رواية لأنك انت الحب الفصل الرابع
(لأنك أنت الحب)
منار الشريف
الفصل الرابع
قطع نداء اللاسلكي سكون الكوخ كضربة سيف. انفصل سليم عن يارا في أسرع من الثانية، وتحولت نظرة عينيه في أقل من ثانية إلى جمود صارم، وكأن القبلة التي أذابت الجليد بينهما قبل لحظات لم تكن سوى وهم خيالي.
امتدت يده يلتقط اللاسلكي، وضغط على زر التحدث بنبرة جافة، خالية من أي توتر:
- النسر1 للقيادة... الرسالة وصلت. قدامي خمس دقائق لإخلاء الموقع والتسليم. وقفوا أي تحرك ميداني.
ترك الزر، وألقى اللاسلكي فوق الطاولة الخشبية دون أن ينتظر الرد. تحرك نحو الحقيبة العسكرية الكبيرة الملقاة في الزاوية، وسحب منها حزامًا عسكريًا إضافيًا وقنبلتين دخانيتين. وقفت يارا تسترد أنفاسها المجهدة، ويدها تمسك بالملف الورقي الأسود الذي كشف حقيقة شقيقها زياد. نظرت إلى سليم وهو يلقم مسدسه بجمود، وقالت بصوت حاول محاكاة ثباته:
- أنت مش ناوي تسلمهم حاجة... صح؟ الخمس دقائق دول عشان نخرج؟
التفت إليها سليم، وعيناه تمسحان المكان بتركيز شديد:
- الخمس دقائق دول عشان نخليهم يفكروا إننا بنحضر نفسنا للخروج من الباب الرئيسي. القوة اللي بره مش جاية تأمنا، دي جاية تمسح الكوخ باللي فيه، وشريف مش هيسيب أي أثر لأي ورق هنا.
سار نحوها بجهد جاد، وقبض على كتفها بتمكن:
- الكوخ ده مفيش فيه مخرج خلفي غير اللي دخل منه المسلحين، بس فيه فتحة التهوية الموصلة لنفق خدمة قديم تحت الأرض، كان بيستخدم لنقل الحطب. ضيق ومضلم، بس هيخرجنا ورا التلة الجبلية.
قاطعت يارا حديثه، وهي تعود بخطواتها نحو الطاولة الخشبية التي تتكدس عليها المستندات ووحدة التخزين الرقمية:
- مش هنخرج إيدينا فاضية يا سليم الورق ده، والشريحة دي هما الحاجة الوحيدة اللي هتدمر شريف. لو سيبناهم هنا يبقى كل اللي عملناه كأنه ملوش قيمة.
ضم سليم شفتيه بغضب مكتوم، وقدم خطوات حادة نحوها:
- أنا مُكلف بحمايتك أنتِ مش حماية الورق. النفق مش هيستحمل نتحرك فيه بشنط ضخمة.
- أنا مش هسيب شريحة الفلاش.
ردت يارا بقسوة، وهي تسحب الشريحة الرقمية الصغيرة وتضعها داخل الجيب الداخلي المبطن لمعطفها، وتغلق السحاب بإحكام، ثم نظرت في عينيه بتحدٍ صحفي لا يتزعزع:
- ده شغلي، ودي الحقيقة اللي زياد اتقفل عليه باب السجن بسببها. لو خايف عليا بجد خرجني أنا والشريحة دي سوا.
تأملها سليم ثوانٍ، رأى في عينيها ذلك الإصرار العنيد الذي طالما أزعجه وأثاره في آن واحد. لم يستغرق وقتًا في الجدال، بل استل خنجره من غصنه، وهوى به على اللوح الخشبي الأسفل للمدفأة الجدارية، ليرفعه بكتفه القوي كاشفًا عن مربع مظلم يمتد لأسفل الأرض.
قال بنبرة قاطعة:
- انزلي الأول ومتفتحيش أي كشاف لحد ما تلاقيني وراكِ.
استغلت يارا لياقتها وحجم جسدها النحيف لتهبط في فتحة النفق الضيقة. كان الهواء بالداخل باردًا ورطبًا برائحة الطين والحطب العفن، وفي الأعلى أخرج سليم صمام القنبلتين الدخانيتين، وضبط مؤقت إحداهما، وألقاهما ببراعة في منتصف الصالة؛ ليشتعل الدخان الأسود الكثيف وينبعث من فتحات النوافذ المكسورة للكوخ، معطيًا انطباعًا للخارج بأن هناك عملية حرق أو تجهيزًا لاقتحام مسلح.
قفز سليم داخل الفتحة الأرضية، وأعاد سحب اللوح الخشبي فوق رأسهما ليغلق المنفذ تمامًا قبل أن تصله أصوات إطلاق النار الغزير والانفجارات المكتومة التي بدأت تدك أركان الكوخ الخشبي فوقهما.
