رواية هتاف مسيلمه الفصل الرابع 4 بقلم سيلا محمد


 رواية هتاف مسيلمه الفصل الرابع 4


« كم من بريء دُفِـن بصوت ليس ببابٍ من أبواب الحكمة و كم من إجرامٍ حَكَـم قطيع مُسيَّر ، و كم من مُجرمٍ سـاد بكذبهِ القليل سهل الرواية و الحبك ...
فلا تُصدق كل ما تسمع ، و لا تُكذِب كل ما يُقال .. بل عليك أن تبحث ، و تُفتش عن حقيقة البادِرة .. ثم اقفِـز عند حافـة اليقين ، و احكم بالعقل ؛ وليس القلب ..
كُن ميزانًا لا سيفـًا .. و تحَدى الظلم و أُناسـِه ، وإن فاضت روحك إلى السماء بريئة ..
يكفيك أنك لم تَبِـع القضية ، وأنك لازلت أنت .. كما أنت !!
و إليك سؤالي يا حادي الطريق ..
_ هل سبق أن أشرت بسبابـةِ يدك على خاطفك ، و أكدت أنه ما عنه تبحث و تنتظر ؟!
أنـا فعلت .. و لم أكن بحالة الهذيان ، ولم أكن فى شرودي .. بكل كنتُ بكامل القُوى ، و استواء التصميم ..
نعم بملء إرادتي ، و عزة يقيني .. تمت الجريمة ، و اخترتُ خاطفي ...
رجـل لا أعي هويته .. ولا اسمًا له ... ولا صفـةً تُشبهُه .. ولا حاضرًا يتملكـه ... و لا ظنًا يعتريه ..
لَوحْتُ له بيدي ، فسحبني إلى داخله .. إلى داخل أعماقه ، و كأنه محيط ؛ ما إن يدلف المتلهف إليه حتى يُغرِقه ..
و كُن على يقين ؛ أنني لم أتفوه بكلمه ، أو اُطلِق صرخةً واحده ؛ بل فضلت الصمت حتى تتم الجريمة على الوجوه الكامله ...
لا خوف .. لا قلـق .. فقط شعوري يحتويني .. يكفيني .. ينتشلني من ضيقي إلى نضالي ..
و قد نفذ الجريمة بإتقان .... و أنا لديه أنعم ، أو أتعذب »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
*******

« ما بين الحُلم و اليقظة متسع يطلقون عليه اللاوعي ..
يقف دائما بالمرصاد أمام الطموح ، و يرتدي الثوب البَهِي لكي يُحقق ما يتمناه صاحبه ..
و وسط غفوتهـا ..  تراءت لها الأحلام كما واقع ملموس ، بعضه .. تتطاير فيه كما الفراشات ، تتراشق شهد الرحيق ، و بعضه كما الموت البطيء ... مؤلِـم
أما تلك اللحظة ، فالوضع اختلف تمامًـا ...
رأت أنها تقف وسط ساحة يملؤها الضباب ، و كأن قلبها يُطلِق من فُوهته دخان متصاعد كما بركان من الأحزان الثائرة ...
ثم ظِـل يتردد عليها من آنٍ إلى آخر ... لجسد مهيب و ملامح غير مألوفه ...
ألامها لا تنتهي ... أوجاعها تتجدد ... و هو الذي يقف ولا يتحرك ...
أنفاسه باتت كما مرجل يُغذيه الفوران ...
كذب ... انهيار ... خيبة تلحقها خيبة .. ثم رجفة باتت صريحة ، و كابوس لا تصحو منه ولا تفيق ... »

أصوات محركات السيارات الهادرة أنبأت الألفـا بعودة رجاله ، إلا أنه لم يهتم .. فقد كان ولا يزال فى ساحة قتاله يُحطم هذا .. و ذاك ..  و يكسر أنف الأول ، فـ ساق الثاني ، فـ صدر الثالث ، فـ ضلوع الرابع .. و الأخير لم يحتمل ... مات صريعـا ...
و يوميًا على تلك الشاكله ، حتى كاد المشهد الأولِي  لرجاله ينتهون ؛ لكنهم لا يعوا أنهم يتجددون باستمرار ، عزائهم الوحيد أن نهايتهم على يد سيدهم .. سيد الجبـل " الألفـا " ... و تلك لحظات تدريبه اليومية وحسب ...

