رواية قلوب تلوذ بالكتمان الفصل الثالث
حل الصمت المطبق بينهما لمدة لا بأس بها ….
تابعت هي ملامحه الغير مقروءة بانتباه تام تحاول أن تستكشف أي شيء من خلالها لكنها فشلت في قرائتها حتى وجدته يسأل أخيرا :-
" هل هذه مشكلتك إذا ….؟!"
" أليست هذه مشكلة بالنسبة لك …؟!"
سألته بصوت جاف ليتمتم بصدق :-
" لست رجعيا او متخلفا يا تارا …."
سألت بدهشة صادقة :-
" أنت لا تهتم حقا بكوني متزوجة من قبل … "
قال بجدية :-
" أنا أحترم صراحتك يا تارا … وزواجك لا يقلل منك … "
أضاف بجدية :-
" لكن لدي سؤال … متى تم هذا الزواج فأنت حسب علمي عزباء لم يسبق لك الزواج من قبل ….؟!"
تنهدت ثم قالت :-
" كنت متزوجة قبل دخولي الفن … قبل بلوغي العشرين حتى .. "
توقفت لوهلة تطالع ملامحه التي تتابعها باهتمام وترقب لتضيف بجدية :-
" كان ابن عمي …. لم نستمر طويلا … "
سأل بتردد :-
" هل كان زواجا تقليديا أم …"
ردت بسرعة :-
" بالطبع كان تقليديا … أنا لم أحبه … بل لم أكره سواه …"
تشنجت ملامحها وهي تضيف بصعوبة :-
" كنت مجبرة عليه …"
جذبت قدحها ترتشف القليل من الماء قبلما تهتف بصوت متحشرج :-
" هل تعلم ..؟! أنا لا أحب التحدث عنه حتى ولا تذكر تلك الفترة التعيسة من حياتي …"
ابتسم بتفهم :-
" دعينا منه إذا …"
سأل مضيفا :-
" هل هناك ما تريدين قوله أيضا …؟! أنا أسمعك يا تارا .."
رمقته بنظرات حائرة لوهلة قبلما تخبره بخفوت :-
" أنا حياتي معقدة كثيرا يا خالد والماضي لدي مليء بالقصص والمشاكل … لا أستطيع قول المزيد حاليا لكن …"
تنهدت بقوة ثم قالت :-
" الأفضل أن تبتعد عني فأنا لا اعتقد إن حياتي وماضيي سوف يلائمانك …"
" لماذا تتحدثين مجددا بالألغاز …؟! تحدثي بوضوح … مالذي لا يعجبني بالضبط …"
تابع اضطراب ملامحها قبلما يقول بجدية :-
" الشيء الوحيد الذي قد لا يلائمني بشأنك هو ما يتعلق بالأخلاق يا تارا وبناء على معرفتي بك وما سمعته عنك أكاد أجزم إن أخلاقك لا غبار عليها لذا فأي شيء عدا ذلك لا يهمني …. "
أمام حديثه هذا بدت عاجزة عن قول أي شيء وراقب هو تخبطها بترقب قبلما يتسائل بجدية :-
" ألن تقولي شيئا ….؟!"
ثواني ونطقت بخفوت :-
" الطعام وصل …"
انتبه لمجيء النادل حاملا الطعام لهما …
التزما الصمت حتى رحل ليتفاجئ بها تجذب شوكتها وهي تخبره بجدية :-
" أنا جائعة للغاية والطعام يبدو شهيا …"
ابتسم مرغما بينما أخذت هي تتذوق الطعام متجاهلة كافة الأفكار والمخاوف التي تتخبط داخل رأسها دون توقف …
**
يقف أمام المرآة يتأمل هندامه بإهتمام قبلما يتحرك مغادرا غرفته ومن حسن حظه إن المنزل كان خاليا في هذا التوقيت فلم يجد أحدا في وجهه يعكر عليه صفوه …
وصل إلى النادي الليلي الذي إعتاد أن يسهر فيه وهناك اجتمع مع مجموعة من رفاقه …
كانت أصوات الأغاني الصاخبة تصدح في أرجاء المكان بينما ثائر يتناول مشروبه الكحولي وضحكاته العالية تملأ المكان قبلما ينتبه لوجودها …
وقفت قباله تتأمله بملامح محتقنة غضبا بينما سارع هو يضع كأسه جانبا وينهض من مكانه متقدما نحوها ليسألها بعصبية حالما وصل إليها :-
" ماذا تفعلين هنا …؟!"
