يكن سوى "مراد بك الحسيني" الذي كان يراقب المنطقة عبر إحدى دورياته السرية الحاضرة بالقرب من الحي. دخل "مراد" كالصقر الثائر، وعيناه تفيضان بشرار قاتل.
​قبل أن يستوعب المعتدي الأول ما يحدث، وجه له "مراد" لكمة خطيرة في فكه أطارت به أرضاً فاقداً للوعي، ثم التفت للثاني الذي حاول ضربه بعصا ثقيلة، فقبض "مراد" على العصا بيده العارية في منتصف الهواء، ولوى ذراع الرجل بمهارة قتالية فائقة حتى سمع صوت طقطقة عظام المعتدي، يتبعه صراخه المدوّي قبل أن يلقي به من أعلى الدرجات!
​تراجع "سعيد" للوراء بذعر، واستل خنجراً حاداً من طيات ملابسه، وصرخ بخلط من الخوف والغل:
"مش هتقدر تخرج منها يا مراد باشا!"
​هجم "سعيد" بطيش وغل، لكن "مراد" تفادى الطعنة بخفة ورشاقة مذهلة، وأمسك بمعصمه وضغطه بقوة مرعبة جعلت الخنجر يسقط يرن على الأرض. جذبه من ياقته ودفعه بقوة نحو الحائط ليرتطم به، ثم وثبت عليه نظرة كفيلة بإعدامه في مكانه:
"تتجاسر وتلمس مسكناً فيه نور؟ أنت كتبت نهايتك بيدك يا سعيد!"
​طرحه أرضاً وثبته بتثبيته حاسمة، في الوقت الذي اقتحمت فيه القوات الأمنية المكان وسيطرت على الموقف تماماً، وألقت القبض على "سعيد" وعصابته المهزومة.
​ساد الهدوء الخانق في المكان، ولم يُسمع سوى صوت أنفاس "مراد" المتلاحقة والمليئة بالغضب والغيرة والحماية. التفت ببطء نحو "نور" التي كانت تقف لاهثة، ينبض قلبها بشدة، ونظرات الصدمة والذهول تتصارع في عينيها.
​خطا "مراد" نحوها بخطوات بطيئة، واختفت كل علامات القسوة من وجهه ليحل محلها قلق جارف ولهفة آثرة. رفع يده المرتجفة قليلاً وكاد يلمس كتفها، لكنه توقف احتراماً لكبريائها وقال بصوت خفيض ودافئ يناقض الهول الذي أحدثه منذ لحظات:
"هل أنتِ بخير يا نور؟ هل مسّكِ سوء؟"
​استندت "نور" إلى الحائط، وشعرت لأول مرة في حياتها أن دروع كبريائها المنيعة تتهاوى قطعة تلو الأخرى أمام هذا الرجل الذي يخاطر بحياته ونفوذه ليحميها ويحمي أهلها. التقت عيناها بعينيه الداكنتين، ورأت فيهما حباً عميقاً وشهامة لا تتزعزع.
​ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت خافت تداخلت فيه الدموع مع الكبرياء:
"أنا.. أنا بخير يا مراد.. شكراً لك."
​كانت هذه المرة الأولى التي تناديه فيها باسمه مجرداً من ألقاب السلطة. اهتز كيان "مراد" لسماع اسمه بصوتها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساحرة مليئة بالنصر والانتصار العاطفي.
​تقدمت "الحاجة فاطمة" وهي تبكي والدموع تملأ عينيها، وأمسكت بيد "مراد" تدعو له بقلب أم:
"ربنا يحميك ويكفيك شر الطريق يا ابني.. أنت أنقذت بناتي وعرضي النهاردة، ربنا ينصرك زي ما نصرتنا!"
​انحنى "مراد" وقبّل رأس الحاجة فاطمة بأدب ووقار شديدين وقال:
"هذا واجبي يا أمي.. ونور وأهلها خط أحمر لن يسمح مراد الحسيني لأحد بتخطيه ما دام حياً."
​التفتت "نور" ونظرت إليه بتحدٍ قديم بدأ يذوب، بينما تبادلا نظرة طويلة، تساءل فيها كلاهما:
هل انكسرت شوكة الفريسة أخيراً أمام صدق مشاعر الصياد؟ أم أن الصياد هو من بات مكبلاً بأغلال هذا الحب للأبد؟


تعليقات