علِم سادي بتواجد الألفـا فى ساحة قتاله ، لينضم إليه فى بساله ، و لم يكد يراه ذاك الرجل حتى انقض عليه كما ذئبٍ شره جائع .. كال له الكثير ، و احتمل السادي بقوته الملحوظة .. و الغَلبَـة فى النهاية للرجل الذي لا نعي هويته بعد ..
انتهت اللحظه ... ليتوقف ، ثم استقام هاتفًا بصرامته المعهودة :
— إيه الأخبار ؟!

أجاب سادي الذي شعر بعظام جسده تئن و ترضخ ، رغم قوته البدنيه الواضحه للعيان :
— كله تمام يا ألفـا .. الشنطتين فى الصراط .. وكل اللي أمرت بيه اتنفذ .. حتى الشحنة وصلت كلها ...  كل واحد فيهم أخد اللي تخصه ..

ضاق ناظري ذاك الألفا ليستطرد :
— عايزك تتابع حالاتهم و كأنهم قُدامك .. سجِّل النتائج أول بأول .. أنا مسافر بُكره " سـاو باولو " زي ما إنت عارف .. الإجتماع هناك ، ومش عايز أفوِّت أمر مهم زي ده .. الشغل هنا يتم بنفس الجديه ، لأني هتابع ..
كله هيبقى تحت رعايتك إنت و حميم .. ما عـدا ....

ابتلع سادي ريقه ، يلتقط أنفاسه فى سخاء ، ليزفر فى احترام :
— ما عدا إيه ؟!

أجاب الألفا الذى غادر ساحة القتال فى يقين ، و صرامة :
— ما عدا البنت اللي شبه الجـثة .. هاخدها معايا ...

اتسعت مقلتي سادي فى تساؤل مُقَـنن :
— أوامرك تُنفَـذ طبعًا ، بس .....

إلتفت إليه الألفـا فى غضب شاهرًا أنيابه :
— مفيش بس ... ابعت إيميل لـ شرف ، و قوله يجهز فلوسه ... الرسومات الجديدة جاهزة ... و مش عايز تأخير ، و إلا يشوف هيتصرف من غيري إزاي !!

فى العادة .. من يستمع إليهما لا يظن أنه سقط سوى فى بؤرة إجرامية سحيقة .. و ربما حسنًا يفكر .. و صدقًا ينتمي ...
خطوات ومهام ما بين اتصال عابر للقارات .. اتفاقات .. اجتماعات ... حتى حل الليل ...
كما الجميع يشعر بالتعب ، و إن كان جسده صلبا ، و عقله أصم ؛ و روحه بكماء .. إلا أنه كالكُل يكِل و يتعب ..
يُجسِّد ما يفوق باقي البشر من مهام توازي احتمال العشر و يزيد ...
لذا ما إن انتهي ، حتى خلد إلى فراشه ..
و قبل أن يُغمِض عينيه .. فتح أحد الأدراج فى استسلام ، ليقتنص إحدى العُلب المُذهبه ذات النقوش العربية ، و فتحها بطريقة غير معتادة ، ليُخرِج من داخلها قرص دوائي أبيض دائري الشكل .. وضعه بفمه ، ثم أغلق العلبة فى اهتمام ، و أعادها إلى مكانها السابق ...
و استكان على فراشه ...