بدأ الزحف داخل النفق المظلم. كانت يارا تتقدم بخطوات حذرة على أربع، وسليم يزحف خلفها مباشرة، يده اليسرى تحيط بكاحلها كلما تعثرت في الظلام الدامس.
قالت بصوت مكتوم تحت خرير المياه المتسربة من أتربة السقف:
- النفق ده آخره فين؟
- بعد تلاتين متر على خط الجرف الشرفي.
أجابها سليم ببرود تام رغم أنفاسه المتهدجة خلفها، ثم أردف:
- فيه عربية ركنتها هناك من كام يوم للظروف اللي زي دي، بس أول ما نخرج التغطية اللاسلكية هتكون رجعت يعني الشغل الحقيقي هيبدأ.
توقفت يارا لحظة، والتفتت بجسدها بصعوبة تنظر إلى ظله القريب جدًا في الضيق:
- محاسبة مين؟ شريف زهران، ولا أنت، ولا اخويا، ولا أنا؟
- أنا وهو... وأنتِ معانا يا قطتي.
قالها سليم بجمود، ويده امتدت تدفع ظهرها برفق يحثها على الحرك:
- يلا اتحركِ والوقت مش في صالحنا يا يارا، ده مش وقت كلام كتير.
بعد دقائق من التحرك الصعب في جوف الأرض، ظهرت بؤرة ضوء خافتة عند نهاية الأنبوب الحجري. خرجت هي أولًا متدرجة على الركبتين لتجد نفسها بين شجيرات كثيفة غطتها بعض الثلوج عند سفح التلة، وتلاها سليم بسرعة البرق. كان الكوخ في الأعلى يشتعل بالنيران، وصوت المروحية العسكرية المائلة فوق المنطقة يملأ الأفق.
سحبها سليم خلف ساتر صخري ضخم، واستخرج مفتاحًا ذكيًا يفتح أبواب سيارة دفع رباعي مغطاة بشباك التمويه بين الأشجار. صعدا للسيارة وانطلق بها سليم بأقصى سرعة بين الطرق الجبلية الوعرة، مبتعدين عن ألسنة اللهب التي التهمت آخر أثر للبيت الآمن.
__________________
في قصر زهران بعيدًا عن جبال الحدود المشتعلة، وفي أحد أرقى أحياء القاهرة المغلقة، كان الهدوء يسيطر على مكتب واسع ذي إضاءة خافتة وأثاث كلاسيكي فاخر. كان شريف يقف أمام نافذة زجاجية ممتدة من الأرض إلى السقف، يطل منها على حمام السباحة المضاء. كان رجلًا في منتصف الخمسينيات، يتمتع بياقة بدنية ممتازة، شعره رمادي مصفف بدقة، ويرتدي حلة سوداء فاخرة بدون رابطة عنق. في يده كان يحمل كأسًا بلوريًا يُحرّك قطع الثلج داخله بهدوء تام.
انفتح الباب العازل للصوت بخفة، ودخل رجل جاف الملامح يرتدي سترة رسمية يدعى طارق، وهو مدير أعماله. توقف على بُعد خطوات، وقال بنبرة حذرة:
- يا باشا القوة اقتحمت الكوخ ملقيناش فيه أي حد، وبعدها بثواني أتحرق بالكامل.
لم يلتفت شريف. ارتشف جرعة هادئة من كأسه، وقال بصوت خفيض، متزن، ويحمل نبرة ثقة مرعبة:
- والبت الصحفية اللي اسمها يارا الخشاب؟
تردد طارق ثانية قبل أن يجيب:
- الجثث اللي لقيناها جوه تخص رجالتنا اللي بعتناهم في الأول. الكوخ كان فاضي لما النار ولعت. سليم العطار هربها من نفق الخدمة القديم.
توقف شريف عن تحريك كأسه، والتفت ببطء، وعيناه النافذتان تلمعان بذكاء حاد خالٍ من أي انفعال أو غضب ظاهري. سار نحو مكتبه العتيق وجلس على كرشيه الجلدي:
- سليم... طول عمره بيلعب بطريقة السهل الممتنع. فاكر إن حركاته القديمة دي لسه بتخيل عليا.
تقدم طارق خطوة:
- نبعت قوة تقفل الطرق الصحراوية؟ سليم مجروح، والبنت معهاش تليفون.
جلس شريف وأسند يديه على سطح المكتب، وقال بنبرة هادئة تحمل في طياتها خطورة مكتومة:
- لأ. سليم مش هيهرب بيها على حدود ليبيا ومن هناك يطلعها على أي بلد قريبة، هو راجع القاهرة، لإنه عارف إن الحماية الوحيدة للبنت دي هو إنه يفضل جنبها.
ثم سكت شريف للحظة، وضيق عينيه بتفكير أعمق قبل أن يضيف:
- يارا الخشاب لازم ترجع لي حية يا طارق، مش عشان المستندات بس. الشريحة اللي معاها فيها الصفقات القديمة. الصفقات اللي سليم نفسه كان طرف فيها قبل ما يلبس زياد القضية.