ردت بصوت بارد :-
" أتيت لرؤيتك بهذا الوضع المخزي …."
سارع يجذبها من ذراعها يتحرك بها خارج المكان لتصيح به بحنق :-
" اتركني …. "
" هل جننت يا هذه …؟! كيف تأتين إلى هنا …؟!"
سألها بغضب لتهتف بنبرة مستفزة :-
" لماذا أنت غاضب …؟! أين تكمن المشكلة في قدومي لنفس المكان الذي ترتاده أنت بإستمرار …؟!"
صاح بحدة :-
" توقفي عن طريقتك هذه يا سرى … ما تفعلينه لن يجدي نفعا معي …"
" طلقني …."
هدرت بها أخيرا ليطالعها بملامح واجمة قبلما يهدر بعصبية :-
" لا تجني يا هذه …"
" جننت … بسببك جننت … بسبب تصرفاتك الحمقاء …"
صاح بنفاذ صبر :-
" يكفي يا سرى … ماذا تريدين …؟!"
صاحت بدورها :-
" أريد حلا ينهي هذا الوضع الذي نعيشه منذ سنوات … إما أن تضع حدا لنفسك وتتوقف عن حياة اللهو والعبث التي تعيشها رغم مرور سنوات على زواجنا أو تحررني من هذه الزيجة الفاشلة …"
" لا طلاق … انسي هذا الأمر تماما …"
قالها ببرود لتهمس بحدة :-
" ولن تتغير ، أليس كذلك …؟!"
هتف ببساطة :-
" هذا أنا … عرفتني هكذا وأحببتني على هذا النحو …"
" هل تعاقبني على حبي لك يا ثائر ….؟! نعم عرفتك هكذا وأحببتك لكن هذا لا يعني أن أقبل بهذا الوضع بشكل دائم … أنت يجب أن تضع حدا لنفسك يا ثائر … إن لم يكن لاجلنا فليكن لأجل ولدك … ألا يستحق ولدك أن تتخلى عن حياة السهر واللهو لأجله …؟!"
" لا تدخلي الولد بيننا …"
هتف معترضا لتصيح به :-
" بل سأفعل … أنت لا تفكر سوى بنفسك وتنسى إن ولدك يحتاج لأب محترم يليق به …. "
" أنا محترم غصبا عنك …"
صاح بها بغضب لتصيح بدورها بذات الغضب :-
" دعني أرى إحترامك إذا …"
النظرة المشتعلة في عينيه جعلتها تدرك إنها تجاوزت حدا غير مسموح لها بتجاوزه ورغم هذا كانت مصرة على ما تفعله …
لن تتراجع هذه المرة ولن تمنحه المزيد من الفرص …
أخذت نفسا عميقا ثم قالت بحسم :-
" أمامك خيارين لا ثالث لهما … إما أن تتوقف عن هذه الحياة العابثة وتصبح رجلا بحق يليق بي و بولدي أو سأخلعك يا ثائر … سأفعلها هذه المرة … كن واثقا من هذا …"
اندفعت تغادر المكان تاركة إياه يتابع رحيلها بعينين مظلمتين وداخله نيران مشتعلة لا آخر لها …
**
فتحت تارا عينيها حالما صدح صوت منبه هاتفها لتنهض سريعا من مكانها بحماس يسيطر على كل جزء منها …
أخذت حماما سريعا ثم وقفت أمام خزانتها حائرة فيما ترتديه قبلما تختار فستانا أنيقا بسيطا من الشيفون الأزرق الغامق مطعم باللون الزهري فسارعت ترتديه ثم صففت خصلات شعرها بعناية وحرصت أن تتركها حرة طليقة لتمنحها مظهرا جذابا وحيويا للغاية …
تحركت تغادر جناحها متجهة إلى الطابق السفلي وتحديدا إلى المطعم حيث يفترض أن تلتقي به ليتناولان فطورهما سويا …
وجدته هناك بالفعل ينتظرها ليبتسم بهدوء حالما رآها تطل عليه وهو يمنحها نظرة شاملة ألهبت كيانها …
هذا الرجل يجعل روحها تضطرب كليا بنظرة واحدة من عينيه …
يشتت ثباتها كاملا بنظراته …
نهض من مكانه يستقبلها ساحبا كرسيا لها لتجلس قباله وهي تبتسم له بنعومة ليعاود مكانه هو الآخر مرددا :-
" مواعيدك مضبوطة …"
تمتمت بجدية :-
" عملي يتطلب الإنضباط …."