غرفته مظلمة بالكامل ، إلا من بصيص من الضوء الخارجي يتسلل من الشرفة فى رجاء من ينشد البقاء على قيد الحياة ..
ارتجف جسده قليلاً ، ثم ذهب إلى الراحة .. إلى الموت الأصغر .. إلى النوم.   
و فى مُخيلته .. ما وراء الوعي ... رأى جسده أكثر خِفَـة ، لينهض فى هدوء ساحر .. و يقترب من باب الغرفة ..
لكنه لم يكن إلا شابًا بعمر الثالثـة عشر ...
قرر مغادرة الغرفة إلى الأسفل ، إلا أنه تصلب فى مكمنه حين استمع إلى ذاك الصوت الرفيع الأنثوي الذى لا يُخطئه أبدًا ... ذاك الصوت ينتمي إليها ..
إلى والدتِـه .... ظل يتتبع الصوت شيئًا فشيئًا حتى اصطدم بالجدار ... جدار البهو ..
الذى لا يختبيء خلفه سوى الخلاء ..
إذن من أين يأتي ذلك الصوت ؟!

أنفاسه الهادرة ، و جنونه الذى عززه كلماتها قليلة الحياء ، ثم أصوات أخرى تتخلل مسامعه عن قُبلات ساخنـة ، و أنين مكتوم .. ثم همس رجولي ..
تجمد جسده ، ثم شهق فى انزعاج ، فوالده لا يزال بالأراضي الفلسطينيه منذ الأيام الثلاث .. و لن يستطع العودة إلا بعد انقضاء مهمته ..
أصر على تقفي الآثار .. يتحسس الجدار فى إهتمام .. حتى أنزلقت إحدى التابوهات الصغيرة المُعلقه ، لتكشف عن فراغ جداري بحجم رجل كامل ...
و رغم خوفه ، و خشيته .. فلابد له أن يعي مَن هناك ؟! و مع من تتعامل .. ؟!
هبط درجات السلم الحديدي الصدء فى هدوء ، محاولاً ألا يَصدر عنه صوت يكشف هويته .. و قد نجح فى ذلك
حتى وصل إلى طابـق سُفلي أشبه بالقبو ، استحال داخله النهار إلى ليل ..
لكنه الصوت لا يزال يتردد داخل المكان و خارجه ..

وما إن خطى خطوتين إلى الداخل ، حتى شعر بأنفاس من خلفه ، يلحقها ارتطام جسد بالأرض .. ثم ضربة موجعه على الرأس ..
افترض الفتى أنه يهذي أو يعاني الهلاوس .. لكنه لم يكن إلا هجوم ضاري .. كشف عن مرتكبيه ... بتفتح عيناه ؛ ليجد أنه مُغـلل اليدين و القدمين إلى فراش المرضى .. داخل غرفة صُممت كما حجرة العمليات ..
و يقف حوله شخصان .. تبين له أن أحدهما إمرأة أخفت ملامحها بشكل شبه كامل خلف كمامه جراحية ، و غطاء للرأس ؛ يقابلها بالجانب الآخر أحد الرجال ...
ثم نظرت له نظرة طويله ، تبعتها بغرس محقن ذو سائل وردي داخل أحد الأنابيب المتصله بأوردته ..
لحظات ، و تهدلت عيون الشاب ، ليشعر بخِدر بكامل
جسده .. و فى تلك الأثناء ..
خلعت المرأة عن وجهها الكمامة ، لتتسع ناظريه رغمًا عنه ، ثم فاه بثغر و لسان ثقيل :
— ماما .... !!

إقتربت المرأة من أذنه اليسرى ، لتهمس :
— خليك هادي و استرخي خالص .. كلها ساعه و نخلص .. و هتنسى تمامًـا كل اللي حصل ...

لم يستمع إلى باقي الكلمات ، نظرًا لتدخل الشخص الآخر الذى هتف بصوته المسموع :
— رزان .. مش وقته ؟! يلا ...

اختل إتزان الكمامة ، ليسمح القدر بكشف هوية الآخر ..  إلا أنه أفاق قبل الأوان ... ليصرخ صرخة مُدوية
استمع إليها الجميع ، ومن بينهم المسكينة فى سجنها الشبه آمن ...
إلى أن انضم إليه سادي مقتحمًا غرفته ، دون أن يجرؤ غيره على فعلها .. ليقترب من فراشه ، واجدًا إياه جالسًا على طرف الفراش يلهث من التعب ، و قطرات العرق الغزيرة تتساقط على جبهته ، و عنقه كما حبات الفضة ... ثم ربت على كتفيه قائلاً فى اهتمام :
— برضه نفس الكابوس ؟! تحب أشوف أخصائي نفــ.....