ابتلع طارق ريقه، بينما أكمل شريف كلامه، وهو يبتسم ابتسامة غامضة باردة:
-البنت فاكرة إن سليم أنقذ أخوها من الموت، وهي متعرفش إن سليم هو اللي باعه ليَّ من الأول عشان ياخد ثمن حمايتها هي. خليهم يقربوا كل ما يقربوا من الحقيقة، كل ما هيقتلوا بعض بإيديهم.
_____________________
كانت السيارة تنهب الطريق الصحراوي المظلم نحو أطراف العاصمة.
كان الصمت في الداخل ثقيلًا. يارا تجلس في مقعد الراكب، تتأمل الطريق من النافذة، ويدها تضغط بغير وعي على جيب معطفها حيث تستقر الشريحة الرقمية. بين الحين والآخر، كانت تسرق نظرة خاطفة نحو سليم.
كان يمسك عجلة القيادة بيد واحدة، بينما يده الأخرى تضغط على جانبه الأيسر بألم حاول إخفاءه. لاحظت بقعة داكنة من الدم بدأت تتسع على قميصه الأسود تحت سائر السترة.
قالت بنبرة جافة، محاولة التغطية على القلق الذي بدأ ينهشها:
- أنت بتنزف تاني، الجرح اللي في جنبك فتح لما زحفنا في النفق.
لم ينظر إليها سليم، وظلت عيناه مثبّتتين على الطريق المظلم:
- جرح بسيط مش هو ده اللي يعطلنا.
- وقف العربية حالًا.
قالتها يارا بأمر مباشر، وهي تتلفت إليه بالكامل:
- وقف على جنب يا سليم اربط لك الجرح ده واطهره بأي حاجة قبل ما يغم عليك، وأنت سايق بينا.
- ط
ضغط سليم على المكابح بحدة، لتتوقف السيارة على جانب الطريق المهجور بين الكثبان الرملية. التفت إليها بنفاذ صبر:
- قلت لك أنا كويس، أنتِ مركزة معايا ليه؟ ركزي في المصيبة اللي تحت إيدك.
سحبت لفافة شاش طبية من صندوق الإسعافات الأولية الموجود تحت المقعد، واقتربت منه بدون استئذان. رفعت طرف قميصه الأسود بقسوة تكشف عن جرح قطعي عميق في خاصرته ينزف بغزارة.
انقبض وجه سليم بألم مكتوم، وتلاقت أعينهما في مساحة ضيقة جدًا داخل السيارة. تداخلت أنفاسهما، وعادت الحرارة المربكة تفرض نفسها بينهما، لكن هذه المرة كانت مشوبة بشك جديد.
بدأت تضغط بالشاش على الجرح برفق حذر، وقالت وهي تنظر إلى عينيه مباشرة:
- أنت هربتني من الكوخ، وعرضت نفسك للموت. بس لسه فيه أجزاء ناقصة في القصة يا سليم. شريف مش مطاردنا عشان ملف غسيل أموال عادي. الورق ده فيه أسماء حراسات وشركات أمن خاصة كانت بتسهّل له العمليات دي من سنين.
ثبّت سليم عينه في عينها، وجسده يتصلب تحت لمسات يديها:
- عايزة توصلي لإيه يا يارا؟
توقفت يد يارا عن الضغط، وقالت بنبرة قطعت الهدوء:
- اسم الشركاء الأجانب في ملف زياد مش مكتوب، والتوقيع اللي أتمسح من تفويض الحسابات كان بنفس الخط اللي بتكتب بيه ملاحظاتك العسكرية.
تجمّد سليم في مكانه، وساد صمت مرعب داخل السيارة، ولم يتحرك رمش من عينيه. قبل أن ينطق سليم بحرف واحد، أضاءت شاشة التابلو الموصولة بالنظام الإلكتروني للسيارة تلقائيًا، وانطلق صوت نغمة تنبيه خاصة بشرائح البيانات المشفرة.
تطلعت يارا بذهول نحو الشاشة حيث ظهرت رسالة نصية قصيرة، مشفرة ومبعوثة من رقم مجهول موجه لـ سليم العطار مباشرة، كُتب فيها باللغة العربية:
- الدفعة الثانية اتحطيت في حسابك المعتاد يا سليم. سلم البنت والشريحة، وانهي المهمة زي ما اتفقنا مع شريف.
اتسعت عينا يارا بذهول صادم، وتراجعت بجسدها إلى الخلف فورًا، والتصقت بباب السيارة، وعيناها تنتقلان بين الشاشة الواضح بها أثبات الخيانة، وبين وجه سليم الذي استحالت ملامحه إلى حجر أصم.
سحبت يدها من حزام أمانها، ويدها الأخرى اندفعت نحو مقبض الباب، وهي تهمس بصوت مرتعش يقطر ذهولًا وصدمة جديدة:
- أنت... أنت كنت بتلعب بيا طول الوقت ده؟