تقدم النادل نحوهما حاملا قائمتي الطعام لهما ليخبره خالد عن رغبته بتناول الفطور الإنكليزي التقليدي وتوافقه تارا …
" أعتقد إنك معتاد على تناول الفطور الإنكليزي دائما …."
" نعم هذا صحيح … "
"هذا متوقع …."
تمتمت بها ليسأل بإهتمام :-
" المعنى …؟!"
ردت بخفة :-
" أنت تشبه الإنجليز كثيرا … في برودهم …"
ابتسم مرغما :-
" هذا من لطفك …"
ضحكت برقة ثم قالت بخفوت :-
" اعذرني لكنني صريحة قليلا …"
" كوني صريحة دائما … أريدك صريحة …"
قالها بصدق لتبتسم بخجل بينما يضيف هو متسائلا :-
" ألن تخبريني أين سنخرج اليوم ..؟!"
" لتكن مفاجأة …"
قالتها بخفة وهي تضيف بحماس :-
" اترك نفسك لي ليوم واحد فقط …"
تمتم بنبرة خاصة :-
" لقد تركتها لك بالفعل …"
توترت لوهلة بينما منحها هو إبتسامة خاصة أربكتها كليا لتشيح بوجهها متأملة المكان حوّلها وهي تخبره :-
" المكان هنا لطيف …"
فهم محاولتها لتغيير الموضوع فهتف موافقا :-
" نعم هو كذلك …"
انشغلا بعدها بتناول الطعام وتبادل الأحاديث حول مختلف الأمور …
ما إن أنهيا فطورهما حتى نهضا متحركين خارج الفندق لتقرر تارا أن تأخذه في رحلة قصيرة لأحيائها المفضلة في لندن حيث فضلت السير على الأقدام وسط الشوارع الواسعة والمتاجر الفخمة تتبادل الأحاديث معه وقد طغا عليها الحماس والمرح بشكل فاجئه قليلا لكن أعجبه بشدة …
كان يجاورها سيرا على الأقدام متأملا حماسها بل إنطلاقها وقد بدت في تلك اللحظة مختلفة للغاية عن تلك الفنانة الشهيرة التي عرفها مسبقا وتعامل معها لمرات قليلة …
كانت تتحدث مثرثرة عن لندن وزياراتها المتكررة لها وعن حبها للتسوق فيها تحديدا …
" لطالما شعرت بها تشبهني …؟!"
قالتها وهي تتوقف جانبا يجاورها هو متسائلا بإهتمام :-
" كيف …؟!"
" ضبابها كثيف لكن يحمل خلفه قصص وحكايا لا آخر لها و تاريخ عريق يجذب الجميع إليها لكن بدوره يخفي أسرارا مخيفة …."
تمعن النظر بملامحها الشاردة تماما في هذه اللحظة ليفاجئها بسؤاله :-
" من يعرف تلك الأسرار …؟!"
طالعته بصمت امتد للحظات قبلما تخبره بخفوت :-
" ما كانت لتكن أسرارا لو كان هناك من يعرفها …"
أضافت ببسمة مريرة :-
" هناك أسرار أخشى البوح بها لنفسي حتى …"
تنهدت بتثاقل بينما ترسم بسمة هادئة فوق ثغرها :-
" دعنا نتحرك … ما زال أمامنا طريق طويل …"
ثم همت بالتحرك عندما أوقفها حديثه وهو يخبرها :-
" ربما يأتي اليوم الذي تجدين فيه من تشاركينه هذه الأسرار .."
ضحكت بخفة ثم قالت بصدق :-
" لا أعتقد هذا …"
" سنرى …"
قالها ببساطة لتبتسم بهدوء قبلما تشير له فجأة :-
" أنا جائعة …"
أضافت بحماس عاد يظهر عليها وقد اختفى البؤس الذي ملأ كيانها قبل لحظات :-
" سآخذك إلى مطعم مميز للغاية سيعجبك …"
ثم جذبته من كفه وهي تخبره :-
" هيا تعال …"
سار خلفها مأخوذا بها وبقدرتها الغريبة على التحول من حال لآخر بهذه السرعة قبلما يتفاجئ بها تدلف معه إلى مطعم آثري قديم يعد الأكلات البريطانية الشهيرة ..