ابتلع سادي باقي الحديث حين رمقه الألفا فى غضب ، ليبتلع أنفاسه ، و يفضل الحديث من جديد :
— أنا بقول بس علشان أساعدك ... مبتحملش أشوفك كده ...

نهض الألفـا بصدرٍ عارٍ يلهث قائلاً :
— و تفتكر يعني هيعمل إيه أكتر من اللي قبله .. !! أنا لازم أوصل .. لازم أشوفه يا سادي .. و صدقني قربت ..
النهارده كنت هشوفه ، بس الرؤيا مكتملتش ..
بقولك إيه ؟! لسه أد إيه من الحبوب فى الصراط ؟!

أجاب سادي فى طاعة :
— ١٠ حبات

ظهر شبح ابتسامة على ثغر الألفـا ، يُنبيء بأمل على وشك الحدوث :
— كويس .. و أنا مش محتاج أكتر من كده !!

فاه سادي فى قلق :
— طيب .. مش يمكن لو كملته و عرفت .. ميكونش فـ صالحك ؟! قصدي فـ صالح اللي عملها ؟!

أجاب الألفـا فى غضب ، ضاغطًا على عنق سادي الذي استسلم له نهائيًا حتى كاد يفقد أنفاسه :
— إنت تعرفه ولا إيه ؟! خايف عليا ولا عليه ؟! إيه اللي فـ راسك يا سادي ؟!

أجاب الآخر على الفور :
— أنا خايف عليك إنت يا ألفـا .. إنت أكتر من أخويا ، و مستعد أضحي بروحي عشانك .. بس أنا خايف عليك من الحبوب دي ؟! خايف متقدرش تسيطر على جموح رغباتك ، و مين عالم ؟! القذر ده يبقى مين بعد كل محاولاتك دي ؟!

ابتسم الألفـا فى سخرية ، قائلاً :
— متخافش .. أنا الألـم نفسه ميقدرش عليا ... الوجع أنا كسرته من زمان .. و لو أخدت أطنان من الأقراص دي ؛ مش هتأثر فيا غير بغضب كل يوم يزيد ..
لازم أعرف هي ليه عملت كده ؟! خانت والدي مع مين ؟! وليه دمرتني بالشكل ده ؟! كانت عايزة توصل لإيه ؟!

إلتمعت عينا سادي فى اشفاق ، سرعان ما تلاشى أمام جبروت الألفـا ، ليهتف :
— هتعرف صدقني .. ولو كان لسه عايش .. هجيبه تحت رجليك تعمل فيه كل اللي عمله فيك أضعاف مضاعفة ..

ضم الألفـا قبضته ، ثم لكمها بالجدار الذى تهدم جزء من واجهته ، مع تفجُـر الدماء غزيرة من بين أصابعه ، ليُقبِل عليه سادي فى قلق :
— مش كده ..  !! حاول تسيطر على غضبك أكتر من كده .. لازم يا ألفـا .. لازم .. أنا هروح أعملك اسعافات سريعة ...

أجاب ألفـا فى رفض :
— مش وقته .. أنا خلاص بطلت أحس بأي ألـم .. المهم دلوقتي إني أرجع تاني ، و أحاول أشوفه ...

إتسعت مُقلتي سادي فى خشيه ، و تراجع :
— لأ يا ألفـا .. بلاش .. مش هينفع تكرر الحدث مرتين ورا بعض .. أنا كده ممكن أخسرك .. كلنا ممكن نخسرك .. مفكرتش فى كل رجالتك ، هيعملوا إيه لو جرالك حاجة ؟!

اقترب منه ألفـا قائلاً :
— متخافش .. هاتلي بس مطهر بسرعة .. أنا ضروري أجرب مرة كمان .. الإجتماع بكره .. و أنا متأكد إن الوا.طي ده واحد منهم ... و لازم أعرفه قبل ما أسافر ..  

