روايةبائعة الليمون الفصل الرابع
بعد أيام، عادت رحمة إلى المحطة.
كانت أمها قد تحسنت قليلًا.
أما يوسف، فكان أكثر حماسًا من أي وقت مضى.
قال وهو يرص الأقلام
النهارده هبيع كل اللي معايا، وأشتري لماما عصير برتقال.
ضحكت رحمة.
طيب ركز في البيع الأول يا تاجر.
لكن عندما وصلا إلى الكشك، وجدا شوقي واقفًا في المكان.
كان يتحدث مع اثنين من الباعة، ثم التفت إلى رحمة.
إنتِ رجعتي تاني؟
أجابته بهدوء
أنا ببيع في مكان عم جابر، مش على السلم.
مين سمحلك؟
تدخل عم جابر من داخل الكشك.
أنا سمحت لها، عندك مشكلة؟
ضحك شوقي.
إنت مالك يا جابر؟ المكان مش ملكك.
ولا ملكك يا شوقي.
تغير وجه الرجل.
أنا مش ناقص وجع دماغ.
ثم اقترب من رحمة، وقال بصوت منخفض
لو فضلتي هنا، هخليكي تندمي.
تدخلت أمينة، التي كانت قد وصلت في تلك اللحظة.
التهديد مش حل يا أستاذ. ولو عندك شكوى، تقدر تتكلم مع إدارة المحطة.
نظر إليها شوقي بسخرية.
وإنتِ كمان هتدخلي؟
أنا شاهدة على كلامك، ومن حقي أبلغ لو حصل تهديد.
تجمع بعض الباعة حولهم.
كان شوقي يعرف أن وجود شهود قد يسبب له مشكلة، فابتعد وهو يتمتم بكلمات غاضبة.
لكن قبل أن يرحل، نظر إلى يوسف.
خليك فاكرني يا شاطر.
ضمّت رحمة أخاها إليها.
متخافش منه.
قال عم جابر
إحنا مش هنسيبكم لوحدكم، بس لازم تبلغوا الإدارة لو كرر تهديده.
سألت رحمة بقلق
هو ممكن يأذينا؟
أجاب جابر بجدية
أنا مش عايز أخوفك، بس لازم ناخد بالنا. الخير مش معناه إننا نكون ساذجين.
كانت تلك المرة الأولى التي تدرك فيها رحمة أن الطيبة وحدها لا تكفي.
وأن عليها أن تتعلم كيف تحمي نفسها .
في صباح أحد الأيام، كان يوسف يقف قرب بوابة المحطة، يبيع الأقلام للطلاب.
اقترب منه رجل يرتدي ملابس رسمية، وأمسك صندوقه.
إنت بتبيع هنا؟
أجاب يوسف
أيوه يا أستاذ.
طيب تعالى معايا، هشتري منك كل الأقلام.
تردد الصغير.
لازم أستأذن أختي.
أختك فين؟
أشار يوسف إلى رحمة.
كان الرجل قد بدأ يتحرك، لكنه توقف عندما لاحظ أن يوسف لم يتبعه.
يلا يا ولد، متضيعش وقتي.
اقتربت رحمة بسرعة.
حضرتك عايز إيه؟
عايز أشتري الأقلام كلها.
تحت أمرك، بس هنا في مكاننا.
نظر الرجل إلى الصندوق.
أنا هشتريه منك كله، وتعالي معايا نجيب بضاعة تانية من العربية.
تراجعت رحمة خطوة.
لأ، لو حضرتك عايز تشتري، اشتري هنا.
تغيرت ملامح الرجل.
إنتِ شكاكة ليه؟
مش شكاكة، بس أخويا صغير، ومش هيروح مع حد غريب.
تدخل عم جابر، الذي كان يراقب الموقف.
الراجل عايز يشتري؟ يشتري هنا، يا أستاذ.
نظر الرجل إليهما بضيق، ثم ترك الصندوق وغادر.
ظل يوسف صامتًا.
سألته رحمة
إنت كويس؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم أضاف
بس أنا كنت عايز أبيع الأقلام كلها.
احتضنته.
عارفة يا حبيبي، بس مش كل حد يقول إنه عايز يساعدنا يبقى نيته كويسة.
تدخل عم جابر
وأختك عملت الصح. افتكر يا يوسف متروحش مع أي حد، حتى لو قال لك إنه هيشتري منك حاجات كتير.
أومأ الصغير.
حاضر.
ثم أخرج قلمًا من صندوقه، وقال
طب القلم ده أديهولك يا عم جابر؟
ضحك الرجل.
لأ، خليه ليك. واكتب بيه اسمك كل يوم لحد ما يبقى خطك أحسن من خطى
فرصة جديدة
مرت الأسابيع، ولم تكن حياة رحمة قد أصبحت سهلة.
كانت لا تزال تستيقظ قبل الفجر، وتحمل سلتها، وتبيع الليمون والمناديل.
وكان يوسف لا يزال يبيع الأقلام في الصباح، لكنه بدأ يحضر دروسًا مسائية في مدرسة قريبة، بمساعدة أمينة والجمعية.
أما رحمة، فقد بدأت تحضر فصلًا مسائيًا لتستكمل تعليمها.
كانت تعود إلى البيت منهكة، ثم تساعد أمها، وتراجع دروسها تحت ضوء مصباح ضعيف.
وفي أحد الأيام، قالت لها سعاد
يا بنتي، إنتِ بتتعبي نفسك زيادة عن اللزوم.
ابتسمت رحمة وهي تقلب صفحات كتابها.
أنا بحلم يا ماما.
بتحلمي بإيه؟
نفسي أتعلم كويس، وأشتغل شغلانة ثابتة، وأخلي يوسف يكمل تعليمه، وماما ترتاح.
نظرت إليها سعاد بحنان.
ربنا يحققلك كل اللي نفسك فيه.
قالت رحمة
مش لازم كل حاجة تتحقق مرة واحدة. المهم نفضل نحاول.
في تلك الليلة، عاد يوسف من المدرسة وهو يحمل ورقة.
رحمة! طنط أمينة قالت إن المدرسة عاملة مسابقة كتابة!
رفعت رأسها.
بجد؟
أيوه، وأنا كتبت قصة عن بائعة الليمون!
ضحكت.
بائعة الليمون؟ دي مين دي؟
نظر إليها بخبث.
واحدة أعرفها كويس.
فتحت الورقة، وبدأت تقرأ.
كان يوسف قد كتب عن فتاة تكافح من أجل أسرتها، وعن طفل صغير يبيع الأقلام، وعن أم مريضة تنتظر عودتهما كل يوم.
وفي نهاية القصة كتب
لم تكن أختي تبيع الليمون لأنها تحب الوقوف في الشارع، بل لأنها كانت تحبنا أكثر من نفسها. وكانت كلما تعبت، قالت لي بكرة هيكون أحسن... وأنا صدقتها، لأن رحمة عمرها ما كذبت عليّ.
توقفت رحمة عن القراءة.
رفعت عينيها إليه، فوجدته يبتسم.
عجبتك؟
لم تستطع الكلام.
احتضنته، وبكت.
إنت هتبقى كاتب كبير يا يوسف.
قال الصغير
وأنا لما أبقى كبير، مش هخليكي تبيعي الليمون تاني.
ضحكت وسط دموعها.
طيب هتعمل إيه؟
هشتغل وأجيبلك محل كبير، ونكتب عليه ليمون رحمة.
قهقهت الأم من فراشها، وقالت
ربنا يفرح قلبي بيكم.