" يجب أن آتي إلى هذا المطعم في كل زيارة لي …. لا أفوت فرصة تناول طعامهم اللذيذ …"
جلس قبالها يتأمل المكان الصغير بإهتمام مفكرا إنه لم يدخل مطعم قديم كهذا مسبقا فهو لطالما ارتاد أشهر وأفخم المطاعم …
سألته وهي تقلب في قائمة الطعام :-
" أنا لدي أطباقي المفضلة .. ماذا عنك …؟! ماذا تريد أن تطلب …؟!٠
تمتم وهو يقلب بقائمة الطعام خاصته :-
" سأطلب مثلك …"
رفعت بصرها نحوه بدهشة لتلتقي عيناها بعينيه التائقتين فمنحته بسمة ناعمة قبلما تشير نحو النادل ليتقدم نحوهما فتطلب منه العديد من الأطباق ….
تأمل خالد الأطباق المرصوصة أمامه بدهشة فتارا طلبت الكثير من الأصناف …
أشارت لها وهي تحمل شوكتها وسكينها :-
" هيا لنبدأ .. بسم الله …"
تأملها وهي تضع القليل من الطعام بطبقها قبلما تبدأ يتناوله بشهية مفتوحة وقد ظهر التلذذ واضحا عليها ليجد نفسه ينساق خلفها ويتناول الطعام الذي وجده لذيذا للغاية …
لم يصدق نفسه وهو يتأمل كمية الطعام الذي تناوله …
في العادة لا يتناول نصف هذه الكمية …
" ما رأيك بالطعام …؟!"
سألته بحماس وهي تضع شوكتها جانبا ليخبرها بخفة :-
" بسببك أحتاج لممارسة الرياضة ضعف المدة المعتادة فلم يسبق لي أن تناولت هذا الكم من الطعام منذ سنوات …"
أخبرته بخفوت :-
" عندما آتي إلى هنا أزيد ما يقارب ثلاثة كيلو غرامات فيغضب طبيبي مني ويعاقبني أشد عقاب … "
أكملت وهي تبرم شفتيها بضيق :-
" أما مدربي فيجعلني أضاعف من تماريني المعتادة …"
ضحك بخفة ثم سأل بجدية :-
" ومالذي يجبرك على هذا …؟!"
أجابت بصدق :-
" أحب الإستمتاع قليلا في رحلتي والخروج عن النظام الصارم الذي أعيش فيه معظم العام …"
أضافت والعبوس يزين ملامحها :-
" فقط أخشى ألا يناسبني مقاس الفستان لحفلة رأس السنة … ستقتلني كارلا حينها …"
تمتم بجدية :-
" كان عليكِ أن تؤجلي مجيئك لما بعد الحفلة …"
أخبرته بصدق :-
" هذا المعتاد … لكنني أردت دعوتك قبل عودتك لتتعرف على المكان … "
أضاف بضحكة ناعمة :-
" كان من المفترض أن أدعوك لمكان فخم يشابه المكان الذي دعوتني به البارحة لكنني فضلت دعوتك هنا فأنا مللت حقا من المطاعم الفخمة …"
" المكان جميل والطعام رائع حقا …"
قالها بصدق لتبتسم بخجل عاد يفتنه بها ليضيف متسائلا باهتمام :-
" إذا لديكِ حفل ليلة رأس السنة هنا …؟!"
" نعم ، إنه حفل ضخم للغاية وسأبدأ التدريب لأجله صباح الغد …"
سألته بعدها :-
" وأنت بالطبع ستعود إلى البلاد قبل رأس السنة لتحتفل مع عائلتك …؟!"
تمتم وهو يسحب كأس الماء خاصته :-
" لا أعتقد ذلك … غالبا سأقضي رأس السنة هنا …"
" لوحدك …؟!"
سألته ليومأ برأسه بعدما ارتشف القليل من الماء ليخبرها بعدها :-
" لدي بعض الأعمال هنا عليّ إنهائها …"
هزت رأسها بتفهم قبلما تخبره :-
" دعنا ننهض إذا ونذهب إلى مقهى قريب منه نتناول به القهوة …. أم إنك تريد العودة إلى الفندق …؟!"
قال بجدية :-
" اتفقنا على قضاء اليوم سويا وأنا عادة لا أتراجع عن أي إتفاق يخصني …"
منحته بسمة هادئة قبلما تشير إلى النادل ليجلب الحساب لهما …