و أمام إصراره ..لم يجد بُدًا من المثول إلى رغبته ، و أمـرِه القاطع الذى لا جدال فيه .. يرتقي من مكانته ، و هيبته فُسحة بداخله لا يوازيه فيها أحد ..
أسرع إلى إحضار صندوق الإسعافات الأولية الغير اعتيادي ، فى حين لا تزال الدماء تنزف من يد الآخر فى غزارة كما السيل ..
ظل يتأمل جراحه الدامية فى تبلد ، و يتذكر ماضيه ؛حينما كانت تلك الطاغية قاسية القلب تذيقُـه ألوان العذاب إن حاول سبر أغوارها ، و كشف ماضي شريكها الأحقر على الإطلاق ، و عشيقها السافر ...

تبددت أفكاره حين اقترب منه سادي ، ليسحب منه الصندوق بقلة صبره ، ثم تعامل مع جُرحه بأيدي خبيرة .. حتى أتم ضماده بالكامل .. ليُطالب سادي بالرحيل
ثم عاد إلى فراشه ، يفتح العبوة و يتناول منها نفس القرص الأبيض السابق ...
و يتمدد على الفراش .......  

كانت ذلك سابقته فى تكرار الأمر ، و الاستسلام إلى تأثير تلك الحـبة التى من شأنها رفع هرمون الأدرينالين فى الجسد ، و تنشيط مركز الذاكرة فى خلايا المخ ، و من ثم تنبيه الجهاز العصبي الهيكلي ؛ الذى من شأنه التعامل بشكل لا إرادي بإنقباض كامل للعضلات ، و تحفيز هرمون النور أدرينالين ، و الكورتيزول فى الدم ...
حالته يصعُب التصديق فيها ... ربما خلال الأمر يصل إلى ما يتخطى الخطر أو يزيد ، إلا أنه بإرادته و عناده .. لم يتراجع ...
و بالفعل .. وجد نفسه داخل القبو ، بنفس المشهد الماجِـن للمرأة و الرجل الملثم ، حتى أمسكا به على المحفة الجراحية ، مقيدًا إياه بالأحزمة و الأربطة القويه ..
يرتدي الكمامة الطبية .. ثم قامت المرأة بحقن المادة المُخدرة فى الأنابيب ، التى بدأ جسده مُمْتثلاً لتأثيرها بعد قليل ...
ثم أتى المشهد المفاجيء ، و اللحظة المنتظرة ...
كادت الكمامة تسقط من فوق وجهه ، لينتبه لها الرجل الذى عالجها قبل أن تسقط بشكل كامل ، وقد ظهر من حدود وجهه القليل ...
ذاك القليل الذي لم يكن كافيًا أبدا ، ليُثبِت أمام النائم هويته... إلا أن لمحة بسيطة صدرت عن الرجل بإبتسامةٍ صفراء ماكرة .. كما لو أنه يعي جيدًا حدود ذاك الأمر الذى بدأ بكابوس ، و انتهى بصحوة ...
على إثرها صرخ الألفـا ، ليتوغل سادي الذى لم يحتمل الرحيل ، منتظـرًا أمام باب غرفته عله يريده ...
فى حين دلف إلى الداخل سادي هاتفًا :
— عاجبك كده ؟! إنت ليه بتدمر نفسك بالشكل ده ؟!
حرام عليك نفسك يا ألفـا ؟!

إستقبل الألفا سادي بنظرات حمراء كالدماء ، و أسنان تصطك من شدة الغيظ قائلاً :
— مش عارف ليه ؟!
أقولك لو نسيت ... علشان أعرف أمي لما استولت على أموال والدي ، و رتِبت لقتله .. و اتعاملت معايا أنا .. ابنها كـ فار تجارب .. كل ده لصالح مين ؟!
مين اللي كان معاها فى المعمل ، و بتنتهِـز غياب والدي و سفره ، و تنام فى سريره ؟!
مين اللي لما انكشف لي الباب السري للقبو كانت فى حُضنه ؟! و لما شافوني عملوا فيا إيه ؟!
أنا عارف إنها ماتت .. و إني لسه محتفظ بجثتها لغايت دلوقتي ، لغايت ما ألاقي عشيقها الحقير و أدفنهم سوا بعد ما أشرَّحهم بإيدي ..  لكن كل ده كوم ، و اللي بلغني إنه واحد من الأسياد حاجة تانيه خالص
و لو موصِلتش ليه ؟! أقسم ببصيص النور اللي لسه جوايا ؛ لأولع فيهم كلهم ، ولو فيها نهايتي !!
فهمت يا سـادي ... ولا أقول تاني ..  
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
***********

« حظي رفيقي أينما رحلت ...
و إن ابتسمت ، أو عبست ، أو بكيت ... أجد من عامة البشر من يكمن بداخله حقدًا دفينًـا ..
على ماذا يُكِنون الحسد لي ؟!
أعلي يُتمِـي ؟! أم فقري ؟! أم احتياجي ؟! أم وحدتي ؟! أم ضيق صدري ؟!
و إليهم ... أتقدم بخالص العزاء .. لأولئك الأشرار الغاضبين ... لحاقدي الأنفس ؛ لدفء أيامي مغتصبين ...
لمن قدموا لي معزوفـة النار فى قنديلٍ منطفيء ، و ما إن تمسكتُ به ، حتى أضرم فى جسدي لهيبًـا لا يخمد .. !!
لكل قطرة من دموعي سقطت .. و ليالٍ طويله عابرة ، بِتُ فيها كما الذليل يودع النهار و يستحضره ....
لن ألعن حضوركم فى رحلتي ؟!
و لن أُعاتب أجواء حظي ؟!    
 بل أُقِـر و أعترف أن الذنب لي ، لأنني وُلِدتُ فى دنيا ، ليست متاعي ولا مأمني !!
يا نبي الله " أيـوب " ... ها أنا أستكمل الصبر بالصبر ، و أحتمل الجَلد بالتريث ، و الانتظار بعدمِـه »

ليالٍ تَمُـر ... فقَدَ خلالها بدري قدرته على احتكار الأمل ، وسط عبارات اليأس المبتوره .. لتنتهي رحلته المؤقته ، بعُطلة دامت أيام توالت و انتهت ... ليحق له الاستعداد من جديد إلى العودة ...
فى تلك الأثناء ...
صرح مجلس الحي بصدور قرار إزالة كافة الأطلال البالية نظير رسوم زهيدة من الورثه ، و إن استدعى الأمر أن بعضهم لا يحمل وحدات الامتلاك .. فستُقِـر المؤسسة انضمام ملكيتها إلى الدولة ...
لتكن منفعه عامة لكافة فئات الشعب ...
و قد حان فى ذلك النهار دور المَسكن البالي الذي كان فيما مضى يقف على أعواد الثقاب ، و الآن مُثجى مهمل ... لا ينتظر أحد ..

اقترب أحد موظفي الهيئة العامة للإسكان و التعمير و المرافق ، يرافقه عدد من الرجال ما بين سائقي اللودرات و الجرارات و عربات النقل الثقيله ، ليهتف الموظف :
— هو مالك البيت ده ، أو اللي كان فين مقالش  إن كان فيه ضحايا ولا لأ ؟! بمعنى تاني .. حد من السكان مات ؟!

أجاب الآخر فى أسف :
— بيقول كلهم كانوا مسافرين بلطيم يصيفوا .. ما عدا بنت يتيمة ساكنة فى الدور الأرضي بعد وفاة والدتها .. و غالبًـا الأب كمان ميت .. ما هو البيت ده ٣ شقق بس .. و الشقتين التانيين لعيلة حمدان السروجي .. و لما عرف بالزلزال ، اتصل بالمالك و سأله .. و طبعا قاله البيت وقع ومعدش نافع ..

عاد الأول إلى التساؤل فى اهتمام :
— سبحان الله ليهم عُمر !!
طيب و البنت دي .. محدش قِدر ينقذها ؟!

اقترب منه بدري الذى أجاب غاضبًـا :
— هننقذها إزاي ؟! وأنا روحت الهيئة ٧ مرات علشان يوافقوا يبعتوا لودر يدوَّر عليها .. و محدش سأل فيا
.... لولا إني تصرفت تاني يوم .. تفتكر فيه بني آدم بكامل صحته و قوته يتحمل يعيش ساعه واحده تحت الأنقاض دي ؟! فما بالك ليوم كامل .. ٢٤ ساعه !!

إرتطمت الحقيقة بجدار صلب كونه الواقع المتصدع ، الذى أجبر الرجل على الإنحناء أمام القول الفاصل ، فلم يكن فى مقدور مسئولي الحي توفير الأجهزة للبحث خلف الحطام ، نظرًا لكثرة حالات الهدم المُـجردة من فكرة إستيفاء الخسائر المادية ، إلا أنها تخطت ما وراء ذلك إلى الخسائر بأرواح البشر ..
ليشعر الرجل ببعض الحرج ، مكتفيًا بإيماءة خفيفة تأكيدًا على قوله ...
فى حين أضاف الآخر :
— و الله يا أستاذ إحنا ملناش ذنب .. المجلس مكنش قادر يكفِّي كل الحالات .. عدد  اللودرات أقل من المطلوب ، و المجهود فى كل حالة كان أكبر من طاقة العمال .. كانوا هيعملوا إيه ؛ ولا فـ إيديهم إيه ؟!
ده نصيب ، و دي أعمار ..  ربنا بيقول :
" كل من عليها فان "

أجاب بدري فى خشوع ، ليستكمل الآية الكريمة:
— " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" ..

اجتمعوا جميعًـا على قولٍ واحدٍ :
— صدق الله العظيم .

تنهد بدري فى ألم ، كاد يُغرقه فى أمواج الضياع من ندم ، و حسرة ، و خسارة لقلب فتاة نقي .. لم يُقدم لها سوى الوجع ، و الإيذاء و تقليل الشأن و الاستخفاف ، ليزفر أنفاسه فى صوت مسموع :
— و حضراتكم هتعملوا إيه باللودرات دي دلوقتي ؟! ما خلاص ؟!

أجاب المسئول فى توضيح :
— و الله اللي كاتبه ربنا يكون .. هنعمل اللي علينا ، و الباقي على ربنا .. فى كل الأحوال .. اللودرات موجوده ، و صاحب المِلك طلب نشيل الحطام ده كله .. كمان علشان أمان المنطقة ، و الأطفال اللي فيه ، و المنظر الجمالي .. ومين يعلم .. !!
مش يمكن ربنا مقدر إننا نلاقي حد لسه عايش .. مفيش حاجه بعيدة على ربنا.....

و قبل الرحيل .. لا مناص من الرضا بأقدار الله و القضاء ... علينا أن نضع كل لبنة  فى جدار الأمل ، ليهمس بدري فى حزن ، على إثره .. رحل إلى عمله بمركز الشرطة :
— حد مين يا حضرت !! دي واحده بس اللي حظها قليل ، و ربنا راضي عليها ..  الله يرحمِك يا حبيبتي ...
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
**********

« أتعلم ما الذي يكسر القلب حقًـا !!
ليس الرحيل .. فالكل راحل لا محاله ...
و ما أدراك ببابٍ بأيدينا سيُغلق ...
فالحضور نقيض الفراق ... أحدهما يُـولد ، و الآخر سيموت ... و تلك سنة الحياة و القلوب ....
و ما نراه الفاجعة فى يومنا ... ربما بعد أيام .. أسابيع .. شهور .. أو أعوام إن صح القلب و وفَّى ؛يصير عابرًا بلا اغتراب ...
لم تكن بحياته سوى فكرة عليه حذفها و تلاشيها ... لكنها بعد أن رحلت ، تبين له أنها الاستثناء ...
الشعور الذي لا يوصف  ، و الجرح الذي لا يندمل ...
ولم يعد أمامه سوى الصمت .. إلى أن يأذن الله أمرًا كان مفعولا ... »


تعليقات